مقابلة مع عائشة عوده / مؤلفة كتاب أحلام بالحرية

أجرتها: مريم شروف
كتاب " أحلام بالحرية" كتاب فريد في أدب السجون، تروي فيه المناضلة "عائشة عودة "، الجزء الأول من تجربتها في الاعتقال و التحقيق في سجون الاحتلال، بصدق شفاف، وبشجاعة نادرة لا تترد في تسجيل لحظات الضعف الإنساني، إلى جانب لحظات الصمود والمقاومة، وذلك بلغة شفافة حميمة وبقدرة استثنائية على التقاط ما هو جميل في وسط البشاعة. صدر الكتاب عام 2004م، عن مؤسسة "مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية"، ولقي صدى واسعاً واهتماماً كبيراً ونال ثناء يستحقه.
الكاتبة:
- من مواليد دير جرير / رام الله.
- عملت مدرسة رياضيات وعلوم قبل اعتقالها.
- انضمت إلى حركة مقاومة الاحتلال منذ أيامها الأولى.
- اعتقلت بتاريخ 1/3/1969م.
- حكمت مؤبدين وعشر سنوات.
- أبعدت عن ارض الوطن في إطار أول عملية تبادل للأسرى بين م. ت. ف وإسرائيل في عملية " النورس" بتاريخ 14/3/1979م.
- عادت إلى أرض الوطن مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية عام 1994م.
- عضو المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1981م.
حول كتاب " أحلام بالحرية" كان لنا مع عائشة عودة هذا اللقاء.
س. أكثر من خمس وعشرين سنة مرت منذ نلت حريتك وخرجت من تجربة اعتقال مريرة. لماذا انتظرت كل هذا الزمن لتروي حكايتك؟
- هي في الحقيقة أكثر من خمسة وثلاثين سنة، لأني في كتاب " أحلام بالحرية"، أتحدث عن الفترة الأولى من تجربتي في السجن التي استمرت أكثر من عشر سنوات. تأخرت في الكتابة كل هذا الوقت لأنه من الصعب الكتابة عن التجربة. ونحن تحت تأثيرها المباشر. يجب أن نبتعد بالزمن عن التجربة حتى نستطيع أن نرويها بأكبر قدر من الموضوعية. الموضوعية المطلقة طبعاً غير ممكنه، ولكن على الأقل كان علي أن أكون خارج التجربة حتى استطيع أن أنظر إليها وأرويها وكأنها تجربة شخص آخر. هذا هو السبب الرئيسي. ولكن هناك سبباً آخر. لقد حاولت في الحقيقة أكثر من مرة أن أكتب حكايتي. ولكن كلما حاولت كنت أجدني أعيش التجربة التي مازالت حية في داخلي، لدرجة أني أشعر بتوتر شديد، بل تزداد دقات قلبي، واكتشفت أني لا استطيع أن أكتب، لقد كان مرور كل هذا الوقت ضرورياً.
س. سألتك لماذا تأخرت كل هذا الوقت، أسألك الآن لماذا كتبت تجربتك، هل من أجل أن يطلع عليها الآخرون ويستفيدوا منها؟ هل من أجل أن تزيحي شيئاً عن صدرك وترتاحي؟
- الكتابة عن أية تجربة أمر مهم، وقد اكتشفت أن الكتابة هي إعادة اكتشاف للتجربة وإعادة اكتشاف للذات. انا كتبت لأني شعرت أن تجربتي إذا لم تسجل ستضيع. كان علي تسجيلها لأنها تعبر عن جيلي، وخصوصاً من النساء المناضلات. لقد ارتدنا مجالات لم تكن النساء تجرؤ على ارتيادها، كان خوضنا للتجربة شكلاً من أشكال تجاوز الواقع الذي نعيش فيه، كان تجاوزاً للهزيمة، وتمرداً على القيود والتخلف، لهذا كنت ومازلت أعتقد أن تجاربنا تستحق أن ترى النور. لا أعرف إن كان الناس سيستفيدون من تجربتي أم لا، ولكن كان لا بد من إخراجها ككتاب لمن يريد أن يضطلع عليها. الأمر الآخر أنني أردت أن أعبر عن نفسي، أن أروي ما مررت به، في كتاب محسوس، كما تفعل المرأة التي تضع مولوداً وتخرجه من ذاتها إلى الحياة.
