مقولة السيّد المسيح الباقية ما بقي الإنسان على الأرض : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ،لا تقلّل من أهميّة الخبز ، فهي بعد الخبز ومعه ، تمجّد الحريّة ، وتلّح على معنى حياة الإنسان على الأرض .
من المفاهيم الفلسفيّة التي تعلي من شأن الإنسان ، أن الإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل ، ولذا لا نستغرب تقتير الفلاسفة والمتصوّفة على أنفسهم ، وفحش آخرين يعيشون لينهبوا ، ويسرقوا ، بلا قيم عليّا تحكم سلوكهم ، ولا ضوابط تحّد من جشعهم .
تشبثّاً بالكرامة وعزّة النفس ، يكتفي كثير من الناس بالخبز والزعتر في فلسطين ، أو بالخبز و( الدقّة) وهي من أقارب الزعتر ، مع قليل من زيت الزيتون إن توفّر.
المثل يقول : كل لنفسك والبس للناس ، يعني ما تأكله في دارك لا يراه الناس ، ولا يحاسبونك عليه ، أمّا في ( الشارع ، فالبس لباساً نظيفاً ، مناسباً ، لائقاً يستر جسدك ، أي كن صاحب ذوق .
على سيرة الجوع نستذكر سيئة الصيت والخاتمة ماري أنطوانيت ، ملكة فرنسا ، وتساؤلها الساذج الذي يفضح انفصام العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، عندما تناهى صخب جوعى باريس المندفعين احتجاجاً في الشوارع مطالبين بالخبز : لماذا لا يأكلون الكيك ؟!
تعلمون أن ثوّار باريس جزّوا عنقها البدينة الملغلغة ، لأنهم لم يجدوا الخبز الحاف ، ولأن ملكة لا تعرف أن ( رعيتها) تبيت على الطوى ، تستحّق ذلك العقاب الصارم ، ومثلها أي حاكم ، أو حاكمة ، أو (سلطة ) فاسدة ...
بعد 5 أشهر من عدم صرف رواتب ل165 ألف موظّف جاعت البطون ، والأطفال احتاجوا للحليب ، ودفاتر المدارس ، و( الهدوم) التي تستر الأجساد ، فالفلسطينيون يبردون شتاءً ، ويصطلون بالحّر صيفاً ، ونساؤهم مثل بقيّة النساء ، وإن كنّ غير متطلبات ، يحتجن للثوب الريفي ،والفستان المديني ، أو البنطلون ( الجينز) لرخصه لا إعجاباً بالمنتج الأمريكي ، وهنّ لا يطالبن بالعطور والمساحيق فهن من شعب مسحوق ، والرجال يدخنّون ممتصين السجائر بغّل ومخرجين الدخان بقرف في وجه العالم كلّه ، وهم يتابعون تصريحات قيادات ( هم) المنفرّة المغثية ، عندما تخرج أجسادهم المترفة من سيّارات فارهة محروسة بمرافقين يضفون على ( قادتهم) أهميّة مفتعلة ببعض الحركات التي لا لزوم لها ، راسمين على وجوههم ابتسامات الرضى عن قيادات( هم) التي تقول كلاماً كبيراً يتابعه صحفيو وصحفيات الفضائيّات ، ولا يهتم به أحد من فلسطينيي المنافي والشتات ، أو فلسطينيي ال48 الذين رحّبوا بعودة أخوتهم بعد ( أوسلو) وبنوا آمالاً على نشوء دولة فلسطينيّة ( مجاورة) تؤنسهم ، وترفع معنوياتهم ، وتسندهم ، وتشّد أزرهم ، فإذا بالحال ينطبق عليه المثل : جبتك يا عبد المعين تعينّي ، أثريك يا عبد المعين تتعان!..
الخبز يا سادة ! الخبز بدونه لا حياة ، فأنت إن كنت مؤمناً أو كافراً ، مثاليّاً أو خسيساً ، تحتاج للخبز كي تعيش وتواصل حياتك مهما كانت .
شعب فلسطين في المناطق المنكوبة ( جعاااان) قوي يا ناس ، يا عرب ، يا مسلمين ، يا ملحدين ، يا لا أدريين ، يا أولاد ال...
165 ألف موظّف يضربون جوعاً ، ومعهم حّق ، بغّض النظر عن دوافع من يحرّضون على الإضرابات !
