|
حملة السطو الإعلامي في كامل عريها بقلم أنطوان شلحت |
| 30/08/2006 |
| يبدو أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان قد طاولتنا
برشاشها، في أحد جوانبها المجازية، وذلك لناحية الفقدان البات لـ"قدرة الردع"
أمام مجموعة من لصوص الإعلام المحليين، الذين ما من شغل شاغل لهم سوى التربّص
الجنائي بالمواد التي نكتبها أو نقتبسها أو نترجمها أو... أو... سواء في هذا
الموقع الإلكتروني أو في غيره. فما إن تنشر حتى يخفّ هؤلاء إلى السطو عليها
"دون أحم ولا دستور" وإلى مهرها إما بتوقيعهم الصريح تارة، وإما بـ"توقيعهم
الوظيفي" تارة أخرى وإعادة نشرها، دون وازع من ضمير، بل حتى دون أدنى قدر من
الاستقامة المهنية أو الاحترام لملكية الغير الفكرية، المنصوص عليها في الشرائع
كافة. ولا أريد التساؤل- حتى مجرّد التساؤل- عن دور التحرير، بالذات خارج الحدود، في إلقاء القبض على اللصّ متلبّسًا بالجرم المشهود ومعاقبته على ما اقترفت يداه، لأنني أفترض أن هذه الجهة تتوسّم، في لاوعيها إن لم يكن في وعيها التام، الأمانة والصدقية في من اختارته أو فرض عليها ليكون مندوبًا عنها، تغدق عليه المال والسمعة والسيرة المهنية، ولا تتوقع في أسوأ كوابيسها أن يخون الأمانة ويدوسها بجزمته. لكن- استدراكًا- هل كانت "قدرة الردع" هذه قائمة وفاعلة قبلاً؟ هل هي موجودة أصلاً؟. طبعًا لا. ويعني ذلك، ضمن أشياء أخرى، أن فعلة السطو بحدّ ذاتها لم تولد الآن، غير أن سرعة الأحداث وتواترها على مدار الساعة هو ما كشف النقاب عن كثافة حملة السطو الإعلامي هذه، التي تتبدّى هذه الأيام في كامل عريها، ولا تدّل على شيء أكثر من تدليلها على سقوط أخلاقي مريع وعلى لهاث وتكالب وراء الربح السريع وعلى كسل ذهني متأصّل وعلى سعي موهوم خلف استدرار قامات أطول من القامات الحقيقية لهؤلاء السطاة الأقزام، الأقزام فعلاً. وكل ذلك حتى لا نقول إنها قد تدلّ على "ثقافة" راسخة، فنسيء ونؤدي إلى إساءة الظنّ بمجتمع بأكمله. وللمعلومية: خلال الشهر الأخير فقط تراكمت في جعبتنا قائمة من الصعب حصرها على نماذج مفضوحة من عمليات السطو هذه... وربما يحين الوقت لنشرها على الملأ في المستقبل، لأن التلوّث الذي بات يلحقه هؤلاء بمهنة الإعلام عمومًا وبأخلاق هذه المهنة خصوصًا أصبح منذ زمان فائضًا عن القدرة على الاحتمال، التي لا توازيها قدرة الردع أهمية وخطورة. لكن قبل أن يحصل ذلك نأمل أن تصل هذه الكلمات إلى جميع المعنيين- وهم يعرفون أنفسهم جيدًا- فيرتدعون عما هم سادرون فيه من غيّ وخطايا واستباحة لجهد وعرق غيرهم... وإلا فستكون لحملة الردع وسائل أخرى. وفي هذا السياق ربما توفر هذه القائمة "مادة دسمة" للهيئة المنبثقة عن "مركز إعلام"، والتي تنكب في الفترة الأخيرة على إعداد ميثاق أخلاقي للإعلام العربي في هذه الديار، يكون في صلبه التزام لا يرّد أولاً ودائمًا بالأخلاق، التي إن فقدناها نفقد كل شيء، هذا إذا لم نكن قد فقدنا الكثير من جرّاء هذه الظاهرة الفاسقة والخطيرة. إن إعداد "ميثاق أخلاقي للإعلام العربي" هنا هو مهمة مستحقة، ليس في ضوء عمليات السطو التي لا تكل فحسب. ولا يمكن أن يقوم أحد بهذه المهمة الصميمية نيابة عنا. وقد جاءت وقائع الأيام الأخيرة بمثابة تزكية لها وإلحاح عليها، وهي الملحة أصلاً ارتباطًا بظواهر وبائية أخرى في إعلامنا ليس هنا مكان الخوض فيها، وإن أضحت هي أيضًا بحاجة إلى علاج جذري لا يتلهى عن الأسباب الحقيقية الواقفة خلفها، والتي عادة ما يجري الحديث عنها إما همسًا وإما على استحياء، بما لا ينفع في صدّها مرّة واحدة وأخيرة. |
|
إنهم يكتبون تاريخ الزمن القادم |
|
أنطوان شلحت |
|
29/07/2006 |
