د. نقولا زيادة في ذمة التاريخ
بقلم: أديب قعوار

 نقولا زيادة الذي كتب وعلم التاريخ في ذمة التاريخ

 
عرفت الدكتور نقولا زيادة منذ خمسة عقود ونصف وكان أستاذاً للتاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت وقد ابتدأت دراستي الجامعية فيها عام 1950 وكنا ولا نزال نلتقي بين فترة وأخرى في مناسبات أكثرها ثقافية وأنشطة قومية وكانت آخر تلك المناسبات عندما زرته في منزله لأطلب منه كتابة مقدمة لكتابي الأخير "التعليم الفلسطيني قبل وبعد 1948" خصوصاً أنه بدأ حياته العملية وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره معلماً في مدارس فلسطين، كتب وهو المعروف بظرفه وكتاباته وأحاديثه الشيقة قائلاً:
 
 "تجمعني بأديب قعوار أمور ثلاثة: الأول أنه ناصري، من الناصرة في شمال فلسطين، مع خلاف بسيط، فأنا قرميتي ناصرية لكن مسقط رأسي دمشقي (2 كانون الأول 1907)، أما أديب فهو ناصري قرمية ووضعاً.

 

"الأمر الثاني  فهو صداقة لا أقدر مداها سنوات، ولكنني أرى فيها من العمق ما يحصنها.

 

"والأمر الثالث أن كلانا مثل مئات الألوف من أمثالنا نحمل هم فلسطين. ومع أن الهم قد لا يختلف درجات، ولكن العمل المباشر في سبيل القضية يختلف بين هذه المئات من الألوف، نساءً ورجالاً، إختلافاً كبيراً. فهناك المتأمل والمفكر، وهناك الكاتب والمؤلف الصامت، وهناك العامل الهادىء المتزن وهناك من يقتله السلاح."

 

رأيت أن أقتطف من هذه المقدمة هذه الأسطر لأنها  تختزل الكثير عن حياته وقرميته ومنشأئه ومدى تعلقه بفلسطين حيث قرميته فيها أعمق وأعتى من أن يقتلعها الإستعمار الصهيوني، هذا الإستعمار الذي يحاول تغيير معالمها ويهودها ولكن ذلك لا يتعدى القشرة ولكن الجذور فلا تزال عربية وأعمق من أن تقتلع جزور نقولا زيادة وقرميتنا نحن منها.

 

نقولا زيادة العجوز الشاب الروح والعطاء حتى ليلة تركنا فيها كان لا يزال يعطي بالكتابة والتأليف والبحث في التاريخ وغيره من العلوم الإنسانية، يلقي المحاضرات فتمتلىء القاعات وينتظره الكثيرون لسماعه ومشاهدتة في مقابلاته التلفزيونية الشيقة والظريفة والطافحة بالمعلومات والذكريات ولا عجب، فقد كاد يكمل العقود العشرة من هذا العمر المديد الذي لم يشبع ولم يشبع محبية وتلامذته وأصدقائه ومقدريه ولا محبيه منه. وخلال إحدى مقابلاته التلفزيونيه منذ حوالي ثلاث سنوات، وكان يتكلم عن ذكرياته وحياته ومنجزاته ختمت مقدمة البرامج المقابلة قائلة "عقبال المية يا دكتور" فأجابها وهو المعروف بسرعة البديهة والظرف: "ليش مستعجلة علي".

 

 

 

2006/07/29

 

 

 

 


نقولا زيادة:

 العربي الطائر


 
 
تحت المئة بعام سقط نقولا زيادة واسقطته في الغالب عاصفة هذا الصيف العاتي هو الذي كان يهيئ لميلاده المئة متأكداً من بلوغه. لبناني من أصل فلسطيني مولود في دمشق. تقول سيرته. انه العربي الطائر وما كنا لنجد بداية افضل من هذه لمؤرخ. من جمع المشرق العربي في ولادته اضاف إليها المغرب فدرس في ليبيا وغدا خبيراً بالمغرب العربي كله. كان نقولا زيادة من النخبة التي صنعت هذا القرن. لقد تكون في مشروع التحديث العربي وفي ابان التراسل والتقاطع بين الشرق والغرب، فالرجل الذي نال الدكتوراه من جامعة لندن عام 1950 نالها عن موضوع اثير إليه <تاريخ المدن
السورية>. والحق ان نقولا زيادة ظل هائماً بين هذه المدن مؤسساً بين مؤسسين اوائل لثقافة مدينية. بين دمشق والناصرة والقدس وبيروت عاش رجل وسعت حياته كل هذه التقاطعات، ووسعها مؤلفه ايضا الذي توزع على القديم والحديث. مديني حديث وبهذه الصفة ساهم نقولا زيادة في بلورة الفكرة القومية <الوطنية والعروبة> و<العروبة في ميزان الوطنية>. وكانت فلسطين بالطبع في قلب هذه الفكرة إن لم تكن قلبها. في حياته الطويلة انجز نقولا زيادة لا قائمة طويلة من المؤلفات فحسب، بل قائمة اطول من الاعمال. استاذ في فلسطين وهارفرد وبرقة وبيروت، عمر اكاديمي خصب لكن ايضا عمر سياسي واجتماعي لا يقل خصوبة. واكثر من ذلك نموذج لممانعة قرن، وشهادة على قرون، ونمط من الرجال والحياة والسلوك لا مثيل له. سقطت حياة نقولا زيادة تحت المئة لكن عاشها حتى الثمالة وحتى آخر يوم. كان سعيدا بشيخوخته سعادته بشبابه. اما الذين عرفوه فقد رأوا كيف يبقى المرء حساساً لزمنه ولعصره مهما كان هذا العصر. الذين عرفوه ادركوا كيف يولد المرء ليكون مؤرخاً ولينجز تاريخاً او يسهم في صناعة تاريخ.
©2006 جريدة السفير
 

www.safsaf.org