تعقيب نقدي: رجاء بكريّة
*ضمن مظاهر التميّز لمهرجان "مسرحيد الخامس"، (مسرحيّة لممثّل واحد) حضرت ظاهرة التفريغ كي تؤطّر المشترك بين ما اصطلح على تسميته بالمسرحيديّة النسائيّة الفلسطينية.
وكي تعرّف الخاص في أسلوب تفريغ هذه المونودراما، (تعبيرها النّفسي) تحت التسميّة نسويّة. وأعني هنا مضامين الهجس في المكوّنات الأنثويّة للمرأة وعلاقتها الملتبسة بالرّجل.
ورغم أنّ الظاهرة ليست جديدة على الأعمال المونودراميّة إجمالا، إلاّ أنّني أعتبرها منطقيّة حين تذكر في سياق المسرح النسوي. ذلك لأنّ التفريغ يمتلك مضامين تعبيريّة زخمة هي من خصوصيّات الطابع الأنثوي فغالبا تستطيع المرأة أن تحكي عن الحدث بتفاصيل أكثر دقّة من الرجل وبمشاركة حسيّة لافتة. وهذا تماما ما يسجّله الحضور النسوي في هجسه التعبيري الفردي.
والحاصل أنّ المسرحيديّات النسائيّة الّتي جهّزت القاعات بخطابها الطويل قد أجهزت على سريّة العلاقات الصغيرة بين الرجل والمرأة. ويبدو أنّها جاءت خصيصا لإعلان انتفاضة عارمة على سياسة التكتم. ولعل المرعب في خطّة البوح هذه أنّها جميعا تنفض غبار الخيانة عن العلاقات القصيرة والمزمنة بين الرّجل والمرأة.
ولعلّ السؤال الّذي يلحّ أكثر من سواه يتعلّق بدوافع هذا الإعلان الجماعي للمسرحيّات المشاركات على نفض جراب الصمت. أهو تجاوز لحظي للقوالب الجاهزة الّتي يعدّها المسرح عادة للنّساء، أم أنّه عصيان مبرمج لتوقّعات الخشبة وروّادها؟ ولا بدّ أن نعترف أنّها المرّة الأولى الّّتي نشعر خلالها بأنّ حديث القاعات في معظمه لا يتبدّل مع تبدّل العروض.
ونود في معرض تناولنا لهذه الظاهرة أن نعترف أنّ الأجواء القتاليّة تزكم عقول المتفرجين وأرواحهم. فالمرأة المؤدية تقاتل بين هذه القاعات ظلّها والظلّ الآخر. تحاكم ممارساتها وممارساته. تضحك منهم وعليه، وتبكي دون حد بكاء صامتا حينا وصارخا تارة أخرى لهدف واحد، أن تغسل واقعها من الحقائق دون أن يكون لديها نيّة تلوينه برجال ظرفاء ولا بأحداث لامعة. ومن الجائز إذن أنّ هذا ما يعنينا في شكل رفضها للحالة مهما تكن حيثيّاتها. وإمعانا في إيضاح نوعية هذا التفريغ، ( الهجس) سوف نعرض إلى مسرحيّات عدّة تألقت داخل القاعات.
**الفاعلة التاركة ، التفريغ التعبيري الكامل. نص بالعربية أعدّ للمهرجان.. تأليف: مسعد خلد، تمثيل: سناء لهب. إخراج: نايف خير
تعرض المسرحيّة حالة فتاة بعد موت أمّها وزواج أبيها. تعيش في أجواء مهددة. في أجواء كهذه تحاصرها الذكريات المؤلمة وتسترجع صباها والتغيرات الّتي تطرأ على جسدها. وموقف زوجة أبيها منها، الّتي تمنع الخطاب من طرق بابها. يزداد ظلم الأيّام حين يغتصبها عبد الزير جارهم الّذي تربطه علاقة مشينة بخالتها، حين يستغلّ غياب أبيها وخالتها عن البيت. تظهر البطلة في مونولوج شاك ومعاتب لدمى قطنيّة تنوب عن شخصيّاتها المتخيّلة.
إذا كانت مسرحيديّة جوزفين،(عنات حديد) قد احتالت على الحقائق، ولم تتماثل مع أيّ من المستويين، المستوى النفسي التعبيري والدرامي التعبيري، بحيث أنجزت تفريغا حسّيا نوعيا تداخلت فيه المتعة الحسيّة بقرينتها الفكريّة. فإنها فعلت بالإعتماد على تقنيّة التقطيع المشهدي والتقاطع الصوتي لضمائر الشخصيّات الدّاخلة والخارجة من وإلى المونولوج. بينما سناء لهب في مسرحيديّة "الفاعلة التاركة" لجأت إلى المباشرة على نحو شديد اللهجة. وقد أفرغت كلّ ما تعرفه عن خصوصيّات حكايتها، أو ما تعرفه الحكاية عن خصوصيّاتها، بحيث لم تترك للمشاهد مكانا للمفاجأة، أو للإستكشاف.
