|
اغتيال عرفات
باريس - بشير البكر:
يعتبر الصحافي “الاسرائيلي” يوري دان أحد
اكثر الصحافيين قربا من رئيس الوزراء “الاسرائيلي” السابق ارييل شارون،
فهو تعرف إليه منذ الخمسينات ورافقه وصادقه منذ ذلك الوقت، وحتى أيامه
الأخيرة. ومن موقع الصداقة الحميمية باح له شارون بالكثير من الاسرار
الخطيرة والمهمة، ومنها بالخصوص قراره بتصفية الرئيس الفلسطيني ياسر
عرفات، بعد أن رفع الرئيس الامريكي جورج بوش سنة 2002 مظلة الحماية التي
كان يضعها لعرفات. هذا بالاضافة إلى موقفه من “اتفاق أوسلو”، الذي قرر
احباطه بشتى الوسائل. ويقدم الكاتب هنا معلومات جديدة على هذا الصعيد
تتعلق بموقف شارون من اغتيال رابين، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية سنة
2000.لقد سجل دان هذه الاسرار والاعترافات في كتاب، صدر حديثا بالفرنسية
عن دار “ميشيل لافون” تحت عنوان “ارييل شارون: أحاديث حميمية مع يوري
دان”. ومن المصادفات ان هذا الشاهد، رحل في الوقت الذي صدر فيه كتابه في
حين ان شارون لا يزال يرقد في غيبوبة.
يعتبر الكتاب مزيجا من السيرة الذاتية والاحاديث الصحافية الخالية من
التكلف والمجاملات الرسمية، لأنها تمت بين صديقين، وليس فقط بين مسؤول
وصحافي، لذا يعتبر من هذه الزاوية عبارة عن شهادة تاريخية ليس على حياة
شارون فقط، بل على ما عاشته “اسرائيل” منذ سنة 1948. ويحتل الجزء المتعلق
بموقف شارون من “اتفاق اوسلو” حتى رحيل عرفات اهمية خاصة. لأنه يكشف
الاسباب الخفية والابعاد غير المنظورة، للتطورات التي حصلت على صعيد
القضية الفلسطينية خلال العقد الأخير. تركز الحلقة الثالثة على بدء رئيس
الوزراء “الإسرائيلي” السابق ارييل شارون، تنفيذ قراره للحد من حرية
عرفات وحركته السياسية، تمهيدا لعزله ومن ثم الانقضاض عليه، وتصفيته
سياسيا وجسديا. وكما هو واضح لم تكن معركة شارون سهلة، فقدرة عرفات على
المقاومة كبيرة في ظل انتفاضة كانت تتصاعد، لذا احتاج شارون الى دعم
الولايات المتحدة، وتمكن خلال فترة وجيزة جر الرئيس الأمريكي على ارضية
موقفه.
بعد عودة شارون من الولايات المتحدة كان هاجسه الاساسي ترجمة الموقف
السلبي، الذي انتزعه من الرئيس الأمريكي تجاه عرفات، فبدأ يوظف كل مجريات
الصراع مع الفلسطينيين في هذا الاتجاه. وقد كانت البداية أن شارون اتخذ
ذريعة من عملية 12 كانون الأول /ديسمبر الانتحارية في القدس التي ادت الى
سقوط 11 قتيلا و 27 جريحا، وقرر بذلك ان يبدأ الحد تدريجيا من تحرك
الرئيس الفلسطيني، وكان اول قرار اتخذه هو منعه من الذهاب الى مدينة بيت
لحم لحضور الاحتفال السنوي بعيد ميلاد السيد المسيح ليلة الرابع والعشرين
من كانون الأول /ديسمبر. قرر عرفات أن يتحدى القرار، وصرح من “المقاطعة”
انه سيذهب لحضور الاحتفال كعادته منذ سنة ،1994 حتى لو اضطر للسير على
الاقدام. ورد شارون انه “لن يذهب الى بيت لحم، هو ليس مسيحيا. وإذا أراد
الصلاة فليذهب الى مسجد رام الله”. ويقول الكاتب ان شارون شعر بالخوف من
ان ينفذ عرفات تهديده ويقوم بالذهاب الى بيت لحم، فيظهره بمظهر الضعيف
غير القادر على منعه من الحركة، لذا اعطى اوامره بأن تقام الحواجز،
وتنتشر الاجهزة الامنية وتراقب جيدا. ويقول الكاتب ان قضية سفينة الاسلحة
“كارين 2” التي اوقفتها البحرية “الإسرائيلية” في عرض البحر المتوسط في
الرابع من كانون الثاني/يناير سنة ،2002 قد ذهبت بباقي مصداقية عرفات لدى
الرئيس الأمريكي. ورغم ان عرفات نفى ان تكون للمنظمة صلة بشحنة الاسلحة
التي ادعت “إسرائيل”، انها شحنت لصالح المنظمة من ايران، فإن شارون نجح
في اقناع بوش بالتهم التي ساقها ضد عرفات وأعوانه، ومع ان مدير ال”سي آي
إيه” جورج تينت كان ميالا إلى رواية عرفات والرسالة التي وجهها الى بوش،
يشرح فيها موقفه من القضية التي رتبتها الاجهزة “الإسرائيلية” من الألف
إلى الياء، فإن بوش اعتبر ان عرفات يسخر من ذكائه وتبنى موقف شارون.