- س. يشعر القارئ لكتابك انك خضت تجربة نضالية من شقين إي النضال ضد الاحتلال، والنضال من أجل إثبات وجودك كامرأة؟
وانساني. وبالتأكيد لا يمكن أن أمارس دوري الوطني بمعزل عن كوني إنسانه، لي شخصيتي التي هي نتاج بيئتي ومجتمعي. تجربتي كامرأة تختلف عن تجارب الرجال، وتجربتي كفتاة صغيرة تختلف عن تجارب الأولاد. المؤثرات التي عشتها في طفولتي وشبابي صنعتني وكونت اتجاهاتي وتفكيري ومفاهيمي. أنا أعيش في مجتمع ينظر إلى الأنثى نظرة دونية. ولكنن كنت على قناعة منذ طفولتي بأنني لست أقل من الأطفال الذكور. كان لدي دائماً إحساس بالاعتزاز بنفسي دفعني إلى التحدي، وهذا ما دفعني إلى الإصرار على القيام بدوري في كافة المجالات، سواء في التعليم أو العمل أو النضال ضد الاحتلال. كنت دائماً على قناعة بأن الحرية لا تتجزأ، فالإنسان الذي يناضل لتحرير وطن يجب أن يكون هو حراً. والوطن لا يكون حراً دون أن يتحرر كل أبنائه رجالاً ونساء. النضال بالتالي يساهم في تحرير المرأة. ليس فقط من نظرة المجتمع الدونية لها، وإنما أيضاً يحررها من القيود التي ترسخت داخلها. وهذا ما حققته تجربة النضال الوطني لي الى درجة كان من الصعب الوصول لها دون هذا النضال .
س. انطلاقاً مما قلت، هل تعتقدين أن المرأة الفلسطينية- وأنت حالة معبرة عنها – قد أنجزت شيئاً من هذا التحرر الذي سعت إليه من خلال الدور الكبير الذي أدته في المسيرة النضالية؟
- لنقل أن المرأة الفلسطينية هي إنسان فلسطيني. هذا الشعب الذي خاض نضالاً طويلاً كان له تأثير على الناس من مستويات مختلفة. كل شخص كانت له تجربة شخصية مختلفة عن الآخر. وكل امرأة كانت لها تجربة مختلفة. ولكن المؤكد أن النضال الوطني أعطى فرصة للنساء وفتح لهن المجال للخروج من مسار القمع والإسهام في النضال العام. ولا شك أن هذا قد أضاف لكل امرأة شيئاً جديداً في تكوين شخصيتها، وفتح لها مجال التعبير عن ذاتها واثبات وجودها بشكل لم يتوفر لها من قبل. لا استطيع أن أقيم ماذا حققت المرأة بمعزل عما حققه الوطن. نحن كشعب خضنا نضالاً مريراً وقدمنا تضحيات هائلة، ولكن ما انجزناه قليل ولا يتناسب مع حجم النضال والتضحيات. هذا ينسحب على المرأة، التي قدمت الكثير وحصدت القليل. مع ذلك حققت المرأة انجازات هامة، فدستورنا ينص على المساواة بين الرجال والنساء، وهي تتمتع بحق الانتخاب والترشيح، وحق أعطاء الجنسية لأطفالها ولزوجها غير الفلسطيني، وأصبح المجال مفتوحاً أمامها للوصول إلى مواقع صنع القرار. إلى غير ذلك من المنجزات المهمة. هناك حاجة للمزيد من الانجازات، وهذا يتطلب استمرار النضال من أجل سن قوانين تصون ما أنجز وترسخ المساواة. المسالة لا تتعلق فقط بالقوانين وإنما بالثقافة المجتمعية في كافة المجالات.
