أيها المثقفون
الفلسطينيّون

رشاد أبوشاور
31/01/2007
|
سيبدو من العنوان أنني أتوجّه بمقالتي إلي المثقفين الفلسطينيين وحدهم، دون
الدخول في جدل حول سؤال: من هو المثقّف..
الحّق أنني أخّص المثقفين الفلسطينيين حيثما تواجدوا في هذا العالم، فأنا لم
أيأس منهم، بل وأعوّل عليهم، وأري أن كلماتهم لها دورها، وفعلها، وثقلها، فهي
ليست خفيفة وعابرةً، إن هم شخّصوا بها واقع شعبهم، وذهبوا إلي جوهر قضيتهم،
وطرحوا وجهة نظرهم في ما يجري علي أرض وطننا، وبخّاصة الصراع الدامي المدمّر
علي أراضي السلطة، والذي استشري في قطاع غزّة، وها هو يمتّد بفعل فاعلين
معلومين إلي مدن وقري ومخيمات الضفّة.
أصوات شريفة ترتفع مندّدةً بهذا الاقتتال الذي يأخذنا قضيةً وشعباً إلي
الخراب والتدمير الذاتي، وهي تقوم بدور نقدي جريء ومحترم من شعبنا، ومن
المتابعين من أمتنا الذين يؤرّقهم هذا المشهد الفلسطيني الدامي الذي يهوي
بشعبنا من برجه العالي كقدوة إلي مآل مأساوي محبط ومحزن وباعث علي اليأس..
هناك قلّة لا يهمها غضب شعبنا، وحزنه، وألمه، وخسارته، والصدمة التي تزلزل
روحه، من هذا الاقتتال الذي حوّل المقاوم إلي مقتحم بيوت، ومختطف، ومطلق رصاص
بلا وعي، بحقد، وبجنون، وبفقدان عقل، وانعدام ضمير.. أراهن علي دور المثقفين
الفلسطينيين أصحاب الموقف، والمتميزين بنزاهة الضمير، وشجاعة قول كلمة الحّق
دون حساب العواقب مهما كانت الخسارات الشخصية فادحة.
كثيرون هم المثقفون، كتّاباً، وشعراء، وفنانين، الذين يكتبون عن فلسطين، ولها،
يبدعون قصصاً، وروايات، ولوحات فنيّة، ولكنهم لا يتفاعلون مع ما يحدث يوميّاً،
بل يلوذون بالصمت، إمّاً خوفاً ـ كما لدي بعضهم في مناطق السلطة حيث القمع
منذ تأسست السلطة بأجهزتها الأمنيّة بهدف قمع الأصوات التي تعارض ـ أو ترفعّاً،
أو اكتفاءً بكتابة نّص، أو رسم لوحة، أو كتابة كلمات عن فلسطين بشكل عام، دون
الدخول و(التورّط) في ما يرون أنه سياسة يوميّة قد تستفّز المهيمنين الجهلة!
نعم: هناك انتهازية في صفوف الحركة الثقافيّة الفلسطينيّة، وهناك جبن لا يليق،
وهناك لامبالاة، وهناك أحياناً (اندماج) وانسلاخ وتغيير جلد هرباً من
الانتماء المكلف والمؤرّق، ولكن المثقفين المنتمين أكثر حضوراً بحكم عدالة
القضيّة التي يحملونها، ونزاهة حياتهم، ووعيهم، ومصداقيتهم، وهؤلاء هم من
أتوجّه لهم!