ويؤكد الكاتب انه اعتبارا من هذا الحادث اصبح عرفات من دون مصداقية في
نظر البيت الابيض، وبدأت الادارة الأمريكية تغير تعاملها وتحد من
اتصالاتها وقنواتها مع اجهزة سلطته.
عرفات “أوت”
وابتسامة شارون
ويكشف الكاتب ان قادة الجيش والامن الداخلي
والموساد، قرروا وضع عرفات في طائرة هيلوكوبتر ورميه على الحدود مع مصر،
وذلك بعد العملية الانتحارية التي استهدفت فندق ناتانيا وقام بها انتحاري
متنكر في زي امرأة، وادت الى مصرع اكثر من 20 “إسرائيليا” ليلة الاحتفال
الديني اليهودي. بل ان بعض قادة الاجهزة الامنية والعسكرية طالب بتصفيته
جسديا. ويضيف الكاتب، لكن شارون التزم أمام بوش ألا يمس حياة عرفات. وقد
كان يقول لي: ان علاقة الثقة بيني وبين بوش قائمة على قاعدة بأن كلاً منا
يحترم تعهداته. ولولا ذلك لكانت المقاطعة دمرت منذ زمن وتحول عرفات الى
متشرد”.
ويقول الكاتب امام كل هذه الاعتبارات لم يكن هناك بد من ارسال المدرعات
والبلدوزرات، وقبل نهاية الاجتماع كانت قد اصبحت على ابواب رام الله،
وتمركزت المدرعات في وضعية تمنع رجال عرفات من مغادرة المقاطعة او
دخولها، وشرعت البلدوزرات في تدمير المباني الادارية المحيطة، ولم يبق
لعرفات إلا مكان صغير يحتمي فيه خلف اكياس من الرمل، وتحت حراسه بعض
مرافقيه.
ويوضح الكاتب، ان العملية التي شكلت تحولا في موقف الادارة الأمريكية، هي
عملية تفجير الباص في القدس في 18 حزيران /يونيو ،2002 والتي جاءت بعد
اجتياح شارون لمناطق الحكم الذاتي ومجازر جنين. وقد زار شارون مكان
العملية وصورته عدسات التلفزة، وهو يبدو عليه الغضب الشديد والحزن. ويضيف
الكاتب انه اتصل بالبيت الابيض ووضعه في صورة الموقف، وعبر للمسؤولين
الأمريكيين انه لايعتقد بإمكانية حصول تغير جذري في استراتيجية عرفات
الارهابية، في اتجاه التهدئة. ونقل عنه قوله لمستشارة الأمن القومي
كوندوليزا رايس “عرفات بالنسبة لي صار متجاوزا”. ويضيف الكاتب، ان شارون
لم يكرر ذلك فالرسالة وصلت الى الإدارة الأمريكية، التي ردت بأنها سوف
تتخذ موقفا هاما خلال أيام. ويقول انهم سربوا لشارون انهم سوف يعيدون
النظر بموقفهم من الدولة الفلسطينية، وسوف يضعون شروطا على قيامها. ويقول
الكاتب بعد عدة ايام كان شارون يشاهد على التلفزيون وقائع المؤتمر
الصحافي الذي عقده الرئيس بوش في البيت الابيض، والذي قال فيه “يعيش
مواطنو الشرق الاوسط منذ وقت طويل وسط الموت والخوف. إن السلام يتطلب
قيادة فلسطينية جديدة مختلفة، لكي تقوم الدولة الفلسطينية. أدعو الشعب
الفلسطيني لانتخاب قيادة جديدة، قادة ليسوا على صلة بالارهاب... وحين
يصبح لدى الفلسطينيين قيادة جديدة، ودستورا جديدا، وقواعد جديدة للأمن مع
جيرانهم، سوف تساندهم الولايات المتحدة من اجل اقامة الدولة الفلسطينية”.
