هواء طلق

 

      ما بعد الخبز

 

بقلم رشاد أبوشاور

 

 مقولة السيّد المسيح الباقية ما بقي الإنسان على الأرض : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ،لا تقلّل من أهميّة الخبز ، فهي بعد الخبز ومعه ، تمجّد الحريّة ، وتلّح على معنى حياة الإنسان على الأرض .

 من المفاهيم الفلسفيّة التي تعلي من شأن الإنسان ، أن الإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل ، ولذا لا نستغرب تقتير الفلاسفة والمتصوّفة على أنفسهم ، وفحش آخرين يعيشون لينهبوا ، ويسرقوا ، بلا قيم عليّا تحكم سلوكهم ، ولا ضوابط تحّد من جشعهم .

 تشبثّاً بالكرامة وعزّة النفس ، يكتفي كثير من الناس بالخبز والزعتر في فلسطين ، أو بالخبز و( الدقّة) وهي من أقارب الزعتر ، مع قليل من زيت الزيتون إن توفّر.

 المثل يقول : كل لنفسك والبس للناس ، يعني ما تأكله في دارك لا يراه الناس ، ولا يحاسبونك عليه ، أمّا في ( الشارع ، فالبس لباساً نظيفاً ، مناسباً ، لائقاً يستر جسدك ، أي كن صاحب ذوق  .

 على سيرة الجوع نستذكر سيئة الصيت والخاتمة ماري أنطوانيت ، ملكة فرنسا ، وتساؤلها الساذج الذي يفضح انفصام العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، عندما تناهى صخب جوعى باريس المندفعين احتجاجاً في الشوارع مطالبين بالخبز : لماذا لا يأكلون الكيك  ؟!

 تعلمون أن ثوّار باريس جزّوا عنقها البدينة الملغلغة ، لأنهم لم يجدوا الخبز الحاف ، ولأن ملكة لا تعرف أن ( رعيتها) تبيت على الطوى ، تستحّق ذلك العقاب الصارم ، ومثلها أي حاكم ، أو حاكمة ، أو (سلطة ) فاسدة ...

 بعد 5 أشهر من عدم صرف رواتب ل165 ألف موظّف  جاعت البطون ، والأطفال احتاجوا للحليب ، ودفاتر المدارس ، و( الهدوم) التي تستر الأجساد ، فالفلسطينيون يبردون شتاءً ، ويصطلون بالحّر صيفاً ، ونساؤهم مثل بقيّة النساء ، وإن كنّ غير متطلبات ، يحتجن للثوب الريفي ،والفستان المديني  ، أو البنطلون ( الجينز) لرخصه  لا إعجاباً بالمنتج الأمريكي ، وهنّ لا يطالبن بالعطور والمساحيق فهن من شعب مسحوق ، والرجال يدخنّون ممتصين السجائر بغّل ومخرجين الدخان بقرف في وجه العالم كلّه ، وهم يتابعون تصريحات قيادات ( هم) المنفرّة المغثية ، عندما تخرج أجسادهم المترفة من سيّارات فارهة محروسة بمرافقين يضفون على ( قادتهم) أهميّة مفتعلة ببعض الحركات التي لا لزوم لها ، راسمين على وجوههم ابتسامات الرضى عن قيادات( هم) التي تقول كلاماً كبيراً يتابعه صحفيو وصحفيات الفضائيّات ، ولا يهتم به أحد من فلسطينيي المنافي والشتات ، أو فلسطينيي ال48 الذين رحّبوا بعودة أخوتهم بعد ( أوسلو) وبنوا آمالاً على نشوء دولة فلسطينيّة ( مجاورة) تؤنسهم ، وترفع معنوياتهم ، وتسندهم ، وتشّد أزرهم ، فإذا بالحال ينطبق عليه المثل : جبتك يا عبد المعين تعينّي ، أثريك يا عبد المعين تتعان!..

 الخبز يا سادة ! الخبز بدونه لا حياة ، فأنت إن كنت مؤمناً أو كافراً ، مثاليّاً أو خسيساً ، تحتاج للخبز كي تعيش وتواصل حياتك مهما كانت .