هؤلاء يكتبون كأفراد، ولا تقصير عندهم، وهم لا ينتظرون من يحفزهم للفعل،
ولكنني أري أن عليهم أن يتواصلوا لتوحيد (كلمتهم) بحيث تكون أكثر تأثيراً،
وفعلاً.. بات من الجلي أن الاقتتال لن يتوقّف، بل إنه سيمتّد إلي الضفّة،
فالمغامرون لديهم هدف، وهم لا يبالون بردود الفعل الفرديّة، بل لعلّهم يسخرون
منها، وبخّاصة كونهم في العتمة، مع إننا نعرف سحنهم، وأسماءهم، وخلفياتهم،
ومن برمجهم، ومن الجهات التي زرعتهم وتغذّي طموحاتهم الرعناء.. القتلة
والقتلي في الشوارع هم ضحايا، ومن يديرون الاقتتال ويغذونه بنيران الحقد
والعصبويّة التنظيميّة المفتعلة هم المجرمون الحقيقيّون، وهؤلاء يتصرّفون في
مصير شعبنا وقضيتنا دون ضمير أو خشية، وهم ينسون أن أكثر من خمسة ملايين
فلسطيني يعيشون في الشتات، وكّل همّهم العودة إلي فلسطين، وأن حّق العودة هو
أقدس ما في حياتهم، وأنه معني وجودهم، وأنهم يورثونه لأبنائهم من بعدهم كما
ورثه كثيرون منهم من أمهاتهم وآبائهم الذين رحلوا في المنافي...
هناك من يريد اختطاف قضيتنا، ويحسب أن الاقتتال في شوارع غزّة، وخان يونس،
ورفح، ومخيّم جباليا سيمكنّه من سرقة (القرار) الفلسطيني واحتكاره.. ولأن
الاقتتال لم يعد مجرّد اشتباكات عابرة، ولأن وجودنا كشعب بات في مهّب الرياح،
وفي مهّب مغامرة الاقتتال، فإننا يجب أن نرفع (صوتنا ) الواحد، في برنامج
محدّد، واضح، نتوجّه به إلي شعبنا الفلسطيني في الوطن وفي الشتات، جوهره
التشبّث بالمقاومة كأسلوب ووسيلة ونهج يوصلنا إلي حقوقنا، ويخرجنا من مغامرات
الزعران والطامحين المرتبطين المبرمجين، ومن أوهام من يتشبثّون بالسلطة
ويرونها ختام حقبة في النضال الفلسطيني..
هنا بالضبط يلعب المثقفون دوراً رياديّاً، ومعهم الشخصيات الوطنيّة
الفلسطينيّة والكفاءات المشهود لها..
قبل أيّام التقي في لندن عدد من كفاءات الفلسطينيين المقيمين في بريطانيا،
تحاوروا وأصدروا بيانا وموقفاً.. ومنذ أيّام اتصل بي الدكتور سلمان أبوستة
الغني عن التعريف، وصاحب كتاب (حّق العودة) و(أطلس العودة)، وأخبرني عن بداية
تحرّك لعدد من الشخصيّات الفلسطينيّة، ومنـــــها: الدكتور أنيـــــس صايغ،
الأستاذ شفيق الحوت، الدكتور أنيس القاسم، وآخرون بهدف بلورة توجّه وإصدار
بيان شامل، ومن ثمّ دعـــــوة حوالي ألف شخصيّة فلسطينيّة لتقول كلمتها في
كّل ما يجري، وترسم ملامح الطريق للمستقبل..
في كّل التحركات يوجد مثقـــــفون معروفـــــون: كتّاب، صحافيّون، أساتذة
جامعيون، وهذا طبيعي، ففي كّل ثورات العالم كان للمثقفين دور طليعي وريادي،
وهذا ينطبق علي مسيرة شعبنا الفلسطيني..
من موقعي ككاتب فلسطيني، أدعو المثقفين، الكتّاب والصحافيين والفنّانين
والباحثين والمفكرين الفلسطينيين في العالم، للتواصل والإسهام في بلورة
برنامج وطني فلسطيني لتجاوز ما نحن فيه، وإفشال خطط أطراف تتربّص بشعبنا
وقضيتنا، ولوضع حّق العودة ككلمة سّر في كّل تحرّك، فقضيتنا في الجوهر هي حّق
شعبنا في العودة إلي وطنه فلسطين..