المعلّمون يضربون مع مطلع العام الدراسي ، وهذا يعني حرمان بنات وأبناء شعب يفترض انه في الطليعة حرصاً على التعلّم ، وشطارةً ، والتسلّح بالشهادة من المدرسة ، والجامعة ...
العمّال مضربون لأنهم يعانون من البطالة ، وهم لا يضربون احتجاجاً على أصحاب المصانع الفلسطينيين ، لسبب بسيط وهو أنه لا توجد مصانع فلسطينيّة ، فحتّى الصناعات البسيطة دمّرها الاحتلال بالإغلاقات ، والحواجز .
المزارعون يضربون احتجاجاً على من ؟! على الجرّافات التي تقتلع أشجار الزيتون ، وكروم العنب ، ومشاتل الزهور ، وتترك الأرض غير صالحة للزراعة ، ناهيك عن حرمان البشر والشجر من الماء .
أعضاء المجلس التشريعي بالنصاب القانوني تقريباً ، ونصف الوزراء ، ونائب رئيس الوزراء ،صاروا نزلاء الزنازين ، والدول الشقيقة المجاورة لا تتعامل مع ( حكومة) شرعيّة ، والأموال مقطوعة عن الشعب الفلسطيني ، والاحتلال يصادر مبلغ 600 مليون دولار من أموال الضرائب والجمرك ،وهذا المبلغ وحده يكفي لصرف رواتب الموظفين ، وتحريك الوضع الاقتصادي المنهار ...
ما العمل ؟!
منذ وصلت ( حماس) إلى التشريعي والوزارة ، قطع الخبز عن الفلسطينيين ،وفقاً لخطّة عقابيّة بهدف إسقاط حكومة حماس ، وعودة الأمور كما كانت !
إذا عادت الأمور إلى حالتها السابقة ستصرف الرواتب ، ويفتح معبر رفح برقابة ( خبراء) أوربيين ، وفيتو( إسرائيلي) مسلّط ، وضبط ( مصري ) دقيق وصارم !.
فإذا حلّت مشكلة الخبز ، فماذا بعد الخبز ؟
13 عاماً والسلطة بيّد الأسلويين : فساد يبّز فساد النظم العربيّة الشقيقة ، ضياع أرض ، أسرى في السجون يزداد عددهم يوميّاً ،حواجز ومهانة ، اقتصاد مدمّر تابع ...
أدخل فلسطينيّو مناطق السلطة في دوّامة لعبة سياسيّة خسيسة ، يشارك فيها فلسطينيون لا همّ لهم سوى ( استعادة) سلطتهم بكامل ( دسمها) ، ولا يهمهم أنها على خازوق ، فهم كاسبون ثراءً ، ووجاهة ، وتنقلاّت خمس نجوم .
بحكومة وحدة وطنيّة ، ولجنة فتح المركزيّة متشبّثة بهذا الحّل لأنه يعيد السلطة لها ، ويجعلها تبدو منتصرة بفشل حكومة حماس ، أو بحكومة تكنوقراطيّة ترفضها فتح وحماس ، أو حكومة سلطويّة مطلقة كالسابق ، فإن الفلسطينيين وبعد تناول أوّل وجبة غداء دون قصف ، وأوّل راتب كامل لا يكفي لتسديد جزء من الديون ، سيتساءلون : طيّب ، وماذا بعد الخبز ؟!
هل نحن نعيش لنأكل ؟
شعب فلسطين ملّ من غباء وقلّة حياء ماري أنطوانيت ، فهو يصارع ليعيش كريماً حرّاً ، وسلطة ماري أنطوانيت تتلاعب ليل نهار متذاكية على حساب الجوعى ، والشهداء ، والبيوت المنسوفة ، ولسان حالها يردد بخبث : خلّي حماس تنفعكم ، خليّها تجيب لكم خبزاً ...
لو كان الشعب الفلسطيني شعباً( بطنيّاً ) خبزيّاً لانتهى أمره وأمر قضيته منذ عقود ، فهو رفض الخيام ، والتوطين ، والتعويضات ، وهو له بطون ولذا يأكل ، ولكنه ومع أوّل لقمة بعد نكبة 48 ، تحت الخيام ، شرع في طرح الأسئلة ، وصار ملح التفاعلات السياسيّة الحزبيّة والرسميّة العربيّة .
