|
ليبيريا
وإسرائيل متشابهتان وللعرق دور في تحيز أمريكا للدولة العبرية وإهمالها
دولة العبيد السابقين
إسرائيـل و ليبيريـا
تبدو المقارنة بين ليبيريا وإسرائيل ساذجة في مستوي واحد.
فهل اليهود عرق حقا أم أنهم جماعة دينية مختلطة الأعراق؟ نعلم أن هتلر
نظر إلي اليهود كعرق ـ مع ما نجم عن ذلك من نتائج مروعة ـ وبالتأكيد لم
يكن هتلر أفضل قاض في أي من الأمرين، الأعراق أو الأديان.
ونظر شكسبير أيضا قبل هتلر إلي اليهود كعرق جزئيا، وقدم
شكسبير لشايلوك ميزات عنصرية بالإضافة إلي سمات دينية. والأكثر أهمية حتي
الآن، هو ما إذا اعتبر اليهود أنفسهم عرقا في القرن العشرين، وهل يعتبر
الإسرائيليون أنفسهم عرقا أسمي من جيرانهم العرب؟
المؤشرات غير مقنعة جدا، فإذا كان اليهود عرقا بالفعل،
فهم علي الأقل يناقضون فرضية أن العرق هو، نفس الشيء، كاللون. اليهود علي
الأغلب عرق مختلط الأصباغ، عرق بألوان قوس قزح، ويتسع الفرق بين يهود
إفريقيا الفلاشا السود، ويهود آسيا البنيين السفارديم وشمال افريقيا،
وبين يهود أوروبا الاشكناز البيض. وتشير دراسات الإبادة الجماعية، إلي أن
اليهود كانوا في الأزمان القديمة خليطا من شعوب ذات أصول عرقية مختلفة،
توحدت من خلال دين مشترك ـ اليهودية ـ في الشتات اليهودي خلال الألفي سنة
الماضية، حيث اختلط اليهود مع السكان المحليين في كل مكان استقروا فيه،
وذهب آرثر كوستلر في كتابه القبيلة الثالثة عشرة عام 1976 أبعد من ذلك
بزعمه أن العديد من يهود شرق أوروبا كانوا قد انحدروا من الخزر، وأصلهم
من الأتراك العادين الذين تحولوا إلي اليهودية حوالي عام 740، وتشير أغلب
الدلائل إلي أن اليهود شعب وليسوا عرقا.
ليست الحقائق هي المشكلة حول الإسرائيليين من وجهة نظر
هذه المحاولة، وإنما صورة اليهود في الولايات المتحدة، وقابلية الجدل بأن
اليهود الوحيدين الذين عرفهم الأمريكيون البيض مباشرة، هم يهود بيض، فهل
تفترض الغالبية العظمي من الأمريكيين أن كل اليهود من البيض؟ ذلك أكثر من
مجرد احتمال، وربما هو أحد العوامل المؤدية إلي تفضيل البيض الأمريكيين
لإسرائيل، وبسبب هذه الاعتبارات، فربما يعتمد فحص واحد علي صيغة عباد
الشمس للمقارنة بين العامل العرقي والعامل الديني في سياسة الولايات
المتحدة الخارجية ومقارنتها تجاه إسرائيل بسياستها تجاه ليبيريا.
تعتبر ليبيريا وليدة ما بعد العبودية لإعادة توطين بعض
الناجين من تجارة العبيد عبر الأطلسي. أما إسرائيل فهي وليدة ما بعد
الكارثة النازية لإعادة توطين الناجين من الاضطهاد الأوروبي وغرف الغاز.
ولدت ليبيريا من روح الصهيونية السوداء والتوق إلي العودة إلي أرض
الأجداد المقدسة، واستوطنت جزئيا من قبل أحفاد أولئك المعتقين من
العبودية الغربية، كما استوطنت إسرائيل جزئيا من قبل أولئك الذين تحرروا
من العنصرية الغربية. واعتبرت ليبيريا الجمهورية الوحيدة في إفريقيا
السوداء لأكثر من قرن، كما اعتبرت إسرائيل الديمقراطية التحررية الوحيدة
في الشرق الأوسط لنصف قرن.