ويوضح الكاتب، إن المسألة واضحة : إذا كنتم تريدون دولة اخلعوا عرفات.
ووضع بوش شروطا أخرى منها الوقف الكامل للاعمال الارهابية، وتفكيك البنى
التحتية للإرهاب، واجراء اصلاحات اقتصادية لمواجهة الفساد داخل السلطة
الفلسطينية، واجراء انتخابات “عادلة وتعددية” ووضع دستور ديمقراطي.
ويقول الكاتب، ان شارون ابتسم في نهاية الأمر، لقد حققت الولايات المتحدة
امانيه، واصبحت الاولوية بالنسبة للرئيس بوش هي اخراج عرفات من المعادلة.
لقد بات عرفات خارجا بعد ان كان متجاوزا. ليس هذا سوى احقاق للحق، فقد
خدع عرفات رابين وبيريز وكلينتون في حديقة البيت الابيض في 13
سبتمبر/أيلول ،1993 هذا ال “سلام الشجعان” سماه شارون “سلام المقابر”.
بالنسبة لشارون. لقد انهى خطاب بوش التاريخي، الارهابي الذي واجهه قبل
عشرين سنة في بيروت. ويكشف الكاتب ان اعادة التوجه الأمريكي هذا الذي حصل
في 24 يونيو سنة ،2002 يعود الفضل فيه إلى التدخل الذي قام به رجل
الاعمال اليهودي الأمريكي “ارييه جينجر”، الذي تمكن من اعادة ربط الصلة
بين شارون والأمريكيين. ويؤكد الكاتب انه تدخل في تفاصيل خطاب بوش الذي
اعتبر فيه عرفات خارج اللعبة. لقد سافر جينجر الى العاصمة الأمريكية
وناقش مع فريق بوش كل كلمة في الخطاب، وكان على اتصال هاتفي مع شارون
لمناقشة كافة التفاصيل. وقد قال شارون ان النص الذي اذاعه بوش امين كليا
الى النسخة التي تم النقاش من حولها. لايمر الكاتب على قرار شارون منع
الرئيس الفلسطيني من الحركة وحجز حريته، بل يركز على قرار عزله سياسيا
بالاعتماد على الولايات المتحدة بالدرجة الأولى. وكانت النتيجة الأولى
لذلك هي الاجتماع الذي انعقد في الاردن في الرابع من يونيو سنة ،2003
والذي اقرت فيه “خارطة الطريق”، وغاب عنه عرفات وحضره رئيس وزرائه محمود
عباس (أبو مازن). ويقول الكاتب، ان شارون حصل من بوش على تعهد بأن ينص
خطابه في هذه المناسبة على أن ““إسرائيل” دولة يهودية” تعيش إلى جانب
دولة فلسطينية. ويضيف انه قد سبق هذا المؤتمر بأسبوعين تسجيل “إسرائيل”
14 ملاحظة على خارطة الطريق، وقد أخذتها الولايات المتحدة بعين الاعتبار.