ماري أنطوانيت لاهية في أمر استعادة سلطتها ، وشعب فلسطين لن تمّر عليه ( اللعبة) الجهنميّة ، فقد دفع ثمن تسلّط الفساد منذ عام 94 حتى مطلع عام 2006 ، وأحسب أنه لن يعود ذليلاً ليسلّم عنقه لرموز الفساد مقابل الخبز ، ورواتب الموظفين ، فللخبز في حياة الفلسطينيين دائماً ما بعده ...
- * القدس العربي ، الأربعاء 30 آب 2006
*
خلّي السلاح صاحي أنشودة تعود إلى الستينات من القرن العشرين ، تجددت في العام2006 عبر فضائيّة ( المنار) .
ليست هي الأنشودة الوحيدة التي بعثت حيّة في أتون معركة التصدّي للعدوانيّة ( الإسرائيليّة) على لبنان ، فنشيد ( الله اكبر) الذي ارتبط بمعركة مصر الناصريّة في مواجهة العدوان الثلاثي عام 56 ، وأنشودة ( إبنك يقلك يا بطل هات لي النهار) التي تعود إلى العام 67 ،قالت لنا بأن معركتنا مستمرّة ...
بهذه الأناشيد التي خاطبت وجداننا وذاكرتنا وانتماءنا ، ازددنا قناعةً بأن هذه الحرب على لبنان من قرى ومدن وبلدات الجنوب اللبناني خّط الدفاع الأوّل ، حتى عمق لبنان ، مروراً بعاصمته الباسلة بيروت ، هي امتداد لحروب ومعارك خيضت دفاعاً عن وطن واحد ، وأمّة واحدة ، ومع عدو واحد لم يتغيّر ، ولا تغيّرت أهدافه .
السلاح الصاحي هو الذي مكّن المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة ، من مفاجأة عدو هائل القوّة ، معتاد على الانتصارات غير المكلفة ...
حتى المعارك التي ألحقت بهذا العدو المتغطرس ، المدعوم أمريكيّاً ، والمتواطأ معه أوروبيّاً ، هزائم غير كاملة ، كمعركة ( الكرامة ) _ معركة الفدائيين والجيش الأردني _ وحرب تشرين 73 ، وصمود بيروت ، وطرده مدحوراً ذليلاً عام2000 ، لم تكن تكفي لجعله يكّف عن عدوانيته وعنجهيته ، ويقلع عن خطابه الاستعلائي ، ويتخلّى عن جشعه في التهام أراضي الفلسطينيين ، والسوريين ، واللبنانيين ...
باندفاعه للحرب المبيّتة ، إثر أسر رجال المقاومة اللبنانيّة لاثنين من جنوده ، وقتل ثمانية ، وجرح ثمانية عشر ، ووجه بالسلاح الصاحي ، وبأن حربه هذه لن تكون نزهة ، وأنه في كل تقدّم مهما كان طفيفاً في أرض لبنان ، سيدفع خسائر فادحة لا قبل له بها .
في الأيّام الأولى للحرب تأكّد العدو أن لبنان ليس ضعيفا ، وأنه قوي بمقاومته ، بعد أن تمرّس في معارك التحرير ، وأنهى مقولة أن ( قوّة ) لبنان في ( ضعفه) .
تعطّلت الآلة العسكريّة الصهيونيّة أمام مقاومة ضارية في القرى المتاخمة لحدود فلسطين المحتلّة ، وباتت قرى ( مارون الراس ) و( بنت جبيل) و ( عيتا الشعب) و ( العديسة) و( الطيبة) و( عيترون) و..عناوين لنشرات الفضائيات ، فالعدو يتقدّم منها ، ثمّ يلوذ هارباً من جحيم أعدّه حماتها المتحفزين بسلاحهم الصاحي ...
السيّد حسن نصر الله قال أكثر من مرّة بأن العدو يمكن أن يتقدّم داخل الأرض اللبنانيّة ، ولكنه لن يبقى في أرض لبنان ، لأن ارض لبنان ستكون مقبرةً له .