 شعب فلسطين في المناطق المنكوبة ( جعاااان) قوي يا ناس ، يا عرب ، يا مسلمين ، يا ملحدين ، يا لا أدريين ، يا أولاد ال...

 165 ألف موظّف يضربون جوعاً ، ومعهم حّق ، بغّض النظر عن دوافع من يحرّضون على الإضرابات !

 المعلّمون يضربون مع مطلع العام الدراسي ، وهذا يعني حرمان بنات وأبناء  شعب يفترض انه في الطليعة حرصاً على التعلّم  ، وشطارةً ، والتسلّح بالشهادة من المدرسة ، والجامعة ...

العمّال مضربون لأنهم يعانون من البطالة ، وهم لا يضربون احتجاجاً على أصحاب المصانع الفلسطينيين ، لسبب بسيط وهو  أنه لا توجد مصانع فلسطينيّة ، فحتّى الصناعات البسيطة دمّرها الاحتلال بالإغلاقات ، والحواجز .

 المزارعون يضربون احتجاجاً على من ؟! على الجرّافات التي تقتلع أشجار الزيتون ، وكروم العنب ، ومشاتل الزهور ، وتترك الأرض غير صالحة للزراعة ، ناهيك عن حرمان البشر والشجر من الماء .

 أعضاء المجلس التشريعي بالنصاب القانوني تقريباً ، ونصف الوزراء ، ونائب رئيس الوزراء ،صاروا نزلاء الزنازين ، والدول الشقيقة المجاورة لا تتعامل مع ( حكومة) شرعيّة ، والأموال مقطوعة عن الشعب الفلسطيني ، والاحتلال يصادر مبلغ 600 مليون دولار من أموال الضرائب والجمرك ،وهذا المبلغ وحده يكفي لصرف رواتب الموظفين ، وتحريك الوضع الاقتصادي المنهار ...

ما العمل ؟!

منذ وصلت ( حماس) إلى التشريعي والوزارة ، قطع الخبز عن الفلسطينيين ،وفقاً لخطّة عقابيّة بهدف إسقاط حكومة حماس ، وعودة الأمور كما كانت !

 إذا عادت الأمور إلى حالتها السابقة ستصرف الرواتب ، ويفتح معبر رفح برقابة ( خبراء) أوربيين ، وفيتو( إسرائيلي) مسلّط ، وضبط ( مصري ) دقيق وصارم !.

 فإذا حلّت مشكلة الخبز ، فماذا بعد الخبز ؟

 13 عاماً والسلطة بيّد الأسلويين  : فساد يبّز فساد النظم  العربيّة الشقيقة ، ضياع أرض ، أسرى في السجون يزداد عددهم يوميّاً ،حواجز ومهانة ، اقتصاد مدمّر تابع  ...

 أدخل فلسطينيّو مناطق السلطة في دوّامة لعبة سياسيّة خسيسة ، يشارك فيها فلسطينيون لا همّ لهم سوى ( استعادة) سلطتهم بكامل ( دسمها) ، ولا يهمهم أنها على خازوق ، فهم كاسبون ثراءً ، ووجاهة ، وتنقلاّت خمس نجوم .

 بحكومة وحدة وطنيّة ، ولجنة فتح المركزيّة متشبّثة بهذا الحّل لأنه يعيد السلطة لها ، ويجعلها تبدو منتصرة بفشل حكومة حماس ،  أو بحكومة تكنوقراطيّة ترفضها فتح وحماس ، أو حكومة سلطويّة مطلقة كالسابق ، فإن الفلسطينيين وبعد تناول أوّل وجبة غداء دون قصف ، وأوّل راتب كامل لا يكفي لتسديد جزء من الديون ، سيتساءلون : طيّب ، وماذا بعد الخبز ؟!

هل نحن نعيش لنأكل ؟

شعب فلسطين ملّ من غباء وقلّة حياء ماري أنطوانيت ، فهو يصارع ليعيش كريماً حرّاً ، وسلطة ماري أنطوانيت تتلاعب ليل نهار متذاكية على حساب الجوعى ، والشهداء ، والبيوت المنسوفة ، ولسان حالها يردد بخبث : خلّي حماس تنفعكم ، خليّها تجيب لكم خبزاً ...