ولعلّ هذا الشكل من النصوص الموثِّقة للحدث، والمفرغة لأبعاده الفكريّة والحسيّة أشدّ الأعمال إرهاقا للمسرحي، مؤدّي الدور، والمشاهد. فالنص هنا لا يطمح إلى الإلتفاف على الحقائق، وإلى تسويغ فكرة اللعبة المسرحيّة الّتي تمارسها جوزفين، وامرأة أخرى مثلا، بل تتبنّى تقنيّة الصوت الواحد لبثّ الشكوى، وإعلان ضعفها وانسحاقها التام، وهي خلال فورة الشكوى تنفّذ انتقامها في شخصيّات ميّتة، دمى قطنيّة لا حياة فيها. كما أنّها لا تطمح لإعداد انقلاب نوعي على النص الذي أعد سلفا لمعاناتها.
ولذلك يبدو أنّ الهدف من حضور البطلة أمام جمهورها، التفريغ الحسّي الكامل عبر خطاب تعبيري جاهز مفصّل على مقاسها تتزامن فيه الحركة، الفكرة، والصّوت. ولا بدّ أن نؤكّد أنّ تجسيد فكرة الحوار الإيقاعي مع مونولوج البطلة لم يوطّد حضور الحالة المسرحيّة حين تمّ مزاوجة المستوى الإيقاعي بالآخر الصوتي. فالحضور الإيقاعي في مواقف تزدحم بالكلام والبكاء لا يحتاج للمستوى الغنائي، بينما مواقف التوحّد النفسي قد تحتمل الحوار المغنّى شرط أن يجري من وراء الكواليس. وعلينا أن نتذكّر أنّ منطق التأكيد والحذف، التستر والإنكشاف ضرورة في الفعل الدرامي، وهي تخضع غالبا لانتقائيّة مصدرها المعايشة النفسيّة والتجربة، وقد يكون هذا المصدر قليل الحظ في هذه المسرحيديّة.
وضمن تقنيّة التفريغ التعبيري الكامل:
**سأثير مسرحيديّة "هذه أنا" إعداد: رياض مصاروة، عن رواية آنا كاريننا لتولستوي. تمثيل: ميساء خميس. إخراج: نسرين فاعور
ومنعا للإلتباس سوف نثير فكرة هذا العمل بمعزل عن مرجعها الأجنبي لأنّها تعتبر موقفا شخصيّا صادرا عن المونولوج الأصلي. وعلاوة على كون الخطاب التعبيري المباشر أحد ركائزها فإنّ لغة التعبير تنحاز إلى جهوريّة الصّوت وقوّته. ونعني أنّ مؤدية الدور، "ميساء خميس" تستعيض عن الأداء الدرامي بالحضور الصوتي بين العنف، اللين، والإستجداء. محافظة على قوّة النبرات فيها جميعا. فنحن لا نعايش مستويات الصوت بإيقاعه النفسي بقدر ما نعايش قوّة الصوت وجهد الحنجرة. لكنّ الإمكانات الدرامية وخلافا للمسرحيديّات الأخرى تذوب ضمن المشروع الدّفاعي لآنا كارنينا، ميساء خميس. ولذلك فإنّنا لا نستطيع حتّى أن نصنّف تقنية التفريغ النفسي ضمن الأدوات التعبيريّة.
ومثلما يتشتت المستوى الدرامي يحذو المستوى النفسي الحسّي حذوه. ينطلق الصّوت على غاربه ناهيك عن انشغال اللغة الخطابيّة باختبار مستويات المكان. فالبطلة هنا مشغولة بحضور جسدها ضمن الحيّز المكاني المتبدّل مع تبدّل المواقف والمشاهد. تجرّ صوتها مثلما تجرّ قدميها وأبعاد المكان الّذي تبدأ باحتوائه بدل أن يحتويها بألوان الأقمشة ومسافاتها. وكأنّها ترتبك وهي تنتقي القماشة الّتي تعكس الحالة. تبذل مجهودا جسديّا وهي تذرع المسافة والمساحة. تحاور امرأة لم تعد تسمع نبض إحساسها، فتنظر إلى جمهور القاعة وهو يلتف حولها محتارا أيّ الزوايا ينتقي كي يراها أو تراه جيّدا. تردد مونولوجها غيبا حين تعجز عن ملامسة الجرح. وبين الحيرة والإرتباك يسقط مستوى الدراما الحسّي، بل يذوب تحت الأقدام.