س. يبدو للقارئ كأنك في لحظات معينة تنقشين في الصخر، كأنك ترغمين نفسك على تسجيل تجارب مؤلمة. كم يمكنك أن تحدثيني عن هذه اللحظات، وكيف استطعت احتلال الشجاعة للكشف عن لحظات الضعف الإنساني، هذه الشجاعة النادرة في أدب السجون الذي يركز دائماً على الصمود والبطولة؟
- أنا طرحت تجربتي كما هي " ولم أتحفظ على شيئ. حاولت أن أطرح نفسي كإنسان، وأبين نقاط قوتي ونقاط ضعفي. هناك أمور معينة كان الحديث عنها صعباً، والبعض قالوا انني تسرعت في طرحها، منها تجربة ليلة العاشر من آذار. تلك الليلة، بقدر ما كانت مؤلمة وقاسية، كانت بالنسبة لي نقطة تحول. في تلك اللحظات استطعت بقوتي وصمودي أن أفشل مسعاهم باختراق رحمي. كأنني استحضرت طاقتي من قوة كل الذين قاوموا عبر التاريخ. هذه اللحظات كانت قاسية، ولكنها كانت أيضاً لحظات قوة، وإذا أردت أن أسجل لحظة انتصاري فأنا أسجل تلك الليلة، لم أكن أنا التي تعريت بل هم الذين تعروا من كل خلق، هم تعروا أمامي وأنا لم أشعر أني عارية. كنت وحدي بين الوحوش، ومع ذلك استطعت أن أصمد. كان هذا تعبيراً عن إرادة شعب يرفض الهزيمة مهما واجه من وحشية. لا أعتبرها جرأة أو شجاعة مني أن أتحدث عن لحظات ضعفي. هذه أمور إنسانية تحدث لكل البشر، وليس لإنسان أن يكذب ويدعي ولو أمام نفسه، أنه قوياً باستمرار. المهم أن يخرج من لحظة ضعفه وانكساره بسرعة.
س. اعتقلت، وتعرضت للتعذيب، وحكم عليم بالسجن المؤبد، ودفعت عشر سنوات من عمرك في السجن. دفعت كل هذا الثمن لقيامك بعملية عسكرية ضد الاحتلال. ولكن هذه العملية لم تأخذ حيزاً هاماً في كتابك بل مررت عليها مروراً عابراً وركزت على الاعتقال والتعذيب. كيف تفسرين ذلك؟
- هذه ملاحظة دقيقة. في البداية لم اعرف لماذا لم أكن أحب الحديث عن العملية. ذكرت في الكتاب أنني سمعت الخبر في الإذاعة، وكنت أضع رأسي على حضن والداتي. كانت هي سعيدة بالخبر، أما أنا فقد شعرت بإرباك شديد في مشاعري لم يغادرني بعدها. ذكرت أيضاً أنه كان لي دور في عدم وضع عبوتين لتنفجرا في لحظة واحدة. وتم التنفيذ فعلاً بحيث انفجرت العبوة الأولى محدثة أقل الأضرار، بينما انفجرت الثانية بعد حضور المخابرات والجيش. هذه كانت فعلاً فكرتي، وقد تناقشنا فيها قبل التنفيذ. كان الهدف أن تقع الإصابات في العسكر وليس في الرواد العاديين. بصراحة أنا لم أشعر بالبطولة في هذه العملية، لم أشعر أنني حققت ذاتي. وسأقولها لأول مرة، وجدت أنه عمل سخيف أن أذهب واضع قنبلة في مكان عام ثم أعود إلى بيتي. كنت دائماً أبحث عن عملية فيها مواجهة مباشرة. كنا نملك أسلحة، وعملنا دراسات لمواقع عسكرية. كنت أحلم وأخطط للمواجهة. الغريب أن مساهمتي في هذه العملية بالتحديد جاءت بالصدفة ولم أكن عنصراً أساسياً في تخطيطها. كنت متحمسة للعمل العسكري، ولما عرض علي دور في هذه العملية قبلت باندفاع الشباب، خصوصاً أنه لم يكن هناك وقت للتفكير لآن التنفيذ كان في اليوم التالي. أعتقد أن الأساس السليم هو ألا يعمل الإنسان عملاً يتيماً في ساعة ما وينتهي. فقد اكتشفت أن عمل المقاومة، والذي ساهمت فيه من أول يوم للاحتلال، هو عمل مستمر ودائم. في اتخاذ القرارات اليومية في المواجهات، في كل صغيرة وكبيرة. أنت صاحب حق وأنت صاحب هذه الأرض وتريد حريتك، هذا يتطلب العمل العسكري المدروس والمنظم، ولكن هذا ليس كافياً وليس هو الشكل الوحيد للمقاومة. لقد اكتشفت إنني يمكن أن أقاوم حتى باعترافي. عندما أقول لهم : نعم أنا من شعب تحت الاحتلال ومن حقي أن أقاومكم، أن نضع القنابل وهذا أقل ما يمكن أن نفعله " فأنا أضع في عيونهم أصابعي".