 لو كان الشعب الفلسطيني شعباً( بطنيّاً ) خبزيّاً لانتهى أمره وأمر قضيته منذ عقود ، فهو رفض الخيام ، والتوطين ، والتعويضات ، وهو له بطون ولذا يأكل ، ولكنه ومع أوّل لقمة بعد نكبة 48  ، تحت الخيام ، شرع في طرح الأسئلة ، وصار ملح التفاعلات السياسيّة الحزبيّة والرسميّة العربيّة .

ماري أنطوانيت لاهية في أمر استعادة سلطتها ، وشعب فلسطين لن تمّر عليه ( اللعبة) الجهنميّة ، فقد دفع ثمن تسلّط الفساد منذ عام 94 حتى مطلع عام 2006  ، وأحسب أنه لن يعود ذليلاً ليسلّم عنقه لرموز الفساد مقابل الخبز ، ورواتب الموظفين ، فللخبز في حياة الفلسطينيين دائماً ما بعده ...

 

-       * القدس العربي ، الأربعاء 30 آب 2006

 

*

        خلّي السلاح صاحي    

رشاد أبوشاور

خلّي السلاح صاحي أنشودة تعود إلى الستينات من القرن العشرين ، تجددت في العام2006  عبر فضائيّة ( المنار) .

 ليست هي الأنشودة الوحيدة التي بعثت حيّة في أتون معركة التصدّي للعدوانيّة ( الإسرائيليّة) على لبنان ، فنشيد ( الله اكبر) الذي ارتبط بمعركة مصر الناصريّة في مواجهة العدوان الثلاثي عام 56 ، وأنشودة ( إبنك يقلك يا بطل هات لي النهار) التي تعود إلى العام 67 ،قالت لنا بأن معركتنا مستمرّة ...

بهذه الأناشيد التي خاطبت وجداننا وذاكرتنا وانتماءنا ، ازددنا قناعةً بأن هذه الحرب على لبنان من قرى ومدن وبلدات الجنوب اللبناني خّط الدفاع الأوّل ، حتى عمق لبنان ، مروراً بعاصمته الباسلة بيروت ، هي امتداد لحروب ومعارك خيضت دفاعاً عن وطن واحد ، وأمّة واحدة ، ومع عدو واحد لم يتغيّر ، ولا تغيّرت أهدافه  .

السلاح الصاحي هو الذي مكّن المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة ، من مفاجأة عدو هائل القوّة ، معتاد على الانتصارات غير المكلفة ...

حتى المعارك التي ألحقت بهذا العدو المتغطرس ، المدعوم أمريكيّاً ، والمتواطأ معه أوروبيّاً ، هزائم غير كاملة ، كمعركة ( الكرامة ) _ معركة الفدائيين والجيش الأردني _ وحرب تشرين 73 ، وصمود بيروت ، وطرده مدحوراً ذليلاً عام2000 ، لم تكن تكفي لجعله يكّف عن عدوانيته وعنجهيته ، ويقلع عن خطابه الاستعلائي ، ويتخلّى عن جشعه في التهام أراضي الفلسطينيين ، والسوريين ، واللبنانيين ...

باندفاعه للحرب المبيّتة ، إثر أسر رجال المقاومة اللبنانيّة لاثنين من جنوده ، وقتل ثمانية ، وجرح ثمانية عشر ، ووجه بالسلاح الصاحي ، وبأن حربه هذه لن تكون نزهة ، وأنه في كل تقدّم مهما كان طفيفاً في أرض لبنان ، سيدفع خسائر فادحة لا قبل له بها .

في الأيّام الأولى للحرب تأكّد العدو أن لبنان ليس ضعيفا ، وأنه قوي بمقاومته ، بعد أن تمرّس في معارك التحرير ، وأنهى مقولة أن ( قوّة ) لبنان في ( ضعفه) .

تعطّلت الآلة العسكريّة الصهيونيّة أمام مقاومة ضارية في القرى المتاخمة لحدود فلسطين المحتلّة ، وباتت قرى ( مارون الراس ) و( بنت جبيل) و ( عيتا الشعب) و ( العديسة) و( الطيبة) و( عيترون) و..عناوين لنشرات الفضائيات ، فالعدو يتقدّم منها ، ثمّ يلوذ هارباً من جحيم أعدّه حماتها المتحفزين بسلاحهم الصاحي ...

