إيقاف الحروب الإسرائيلية.. شرط لتحقق السلام
جيمي كارتر ـ واشنطن بوست
تشبه منطقة الشرق الأوسط صندوق بارود على وشك الانفجار، يحيط به من كل جانب مجموعة من ‏اللاعبين يتربصون الدوائر بأعدائهم وينتظرون الفرصة المواتية لإطلاق جحيم الدمار على ‏بعضهم البعض. فإسرائيل تعاني من نقطة ضعف أساسية لا تلبث أن تثير موجات متكررة من ‏العنف بين الفينة والأخرى متمثلة في احتجازها للمعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين في سجونها ‏منذ وقت طويل. كما أن المناضلين الفلسطينيين واللبنانيين تعلموا من خلال التجارب السابقة ‏أن اسر جندي، أو مدني اسرائيلي، إما أنه يقود الى رد عنيف وتوسيع رقعة العنف، أو أنه ‏يكون ورقة فاعلة للتفاوض من أجل إطلاق أسراهم لدى إسرائيل. وتستند هذه الفكرة الى ‏العديد من المبادلات السابقة، كان أهمها إطلاق سراح 1150 معتقلا عربياً، أغلبهم من ‏الفلسطينيين مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين عام 1998، والإفراج عن 123 لبنانيا مقابل رفات ‏جنديين اسرائيليين عام 1996. وجاء آخر تبادل للأسرى في عام 2004 عندما اطلقت السلطات ‏الإسرائيلية سراح 433 فلسطينيا مقابل الإفراج عن رجل أعمال إسرائيلي، ورفات ثلاثة جنود ‏إسرائيليين.‏
ولا شك أن هذه التجارب الناجحة في تبادل الأسرى هي أحد الأسباب وراء تجدد العنف في تموز ‏الماضي إثر قيام الفلسطينيين بعملية جريئة، تمكنوا خلالها من حفر نفق أسفل الحاجز الذي ‏يحيط بغزة وأغاروا على موقع عسكري إسرائيلي ما أسفر عن مقتل جنديين وأسر ثالث. ‏ومباشرة بعد العملية أعلن الفلسطينيون رغبتهم في مبادلة الجندي الأسير بـ95 امرأة و313 ‏طفلاً معتقلين في السجون الاسرائيلية ضمن 10 آلاف اسير عربي آخر في السجون الاسرائيلية. بيد ‏أن تل ابيب التي اعتادت اجراء تبادل الأسرى، رفضت ذلك هذه المرة وشنت هجوما كاسحاً على ‏غزة في محاولة للإفراج عن الجندي ووقف اطلاق الصواريخ التي تستهدف اسرائيل. وقد رأينا كيف ‏ان القصف الإسرائيلي سرّع في توصل الفصائل الفلسطينية المتصارعة الى اتفاق وحشد التأييد ‏العربي لصالحهم.‏
بعد ذلك قامت عناصر «حزب الله» بتنفيذ هجوم مشابه في شمال إسرائيل سقط فيه جنديان ‏اسرائيليان وأسر آخران، حيث أصر الحزب على ضرورة انسحاب اسرائيل من الأراضي اللبنانية ‏وإجراء تبادل تفرج اسرآئيل بموجبه عن آلاف الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية. فما ‏كان من الدولة اليهودية التي تدعمها الولايات المتحدة إلا امطار لبنان بالصواريخ ‏والقنابل لكي يرد «حزب الله» باستهداف المدن الواقعة في شمال إسرائيل. وإذا كنا لا نجادل في ‏حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والتصدي للهجمات التي تستهدف المدنيين، إلا أنه أمر مناف ‏للإنسانية وذو نتائج عكسية أن يصار الى معاقبة المدنيين اللبنانيين على أمل أن يلوم ‏الشعبان «حزب الله» و«حماس» على استفزاز اسرائيل واستجلابهم الويلات والخراب. والواقع أن ‏الاستعمال المفرط للقوة من قبل الجيش الإسرائيلي والإمعان في قتل المدنيين زاد من شعبية ‏‏«حماس» و«حزب الله» في العالم العربي وألهب مشاعرهم المدنية والناقمة على اسرائيل والولايات ‏المتحدة.‏