من عادة العدو في حروب خلت أنه عندما كان يواجه بمقاومة ، كان يعمد إلى ترك الموقع المقاوم ، ويلتف حوله ، مواصلاً هجومه ، وبهذا يعزله ويسقطه ، هذا ما فعله في سيناء، في حزيران 67 ، وحتى في تشرين 73 ، وما يمكن قراءته في مذكّرات قادته العسكريين ، وحتى في مذكرات بعض القادة العسكريين العرب ...
في هذه الحرب ، وهي حرب شعبيّة لا جنرالات فيها ، ولا ( جيوش) ، كان عبور بعض الدبابات والوحدات العسكريّة يضعها في حالة حصار ، ومرمى نيران ، فالمقاومون يمكثون في قراهم ، وجبالهم ، وشعاب وديانهم ، وهم بصواريخهم يصطادون ( الميركافا) ،وبالبنادق والرشاشات يحصدون قطعان الجنود .
ملايين العرب شاهدوا البرنامج الذي أعدّه الإعلامي غسّان بن جدّو (للجزيرة ) مساء السبت 19 الجاري ، عن قرية واحدة من قرى الصمود والبطولة في الجنوب .
ماذا رأينا ؟
الإنسان اللبناني المقاوم الذي هو مفاجأة الحرب الأولى ، الإنسان الذي حفر تحت القرية أنفاقاً ، وطلع من دمارها للعدو المندفع بصلف ووحشيّة فباغته وجهاً لوجه ، فضربه على وجهه وقفاه ، وأحرق بيته الآمن ( الميركافا) فباتت تابوتاً ، فبهت الذي اغتّر ، وتربّى على مقولة ( موشي دايان) : العرب لا يقرؤون ، وإن قرأوا لا يستوعبون ، مضيفاً بعنصرية متمادية :طياروهم شوفيريّة طائرات وليسوا قادة طائرات ( وعلى هذا الفكر العنصري قّس، فهم يرون في العربي كائناً غير جدير بالتعلّم ! ) .
السلاح الصاحي هو الإنسان الذي رأيناه بكامل عدّته الإيمانيّة ، الثقافيّة ، النفسيّة ،الأخلاقيّة ، في برنامج غسّان بن جدّو : أبو يوسف والد شهيد سقط أمامه ، معتقل سابق لسنتين في سجن الخيام الرهيب ، الذي زرته قبل ثلاث سنوات ولا أستطيع الحديث عنه _ فالشوف ليس كالسمع _ ولكنني طيلة تأملي للزنازين ، وأدوات التعذيب ، كنت أتساءل : هل يمكن لإنسان أن يخرج حيّاً من هذا ( المكان) ، وإن خرج هل سيكون بعقل سليم ، ونفس سليمة ؟
لم أستغرب عندما قال ذلك المقاتل الذي يبلغ أكثر من الخمسين بأنه قرر أن ينتقم مّمن عذّبوه في سجن الخيام ، وأنه يقاتلهم بكّل العذاب الذي أذاقوه له في السجن . من هم ؟ الصهاينة وعملاؤهم في ( دولة الشريط الحدودي ) ...
ما رأيناه كان جزءاً صغيراً مّما أعدّه حزب الله ومقاومته ، وما خفي أعظم ، فإن ( عاد ) العدو للمغامرة ، وهو ضبع جريح ، شرس ، لئيم ، مخادع، فإن حسابه سيكون أشّد ..
بعد ساعات من مشاهدتنا لبرنامج غسّان بن جدّو ، هاجمت وحدة مؤللة من جيش العدو قرية ( بوداي ) قرب ( بعلبك) ، و..فشلت كما فشلت إنزالات رفع المعنويّة الرامبويّة من قبل ، واعترف العدو بمقتل ضابط وجرح جنديين أحدهما جراحه خطيرة .
كدأبه كذب العدو وتخبّط ، فتبريراً لعدوانه وخرقه لقرار الأمم المتحدة 1701 ، ادعّى أن القصد من العمليّة إفشال تهريب سلاح من سورية وإيران لحزب الله ، وأيضا قال أن الغرض من العمليّة اختطاف أحد قادة حزب الله !
لو لم يكن سلاح المقاومة الشعبيّة في تلك المنطقة صاحي ، أما كان العدو سيسرح ويمرح ، مستخفّاً بسيادة لبنان ؟ لا قرارات الأمم المتحدة ، ولا القوّات الدوليّة ، تكفل وتضمن سيادة لبنان أو غير لبنان ، فقوة أي بلد هي سور حمايته وسيادته .