السيّد حسن نصر الله قال أكثر من مرّة بأن العدو يمكن أن يتقدّم داخل الأرض اللبنانيّة ، ولكنه لن يبقى في أرض لبنان ، لأن ارض لبنان ستكون مقبرةً له .

من عادة العدو في حروب خلت أنه عندما كان يواجه بمقاومة ، كان يعمد إلى ترك الموقع المقاوم ، ويلتف حوله ، مواصلاً هجومه ، وبهذا يعزله ويسقطه ، هذا ما فعله في سيناء،  في حزيران 67 ، وحتى في تشرين 73 ، وما يمكن قراءته في مذكّرات قادته العسكريين ، وحتى في مذكرات بعض القادة العسكريين العرب ...

في هذه الحرب ، وهي حرب شعبيّة لا جنرالات فيها ، ولا ( جيوش) ، كان عبور بعض الدبابات والوحدات العسكريّة يضعها في حالة حصار ، ومرمى نيران ، فالمقاومون يمكثون في قراهم ، وجبالهم ، وشعاب وديانهم ، وهم بصواريخهم يصطادون ( الميركافا) ،وبالبنادق والرشاشات  يحصدون قطعان الجنود .

ملايين العرب شاهدوا البرنامج الذي أعدّه الإعلامي غسّان بن جدّو (للجزيرة ) مساء السبت 19 الجاري ، عن قرية واحدة من قرى الصمود والبطولة في الجنوب .

ماذا رأينا ؟

الإنسان اللبناني المقاوم الذي هو مفاجأة الحرب الأولى ، الإنسان الذي حفر تحت القرية أنفاقاً ، وطلع من دمارها للعدو المندفع بصلف ووحشيّة فباغته وجهاً لوجه  ، فضربه على وجهه وقفاه ، وأحرق بيته الآمن ( الميركافا) فباتت تابوتاً ، فبهت الذي اغتّر ، وتربّى على مقولة ( موشي دايان) : العرب لا يقرؤون ، وإن قرأوا لا يستوعبون ، مضيفاً بعنصرية متمادية :طياروهم شوفيريّة طائرات وليسوا قادة طائرات ( وعلى هذا الفكر العنصري قّس، فهم يرون في العربي كائناً غير جدير بالتعلّم ! ) .

السلاح الصاحي هو الإنسان الذي رأيناه بكامل عدّته  الإيمانيّة ، الثقافيّة ، النفسيّة ،الأخلاقيّة ، في برنامج غسّان بن جدّو : أبو يوسف والد شهيد سقط أمامه ، معتقل سابق لسنتين في سجن الخيام الرهيب ، الذي زرته قبل ثلاث سنوات ولا أستطيع الحديث عنه _ فالشوف ليس كالسمع _ ولكنني طيلة تأملي للزنازين ، وأدوات التعذيب ، كنت أتساءل : هل يمكن لإنسان أن يخرج حيّاً من هذا ( المكان) ، وإن خرج هل سيكون بعقل سليم ، ونفس سليمة ؟

لم أستغرب عندما قال ذلك المقاتل الذي يبلغ أكثر من الخمسين بأنه قرر أن ينتقم مّمن عذّبوه في سجن الخيام ، وأنه يقاتلهم بكّل العذاب الذي أذاقوه له في السجن . من هم ؟ الصهاينة وعملاؤهم في ( دولة الشريط الحدودي ) ...

ما رأيناه كان جزءاً صغيراً مّما أعدّه حزب الله ومقاومته ، وما خفي أعظم ، فإن ( عاد ) العدو للمغامرة ، وهو ضبع جريح ، شرس ، لئيم ، مخادع،  فإن حسابه سيكون أشّد ..

بعد ساعات من مشاهدتنا لبرنامج غسّان بن جدّو ، هاجمت وحدة مؤللة من جيش العدو قرية ( بوداي ) قرب ( بعلبك)  ، و..فشلت كما فشلت إنزالات رفع المعنويّة الرامبويّة من قبل ، واعترف العدو بمقتل ضابط وجرح جنديين أحدهما جراحه خطيرة .