إن الطريف في الأمر هنا هو ان الكاتب يعتبر “خارطة الطريق” نوعا من الضغط
على شارون، ويجيب شارون على ذلك بقوله ان ما دعاه إلى قبول الاقتراح
الأمريكي(خارطة الطريق) هو مساعدة إدارة بوش في معركتها الصعبة لإقامة
الشرق الاوسط: السلام والديمقراطية، والنضال ضد الارهاب. والسبب الثاني
هو ألا يلقي العرب مسؤولية فشل عملية السلام على “إسرائيل”. والسبب
الثالث، هو ان واشنطن أخذت ملاحظات “إسرائيل” في عين الاعتبار. لكن شارون
الذي لايريد السلام مع الفلسطينيين كليا، ما إن تمكن من فرض الحصار التام
على عرفات، حتى بدأ يتهرب من احترام تعهداته، ويبحث عن ذرائع يعلقها على
ظهر ابو مازن. ويقول الكاتب ان شارون قرر ان يرمي الكرة في ملعب رئيس
الوزراء الفلسطيني من أجل امتحانه. واذا كان هذا يريد السلام فإن
الفلسطينيين لن يجدوا بعد وقت افضل من شارون شريكا للتقدم، على الطريق
الذي تم رسمه من خلال خارطة الطريق. ولكن ما حصل يوم السبت في 17
أيار/مايو دفع شارون للتساؤل، عما اذا كان عليه ان يلغي موعده المقرر مع
ابو مازن في التاسعة والنصف في القدس، حيث قام أحد عناصر حركة حماس
بتفجير نفسه في شارع في الخليل. ويواصل الكاتب، كان ابو مازن مرفوقا
بأحمد قريع (ابو علاء) ومحمد دحلان. ومنذ وصوله عبّر شارون عن انزعاجه من
العملية الانتحارية الاخيرة، التي ادت الى مصرع عائلة يهودية، وطالب
السلطة الفلسطينية بحل المنظمات الارهابية ومصادرة الاسلحة غير الشرعية،
وذلك كخطوة أولى من أجل تطبيق خارطة الطريق. وخلال ثلاث ساعات كان ابو
مازن ورفيقاه يرددون نفس اللازمة: يجب على “إسرائيل” ان تقر رسميا خارطة
الطريق قبل كل شيء. ويقول الكاتب ان شارون رد بأنه، كان قد سبق له أن
وافق رسميا على مشروع بوش في 24 يونيو سنة ،2002 الذي يدعو فيه إلى
“دولتين لشعبين” في ختام عملية السلام. وانتهى اللقاء بأن وعد شارون ابو
مازن باستئناف الحديث بعد عودته من واشنطن، التي كان من المقرر ان يزورها
بعد ثلاثة ايام، ولكن رياح الاحداث هبت في وجهة مختلفة، لأن العمليات
الانتحارية تواصلت في القدس والعفولة. ولكي يواصل شارون سياسة الهرب من
أي التزام فعلي فإنه عاد ليتحجج بعرفات، وقد قام في هذا الوقت بإرسال
مدير مكتبه دوف فاسيغلاس على عجل الى واشنطن، بعد “فبركة” قضية جديدة
شبيهة ب “كارين2”، ومفادها ان البحرية “الإسرائيلية” اعترضت مركب صيد
(أبو موسى) الذي كان في طريقه من بيروت الى قطاع غزة، وعلى متنه خبير من
حزب الله متخصص في تركيب وتصنيع المتفجرات. واكتشفت الاجهزة
“الإسرائيلية” ان المسألة مرتبة مع مساعدي عرفات، مما يدل على ان عرفات
قرر تخريب حظوظ نجاح ابو مازن من خلال متابعة التفجيرات. ويقول الكاتب ان
هذه المعلومة التي اكدتها المخابرات الأمريكية اعادت جو التوتر من جديد:
عرفات، كتائب شهداء الاقصى، حماس، الجهاد الاسلامي، يعملون جميعا على منع
انطلاق عملية السلام. ويضيف الكاتب، انه مع تبادل وجهات النظر على هذا
المستوى مع البيت الابيض، تلقى شارون وعودا بأن الولايات المتحدة سوف
تراقب تنفيذ خارطة الطريق من دون الأخذ بوجهة النظر الاوروبية
والبريطانية، التي تعتمد المطالب الفلسطينية. وسوف يتحفظ الأمريكيون في
ما يتعلق بالقضايا الامنية ولن يقبلوا بأي تدخل دولي على هذا الصعيد.