بهذا تحدث لحظة الاعتراف إلى لحظة مواجهة. هذا أحد أشكال المقاومة. وكل منا يختار الشكل الذي يتلاءم مع طبيعته وتكوينه. كنت أتمنى أن اقوم بعملية عسكرية فيها مواجهة مع جنود مسلحين، حتى لو استشهدت. لهذا لم يكن وضع القنبلة مصدر فخر لي لأنها عمل مقطوع حدث وانتهى.
س. ومقابل هذا العمل دفعت كل هذا الثمن؟
- أنا لا أنظر للأمر من زاوية الربح والخسارة. أنا كنت أبحث عن دور جوهري في هذه الحياة، ولم يكن هذا الدور أن أكون زوجة مثلاً، بل أن أكون جزءاً من النضال الوطني. أن أشعر بانتمائي إلى وطني وقضيتي، وبمقدار هذا الانتماء والمساهمة في الفعل العام أشعر بقيمتي واعتزازي بنفسي. كان هذا خياري الشخصي. كنت منسجمه تماماً مع قناعاتي وأحلام العديدين من أبناء جيلي. كنت أحلم بإعادة بناء الوطن، بل كنا نحلم بإعادة هندسة العالم والبشرية في مشروع كبير أساهم فيه.
س. هل تشعرين بالندم على شيء في هذه التجربة؟ هل هناك ما تتمنين الآن وبوعيك الحالي لو أنك فعلته بطريقة مختلفة؟ أم أنك مستعدة لخوض غمار التجربة كما هي لو عاد بك الزمن؟
- أولاً الزمن لا يعود إلا بمعطياته ذاتها. الإنسان يتصرف حسب وعيه في زمن محدد. الآن وبعد تراكم الوعي والقدرة على الرؤية بوضوح أقوى إننا كنا سذجاً حتى لا أقول أغبياء. عندما أعيد في ذهني تقييم الأحداث في تلك الفترة أكتشف كم كنا مندفعين دون أن نمتلك التجربة والوعي. الشعار كان يجعلنا نحلق في السماوات، والتفاصيل لم تكن تعنينا، مع أن التفاصيل هي الأهم عند تنفيذ الشعار. لم تكن لدينا رؤية واضحة لكيفية الوصول للأهداف بعيدة المدى، كيف نعمل خطوة بعد خطوة ونبني مدماك فوق آخر. اكتشفت أن هذا كان سمة لكل جيلي، جيل مندفع ومتحمس لدرجة أنه لا يتوقف ليسأل كيف ينظم خطواته للوصول إلى أهدافه. أذكر أنه في تلك الفترة كان رئيس نقابة العمال - فرحان عبد اللطيف- يحاول دائماً الدعوة إلى عدم الاندفاع وضرورة أن نبني أنفسنا جيداً بحيث نكون قادرين على الاستمرار عندما تنفجر المقاومة ضد الاحتلال. كان يقول إن التسرع سيجعلنا نتراجع ونخسر. كم كان حكيماً هذا الرجل،ولكن لا احد كان يصغي لكلامه. لم يكن لدينا صبر، ولهذا كان الاندفاع دون بناء متين ودون اكتراث بالتفاصيل. طبيعي أنه لا يجوز أن أحاكم على تجربة مر عليها أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، بالوعي والخبرة التي تراكمت لدي وأمتلكها الآن.