كدأبه كذب العدو وتخبّط ، فتبريراً لعدوانه وخرقه لقرار الأمم المتحدة 1701 ، ادعّى أن القصد من العمليّة إفشال تهريب سلاح من سورية وإيران لحزب الله ، وأيضا قال أن الغرض من العمليّة اختطاف أحد قادة حزب الله !

لو لم يكن سلاح المقاومة الشعبيّة في تلك المنطقة صاحي ، أما كان العدو سيسرح ويمرح ، مستخفّاً بسيادة لبنان ؟ لا قرارات الأمم المتحدة ، ولا القوّات الدوليّة ، تكفل وتضمن سيادة لبنان أو غير لبنان ، فقوة أي بلد هي سور حمايته وسيادته  .

ما أن أعلن عن وقف إطلاق النار حتى لعلعت أصوات ، وتطاولت على المقاومة ، وحزب الله ، وحاولت النيل مّمن بات رمزاً لمقاومة العرب والمسلمين ، السيّد حسن نصر الله ، ورفعوا الكلفة معه وكأنه مثلهم زعيم حارة ، أو ممثّل جزء من طائفة ، وعادوا لنغمة تسليم سلاح حزب الله ...

لو لم يكن السلاح صاحي من كان سيتصدّى لإنزال العدو قرب بعلبك ؟!

سلاح المقاومة الصاحي هو الذي سيعيد مزارع شبعا ، ومرتفعات كفر شوبا ، ويحرر الأسرى  ، ويردع عدو لبنان من العربدة في سمائه ، وبحره ، وعلى أرضه ،  سلاح لبنان الصاحي هو الذي يحمي سيادته ...

*القدس العربي ، الأربعاء 23 آب 2006

****

تداعيات  

  

             الصديقان العائدان إلى حيفا     

    رشاد أبوشاور

 إثر هزيمة 5 حزيران 67 ، واستكمال احتلال فلسطين من نهرها لبحرها ، بات بمقدور فلسطينيي 48 زيارة ذويهم في الضفّة والقطاع ، وأيضاً صار فلسطينيو الضفة والقطاع يزورون قرى ومدناً رحّلوا عنها ، وليستخدموا في القيام بالأعمال التي يترفّع عنها اليهود داخل الخّط الأخضر، أي ما احتل عام 48 ( النكبة) .

بعد أوسلو ، ووادي عربة _ وهما من منظور ملايين العرب الذين أنا واحد منهم _ نكبتان غلّفتا بشعارات وأوهام السلام ، تدفّق عرب ال48 على العاصمة الأردنيّة ( عمّان) فالتقوا بأهلهم العرب بعّامة ،والفلسطينيين بخّاصة ، بل تمكّن بعضهم من زيارة ( دمشق) و( بيروت)  ...

القاهرة بعد نكبة كامب ديفد _ أليس كامب ديفد نكبة بكّل المقاييس ؟!_ فتحت أبوابها ( للإسرائيليين ) و..هذا التوجّه شمل العرب الفلسطينيين الصامدين في وطنهم ، والذين تحدّوا التمييز العنصري الصهيوني ، والتناسي العربي الرسمي وحتّى الشعبي ( المضلل) ، وتشبّثوا بعروبتهم ...

في هذه الحرب ، بين ( حزب الله) و( إسرائيل) ، حرب تمّوز وآب 2006، حرب الصواريخ ، والمفاجآت ، وتدمير الميركافا ، وإسقاط أسطورة الجيش الذي لا يقهر ، جيش الانتصارات دائماً على العرب ، وتبديد ( نصف) انتصارهم في حرب تشرين 73 ، طلب سماحة السيّد حسن نصر الله من أهلنا الفلسطينيين مغادرة ( حيفا) مؤقتاً حتى يخرجوا أبطال المقاومة الإسلاميّة من حالة التردد في قصف ( حيفا) ، بعد أن أمعن العدو في تدمير الضاحية الجنوبيّة ، وبعض الأحياء البيروتيّة التي ينتشر فيهاحزب الله .

كثير من فلسطينيي حيفا رفضوا الرحيل عن بيوتهم و( مدينتهم) ، رغم عدم توفّر ملاجئ في الأحياء ( العربيّة ) ، _تأملّوا العنصريّة التي فضحتها هذه الحرب _ ولكن بعض الأسر غادرت نجاة بأنفسها ...