كان الضمير الأمريكي منزعجا بشأن قضية ليبيريا، في
النهاية، فالحكام الأوائل لأول جمهورية إفريقية هم أنفسهم عبيد سابقون
تحرروا من العبودية الأمريكية، وحتي أبراهام لنكولن اقتنع بأن السود
والبيض لا ينتمون حقيقة إلي نفس الجمهورية، وأيد المجتمع الأمريكي
الاستعماري في جهوده لإعادة السود إلي وطنهم إفريقيا، وأكد لنكولن: سأقول
بالإضافة إلي هذا، بأن هناك فرقا طبيعيا بين العرقين الأبيض والأسود،
واعتقد أن هذا الفرق سيمنع العرقين إلي الأبد من العيش معا حسب شروط
المساواة الاجتماعية والسياسية .
قال لنكون ذلك بعد تأسيس ليبيريا وبعد استقلالها إبان
حياته، وكان قلق الضمير الأمريكي نحو حالة اليهود تحت النازية أقل بكثير
منه نحو ليبيريا الأمريكية، وربما كان ينبغي أن يبكر بقرن كامل. فلماذا
أنفقت الولايات المتحدة إذن من الدولارات علي دولة إسرائيل في أقل من
ستين عاما، أضعاف ما أنفقته علي جمهورية ليبيريا في أكثر من 140 سنة منذ
استقلالها؟ لا يمكن الرد بأن مرتبة إسرائيل مسؤولية أطول أجلا! إذ كانت
ليبيريا كمسؤولية أمريكية أقدم بأكثر من قرن من إسرائيل كمهمة أمريكية،
وليست الإجابة علي التفاوت في الكرم الأمريكي هي أن إسرائيل مركز
للاستثمارات الأمريكية الخاصة أكثر من ليبيريا، علي العكس، فنحن نعرف أن
الاستثمارات الأمريكية في مطاط ليبيريا وجزئيا في المعادن النفيسة، أكبر
من نسبة أي استثمارات أمريكية في الصناعات الإسرائيلية، كما لا يمكن
تفسير عدم التناسب في الكرم الأمريكي بين إسرائيل وليبيريا بسبب المقارنة
بين قرب نظاميهما من النظام الحكومي الأمريكي، لأن ثورة الرقيب دو Doe في
ليبيريا في الثمانينيات شكلت معضلة لليبيريا التي أظهرت الكثير جدا من
محاكاة النظام السياسي الأمريكي وتقليد الأخلاقيات الأمريكية التي استمرت
طوال قرن كامل قبل ميلاد إسرائيل، وقد مثلت ليبيريا طليعة أمريكية للتمسك
بالنظام الجمهوري في القارة المظلمة .
لا يمكن أن تستند الإجابة بالتأكيد علي التفاوت في الكرم
الأمريكي نحو إسرائيل وليبيريا علي حقيقة أن التحالف الأمريكي الوطيد مع
ليبيريا يحتمل أن يُضّر بالمصالح الأمريكية في إفريقيا أكثر مما يضر
التحالف المتين مع إسرائيل بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. علي
العكس تماما، فعلاقات الولايات المتحدة مع ليبيريا علي المستوي الإقليمي
لا تحرجها في شيء، بينما تضمنت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل
عسكريا، عاملا دائما من الشك والمغامرة فيما يتعلق بالاهتمامات الأمريكية
في العالم العربي، لا بسبب قرب إسرائيل بالضرورة للولايات المتحدة لغويا
أكثر من ليبيريا، فاللغة الإنكليزية من حيث الواقع لغة ثانية لإسرائيل،
لكنها لغة العمل الأولي في ليبيريا، وليس لأن إسرائيل أقرب من ليبيريا
للاندماج مع الاقتصاد الأمريكي، فدور شركة فيرستون للمطاط في ليبيريا هو
جانب واحد فقط، وبينما تناقش إسرائيل إمكانية استبدال عملتها بالدولار،
فإن عملة ليبيريا الوحيدة هي الدولار الأمريكي، ربما يبدو ذلك كرما كافيا
من جانب الولايات المتحدة. ومع ذلك لا يوجد نظير ليبيري لخطط إسرائيل
والولايات المتحدة لدمج اقتصادياتهما بعمق أكثر خلال العقد القادم. ومن
وجهة نظر اقتصادية، بقيت ليبيريا بعيدة في البرد، بينما يُسمح لإسرائيل
بدخول الاقتصاد الأمريكي إلي حد أبعد.