ولا بدّ أن نتذكّر أنّ مونولوج آنا كاريننا يعتمد على المستوى النفسي الحسّي التعبيري قبل أن يعتبر القوّة مرتكزا. والحاصل أنّ استغلال قدرات المسرحية خميس جرى على نحو سيّئء على المستوى الإخراجي. وهذا التخبط العجيب بين الرّكض وخطبة الدّفاع، جرّ الأقمشة والأقدام حرق سحر الحضور وشفافيّة الأداء. فمن غير الممكن أن يرسل البطل لألف مهمّة، ونحن على يقين كامل أنّه سيعود فارغا ما لم تمتلىء مهمّته الحسيّة الأولى تجاه قضيّته. لكنّنا يجب أن ننصف الخطاب واحتفائه حتّى اللحظات الأخيرة بحضوره المفعّل لأبعاد المساحة رغم وحدته ويتمه.
**إمرأة أخرى التفريغ الجزئي التمويهي.. نص مستوحى من نص مونودرامي لغارسيا ماركيز. إعداد وإخراج وتمثيل: سامية بكري
والمضمون يتحدث عن إمرأة في الخمسين، تقف في يوم يوبيل زواجها الفضّي لتراجع سنين زواجها عبر مونولوج درامي طويل مؤلم ومتألّم. وقد دمجت معدّة العمل تجارب نساء أخريات في تجربة بطلة النص الأصلي.
وهذه المسرحيديّة أيضا تقع في نفس الأجواء القاتمة الّتي تتفاعل مسرحيديات النّساء ضمنها، وتحرّض منسوب التفاعل لدى المشاهد معها. وإذا كنت حريصة على تناول هذا العمل ضمن إطار تفرده، فيجوز أن أتحفظ ضمن حرصي هذا على فكرة غزو الفراغ بالصّراخ، وتسويغه كآليّة دفاعيّة عن شريط من الوقائع الّتي تمسح علامات الأنوثة وتمنع شروط تحقّقها. كان يجب أن تتنازل عن هذه التقنية لصالح حضور البطلة.
ونعتقد أنّ تقنيّات التفريغ يجب أن تتسرّب من البوابة الخلفيّة للنّص الممسرح، ولا بدّ لهذه التقنيّات أن تبهر المشاهد وتثير مخيّلته لحظة انكشافها الأولي أمامه. فالجمهور غالبا مساحة جاهزة للإحتلال الحسّي بالدرجة الأولى، وعلى المسرحي، مؤدّي الدّور، أن يكون واعيا لهذه الحقيقة كي يتحقّق ممّا يعدّه لهذه المواجهة.
ولعلّني إذ أستحضر جوزفين، (عنات حديد) فلأجل أن أعرض نموذجا قاوم الخطابيّة والمباشرة كي يصنّع مادّة نوعيّة في أسلوب تفريغ الهواجس. فالذّات في هذا العمل تجتذب الخصوصيّة بقدر ما تهرب منها كي لا يراوح المشاهد أفكاره ومكانه. وقد يذهب إلى أماكن كثيرة وهو يتابع ذيل السمكة وكلام فمها كمهبط للتفريغ. وأعني بالتّصنيع النوعي للمونولوج الّذي عرضته البطلة، (سامية بكري) في "إمرأة أخرى" تثوير مستوى الدراما النفسيّة الحسيّة أكثر ممّا فعلت على المستوى الدرامي الجسدي، وهذه الميزة تتقاطع مع الدراما النفسيّة لجوزفين بفروقات أسلوبية خاصة بالتجربة التعبيرية عند كليهما. فأدوات التفريغ الحسّي تلجأ هنا إلى دعم المونولوج النّفسي الطويل لأنّ المعاناة ذات مرجعيّة نفسيّة. لكنّ سامية بكري تنقذ خطابها من المباشرة عبر طرحها المضموني الجديد عن ومن المرأة، بل وتفرد مساحة واسعة لتفاصيل تسحبها بتلقائيّة من حافظة ذكرياتها. كأنّ الذّاكرة تستحيل هنا إلى حافظة تدبّس فيها الخيانات كما تدبّس قطع النقود الورقيّة. يضاف إلى ذلك دمجها الذكي والمرن للتّجربة الذّاتيّة بالنّص المسرحي الماركيزي، حتّى يخيّل للمشاهد أنّه نص واحد ولا فصل بين النّص الأصلي والمدمج فيه، بين الشّخصي والعمومي. والواضح أنّ الدراما لديها باطنيّة تنطلق من مضامين النّص وكثافة أحداثه.