الصديق الكبير حنّا أبوحنّا ، الشاعر ،الباحث ، صاحب السيرة المدهشة ( ظّل الغيمة ...)  اتصل بي ، فاستفسرت منه عن مكان إقامته ، وأنا أعرف أنه ( حيفاوي) ، فضحك وأخبرني :

_ أنا ( لاجئ) عندكم في عمّان ...

في نفس اليوم هاتفني الصديق الياس عطا الله المعجمي والأكاديمي والكاتب ، فاتفقنا أن نلتقي في أحد فنادق عمّان .

أخبرني ( العم) حنّا أن صديقاً من أساتذة جامعة بيرزيت اتصل به ورجاه أن يحضر مع زوجته إلى ( رام الله ) لقضاء بضعة أيّام في ضيافته ...

يضحك ( العم) حنّا ، وهو يقلّب يديه :

_ صارت ( رام الله ) رغم الهجمات اليوميّة عليها ، أكثر أمناً من ( حيفا) ، من كان يتخيّل هذا ؟!

علمت من الصديقين العزيزين أن أهلنا في البلدات والمدن التي سقط فيها ضحايا ( عرب) ، كانت تزّف الشهداء بالزغاريد ، والأناشيد ،محمّلين قادة ( إسرائيل) المسؤوليّة عن وقوع الضحايا ، والخراب ، والدمار ، باستثناء نفر من الشّاذين في القرية التي ينتمي لها ( الجاسوس) عزّام عزّام  _ المغار_ ففيها شتم حزب الله ..ولا عجب !

استفسرت من الصديقين عن أثر صدمة هذه الحرب على ( اليهود) ، فاستوقفتني حكاية صغيرة رواها الأستاذ حنّا : اتصلت بي امرأة يهوديّة أعرفها منذ سنوات ، وسألتني عمّا سيحدث بعد أن تتوقّف هذه الحرب . أخبرتها أنني قرأت خبراً في الصحف ( المحليّة)  عن تشكيل أهالي الجولان السوريّة منظمّة على غرار حزب الله ، لخوض معركة تحرير أرضهم ...

ماذا كان تعليق تلك السيّدة ؟ قالت لي على الهاتف بصوت محبط ويائس : إذا كان الأمر كذلك فلم يعد لنا بقاء في هذه البلاد ...

في فندق ( عمره) شربنا الشاي بالنعناع ، وتشعّب بنا الحديث عن الأصدقاء ، والأدب ، والحروب ، فرويت لهم بعض ما عشته في حرب ال82 ، ومعركة بيروت ، وهو ما دونته في كتابي ( آه يا بيروت ) .

في الأيّام الأولى من تلك الحرب ، كنت متوجهاً إلى شارع الحمراء ، التقيت بالسيّد الياس صنبر ، الفلسطيني الذي كان يعمل مع القوّات الدوليّة في الجنوب . سألته عن معارك عين الحلوة ، والأشبال في الرشيديّة ، فروى لي بعض انطباعاته ، وأهمها أن جيش ( إسرائيل) مصاب بصدمة ، إذ إنهم لا يستوعبون كيف يتصدّى طفل معه آر بي جي لدبابة ، فيدمرها بقذيفة واحدة ،تحرقها ، وتقتل من فيها من جنود مدربين ومعدّين لهزيمة جيوش عربيّة جرّارة !...

يومها ونحن نقف في الشارع ، وهو يتوجّه إلى فندق كان يتجمّع فيه الصحفيون ،ربّما ( الكومودور) ، مثّل بيده كيف أن بطولات الأشبال أحدث شرخاً في نفوس ضبّاط وجنود جيش ( الدفاع) !

لم تكن معركة اجتياح لبنان ، ومعركة صمود بيروت قرابة ثلاثة اشهر آخر الحروب ، ولا كان الشرخ في نفوس جيش الاحتلال آخر الشروخ ، ولا هزيمتهم في ببيروت ، وهربهم الذليل من لبنان في أيّار عام 2000 آخر هروب ...