هناك مفاهيم مضللة تسود في الساحة الفلسطينيّة، منها: إصلاح منظمة التحرير
الفلسطينيّة ـ ترقيع تحايلي ـ ومنها حكومة الوحدة الوطنيّة.. وسؤالي: كيف
يمكن إصلاح ما هو غير موجود إلاّ كيافطة استثمرها مارقون؟ وكيف يمكن أن تؤلّف
حكومة وحدة وطنيّة شرط قيامها الاعتراف بالكيان الصهيوني؟
إن دور المثقفين الثوريين الشرفاء الصادقين ينتظرهم، وإنهم يستطيعون القيام
به إن هم وحدّوا مواقفهم، وبصرّوا شعبهم بالحقائق، فهم ينتمون لفلسطين،
وشعبها، ولا تحرّكهم الولاءات التنظيميّة الضيّقة..
التنسيق بين التحركات في الشتات وداخل الوطن بات ضرورة، لتحقيق التكامل،
وإنجاز قوّة فاعلة وضاغطة تمثّل صوت الشعب الفلسطيني، والضمير، وتقدّم الخطاب
الوطني الصادق بلا لبس بعيداً عن الألاعيب السياسيّة التي هوت بقضيتنا،
وحوّلتنا بالصراع الدموي إلي مشهد بائس بعد أن كنّا الطليعة والأمل.
القدس العربي عدد الأربعاء
31-01-2007
|
*
أكذوبة الخّط الأحمر -
رشاد أبوشاور
24/01/2007
|
ملّ الشعب الفلسطيني من اسطوانة :الخّط الأحمر، وتحريم الدّم الفلسطيني، ومن
الوجوه التي تتزاحم علي الفضائيّات للتباري في إطلاق التصريحات التافهة،
والتي توتّر الفلسطينيين، وتقلقهم، وتبدد الطمأنينة من نفوسهم.
الدم الفلسطيني لم يكن خطّاً أحمر ومنذ سنوات بعيدة، فقد أريق هذا الّدم في
معارك، وصراعات، ومحاولات ترويض وهيمنة، وبّث رعب، وابتزاز، وأحياناً خدمة
لجهات خارجيّة..
حدث في سنوات لبنان أن تفجّرت صراعات، بعضها داخل الفصيل الواحد، وتحديداً
فتح، وخّاصةً بعد حرب تشرين عام 73، وبدء طرح إقامة دولة فلسطينيّة علي أي
شبر تنسحب منه (إسرائيل).
الانشقاق الأكبر آنذاك كان بقيادة (أبونضال البنّا) الذي كان سفيراً لفلسطين
في العراق، والذي حقق امتداداًً داخل فتح، واستقطب كوادر بارزة فلسطينيّاً،
ومنهم كتّاب وصحافيّون، ومناضلون معروفون، جمعهم الموقف ضّد فكر التسوية
و(الاستسلام).
هذا التيّار لم يتوقّف عند حركة فتح بل امتّدّ إلي الفصائل، بحيث بدا وكأنّ
الساحة الفلسطينيّة تنقسم بين تيّارين : تيّار يتساوق مع طروحات التسوية،
وتيّار رافض.
في مطلع السبعينات وقعت اشتباكات دامية بين الجبهة الشعبيّة ـ القيادة
العّامة وحركة فتح، ودوهم مقّر مجلّة (إلي الأمام) وعاث المهاجمون فيه خراباً،
وهو يقع في شارع المزرعة، وفوق مقّرمنظمة التحرير الفلسطينيّة!
ووقعت اشتباكات بين القيادة العّامة والجبهة الديمقراطيّة، وسال الدم الأحمر
الفلسطيني الفدائي برصاص أخوة ورفاق السلاح.
وحدثت اصطفافات بين عدّة فصائل وهو ما أدّي إلي استنفارات في قلب بيروت،
وقتال مواقع، ونزف دّم، ثمّ، بوس لحي علي الطريقة العشائريّة.
في تلك الفترة الفوضويّة اقترفت جرائم مروّعة تمّت لفلفتها، وكان أخطرها نسف
بناية في الفاكهاني أثناء اجتماعات قيادة جبهة التحرير الفلسطينيّة، حيث بلغ
عدد القتلي 178 ضحيّةً، جلّهم من المدنيين ،وسجّلت الجريمة الشنعاء ضّد مجهول،
وروّج أن العدوالصهيوني يقف وراء الجريمة!