ما أن أعلن عن وقف إطلاق النار حتى لعلعت أصوات ، وتطاولت على المقاومة ، وحزب الله ، وحاولت النيل مّمن بات رمزاً لمقاومة العرب والمسلمين ، السيّد حسن نصر الله ، ورفعوا الكلفة معه وكأنه مثلهم زعيم حارة ، أو ممثّل جزء من طائفة ، وعادوا لنغمة تسليم سلاح حزب الله ...
لو لم يكن السلاح صاحي من كان سيتصدّى لإنزال العدو قرب بعلبك ؟!
سلاح المقاومة الصاحي هو الذي سيعيد مزارع شبعا ، ومرتفعات كفر شوبا ، ويحرر الأسرى ، ويردع عدو لبنان من العربدة في سمائه ، وبحره ، وعلى أرضه ، سلاح لبنان الصاحي هو الذي يحمي سيادته ...
*القدس العربي ، الأربعاء 23 آب 2006
****
إثر هزيمة 5 حزيران 67 ، واستكمال احتلال فلسطين من نهرها لبحرها ، بات بمقدور فلسطينيي 48 زيارة ذويهم في الضفّة والقطاع ، وأيضاً صار فلسطينيو الضفة والقطاع يزورون قرى ومدناً رحّلوا عنها ، وليستخدموا في القيام بالأعمال التي يترفّع عنها اليهود داخل الخّط الأخضر، أي ما احتل عام 48 ( النكبة) .
بعد أوسلو ، ووادي عربة _ وهما من منظور ملايين العرب الذين أنا واحد منهم _ نكبتان غلّفتا بشعارات وأوهام السلام ، تدفّق عرب ال48 على العاصمة الأردنيّة ( عمّان) فالتقوا بأهلهم العرب بعّامة ،والفلسطينيين بخّاصة ، بل تمكّن بعضهم من زيارة ( دمشق) و( بيروت) ...
القاهرة بعد نكبة كامب ديفد _ أليس كامب ديفد نكبة بكّل المقاييس ؟!_ فتحت أبوابها ( للإسرائيليين ) و..هذا التوجّه شمل العرب الفلسطينيين الصامدين في وطنهم ، والذين تحدّوا التمييز العنصري الصهيوني ، والتناسي العربي الرسمي وحتّى الشعبي ( المضلل) ، وتشبّثوا بعروبتهم ...
في هذه الحرب ، بين ( حزب الله) و( إسرائيل) ، حرب تمّوز وآب 2006، حرب الصواريخ ، والمفاجآت ، وتدمير الميركافا ، وإسقاط أسطورة الجيش الذي لا يقهر ، جيش الانتصارات دائماً على العرب ، وتبديد ( نصف) انتصارهم في حرب تشرين 73 ، طلب سماحة السيّد حسن نصر الله من أهلنا الفلسطينيين مغادرة ( حيفا) مؤقتاً حتى يخرجوا أبطال المقاومة الإسلاميّة من حالة التردد في قصف ( حيفا) ، بعد أن أمعن العدو في تدمير الضاحية الجنوبيّة ، وبعض الأحياء البيروتيّة التي ينتشر فيهاحزب الله .
كثير من فلسطينيي حيفا رفضوا الرحيل عن بيوتهم و( مدينتهم) ، رغم عدم توفّر ملاجئ في الأحياء ( العربيّة ) ، _تأملّوا العنصريّة التي فضحتها هذه الحرب _ ولكن بعض الأسر غادرت نجاة بأنفسها ...
الصديق الكبير حنّا أبوحنّا ، الشاعر ،الباحث ، صاحب السيرة المدهشة ( ظّل الغيمة ...) اتصل بي ، فاستفسرت منه عن مكان إقامته ، وأنا أعرف أنه ( حيفاوي) ، فضحك وأخبرني :
_ أنا ( لاجئ) عندكم في عمّان ...
في نفس اليوم هاتفني الصديق الياس عطا الله المعجمي والأكاديمي والكاتب ، فاتفقنا أن نلتقي في أحد فنادق عمّان .
أخبرني ( العم) حنّا أن صديقاً من أساتذة جامعة بيرزيت اتصل به ورجاه أن يحضر مع زوجته إلى ( رام الله ) لقضاء بضعة أيّام في ضيافته ...