إذن لماذا المثابرة علي هذا الفارق في الكرم؟ هناك مبرران
لاستمرار الولايات المتحدة في ضخ مليارات الدولارات لإسرائيل ومساهمتها
بمبلغ زهيد فقط لليبيريا، أحدهما عامل إستراتيجي والآخر عرقي.
إن الاهتمامات الأمريكية الإستراتيجية في الشرق الأوسط
أكثر أهمية بكثير من غرب إفريقيا في الحقيقة، ورغم أن للولايات المتحدة
عملاء دائمين بين دول عربية في المنطقة، فهي لم تعطهم أبدا المقام المعطي
لإسرائيل من الدعم الاقتصادي حتي قبل الثروة النفطية العربية. وقد أدي
دعم الولايات المتحدة لإسرائيل غير المتلائم مع قواعد النقد النزيهة إلي
تعريض مصالحها الحيوية في المنطقة للخطر أحيانا بدلا من حمايتها.
كذلك فإن الاهتمامات الإستراتيجية الأمريكية في الشرق
الأوسط أقل أهمية حيوية من اهتمام حلفائها في حلف شمال الأطلسي في أوروبا
الغربية الذين يعتمدون أكثر من أمريكا علي نفط الشرق الأوسط، وعلي تجارة
شرقي قناة السويس، ومع ذلك، أعطت أوروبا الغربية للشرق الأوسط آذانا أقل
صمما من العم سام، وتهيأت أوروبا الغربية للترحيب بفكرة دولة فلسطينية
مستقلة في ظل ظروف معينة، بينما بقيت الولايات المتحدة جزءا من الجبهة
المعارضة في هذا الموضوع إلي جانب إسرائيل وليبيا.
وهكذا يستمر اللغز، فهل للعرق صلة وثيقة بالموضوع؟ هل
يمكن التصور في النهاية أن الأمريكيين البيض يشعرون بالقرب من
الإسرائيليين أكثر من الليبيريين، وذلك لأن لإسرائيل قيادة أوروبية في
نهاية الأمر في حين أن الليبيريين سود كليا؟ وهل جماعة الضغط المدافعة عن
مصالح إسرائيل في أمريكا أيضا من الغالبية الساحقة البيضاء المؤثرة،
بينما مجموعات الضغط المدافعة عن دول إفريقية كليبيريا، إما غير موجودة
أو أنها سوداء محدودة الأثر؟ وأخيراً، هل من المعقول أن التضامن العنصري
بين المؤسسات الحاكمة في إسرائيل وأمريكا، أكثر تأثيراً سياسيا من
التضامن الديني بين الحاكمين في ليبيريا والعم سام خلال المائة والأربعين
عاما الماضية؟
خطـة مارشـال وإرث هيروشيمـا
ثمة نماذج أوسع في التاريخ الأمريكي في هذا المجال،
فالمواقف الأكثر كرماً هي التي اتخذها الأمريكيون البيض لزملائهم من
الشعوب البيضاء، والمواقف الأكثر دناءة التي اتخذها البيض الأمريكيون
كانت لغير البيض. وصل الكرم الأمريكي قمته مع خطة مارشال، وتدرجت الدناءة
الأمريكية من الإبادة الجماعية لسكان أمريكا الأصليين إلي إسقاط القنابل
الذرية علي هيروشيما ونغازاكي، ومن القتل المتعمد للزنوج إلي الحرب في
فيتنام.
ويقتصر نقاشنا بالتحديد علي القرن العشرين وعلي هيروشيما
ونغازاكي، وتعتبر فيتنام أسوأ الحلقات في السياسة الأمريكية وضحاياها من
الآسيويين. أما خطة مارشال للمساعدات، فهي الحدث الأكثر تألقا في السياسة
الأمريكية للقرن العشرين والمستفيدون منها هم أوروبيون.