كان أخطر تجاوز لحرمة الدّم الفلسطيني، والدوس علي الخّط الأحمر، هوما جري
إثر انشقاق حركة فتح في العام 83.
وقع الانشقاق داخل حركة فتح، وكان في قيادته: أبوصالح عضو اللجنة المركزيّة
للحركة، وسميح أبوكويك عضواللجنة المركزيّة وهو من جيل الشباب آنذاك، وألعقيد
أبوموسي، وألرائد أبوخالد العملة، وكثير من الكوادر الفتحاوية التي اجتذبتها
شعارات التصحيح والتغيير، إضافة ً للمنشقين عن فصائلهم والملتحقين بالتحرّك (الثوري)
الانقلابي العنيف الذي وعد بالفّك والتركيب، وإنهاء زمن الهيمنة الفرديّة،
والعودة للمنطلقات الثوريّة.
وقع القتال الضاري في البقاع، وامتّد حتّي عاصمة الشمال اللبناني: طرابلس،
وانهمر الدّم الفلسطيني شلاّلاً بقذائف المدفعيّة الثقيلة، وصورايخ الغراد
والكاتيوشا، ورشاشات الدوشكا الثقيلة، والهجمات الاقتحاميّة للمواقع والهجمات
المعاكسة، وبمشاركة فصائل منها القيادة العّامة، وجبهة النضال، ووحدات من جيش
التحرير الفلسطيني...
لقد تركت الجثث علي سطح الأرض، ولشراسة القتال، وسرعة تغيير المواقع، اضطّر
المتقاتلون إلي دفن أخوتهم علي عجل، فكان أن استيقظ أهالي منطقة (تربل) قرب
تلّة تربل علي نباح وحشي للكلاب، فأشعلوا المشاعل، وتقدّموا وبنادقهم في
أيديهم، ليفاجأوا بأن قطعان الكلاب الشرسة تنبش الأرض لتفترس الجثث، جثث
الفدائيين أخوة ورفاق السلاح، من قبورهم التي لحدوا فيها علي عجل، ودارت بين
الأهالي وبين الكلاب الهائجة معركة ضارية، انهمكوا في أعقابها في جمع الأشلاء،
ودفنها دون تمييز بين فخذ ورأس وقدم لهذا القتيل أو لذاك!
لقد كتبت عن تلك الحادثة المخيفة قصّة بعنوان (الكلاب) ضمّتها مجموعتي
القصصيّة (الضحك في آخر الليل)، وعندي أنّ الكلاب هم كّل من حرّض علي إطلاق
الرصاص، ومن أطلق الرصاص وقتل، ومن أسهم في تنفيذ تلك المؤامرة التي ذبحت
أخوة السلاح...
لا، لم يكن الدّم الفلسطيني محرّماً، ودائماً نزف في الاقتتال بغرض السيطرة
والإمساك بالقرار السياسي.
آنذاك كان لي شرف التصدّي لهذا الخراب، كتبت بيانات باسمي الشخصي وبالاشتراك
مع آخرين، وصرّحت للصحافة العربيّة ضّد ما يجري وأدنته وفضحت مراميه، وشاركت
في ندوات أقمناها باسم اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، و..تشرّدت بعد
ضغوط، ثمّ ها أنا ذا أتّأمّل نهاية ما سمّي ب( الانتفاضة) التي مزّقت الساحة
الفلسطينيّة، فإذا بها بعد23 سنة خلّب، وإعادة إنتاج للفرديّة، ونهب المال
العّام، وإضاعة الوقت، وتبديد حياة ألوف طيبي النوايا الذين أخذتهم الشعارات،
وطمست الأوهام علي عقولهم وقلوبهم، فساروا منومين، وقاتلوا أخوتهم، وألحقوا
أفدح الأذي بثورتهم، وقضيتهم، وسمعة شعبهم.
ما ينتظرنا هذه الأيّام أفدح وأشّد خطراً إذا لم نتمكّن من إيقاف المتربصين
ببعضهم عند حدهم...