يضحك ( العم) حنّا ، وهو يقلّب يديه :
_ صارت ( رام الله ) رغم الهجمات اليوميّة عليها ، أكثر أمناً من ( حيفا) ، من كان يتخيّل هذا ؟!
علمت من الصديقين العزيزين أن أهلنا في البلدات والمدن التي سقط فيها ضحايا ( عرب) ، كانت تزّف الشهداء بالزغاريد ، والأناشيد ،محمّلين قادة ( إسرائيل) المسؤوليّة عن وقوع الضحايا ، والخراب ، والدمار ، باستثناء نفر من الشّاذين في القرية التي ينتمي لها ( الجاسوس) عزّام عزّام _ المغار_ ففيها شتم حزب الله ..ولا عجب !
استفسرت من الصديقين عن أثر صدمة هذه الحرب على ( اليهود) ، فاستوقفتني حكاية صغيرة رواها الأستاذ حنّا : اتصلت بي امرأة يهوديّة أعرفها منذ سنوات ، وسألتني عمّا سيحدث بعد أن تتوقّف هذه الحرب . أخبرتها أنني قرأت خبراً في الصحف ( المحليّة) عن تشكيل أهالي الجولان السوريّة منظمّة على غرار حزب الله ، لخوض معركة تحرير أرضهم ...
ماذا كان تعليق تلك السيّدة ؟ قالت لي على الهاتف بصوت محبط ويائس : إذا كان الأمر كذلك فلم يعد لنا بقاء في هذه البلاد ...
في فندق ( عمره) شربنا الشاي بالنعناع ، وتشعّب بنا الحديث عن الأصدقاء ، والأدب ، والحروب ، فرويت لهم بعض ما عشته في حرب ال82 ، ومعركة بيروت ، وهو ما دونته في كتابي ( آه يا بيروت ) .
في الأيّام الأولى من تلك الحرب ، كنت متوجهاً إلى شارع الحمراء ، التقيت بالسيّد الياس صنبر ، الفلسطيني الذي كان يعمل مع القوّات الدوليّة في الجنوب . سألته عن معارك عين الحلوة ، والأشبال في الرشيديّة ، فروى لي بعض انطباعاته ، وأهمها أن جيش ( إسرائيل) مصاب بصدمة ، إذ إنهم لا يستوعبون كيف يتصدّى طفل معه آر بي جي لدبابة ، فيدمرها بقذيفة واحدة ،تحرقها ، وتقتل من فيها من جنود مدربين ومعدّين لهزيمة جيوش عربيّة جرّارة !...
يومها ونحن نقف في الشارع ، وهو يتوجّه إلى فندق كان يتجمّع فيه الصحفيون ،ربّما ( الكومودور) ، مثّل بيده كيف أن بطولات الأشبال أحدث شرخاً في نفوس ضبّاط وجنود جيش ( الدفاع) !
لم تكن معركة اجتياح لبنان ، ومعركة صمود بيروت قرابة ثلاثة اشهر آخر الحروب ، ولا كان الشرخ في نفوس جيش الاحتلال آخر الشروخ ، ولا هزيمتهم في ببيروت ، وهربهم الذليل من لبنان في أيّار عام 2000 آخر هروب ...
حرب تموّز وآب 2006 ، يمكن أن تشكّل صدعاً عميقاً في ثقافة هذا الكيان الصهيوني ، في تقويمه لنفسه ، في نظرته للإنسان العربي ، بعد أن سقطت نيران هذه الحرب ، وصواريخها على رأسه في مدن ظنّها حصينة ، ومستعمرات حسبها آمنة ، ثقةً بأن قوّة جيشه لا تقهر .
اعتاد الصهاينة على النظر إلى العربي الفلسطيني بعد تأسيس ( دولتهم ) عام 48 من ( فوق) بتحقير ، وبعد حرب 73 صاروا يتواضعون بعض الشيء ، وبعد هذه الحرب فإن عليهم _ كما سمعت هذا من عرب جاءوا من فلسطين 48 _ أن يمطّوا أعناقهم ويلووها إلى الخلف ليتمكنّوا من رؤية رؤوسنا الشامخة ، فقد هزمناهم بقوّة صغيرة ، قوّة صغيرة تنتمي لحزب الله ، ولبلد صغير هو لبنان !...