أثر الوعي العرقي في الولايات المتحدة أحيانا علي خيارات
الاستراتيجيين الأمريكيين في حقول التجارب العسكرية وضحايا الحرب الذرية
والكيميائية للإستراتيجية الأمريكية. كما أثّر هذا الوعي العرقي أيضا علي
اختيار المستفيدين البيض اقتصاديا من خطة مارشال الأمريكية. وقاد الرئيس
الأمريكي هاري ترومان الأمرين، إسقاط القنابل علي هيروشيما ونغازاكي
وتدشين خطة مارشال التي بدأت في حزيران (يونيو) 1947 حين اقترح سكرتير
الدولة الجنرال جورج مارشال خطة الإنعاش الأوروبية التي قدر لها أن تلعب
دورا أساسيا في إعادة بناء وتجديد شباب أوروبا المدمرة بالحرب العالمية
الثانية.
أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب العشرين مليار دولار
كجزء لإعادة اعمار أوروبا، فهل سيصوت الكونغرس الأمريكي في أي وقت، علي
إنفاق مبلغ من المال كهذا لإنقاذ مجتمعات غير بيضاء، آخذين بعين الاعتبار
تغيير قيمة الدولار اليوم؟ تحتاج إفريقيا في تسعينيات القرن العشرين إلي
عملية إنقاذ بحجم خطة مارشال علي الأقل، ومع ذلك أجبرت الولايات المتحدة
عام 1983 جمعية التطوير العالمية التابعة للبنك الدولي علي خفض موازنتها
لأفقر الفقراء بدل زيادتها.
هل كان الاعتداء الإسرائيلي علي بيروت في عام 1982 نظيرا
عربيا لهيروشيما، وحقل تجارب آخر للأسلحة الأمريكية الجديدة؟ بحسب تقرير
أمريكي، تُرك زمام مستودع الأسلحة بطريقة لم تشاهد منذ الحرب الفيتنامية،
وذعر أولئك الذين شاهدوا النتائج للوهلة الأولي بوضوح .... استخدام
القنابل العنقودية والقذائف الفسفورية البيضاء، والأسلحة الخبيثة واسع
الانتشار أُسقطت القنابل فوق شاتيلا وبرج البراجنة قنابل لم تُر في
السابق فوق مثل هذه المناطق المأهولة بكثافة، تنطلق الصواريخ من الطائرات
كلمح البصر وتنفجر علي ارتفاع خمسين قدما في سماوات من الغيوم الدخانية
لترش قنابل أصغر في قوس أوسع حولها كما يبدو .
مرة أخري أصبحت إسرائيل واحدة من نقاط الالتقاء بين
التراث الأمريكي الايجابي لخطة مارشال والإرث الأمريكي الوضيع لهيروشيما.
أصبحت الدولة اليهودية في الواقع استمرارا فعليا لبرنامج مارشال مثل
أوروبا الغربية، وفيما جري تدمير اليهود بالرعب النازي والحرب العالمية
الثانية، أنفقت الولايات المتحدة علي إسرائيل الآن أكثر من إنفاقها علي
برنامج مارشال بأكمله، وأصبحت المساعدات الخارجية الأمريكية خطة مارشال
أبدية لإسرائيل.