حرب تموّز وآب 2006 ، يمكن أن تشكّل صدعاً عميقاً في ثقافة هذا الكيان الصهيوني ، في تقويمه لنفسه ، في نظرته للإنسان العربي  ، بعد أن سقطت نيران هذه الحرب ، وصواريخها على رأسه في مدن ظنّها حصينة ، ومستعمرات حسبها آمنة ، ثقةً بأن قوّة جيشه لا تقهر .

اعتاد الصهاينة على النظر إلى العربي الفلسطيني بعد تأسيس ( دولتهم ) عام 48 من ( فوق) بتحقير ، وبعد حرب 73 صاروا يتواضعون بعض الشيء ، وبعد هذه الحرب فإن عليهم _ كما سمعت هذا من عرب جاءوا من فلسطين 48 _ أن يمطّوا أعناقهم ويلووها إلى الخلف ليتمكنّوا من رؤية رؤوسنا الشامخة ، فقد هزمناهم بقوّة صغيرة ، قوّة صغيرة تنتمي لحزب الله ، ولبلد صغير هو لبنان !...

  كّل هذا حدث في مواجهة قوّة عربيّة ( صغيرة) ، فما بالك لو أن الجبهات السوريّة والأردنيّة ، وماذا عن  المصريّة ؟ فتحت لمقاتلين من ( مدرسة ) حزب الله ومقاوميه البواسل ، أما كانت تلك المرأة اليهوديّة ، ومثلها ألوف المستجلبين من العالم بادروا للرحيل من بلاد ليست لهم ؟! أما كنّا نحصل على دولة فلسطينيّة كاملة السيادة ؟  

ودّعت الصديقين القادمين من ( حيفا) ، العائدين إلى حيفا ، وأنا أحترق بنار أسئلة كيفما قلّبتها فإنني اصل إلى القناعة بأن ( إسرائيل) موجودة لا بالدعم الأمريكي اللامحدود الآثم ، ولكن بالضعف العربي الرسمي المفتعل ، وكأن ( بقاء إسرائيل) هو ضرورة بقاء لنظم حكم (عربيّة) إقليميّة !

*************************

 

 

شكراً أيها السيّد

   رشاد أبوشاور

أشكرك أيها السيّد ، فأنا واحد من جيل ذاق حنظل الهزائم ، ومرار المهانة ، وذّل التشرّد ، وخيبة الأمل ، وغدر المنافقين ...

 

الشكر لكّل من منحنا هذا الانتصار ، وسقى كرامتنا بدّم الشباب ، وأعاد لإنساننا العربي الكرامة ، بعد أن كان كمّاً مهملاً في حروب الانكسارات ...

 

الشكر لك ، لكم ، فالروح تشققت من عطش للنخوة وهي ترى أهلنا في غزّة ، ونابلس ، وخان يونس ، ومخيمات الفداء ..يذبحون ، بعد أن جرّوا إلى أوهام السلام مع عدو شرس ، قاس ، عنصري ، آثم ، لا يرعى عهداً ، ولا يصون وعداً ...

 

الشكر لك بعمامتك ، بوجهك الطيّب ، بصدقك ما عاهدت عليه ووفيت به ...

 

الشكر لك وأنت هناك في قمم جبال الجنوب ، وشعاب وديانه ، تتدرّع بالأرض ، وتنزل إلى الميدان بكامل الإيمان واليقين بالنصر ...

 

الشكر لك وأنت تجري أكبر عمليّة جراحيّة لذراع ( إسرائيل) الطويلة المعربدة ، فتقصّرها ، وتضع هذا البطجي و( الفتوّة) في حجمه الطبيعي : مجرّد ( أزعر) مارق ، انتهت صلاحيته كقاتل مأجور اعتاد على ممارسة دوره لأن أحداً لم يردعه كما ينبغي ...

 

الشكر لك أيها السيّد حسن نصر الله ، لأنك لست واحداً ، ولكنك تعبير عن حالة ، عن مقاومة ، عن إعداد ، عن برنامج مختلف ، عن طريق ، عن خيار ، عن أسلوب جديد  ...

الشكر لك لأنك خطاب ملايين العرب الذين رفعوا صورتك ، وحفظوا كلماتك ، ووضعوك بجوار جمال عبد الناصر ، فكنت بحجم آمالهم ، وأشواقهم ، وطول انتظارهم ...