كّل هذا حدث في مواجهة قوّة عربيّة ( صغيرة) ، فما بالك لو أن الجبهات السوريّة والأردنيّة ، وماذا عن المصريّة ؟ فتحت لمقاتلين من ( مدرسة ) حزب الله ومقاوميه البواسل ، أما كانت تلك المرأة اليهوديّة ، ومثلها ألوف المستجلبين من العالم بادروا للرحيل من بلاد ليست لهم ؟! أما كنّا نحصل على دولة فلسطينيّة كاملة السيادة ؟
ودّعت الصديقين القادمين من ( حيفا) ، العائدين إلى حيفا ، وأنا أحترق بنار أسئلة كيفما قلّبتها فإنني اصل إلى القناعة بأن ( إسرائيل) موجودة لا بالدعم الأمريكي اللامحدود الآثم ، ولكن بالضعف العربي الرسمي المفتعل ، وكأن ( بقاء إسرائيل) هو ضرورة بقاء لنظم حكم (عربيّة) إقليميّة !
*************************
رشاد أبوشاور
أشكرك أيها السيّد ، فأنا واحد من جيل ذاق حنظل الهزائم ، ومرار المهانة ، وذّل التشرّد ، وخيبة الأمل ، وغدر المنافقين ...
الشكر لكّل من منحنا هذا الانتصار ، وسقى كرامتنا بدّم الشباب ، وأعاد لإنساننا العربي الكرامة ، بعد أن كان كمّاً مهملاً في حروب الانكسارات ...
الشكر لك ، لكم ، فالروح تشققت من عطش للنخوة وهي ترى أهلنا في غزّة ، ونابلس ، وخان يونس ، ومخيمات الفداء ..يذبحون ، بعد أن جرّوا إلى أوهام السلام مع عدو شرس ، قاس ، عنصري ، آثم ، لا يرعى عهداً ، ولا يصون وعداً ...
الشكر لك بعمامتك ، بوجهك الطيّب ، بصدقك ما عاهدت عليه ووفيت به ...
الشكر لك وأنت هناك في قمم جبال الجنوب ، وشعاب وديانه ، تتدرّع بالأرض ، وتنزل إلى الميدان بكامل الإيمان واليقين بالنصر ...
الشكر لك وأنت تجري أكبر عمليّة جراحيّة لذراع ( إسرائيل) الطويلة المعربدة ، فتقصّرها ، وتضع هذا البطجي و( الفتوّة) في حجمه الطبيعي : مجرّد ( أزعر) مارق ، انتهت صلاحيته كقاتل مأجور اعتاد على ممارسة دوره لأن أحداً لم يردعه كما ينبغي ...
الشكر لك أيها السيّد حسن نصر الله ، لأنك لست واحداً ، ولكنك تعبير عن حالة ، عن مقاومة ، عن إعداد ، عن برنامج مختلف ، عن طريق ، عن خيار ، عن أسلوب جديد ...
الشكر لك لأنك خطاب ملايين العرب الذين رفعوا صورتك ، وحفظوا كلماتك ، ووضعوك بجوار جمال عبد الناصر ، فكنت بحجم آمالهم ، وأشواقهم ، وطول انتظارهم ...
لا ، أنت لست فرداً ، وإن حسبك الأعداء كذلك ، وعملوا على اغتيالك بأطنان من الديناميت تكفي لتدمير جبل _ وأنت جمل المحامل_ أنت هذه القوّة التي كبحت جماح جيش العدو ، وجعلته يصرخ في الميدان ، ويهرب خزياناً ...
أنت أيها السيّد القيادة الجماعيّة التي خططت ، ووجهت ، وأدارت المعركة بكل هذا الإتقان والبراعة ...
أنت تعرف أن خلفك ( روم) سوى الروم الذين تقاتلهم ، ولكنك بحكمتك ، وصبرك ، تدير معركتك بحنكة وأناة ، تمهل ولا تهمل ...
من راهنوا على ثلاثة أيّام ( لسحقك) أنت ومقاتليك ، وصنفّوك ( مغامراً ) باءوا بالفضيحة بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من حرب لم يعهدوها ، حرب أنزلت العدو إلى الملاجئ ، ودفعته للهرب ، وضعضعت كيانه عسكريّا ، واقتصاديّاً، وسياسيّاً ، وستغيّر ثقافته من أساسها...