| يكتب لبنان، هذه الأيام، عبر المواجهة المفتوحة التي يخوضها
مع الآلة العسكرية الأكثر عتوًا في الزمن الحديث، تاريخ الزمن العربي القادم. إنها كتابة بالدم والدموع، جذوتها التحدي، وقودها المقاومة ولهيبها الصمود. التحدي، المقاومة، الصمود- مفردات من بلور طالما تكالب البعض، من المستقوين بالقوة الإسرائيلية المستغولة، لجعلها مبتذلة مبنى ومعنى- تكتب المواجهة الحالية سفر بقائها الذي يستحيل أن يطويه النسيان. ومجرّد هذا البقاء في المدى المنظور يعني أننا ليس فقط لم نهزم، وإنما أيضًا أننا لن ننهزم. فمن قال إن النصر العسكري المظفر وحده هو الدلالة المضادة للهزيمة؟. حزب الله- داخل هذه المواجهة- اسم من أسماء المقاومة الحسنى. اسم يشكل الوعي الجديد المنافي ضمن أشياء كثيرة للشرق الأوسط الجديد، اسم يهندس ممانعة الروح، ويبعث الدفء في ليالي الصحراء الباردة والشرق الغافي. لماذا الوعي بالذات؟. لأن المعركة الآن، وهنا كذلك، هي على الوعي، على "تغيير اتجاه" الوعي. وعي الحاضر بما يحيط به من عوامل تفريغ. ولا يمكن أن نطمئن إلى المستقبل، إذا لم نفهم الحاضر فهمًا موضوعيًا وتامًا. المقاومة في تاريخ الدفاع عن الذات العربية وتسوير الوعي العربي بما يقيه من عاديات المرحلة، ليست ظاهرة عابرة ولن تكون. ليست ريشة في مهب الريح. ورغم كل الرياح العاتية، والسنوات العجاف، ورغم... ورغم... فإن المقاومة في لبنان تراكم في ما يصعب حصره من التفاصيل الصغيرة، المثيرة والممتعة، تقاليد وتراثًا وثقافة، عصيّة على الاندثار، متمردة على الذوبان، حافظة لماويتها تحت ركام صور الدمار ورغم أنف خطابات الندب والعويل وظواهر سقوط الضمير بين بعض "المثقفين" وانحطاط الإنسان لدى بعض البشر وضعاف النفوس. لكن الأيام الحالية تستحضر أيضًا مبلغ استطاعة الفرد منّا، ككاتب، أن يستكشف الصفة الخاصة جدًا للمعركة المصيرية. وأكثر من ذلك تضعنا وجهًا لوجه أمام جوهر الكتابة، باعتبارها في الآن ذاته منهجًا تركيبيًا له خصوصية في إدراك الحياة. قد لا تكون الحالة اللبنانية استثنائية. أما إذا كانت كذلك، في قراءات مغايرة لا تني عن إشاعة مناخات من الإحباط واليأس، فإنها الاستثناء الذي يكشف لنا عمق قاعدة الكتابة في شروط مشابهة، وعمق ضرورتها في آن. فنحن لا نكتب في فراغ. ولا نملك ترف التأمل في جمال العالم فقط، وكل ما حولنا يحترق، يتفحم، أو يقف على فوهة بركان. وللتذكير فقط: في ظروف مشابهة، عندما اشتدّت على الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته إسرائيل، نصائح الأصدقاء بأن لا يولي الكتابة الساخنة كل هذا الاهتمام. فهي في النهاية- كما قالوا- ستقضي على إمكانياته الفنية في كتابة القصة، قال: "أنا بصراحة لا أفهم هذا المنطق. فهو نفس منطق النصائح التي كنت أسمعها وأنا في المدرسة الثانوية: اترك السياسة واهتم بدروسك، والنصائح التي سمعتها بعد ذلك في الكويت: اترك الكتابة واهتم بصحتك! هل كان عندي حقًا خيار بين المدرسة والسياسة، الكتابة والصحة، حتى يكون الآن عندي خيار بين الصحافة والقصة. أنا أريد أن أقول شيئًا. أحيانًا أستطيع قوله بكتابة الخبر الرئيسي في صحيفة الغد، وأحيانًا بصياغة الافتتاحية و.. أو صياغة خبر صغير في صفحة المجتمع. بعض المرات لا أستطيع أن أقول الذي أريد إلا بقصة. الاختيار الذي يتحدثون عنه ليس له وجود. وهو يذكرني بأحد الزملاء من معلمي اللغة العربية، الذي يطلب مع بداية كل عام من تلامذته كتابة موضوعه الإنشائي المفضل: "أيهما تفضل، حياة القرية أم حياة المدينة؟" ومعظم التلامذة يعيشون في المخيمات!". أفلا نريد أن نقول شيئًا، بل أشياء، الآن؟. إذًا فلنقل بما نستطيع القول، ولنكن على قدر المسؤولية. وإلا فالصمت أجدى، خصوصًا الآن. |