وتعهد بوش ان ينظم في وقت قريب لقاء ثلاثيا مع شارون وابو مازن. ومن
اللافت هنا حسب معلومات الكاتب هو ان بوش أراد بعد حرب العراق ان يعطي
اسمه لمبادرة سلام بين “إسرائيل” والفلسطينيين. ويتابع الكاتب: وفي 25
مايو اقرت الحكومة “الإسرائيلية” خارطة الطريق، وكانت نتيجة التصويت 12
صوتا مقابل 7 اصوات معارضة و4 اصوات ممتنعة عن التصويت، وذلك لأول مرة في
تاريخ “إسرائيل” يجري التصويت على قيام دولة فلسطينية. وقد جاء خلال
ولاية شارون الثانية بعد ان اجرى انتخابات مبكرة، وفاز فيها مرة اخرى في
28 يناير 2003. ويؤكد الكاتب ان شارون يعتبر ان اتفاق اوسلو لم يعد
موجودا منذ أن وصل الى رئاسة الوزارة في سنة ،2001 وينقل عنه قوله “ليس
هناك أي سبب يدفعنا لتقديم هدايا للفلسطينيين، مهما كان الأمر. لقد تم
تحديد الامور بين “إسرائيل” والولايات المتحدة قبل خطاب بوش في مايو
،2002 ونحن اتفقنا على الطريقة التي سوف نواصل بها المفاوضات. وهدفنا من
ذلك التوصل الى اتفاق”. ويضيف الكاتب على لسان شارون “ان اتفاقات اوسلو
انتهت الى الفشل منذ البداية بسبب تعقيداتها، لقد كان حظها الوحيد من
النجاح متعلقا في تطبيقها بدقة، ولكن الحكومات “الإسرائيلية” فضلت اغماض
العيون... فحصلت في نهاية الأمر على تصاعد الارهاب، ولكننا بإحساس
بالمسؤولية استطعنا ان نوقف هذه الموجة، وقد اقتنع الفلسطينيون اكثر
فأكثر انه من المستحيل تحطيم “إسرائيل” من خلال الارهاب، وان ياسر عرفات
مسؤول عن ديمومة عذاباتهم”. ويضع شارون سقفا وحدودا جديدة لأي اتفاق قادم
مع الفلسطينيين، ويشترطه بقدرة ابو مازن على السيطرة على الموقف. ويرى ان
المعركة التي تدور الآن ليست سهلة، واذا لم يمتلك ابو مازن كافة
المؤهلات، واذا استمر عرفات يمسك بطرف الخيط، فإن حظوظ التوصل إلى اتفاق
سوف تكون ضئيلة جدا.
تصفية عرفات
يقول الكاتب في فصل معنون ب”موت عرفات”،
“انه في 14 نيسان/ابريل سنة ،2004 تمكن شارون اخيرا من التحلل من الوعد
الذي قطعه للرئيس الأمريكي جورج بوش سنة 2001: عدم مس ياسر عرفات”. ويشير
الكاتب الى ان شارون كان في البيت الابيض، حين طلب منه الرئيس جورج بوش
ترك مصير القائد الفلسطيني، في يد العناية الإلهية. ولكن شارون اجاب، نصف
جاد ونصف مازح: إن العناية الإلهية تحتاج إلى مساعدة في بعض الاحيان”.
بقي بوش غير مكترث، دون ان يعطي لشارون الضوء الاخضر من اجل تصفية عرفات،
ولم يبحث في نفس الوقت ان يفرض عليه التزامات جديدة.
ويواصل الكاتب: ولكن بوش كان في كل الحالات قد “رمى” عرفات من الخارطة
السياسية، حين اثار في خطابه في 24 يونيو سنة ،2002 الضرورة القصوى
لقيادة فلسطينية جديدة تكون غير “متهمة بالارهاب”. ونصح الفلسطينيين في
تلك المناسبة ب “التخلص من رئيسهم التاريخي”.
ويواصل الكاتب “ولدى الخروج من البيت الابيض سارع شارون بإعلام الصحافيين
“الإسرائيليين”، بأنه يعتقد بأنه صار في وسعه الآن التصرف بحرية في ما
يتعلق برئيس السلطة الفلسطينية. واكد نيته صراحة بأنه سوف يتحرك في هذا
الاتجاه، ليوجه ربما الانذار الأخير لعرفات”. ويضيف الكاتب انه في
“إسرائيل”، كما في خارجها، هناك الكثير من المعلقين الذين تحدثوا من دون
لبس عن “حرب العجوزين النزقين”. وبالنسبة لهؤلاء “الخبراء” يكفي ان يختفي
شارون وعرفات من المشهد السياسي، حتى يأتي قادة آخرون بالسلام. ويقول ان
هذا التحليل يثير غضب شارون الى الدرجة القصوى، في الوقت الذي تقدم اجهزة
الامن “الإسرائيلية” في صورة منتظمة البراهين على استمرار عرفات في تمويل
المنظمات الارهابية، وحتى ادارة بعض التفجيرات مباشرة. إن من يحمل اليوم
صفة رئيس السلطة الفلسطينية، والرئيس السابق لفتح لم يتخل ابدا عن
استراتيجيته الارهابية. ويضيف الكاتب، إن شارون يظل وفيا للرأي الذي
أبداه في سنة 1988 خلال الانتفاضة الأولى: هناك فرق بين العدو والمجرم،
نصنع السلام مع عدو، ولكننا نطارد المجرم حتى النهاية، مثلما فعل الحلفاء
خلال الحرب العالمية الثانية تجاه هتلر، لقد حاصروه في مخبئه في برلين،
حتى بعد اقتراحات وقف اطلاق النار، التي جاءت من قيادة الاركان النازية.