الدّم الفلسطيني بات ممتهناً رخيصاً، لأن هناك من ينشغل فقط بخّط وصوله إلي
سدّة الحكم، والقيادة، والإمساك بالقرار السياسي.
الدّم الفلسطيني لا يعني شيئاً لمن يري أن بينه وبين (الرئاسة ) خطوة واحدة،
ما دام يحظي بالرعاية الأمريكيّة، والصداقة (الإسرائيليّة)، والعناية
العربيّة الرسميّة.
الدم الفلسطيني ليس محرّماً بالنسبة لمن خسروا مقاعدهم في الانتخابات
التشريعيّة، ففقدوا رشدهم ،وحقدوا علي الشعب الذي يصفونه (بالجاهل) لأنه
برأيهم تنكّر لهم، والذي يستحّق الحصار والتجويع.
الدم الفلسطيني بات رخيصاً ما دام الصراع بين فريقين يتصارعان علي سلطة
وهميّة ليس لها وجود حقيقي علي الأرض.
قبل أيّام دعيت إلي الجزائر للمشاركة في الاحتفال بالجزائر عاصمة للثقافة
العربيّة، فكان السؤال الذي يتردد من رئيس الوزراء السيّد عبد العزيزبالخادم
إلي أساتذة جامعة الجزائر الذين التقيت بهم، إلي السائق المرافق معنا، إلي
رجال الشرطة في المطار الذين ما أن يعرف واحدهم أنني فلسطيني حتّي يكون
السؤال الاستنكاري الإداني :علاش تتحاربوا وتقاتلوا بعظكم ؟!
في الجزائر وقع اقتتال بعد عقود من انتصار الثورة علي فرنسا، وعندنا في
فلسطين نري بوادر الحرب الأهليّة ونحن لم نحرّر شبراً تحريراً سياديّاً
حقيقيّاً!
العقلاء والحرصاء وأهل القضيّة، والشرفاء والصادقون..كّل هؤلاء مدعوون لتشخيص
ما يحدث، بخلفياته، ومخاطره، لوضع الأمور في نصابها، وقول كلمة الحّق الفصل
لشعبنا...
لم يعد الفلسطينيون يصدّقون تحريم الدّم، والخّط الأحمر، وادعّاء بعضهم
الحكمة والدعوة للحوار، لأن الدم ينزف يوميّاً، والقضيّة تخسر، والشعب حزين
جائع مقهور متقزّز من كّل ما يحدث، ولأن من يعتبر نفسه صادقاً يفترض فيه أن
يقدّم البرهان، ويسهم جديّاً في جعل الدم الفلسطيني حراماً، وخطّاً أحمر فعلاً
لا قولاً...
0
|
هواء طلق
رشاد أبوشاور
الموسوعي خليل أحمد خليل
هو خليل أحمد خليل ، الأكاديمي ، الشاعر ، المترجم، الباحث ، الناقد
..الموسوعي ، اللبناني الذي يغني المكتبة العربيّة بكّل ما هو جديد ونافع وطريف .
عرفته في بيروت ، وكان من قدمنا لبعضنا الصديق الكبير ناجي علّوش ،
وارتبطنا معاً في تأسيس مجلّة حملت اسم ( الرأي) _ لا أنسى خالد أبوخالد ، وأحمد
دحبور _ والتي صدر منها عدّة أعداد ، ولكنها كمجلّة فكريّة ثقافيّة رصينة لم تعمّر
طويلاً ، فما كان لها أن تصمد بدون دعم ..وهيهات أن يدعم الرأي الحر الجدلي النقدي
بمال نزيه المقاصد والنوايا .
هو واحد مّمن يقرنون الفكر بالممارسة ، ولكنه لا يغرق نفسه في المماحكات
اليوميّة ، والتزاحم على المنصب ، فهو يعرف جيّداً دور ( المفكّر) والمثقّف
التنويري ، ولذا لا يجذبه المنصب ، والمركز ، وينفر من الوجاهة : عشائريّة ، أو
طائفيّة ، أو حزبيّة ...