ما من أحد خارج العالم العربي يريد أن يحسد الدولة
اليهودية علي مبالغ كهذه؛ وما يثير الاستغراب هو التناقض التام بين دعم
إسرائيل وإحجام العم سام عن الاهتمام، سواء بالمواطنين السود أو بالعالم
الأوسع من غير البيض، وفي حين خفضت إدارة ريغان دعم برامج الإغاثة
للمستفيدين السود داخل أمريكا، زادت نفس الإدارة دعمها لليهود خارج
الولايات المتحدة، إذ تتلقي دولة أجنبية عدد سكانها أقل من ستة ملاين
نسمة من العم سام اهتماما أكثر مما تتلقاه أقلية أمريكية تعدادها أربعون
مليوناً من السكان، فهل يريد العم سام سماع أي شيء عن هذا؟ هل يبقي
الموضوع العنصري هراءً متطرفا برأي بعض الدوائر الأمريكية؟ هل الفحص
النقدي لإسرائيل أحد أكثر المحرمات بين كل المواضيع في نيويورك؟ باختصار،
هل يوشك العم سام علي إغلاق سماعة أذنيه لتحاشي المواضيع البغيضة مرة
أخري؟ إن بعض أشكال المراقبة علي المطبوعات تحاول منع الآراء غير
المرغوبة من التداول، وقد أتقن العم سام مراقبة مطبوعات خاصة به لمنع
نفسه من سماع أصوات العالم التي يمكن أن تزعجه. وهكذا، خُلق البعض
طرشانا، والبعض أصبحوا طرشانا، وآخرون أصابوا أنفسهم بالصمم.
الإسلام و الماركـسية
استعدت الولايات المتحدة للاستماع أخيرا إلي الرسائل
الصادرة عن الماركسية من جانب، وعن الإسلام من الجانب الآخر، لقد بدأت
المعارضة الماركسية للولايات المتحدة في العالم الثالث بشأن موضوع
الاقتصاد الأمريكي الإمبريالي، والتحفظات الإسلامية تجاه الولايات
المتحدة حول موضوع ثقافة أمريكا الإمبريالية تقلقان الولايات المتحدة. لا
يريد ماركسيو العالم الثالث أن يخضع اقتصادهم للسيطرة والاستغلال من
الغرب، ولا يرغب مسلمو العالم الثالث بأن تمتهن ثقافتهم من قبل الغرب.
يقوم ماركسيو العالم الثالث بالترويج لماركس في نضاله ضد العم سام لأجل
المصادر الاقتصادية، أما مسلمو العالم الثالث فيواجه المحمديون العم سام
في النضال لإنقاذ البشرية.
ربما يبدو الموقفان مختلفين بنظر العم سام، فالموقف ضد
الماركسية استراتيجي وديني، والموقف ضد الإسلام عنصري وديني. العمل ضد
الماركسية تقسيم للعالم بين الشرق والغرب، والعمل ضد الأصولية الإسلامية
تقسيم شمالي ـ جنوبي. الموقف ضد الماركسية أولا وقبل كل شيء، حرب أهلية
للبيض ضد البيض، والموقف ضد الأصولية الإسلامية حرب عرقية للبيض ضد غير
البيض. بعبارة أخري، ينظر العم سام إلي كل مظاهر الماركسية في العالم
الثالث علي أنها مجرد امتدادات للمواجهة الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي،
الشرق ضد الغرب والبيض ضد البيض. وهناك افتراض من السلام والاستقرار في
علاقات الشرق- غرب، بينما هناك فرضية حول التعصب الديني وعدم الاستقرار
في العلاقات مع العالم الإسلامي، فالإسلام دين أفرو ـ آسيوي أساسا،
والواقع أن كل الدول الإسلامية إما آسيوية أو إفريقية، فالإسلام دين لغير
البيض إلي حد ما، وهذا بالتحديد هو سحر الإسلام حقا لسود أمريكا أحيانا،
من ملكولم إكس إلي الملاكم محمد علي، والحملة الصليبية من جانب البيض ضد
الأصولية الإسلامية هي جزئيا حملة ضد إصرار وتحدي القوي غير البيضاء.
