الهاغاناه الالكترونية
الدكتور - فايز بن عبد الله الشهري
لا جديد فمذبحة «قانا2» ستمر في الذاكرة الإسرائيلية مثل غيرها من «شقاوات» شباب جيش «الدفاع» الإسرائيلي وسيرددونها ضمن ذكريات «نزهة قتل» روتينية بدا للجنود فيها أن يستحمّوا في بركة مزاجها دماء أطفال «الأغيار» فكان لهم ما أرادوا. ويثق من خطّط للمجزرة ومن نفذها أن لا وسيلة إعلاميّة كبرى يمكنها أن تجرؤ على التركيز على صور «جثث» الأطفال تحت أنقاض المنازل ففي وسائل الإعلام الدولي -في هذه القضية بالذات- يوجد المستثمر في الحرب مثل «فوكس نيوز» التي قال عنها معلّق التلفزيون الإسرائيلي إن «محطة «فوكس نيوز» الأمريكية تدير الحرب بشكل متحمّس أكثر من إسرائيل نفسها» كما وجدنا في الإعلام الغربي الشيطان الأخرس أو المبرر المداهن من حلفاء أو أبناء «الشعب المختار» لإفساد بهجة الحياة.
وعلى الرغم من كل هذه الثقة باليد الصهيونية الطويلة القادرة على وأد الحقيقة، فقد بقيت هناك مشكلة صغيرة تواجه هذه «الهيمنة الإعلامية» ألا وهي شبكة الانترنت العنيدة، إذ تقول حقائق الواقع الاتصالي أنّه لا يمكن السيطرة عليها وتوجيه حركة المعلومات والحوارات على منتدياتها ومواقعها، كما لا يمكن - عمليّا- التأثير فيها بضخّ المعلومات المضللِّة كما هو الحال في وسائل الإعلام التقليديّة.
إذن ما الحل مع مستخدمي الانترنت بعد أن ثبت عجز مئات المواقع الدعائية التي تبثها الحكومة الإسرائيلية والجمعيات والمؤسسات الصهيونية في طول العالم وعرضه، وكيف يمكن (تسويق) صورة «كالحة السواد» لحكومة عنصريّة كل تاريخها مجازر ودماء، بحيث تجد انه كلما ظهر رئيس وزراء جديد افتتح عهده وشعبيته بوجبة من جثث الأطفال والنساء الأبرياء.
أما آخر الحلول الإسرائيلية لمواجهة الانترنت والتقليل من تأثير معلوماتها على الرأي العام الدولي فقد قضى بتشكيل وحدات «هاغاناة» الكترونية من الطلاب اليهود والمتطوعين للدفاع عن «سمعة» إسرائيل في مختلف دول العالم. وقد نشرت جريدة التايمز البريطانية ( عدد 28/8/2008م) بعض تفاصيل هذا الحل من خلال تعليق الصحيفة على تعليمات أصدرها وزير الخارجية الإسرائيلي للدبلوماسيين المتدربين لحصر للمواقع وغرف الحوار التي تناقش سياسة وعمليات الجيش الإسرائيلي ومن ثم تفعيل دور النشطاء الصهاينة في مختلف دول العالم لبث الرسائل الداعمة للمواقف الإسرائيلية. وتشير الصحيفة إلى أن حوالي خمسة آلاف من أعضاء الاتحاد الدولي للطلاب اليهود ركبوا في أسبوع واحد برنامجا صغيرا صِّمم خصيصا لإرسال رسائل تنبيه لهؤلاء المتطوعين عن المواقع وغرف الحوار التي تكشف ممارسات الجيش الصهيوني ليتولوا الرد و تبرير المواقف الإسرائيلية بجميع اللغات. وتشترك مجموعات من المسيحيين الصهاينة (Evangelical Christian) مع المتطوعين اليهود في هذه الحملات الالكترونية التي تتم كما يقول أحدهم لمراسل «التايمز» «عندما أرى استفتاء على الانترنت يميل ضد إسرائيل أقوم على الفور بإرسال رسالة لمجموعات بريدية معينة وفي غضون 15 دقيقة تتغير النتيجة لصالح إسرائيل».
ومما يعرفه الإسرائيليون قبل غيرهم أن شعلة الانتفاضة الثانية توهّجت وكسبت أكبر دعم إعلامي عبر الانترنت وعبرها وصلت بعنفوانها إلى العالم. كما ويدركون جيدا أن بث مشاهد اغتيال الطفل «محمد الدرة» على مواقع الانترنت ترك في الرأي العام العالمي أثرا يزيد على كل جهود وزارات الخارجية العربية في خمسين عاما خاصة بعد أن انتقلت صور الطفل الشهيد من مرفقات رسائل البريد الالكتروني إلى ملصقات كانت وقود مظاهرات واحتجاجات إنسانية عارمة شارك فيها كل صاحب ضمير في المجتمع الإنساني.
ومما يثير العجب في هذا السياق هو وجود آثار لفرق «الهاغاناة» الالكترونية على بعض المنتديات الحوارية العربية ويعرفها المشرفون الفنيون كما يعرفها القراء من خلال أطروحات تحمل لافتات إنسانية وليبرالية تبدو في ظاهرها بريئة ولكنها في واقعها تصب في خدمة برامج «مكينة» الدعاية الإسرائيلية التي تحاول أن تتحكّم في وسيلة الانترنت التي وُلدت لتكون عصيّة على كل ظالم.
مسارات
قال ومضى: قد لا يؤذيك (كلام) الخصوم مهما كان قاسيا، بقدر ما يجرحك (صمت) الأصدقاء حينما تحتاجهم.
http://www.alriyadh.com/2006/08/06/article177238.html