الحلف غير المقدّس بقيادة أمريكا فشل في كل رهاناته ...
أنت اليوم بكامل عدّتك وعتادك ، هكذا نراك في هذا اليوم الأغّر : الرابع عشر من آب 2006 أكمل مّما رأيناك يوم 25 أيار 2000 ...
رأينا الانتصار في شعبك الجنوبي اليوم الاثنين 14 آب ، وهو يتدفّق مندفعا سيلاً بشرياً عائداً إلى قراه الجنوبيّة ، رغم الألغام ، والصواريخ التي لم تنفجر ، والقنابل المنثورة في الطرقات ، والميركافات التي تجثم عند الأفق ، الميركافات التي هربت وهي ترى شعب المقاومة يندفع برايات حزب الله ...
المقاومون يرصودن كلّ شئ ، فعيونهم وصواريخهم ترعى الأهل العائدين ليعمروا بيوت هدّمت ، ليناموا تحت سماء الجنوب ، مستظلين بتين الجنوب ، مطمئنين بنصر أبنائهم مقاومي الجنوب الذين مرّغوا رأس ( إسرائيل) وجيشها ( الأسطوري ) تحت نعالهم ...
لقد وعدت بالنصر ووفيت ، لم تعد لبنان وحده ، فهذا النصر للعرب أجمعين ، وفي القلب منهم فلسطين التي نجدتها ولبيّت صرختها التي انطلقت من حنجرة ( هدى) على رمال غزّة ...
انتهت أسطورة (داوود )الصغير الذي صرع (جوليات) الضخم ، فها هي ( المقاومة الصغيرة ) في البلد الصغير ( لبنان ) تنتصر على داوود المعدني ، داوود الميركافا والإف16 ، والبوارج البحريّة ، والصواريخ اللايزريّة التي تخسف الأرض وتدكّها دكّاً ...
شكراً لك أيها السيّد العربي اللبناني رمز مقاومة المستضعفين في الأرض من أمريكا اللاتينيّة إلى عمق أفريقيّاً ، شكراً لك وأنت تنهي ثقافة الانكسار ، والخذلان ، والتبعيّة ، والضعف ، والطائفيّة ، والإقليميّة ...
شكراً لك وأنت تعيد صياغة العقيدة العسكريّة ،وتسلّح ملايين العرب بما يضمن الانتصار النهائي على كّل أعدائهم .
شكراً لك أيها السيّد وأنت تحسم انتصار ثقافة المقاومة فكراً وممارسةً ...
نحن منذ هذا اليوم 14 آب سنكتب أفضل ، لأننا نستند إلى منجزات رآها العالم كلّه : قوّة صغيرة مؤمنة ، معدّة ، تعرف هدفها ، بقيادة صادقة ، مضحيّة ، مبدعة ، تميّز بين الأعداء والأصدقاء ..لا بدّ ستنتصر ...
شكراً لك أيها الاختصاصي في تغيير موازين القوى ، يا من كسرت مفهوم ( التوازن الإستراتيجي ) بالمقاتل الاستراتيجي ، المقاتل البسيط ، المقاتل الذي دخل المعركة والنصر على جبينه ...
شكرا لك وأنت تعيد تسعير ( الميركافا ) في سوق السلاح ، وتحيلها كفناً للعدو المختبىء في جوفها ...
شكرا لذراعك الذي أغرق البوارج ، واسقط الهليوكبترات ، وأسقط الأساطير ...
لست ( أسطورة ) ..أنت مقاتل نبت بين شجرات ( التبغ) في أرض الجنوب ، أنت مقاتل ترعرع في ( بيروت ) ، في ضاحيتها الجنوبيّة ، بيروت التي هزمت هذا العدو عام 82 ، ولاحقه الأوفياء لها حتى كنسوه ، وكان نصرهم الأوّل عليه بشارة للنصر التاريخي الكبير ...
أيها السيّد ، يا حسن نصر الله ، أيها السيّد حزب الله ، أيتها السيّدة المقاومة اللبنانيّة ( الإسلاميّة ) المظفرّة : أنتم بهذا الانتصار فتحتم أبواب المستقبل ، ف