س. عاقبت قوات الاحتلال أسرتك كلها على عمل قمت به أنت وحدك بنسف بيتكم. ما حجم الجرح الذي تركه ضياع هذا البيت في نفسك؟ وكيف تلقيت خبره وأنت في السجن؟
- قد يكون غريباً حتى الآن لا أجرؤ على الحديث مع أهلي حول تفاصيل ما عاشوه بعد نسف بيتهم. طبعاً الآن كبروا وأصبحوا أباء وأمهات، ولكنهم شاهدوا وهم صغار بيتهم ينهار، عاشوا ستة أشهر تحت شجرة التين، وبعد ذلك في غرفة كانت معدة لتكون مزرعة دجاج. أعرف عنهم كل ذلك، ولكني لا أجرؤ حتى الآن على أن اسألهم عن التفاصيل. البيت ظل في خيالي كما وصفته في الكتاب، وفي أعماقي ظل الشعور أن أهلي عوقبوا بسببي. طبعاً هذه هي سياسة الاحتلال. العقاب الجماعي من جهة، وتدمير الذاكرة والتاريخ من الجهة الأخرى. يريدون نسف الذاكرة. هذه السياسة بدأت منذ بداية الاحتلال. بيت عمي نسف عام 1968م، بيتنا عام 1969م، بيوت غزة فجرها شارون في الأعوام 70-71-72، وما زال هدم البيوت مستمراً، هم يهدمون ونحن نبني.
س. في كتابك هناك غياب ملحوظ للغة الشعار والخطابة، وكذلك غياب للكراهية وبحث عن اللحظة الإنسانية. تتحدثين عن مجال الطبيعة وأنت ذاهبة إلى التحقيق. كيف استطعت الحفاظ على هذا الحس الإنساني في ظل وضع يتسم بالوحشية والبشاعة؟
- عندما أستعيد طفولتي فإن أبرز ما أتذكره علاقتي بالطبيعة. أنا بنت الريف، لعبتنا الرئيسية كانت في حضن الطبيعة والمغامرة بالذهاب لاستطلاع أماكن بعيدة دون خوف. أنا أشفق على أطفالنا الذين لا يستطيعون الآن أن يصعدوا جبلا أو ينزلوا إلى واد، لأن الجيش والمستوطنين سدوا عليهم فضاء الطبيعة. أما عن الحس الإنساني فأنا تربيت في بيت لا يعرف التعصب، لذلك مثلاً أنا لا أكره المحتل لأنه يهودي بل لأنه محتل، أحاربه لأنه اغتصب أرضي وحقوقي وحقوق شعبي. حتى السجان أو المحقق الذي عذبني وأهان إنسانيتي إذا تغير فلن تعود لي مشكلة معه. تعودت أن أرى الأشياء كما هي، وأي لفتة صغيرة حتى لو كانت من الجندي الذي يحرسني أستطيع أن التقطها. علاقتي كانت دائماً صافية مع الطبيعة والأرض، مع البيادر والحصيدة والشمس والمطر، والتين والزيتون. هذا كله ملأ حياتي وأنا طفلة، والعلاقة الحميمة مع الطبيعة لا يمكن أن ينشأ عنها شيء عدواني.
س. ذكرت العديد من المناضلين بأسمائهم، لكنك لم تسمي أحداً من الذين ضعفوا أو تساقطوا أو تخاذلوا أي الذين كانوا أدنى قامة من المناضلين. لماذا هذا الحرص وهذه الرأفة؟
- بداية أنا أومن بأن الضعف من سمات البشر. هؤلاء مروا بحالات ضعف، ليس من مهماتي أن أتحدث عنها، أنا أتحدث فقط عن لحظة ضعفي، أما لحظات ضعفهم فهم الذين يقررون أن يتحدثوا عنها. ليس من حقي الخوض في تجارب الآخرين، خصوصاَ أنه لم يكن أي منهم جاسوساً أو عميلاً، هم مناضلون مثلي، مروا بلحظات ضعف ربما تجاوزوها، هم وحدهم يستطيعون البوح بتجاربهم.
س. انتهى كتابك وأنت تستعدين للانتقال إلى سجن الرملة. هناك قطع في التجربة. ولماذا لم تكملي حكاية سنوات السجن؟ أم أن للحديث بقية؟
- في الواقع كل من قرأ الكتاب طرح هذه الملاحظة. نعم هناك قطع والسبب أنني سأتبع هذا الكتاب بجزء ثانٍ بدأت العمل فيه وأتمنى أن أتمكن من إنجازه خلال فترة ليست طويلة. كتاب " أحلام بالحرية" يتحدث فقط عن 45 يوماً من التحقيق. أما سنوات الاعتقال العشر فهي حتماً تحتاج كتاباً آخر.
أجرت المقابلة مريم شروف بتاريخ 5 تشرين1