يرفض العم سام الإنصات إلي أن ماركسية العالم الثالث ليست
امتدادا للتوتر شرق ـ غرب، ولكنها في الحقيقة تعبير عن ارتباك العلاقة
بين الشمال- جنوب، إذ لا يتجه الناس في القسم الجنوبي من الكرة الأرضية
إلي الماركسية لأنهم ضد المسيحية مبدئيا، أو لأنهم حتي ضد الرأسمالية، بل
بسبب كونهم ضد الإمبريالية، انزع قشرة ماركسية العالم الثالث فستجد تحتها
وطنيته، والهدف النهائي للعداء هنا، ليس الرأسمالية كأسلوب في الإنتاج،
بل للإمبريالية كنهج في السيطرة. فالبرجوازية المحلية في إفريقيا، أقل
تهديدا بكثير من العمال الأمريكيين بالتأكيد، والانقسامات ليست حقا بين
طبقات وطنية، ولكنها بين قوي تكتل عالمية. يقف ماركسيو العالم الثالث ضد
الأمريكيين أكثر لأن أمريكا قوة عالمية مسيطرة علي اقتصادياتهم، أكثر مما
بسبب امتلاكها صيغة إنتاج رأسمالية.
ينبغي علي أمريكا أن تملك القدرة علي التمييز في الاستماع
إلي رسائل العالم الإسلامي. من الواضح أن الثورة الإيرانية ليست ضد
المسيحية، لكنها معادية للغرب. لم يكن العداء الرئيسي مركزا علي
الفاتيكان، بل علي واشنطن، ليس ضد الصليب، ولكن ضد لافتة النجم المتلألئ.
إن العواطف الإيرانية دينية، لكن الهدف علماني، وهي ليست تورطا
صليبــــيا قديما بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد. بل إنها صليبية
معاصرة يشارك فيها المؤذن من المئذنة وفارس الاسطوانة، بين آية الله
ومغني الموسيقي الصاخبة البوب .
تحالفت الماركسية والإسلام لمنع أمركة العالم بطريقة
فضولية، وافترقا في أي جهد لأنسنة أمريكا. حاول الماركسيون منع الاختراق
الأمريكي إلي حد أبعد في اقتصاد العالم برفع هتاف يدعو العمال والمعدمين
إلي المقاومة، وحاول الإسلام حشد المقاومة لثقافة الإمبريالية الأمريكية
بالدعوة إلي أصالة رؤيا العالم الثالث وكرامته الثقافية.
حقق المسلمون والماركسيون تقدما في منع أمركة الإنسانية
أكثر مما حققوه في تبني أنسنة أمريكا، ولم يكتشف أحد بعد كيف يُجري عملية
جراحية لأذن العم سام كي تتعافي من الصمم.
خـلاصـة
بدأ هذا الفصل بنظرية أن الأمريكيين بارعون في التبليغ
ومستمعون سيئون، ثم جري الانتقال إلي النظرية المتعلقة بأن العالم أقرب
إلي أمركة الإنسانية منه إلي أنسنة أمريكا، وربما بالغت هذه النظريات
شيئا ما، لكن فيها ما يكفي لمطالبة العم سام بالاكتراث.
استخدمنا الصيغة المجازية لسماعة أذن العم سام كي نؤكد
علي موضوع الاختيار في الإعلام، ويمكن لسماعات الأذن أن تفتح أو تغلق، أن
تحذر أو لا تحذر. وفي حالة الولايات المتحدة، فالمسألة هي الاستعداد إلي
الإنصات أو عدمه. وضعنا أمامنا فرضية أن أمريكا كانت في القرن العشرين
أكثر استعدادا للتصريح برأيها أكثر من استعدادها للإجابة، وأكثر استعدادا
بكثير للتكلم بوضوح من استعدادها للاستماع.ثم قدمنا جزءا من التوضيح، وهو
أن الولايات المتحدة متحررة دينيا، لكنها متعصبة عرقيا، وقـــد أثر هذا
علي رد الفعل الأمريكي علي الماركسية والإسلام كأكبر متحدين للعم سام.
وما ينبغي تذكره هو أن العم سام يعتبر الماركسية كتقسيم بين الشرق والغرب
تتشارك فيه علاقات بين البيض والبيض، بينما يبرز الإسلام كمواجهة بين
الشمال والجنوب، بين البيض وغير البيض.
يكمن خلف كل هذا، استمرار التوتر بين الدين والعرق في
الطبيعة المعقدة والمعذبة للروح الأمريكية. أمريكا! هل تريدين مساعدة؟
سمعناك أمريكا !! فهل تسمعيننا؟
--------------------------
ترجمة زيد أبو
العلا - ANA |