ويضيف الكاتب ان شارون الذي شعر بالقوة بفضل المساندة التي جاءته من
حليفه على الضفة الاخرى من الاطلسي، رد بقوة على عملية تفجير باص في تل
ابيب ادت الى مقتل اربعة اشخاص في ايلول/سبتمبر في سنة ،2003 بأن سارع
لإرسال البلدوزرات لهدم جزء من المبنى الرئيسي للمقاطعة، وذلك في الوقت
الذي سارع فيه بعض المثاليين من اليسار “الإسرائيلي” مثل يوري افنيري،
ليقوموا بدور “الدرع الانساني” لحماية عرفات. ويقول الكاتب انه في تلك
اللحظة كان رئيس السلطة الفلسطينية ما يزال يتمتع بدعم الاتحاد الاوروبي
ووزارة الخارجية الأمريكية، وكان الديبلوماسيون الأمريكيون يبدون قلقهم
من شائعات كانت تتردد، حول مشروع لاعتقال عرفات داخل مقره. ويواصل
الكاتب: انه خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب ضد الارهاب الفلسطيني،
كان شارون يقول انه يأمل بأن يرجع ليصبح قائد وحدة كوماندوس خاصة، ليقوم
باحتلال “المقاطعة”. ويقول الكاتب انه بعد عملية انتحارية كانت دموية على
نحو خاص، سألت شارون لماذا لايقوم بطرد عرفات، أو على الأقل أن يقدمه
للعدالة بسبب نشاطاته الارهابية؟. وأجاب شارون: هل تريد حشدا من المحامين
الاوروبيين يحط في القدس للدفاع عن هذا المجرم؟. ويواصل الكاتب، وسألته :
ولكن ما العمل؟ لانقتل عرفات ولا نطرده، هو يحتفظ اذن بحصانة مطلقة؟.
ويقول ان شارون اجابه: دعني اعالج الامور بطريقتي.ويضيف الكاتب: إن ذلك
أمر غير معتاد في ما بيننا، لقد قطع محادثتنا على نحو مفاجئ. ولكنه اعتذر
لاحقا. ولكنه يعترف في مكان آخر ان شارون “كان على الدوام رجل اسرار، حتى
معي، رغم صداقتنا الطويلة الامد، وخلال محادثاتنا اذا طرحت سؤالا يتعلق
بالنظام العسكري أو السياسي كان يقاطعني قائلا: أرى آذان الصحافي تشرئب،
وعيونك تلمع، ولكن ما أقول لك يجب أن يبقى ما بيننا”. ويوضح ان قاعدة
شارون الاساسية هي “إن السر الفعلي يظل سرا، يجب ألا يكشف لأي شخص، حتى
مابين الانسان ونفسه”. ويؤكد الصحافي انه لم يخن ابدا الثقة التي اولاه
إياها شارون، ولكنه هاهو يسرب خبر اغتيال عرفات بدون مواربة. ويقول
الكاتب، ولكن بمجرد ان اصبح شارون حر التصرف تجاه عرفات بعد اجتماعه مع
بوش في 14 ابريل سنة ،2004 بدأت صحة عرفات بالتدهور، فتم نقله الى مستشفى
بيرسي في كلامار(ضاحية باريسية) في تشرين الأول/ اكتوبر، ومن ثم توفي في
11 تشرين الثاني/ نوفمبر، ولن يعود الى رام الله إلا لكي يدفن.ويقول
الكاتب ان الفلسطينيين سارعوا الى اتهام “إسرائيل” بتسميمه واعلنوا عن
فتح تحقيق، وفي هذا الوقت صدر مقالي في صحيفة “معاريف”، مبتدئا بالجملة
التالية “ سوف يظهر اسم ارييل شارون في كتب التاريخ، كمن قام بتصفية
عرفات من دون أن يقتله”.