ومؤخراً، وبعد تلكؤ واضح، استجابت إسرائيل للضغوط الدولية الناجمة عن هجومها الأخير على ‏بلدة قانا اللبنانية التي ذهب ضحيتها 57 مدنياً ووافقت على وقف اطلاق النار لمدة يومين ‏دون ان تنفذه فعليا. وكما في المرة السابقة التي تعرضت فيها قانا لهجوم إسرائيلي اسفر ‏عن مقتل 106 مدنيين، قبل عشر سنوات، سمعنا هذه المرة أيضاً عبارات الأسف العميق من ‏إسرائيل ووعودها بفتح تحقيق في الموضوع مصحوبة بتبريرات تشير الى توزيع الجيش الإسرائيلي ‏لمنشورات تطلب الى العائلات في المنطقة مغادرة بيوتهم. ما هو مطلوب اليوم في لبنان على نحو ‏مستعجل هو وقف اسرائيل لهجومها على المدنيين وبسط الجيش النظامي لكامل سيطرته على ‏المناطق الجنوبية للبلاد، ثم توقف «حزب الله» عن لعب دور القوة المنفصلة عن الجيش اللبناني، ‏وأخيراً ايجاد آلية تضمن عدم تجدد الهجمات على شمال إسرائيل. ولتحقيق هذه الأهداف لا بد ‏لإسرائيل ان تنسحب من كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها مزارع شبعا، والإفراج عن ‏المعتقلين. ومع أن الحل واضح، رفض ايهود أولمرت في تصريح له أي وقف لإطلاق النار متوعداً ‏بالمزيد من العنف والدمار.‏
وما لم يتحرك المجتمع الدولي في اتجاه اقرار الحل السالف الذكر، لن يتمكن مجلس الأمن من إحلال ‏السلم في المنطقة حتى ولو اصدر قراراً يطالب بوقف إطلاق النار وأغفل باقي القضايا ‏المرتبطة بحل شامل. فالمأساة الحالية في الشرق الأوسط واستمرار اندلاع العنف دون توقف، انما ‏هو ناتج عن غياب تسوية شاملة تعالج جميع القضايا العالقة. وقد زاد من تأجج العنف غياب ‏جهود حقيقية للوصول الى تسوية تأخذ في عين الاعتبار مطالب جميع الأطراف. يضاف إلى ذلك ان ‏القادة السياسيين على الجانبين، يتجاهلون أغلبية الرأي العام في بلدانهم والتي تتوق الى ‏السلام، بل يعملون في المقابل على تعزيز موقف المتشددين الذين يعرقلون اية فرصة للوصول ‏الى اتفاق سياسي يوقف العنف وينهي الصراع. فالاسرائيليون متوجسون ويتشبثون بالأمل ‏الكاذب من أن حياتهم ستكون اكثر امنا من خلال سياسية الانسحاب التدريجي من الأراضي ‏المحتلة، بينما يرى الفلسطينيون كيف أصبحت مناطقهم مجرد أراض مهمشة محاطة بجدار عازل يحرج ‏اصدقاء اسرائيل في حين يعجز عن ضمان الأمن والطمأنينة للإسرائيليين.‏
ولم يعد خافياً على أحد الشروط الواجب توفرها لتحقيق هدف الدولتين الفلسطينية ‏والاسرائيلية. هذا الهدف الذي لن يتم التوصل إليه في هذه المنطقة المضطربة ما دامت ‏إسرائيل تنتهك قرارات الأمم المتحدة، إلى جانب السياسة الأميركية الرسمية والقانون الدولي ‏من خلال استمرار احتلالها للأراضي العربية وقمع الشعب الفلسطيني. وباستثناء بعض التعديلات ‏الطفيفة التي سيتم الاتفاق عليها بين الجانبين على إسرائيل أن تنسحب الى حدود 1967 وتكف ‏عن شن الحروب ضد أعدائها.‏
*منقول
 

www.safsaf.org