لم ألتق بالدكتور خليل منذ العام 82 ، ولكنني بقيت على صلة به عبر كتاباته
الفكريّة الثريّة ، وترجماته ، والتي عني بها انتقاءً ودقّة وجمال لغة .
من أبرز ما ترجمه الدكتور خليل كتاب : المنطق وتاريخه ، من أرسطو حتّى
راسل ، لروبير بلانشي .
ولأن الدكتور خليل يعيش في المجتمع اللبناني المركّب والمبني على الوراثة
،والتوريث ، المالي ، والاجتماعي ، والسياسي ، والطائفي ، والحزبي ، فإنه قد توقّف
عند هذه الظاهرة التي تشمل الوطن العربي كلّه ، فدرس الظاهرة بكّل أبعادها ،
وخلفياتها ، وجوانبها ، على المستوى العربي ، في كتابه الرائد العميق : التوريث
السياسي في الأنظمة العربيّة المعاصرة .
يفتتح الدكتور خليل كتابه الصادر عن المؤسسة العربيّة بسؤال : ما التوريث ،
وينطلق من المألوف الثقافي العربي الذي يضع الوارث مع السارق في شبكة واحدة ،
تدليلاً على سهولة التمكّن من المال ، وعدم الاعتناء بحفظه . وهو يرى أن السارق
يأخذ مسروقاته بالحيلة والعنف خلافاً لمعايير المجتمع وقوانينه ، فيما الوارث يحصل
على موروثه بوصيّة تجعله مالكاً لما هو متروك من أهله ، أو من قومه .
كعالم اجتماع يتابع الدكتور أحمد خليل مظاهر التوريث في الأنظمة الجمهوريّة
العربيّة ، وفي هذا يقول ما يحجم غيره عن قوله ، أو يخشى من قوله ، وهو لا يهجو ،
ولا يوظّف رؤيته لمصلحة أو هوى ، ولكنه ينطلق من الحرص على الإنسان العربي ، ومصلحة
الأمّة ، ونهضة الأوطان الإقليميّة .
ولأن الدكتور خليل رائد مجالات ومناطق مغلفّة بالمحرّمات والتابو ، فإنه
يقتحم منطقة يعرفها جيّداً ، ويرى ضرورة ملحّة في مناقشتها ، وفتح باب الجدل حولها
، انطلاقا من وحدة أبناء الأمّة بالفهم المشترك ، واحترام الاختلاف الذي يغني ويثري
ولا ينفّر ويزرع الفتن ، فإنه كتب : نقد التضليل العقلي ) : شيعة لبنان والعالم
العربي ، هل هم آخرون في النصف الأخير من القرن العشرين ..وهذا الكتاب الذي صدر في
العام 2001 عن المؤسسة العربيّة ضمن مشروع فكري كبير للدكتور خليل ، يمكن أن يجيب
على أسئلة ملحّة راهنة ، ويسهم في قشع ضباب كثيف متراكم على العقل ، يحرم من
الرؤيّة والمعرفة والتواصل ...
العمل الموسوعي الكبير للدكتور خليل هو : موسوعة أعلام العرب المبدعين ،
هذا هو العنوان الكبير وتخته : في القرن العشرين ...
الجزء الأوّل والثاني من الموسوعة صدرا في العام 2001 ، والجزء الثالث صدر
في العام 2003 ، والموسوعة ستكتمل بالجزء الرابع الذي لم يصدر بعد ، والذي أعلمني
الصديق ماهر كيّالي أنّ الصديق خليل يوشك على الانتهاء من إعداده قريباً .
تقع الأجزاء الثلاثة في 1883 صفحة من القطع الكبير ، بأغلفة مقواّة ،
وأنيقة ، ومزيّنة بخّطوط جذّابة ...
ضمّت الأجزاء الثلاثة ترجمة لحياة ، وتعريفاً بكتابات ، أكثر من مائة
وخمسين روائيّاً ، وشاعراً ، وقّاصاً ، ومفكّراً ، وفيلسوفاً ، من أبرز مبدعي العرب
في القرن العشرين ...