إلا ان شارون كان قد اعترف في مكان آخر من الكتاب في أيلول/ سبتمبر سنة
2004 بنيته الصريحة تصفية عرفات، وقال في رد على سؤال للكاتب “ لقد قمنا
بتصفية قادة حماس: الشيخ أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، وقادة
ارهابيين آخرين. إن نفس المبدأ يسري على ياسر عرفات، نحن ننظر اليه كما
الآخرين، لا أرى أي اختلاف بينه وبين ياسين: كلاهما قاتل لليهود. وسوف
نختار بالنسبة لعرفات اللحظة المناسبة لنا، وكل واحد سوف يصله حقه،
والقضية سوف تعالج في وقتها وساعتها مثلما حصل بالنسبة لقادة حماس”.
ويتلو فصل “موت عرفات” فصل آخر بعنوان “فرنسا “إسرائيل””، وهو أمر لايخلو
من الدلالة لأنه يتناول زيارة شارون الاحتفالية الى فرنسا بعد ان كان غير
مرغوب فيه لوقت طويل. ويعلق الكاتب على هذه الزيارة التي تمت في
تموز/يوليو سنة 5002| بقوله، هل أسهم موت عرفات بقيام شيراك بمد السجادة
الحمراء امام الاليزيه من اجل شارون. ؟. ويضيف نحن نعلم ان عرفات كان
محميا من طرف باريس لوقت طويل. ويقول الكاتب طرحت هذا السؤال على شارون
في 27 يوليو بعد لحظات من غدائه الرسمي لدى رئيس الدولة الفرنسية الذي
استقبله على باب الاليزيه، وودعه حتى السيارة. فأجاب شارون : ما الفائدة
من إثارة الماضي؟. وقال انه يفضل الالتفات نحو المستقبل. ومع انه قابل
سؤالي بابتسامة، فهو لم يكن مرتاحا له لأسباب تبدو لي واضحة، فمنذ رحيل
عرفات في المستشفى العسكري في ضاحية باريس في 11 نوفمبر، تردد وفود
فلسطينية بأنها تشتبه بأن “إسرائيل” قامت بتسميم عرفات، وان التقرير
الطبي الذي يتألف من 500 صفحة حول اسباب مرض عرفات لايتضمن ايضاحات
كافية. ويعترف الكاتب ان شارون يفضل في الحقيقة اغلاق هذا الملف،
بالاضافة إلى ملف علاقاته مع شيراك طيلة السنوات الماضية.
ويضيف الكاتب ان شارون أراد الحديث عن المستقبل لادراكه، بأن اللحظة التي
عاشها في باريس لم يسبق لرئيس حكومة “إسرائيلية” ان تمتع بها. ويعتبر
شارون ان عرفات هو السبب الاساسي في تسميم العلاقات “الإسرائيلية”
الفرنسية. وينقل الكاتب عن شارون ارتياحه لاستقبال شيراك له وتقبله وجهة
نظره في عملية السلام، ومشاركته “إسرائيل” لقلقها تجاه الطموحات النووية
الايرانية. ويضيف ان شارون فتح له ملفا قديما، وقال له هل تتذكر في بداية
اكتوبر سنة 2000 بعد وقت قصير من زيارتي إلى “جبل الهيكل”، صدر خبر في
وكالة الصحافة الفرنسية يقول ان شارون شخص غير مرغوب فيه في باريس. وذكر
الخبر ان شارون سوف يزور فرنسا بدعوة من صديق له في الليكود. وبعد بحث
تبين ان مصدر المعلومة موظف كبير في الحكومة الفرنسية، رأى انه من المضل
ألا يأتي شارون لأن هناك مخاطر لاستقباله بتظاهرات غاضبة. ويقول شارون ان
سم عرفات كان قد انتشر حتى مسؤولي وزارة الخارجية الفرنسية والرئيس
شيراك، الذين كانوا يعتبرون عرفات شريكا ذا مصداقية، وشارون كباحث عن
الحرب. إن السؤال الذي يتوجب أن نطرحه في ختام هذا العرض هو هل إن قيام
الكاتب بنشر خبر تصفية شارون لعرفات قد تم بالتنسيق مع المجرم، أم انه
بادر وتصرف من تلقاء نفسه من أجل أن يسجل اسم شارون في كتب التاريخ بوصفه
القاتل الحقيقي لعرفات؟. إن الكاتب قبل رحيله بأسابيع أدى هذه الخدمة
لصديق عمره شارون الذي يرقد منذ الرابع من يناير من السنة الماضية في
غيبوبة عميقة هي أقرب إلى الموت. ضï8
|