وقد تمكّنت بكري ضمن هذه المرونة الحسيّة أن تحتكر فكر المشاهد أيضا. وقد يخيّل إلينا أنّ النّساء في مسرحيديّة هذه المرأة إمرأة واحدة أو أنّ المرأة في جسد عدّة نساء. كلّ هذا يجري ضمن حرص واضح على حضور الإيقاع الصّوتي والغنائي كلّ على انفراد. ثمّة معايير تعرف بكري كيف تزاوجها وتفصلها بقدر الحاجة. فلا توجد مقادير زائدة عن حاجة المونولوج. وهي تتحفظ على الخيانة وتعتقها بنفس السهولة الّتي تخرس فيها غناء عصفور وتحرّره بضغطة إصبع، كأنّ الحرام والمحرّم في لحظة البوح تلك ضرورة فكريّة لنسيج الحدث وليس ضرورة نفسيّة لتفريغ الهجس. تأخذنا إلى اللعبة بمثل ما تعيدنا إلى الجد، وتعنّف ما نعرفه عن الصدق بين رجل وامرأة.
ولا بدّ أن نعترف أنّ هذا التمكن من أبعاد الشّخصيّات ومرونة دفعها بمستوياتها الدرامية، الفكريّة، والحسيّة إلى مساحة العرض يتألّق لدى مؤدية هذه المسرحيّة كما لم ألاحظه لدى مؤديات كثر. فهي تدفع شخصياتها بزخم ومرونة ملفتين. والأهم أنّ بكري تحيل التداخل بين شخصياتها الخفيّة والمعلنة إلى لعبة دراميّة تتشاكس فيها الأصوات، تتصالح، تتقاتل بنفس القدر من التوازن والإختلال، لأنّ الإختلال يصحّ أن يعتبر في عمل كهذا توازنا. وبكري حين تفعل تميل إلى تمويهنا بقدر ما تشتغل على قناعاتنا بصدد نسبة الحقيقة والكذب في مادّة الدراما.
**يمكن بكرا، التفريغ السردي التجريدي.. كتابة وإعداد: ياعل روزان، ترجمة وتمثيل: إلهام عرّاف، إخراج: أوسنات شنك يوسف
تتحدّث حنان في هذه المسرحيديّة عن اختيارها الأوّل في جيل السابعة عشر. اختارت رجلا اعتبرته هدية الحياة لها. واعتقدت أنّ كل شيء تحت سيطرتها. لكن حدث شيئ غير متوقع في علاقتها بتلك الهدية. تكتشف حقيقة ذلك الرجل، وتعيش تفاصيل مؤلمة معه. وهي تستعين بالحكمة والشّجاعة كي تتجاوز هذه المحنة. عن تفاصيل هذه التجربة يصدر خطاب المرأة.
على صعيد هذه المسرحيديّة لجأت إلهام عرّاف إلى تقنيّة التفريغ السردي. فهي لم تؤدّ دراما، بل حكت حكاية، ولم تجتهد في لبس هذه الحكاية. بل بقيت خارجها وسردتها ضمن آليّات محدودة. ولسنا على يقين أنّ هذه المونودراما بالقالب الّذي خرجت عليه قد استغلّت العلاقة بين الحيّز المكاني ومواهب البطلة كما يجب، بل خيّل إلينا أنّ محدوديّة المكان قد شكّلت ذريعة لمحدوديّة الأداء. كما يشهد العمل غيابا للعوامل الّتي ستدعم الفكرة الدراميّة على صعيد توتير العلاقة بين مساحتي العرض والجمهور. ويجب أن نضيف أنّ أسلوب تفريغ الحكاية لا يجتهد في طرح المستوى التعبيري الحسّي، لذا فهو يخرج مجرّدا يوثّق السياق السردي بحدث وموقف مرسومين في مخيّلة البطلة وحدها.
هذا النوع من التفريغ الحدثي يستثني المستوى التعبيري رغم شدّة حاجته إليه لتأكيد مستوى المشاركة النفسيّة للبطلة مع ثوابت عالمها وجمهورها. ثمّة خلل في تماثل البطلة الحسّي مع الحالة المسرحيّة عبر مونولوجها الدرامي. فلا هي وفقت بين ضمائر شخصيّاتها الغائبة ولا فرضت صوتها الدّاخلي من خلال مونولوج تعبيري واقعي. لم تصلنا غير مواقف مجرّدة من أزمة حدث.
والحاصل أنّ ما استعرضته من النماذج المسرحيديّة قد أحدثت مجابهات على مستويي العرض والمشاهدة. وهذا باعتقادنا يشكّل فاتحة لما قد نصطلح على تسميته بالمونودراما النسويّة. وصحيح أنّها لا تزال في أطوارها الأوليّة وتنحو أساسا منحى التفريغ التعبيري الواقعي ذلك لأنّ مرجعيّاتها المعايشة اليوميّة والقهر الذكوري لتكوينها الأنثوي. لكن علينا أن نتذكر أنّ هذا القهر يولّد هواجس لا نهائيّة لمادّة مسرحيّة مستقبليّة يجب أن يأخذها الواقع المسرحي بجديّة. وتذكّروا أنّ السنوات القادمة ستكون مسرحا لهذا الإستشراف.