في مقدمّة الجزء الأوّل ، والتي تحمل العنوان : مساهمة العرب في ثقافة
القرن العشرين ، طرح الدكتور خليل أسئلةً وتلمّس إجابات ، والمقدمة بدأت ببيت من
شعر رهين المحبسين ( أبوالعلاء المعرّي) :
ولو طار جبريل بقيّة عمره
من الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر
ثمّ يسأل : من منّا لا يحلم بخلود في مواجهة الموت ؟ ويجيب: هذا السؤال
الدنيوي تقدّم عنه الثقافة أجوبةً صعبةً ، تمتّد من الحفظ والذكرى إلى الذاكرة ،
وها نحن أمام قرن كامل من عمر أمتنا العربيّة الحضاري ، ينطوي مليئاً بالروائع
الفنيّة والأدبيّة والسينمائيّة والغنائيّة...
هذه الموسوعة التي تعنى بكّل جوانب الثقافة العربيّة في القرن العشرين ،
تعطي انطباعاً أوليّاً ، ربّما يثير الدهشة والإعجاب لدى متصفّحها ، بالجهد الجماعي
لعرب القرن العشرين ثقافيّاً ، وهو ما يضحد تقوّلات واتهامات تغّض من قيمة الإبداع
العربي والفكري ...
والموسوعة تعرّف بأعلام ثقافتنا ، بحياتهم ، بما عانوه ، بمعاناتهم ،
بأشواقهم للحريّة ، بابتكارتهم ، رغم المعوّقات التي اعترضت سبلهم ...
يرى الدكتور خليل أن الثقافة العربيّة هي مألفة حضاريّة بلسان عربي ،
متطوّر ، متنوّر ، مستوعب حضاريّاً لمفردات ثقافات أخرى ...
هو بعقله الرحب يرى أنه لا توجد ثقافة نقيّة خالصة في معمورة القرن العشرين
، تخّص جماعة بشريّة دون غيرها ، تضعها فوق الجماعات الأخرى ...
يوضّح الدكتور خليل في المقدمّة الضافيّة ، أن المثقّف العربي هو المبدع
المشهور لدى جمهور عربي ناقد ، وقارئ بتمعن ، مستفيد ومهتّم ..وهنا لا يهمنا إن كان
الكاتب مشهوراً بتسويق ناشرين لنتاجه ، أو كان مشهوراً بترويج نفسه بنفسه ، بماله ،
أو بمال دولته الراعيّة ...
ولذا فهناك أسماء تغيب عن هذه الموسوعة رغم شهرتها ، لأنها غير ذات قيمة
ثقافيّة كما يرى الدكتور خليل .
هذا المفكّر والباحث المعتكف بعيداً عن صخب الحياة اليوميّة ( الاستهلاكيّة
) ، أنجز الموسوعة السياسيّة التي ضمّت تعريفاً بالشخصيّات السياسيّة الأبرز
عربيّاً في القرن العشرين ، وبالأحزاب والقوى السياسيّة ، وهو عوّض بهذا عن ضياع
الكثير مّما يخّص الأحزاب العربيّة التي لا توثّق مسيرتها ، وترتجل مسارها ، فلا
يعرف حتى مناضلوها محطّاتها ، وتحوّلاتها ، وتطوّرها الفكري والسياسي ، ناهيك عن
انتكاساتها ...
يرى الدكتور خليل في ختام مقدمّته أن الثقافة العربيّة ، الباقية في عصرنا،
لا يمكن أن تنتقل إلى عصور أخرى بدون توفّر الحريّة العقليّة ...
هذا واحد مّمن
سخّروا حياتهم دفاعاًعن الحريّة العقليّة ، إغناءً للعقل والروح ، تبصيراً بجوانب
ثريّة من ثقافتنا العربيّة ، عن الجدل بالتي هي أحسن ، وهو يقوم بدوره الذي انتدب
نفسه له ، شعراً ، ونثراً ، وبحثاً ، وترجمةً ، وتعليماً أكاديميّاً ...
* القدس العربي ، الأربعاء 17 يناير 2007
www.safsaf.org