 

لا ، أنت لست فرداً ، وإن حسبك الأعداء كذلك ، وعملوا على اغتيالك بأطنان من الديناميت تكفي لتدمير جبل _ وأنت جمل المحامل_  أنت هذه القوّة التي كبحت جماح جيش العدو ، وجعلته يصرخ في الميدان ، ويهرب خزياناً ...

 

أنت أيها السيّد القيادة الجماعيّة التي خططت ، ووجهت ، وأدارت المعركة بكل هذا الإتقان والبراعة ...

 

أنت تعرف أن خلفك ( روم) سوى الروم الذين تقاتلهم ، ولكنك بحكمتك ، وصبرك ، تدير معركتك بحنكة وأناة ، تمهل ولا تهمل ...

 

من راهنوا على ثلاثة أيّام ( لسحقك) أنت ومقاتليك ، وصنفّوك ( مغامراً ) باءوا بالفضيحة بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من حرب لم يعهدوها ، حرب أنزلت العدو إلى الملاجئ ، ودفعته للهرب ، وضعضعت كيانه عسكريّا ، واقتصاديّاً، وسياسيّاً ، وستغيّر ثقافته من أساسها...

 

الحلف غير المقدّس بقيادة أمريكا فشل في كل رهاناته ...

 

أنت اليوم بكامل عدّتك وعتادك ، هكذا نراك في هذا اليوم الأغّر : الرابع عشر من آب 2006 أكمل مّما رأيناك يوم 25 أيار 2000 ...

 

 رأينا الانتصار في شعبك الجنوبي اليوم الاثنين 14 آب ، وهو يتدفّق مندفعا سيلاً بشرياً عائداً إلى قراه الجنوبيّة ، رغم الألغام ، والصواريخ التي لم تنفجر ، والقنابل المنثورة في الطرقات ، والميركافات التي تجثم عند الأفق ، الميركافات التي هربت وهي ترى شعب المقاومة يندفع برايات حزب الله ...

 

المقاومون يرصودن كلّ شئ ، فعيونهم وصواريخهم ترعى الأهل العائدين ليعمروا بيوت هدّمت ، ليناموا تحت سماء الجنوب ، مستظلين بتين الجنوب ، مطمئنين بنصر أبنائهم مقاومي الجنوب الذين مرّغوا رأس ( إسرائيل) وجيشها ( الأسطوري ) تحت نعالهم ...

لقد وعدت بالنصر ووفيت ، لم تعد لبنان وحده ، فهذا النصر للعرب أجمعين ، وفي القلب منهم فلسطين التي نجدتها ولبيّت صرختها التي انطلقت من حنجرة ( هدى) على رمال غزّة ...

 

انتهت أسطورة (داوود )الصغير الذي صرع (جوليات) الضخم ، فها هي ( المقاومة الصغيرة ) في البلد الصغير ( لبنان ) تنتصر على داوود المعدني ، داوود الميركافا والإف16 ، والبوارج البحريّة ، والصواريخ اللايزريّة التي تخسف الأرض وتدكّها دكّاً ...

شكراً لك أيها السيّد العربي اللبناني رمز مقاومة المستضعفين في الأرض من أمريكا اللاتينيّة إلى عمق أفريقيّاً ، شكراً لك وأنت تنهي ثقافة الانكسار ، والخذلان ، والتبعيّة ، والضعف ، والطائفيّة ، والإقليميّة ...

 

شكراً لك وأنت تعيد صياغة العقيدة العسكريّة ،وتسلّح ملايين العرب بما يضمن الانتصار النهائي على كّل أعدائهم .

 

شكراً لك أيها السيّد وأنت تحسم انتصار ثقافة المقاومة فكراً وممارسةً ...

نحن منذ هذا اليوم 14 آب سنكتب أفضل ، لأننا نستند إلى منجزات رآها العالم كلّه : قوّة صغيرة مؤمنة ، معدّة ، تعرف هدفها ، بقيادة صادقة ، مضحيّة ، مبدعة ، تميّز بين الأعداء والأصدقاء ..لا بدّ ستنتصر ...

 

شكراً لك أيها الاختصاصي في تغيير موازين القوى ، يا من كسرت مفهوم ( التوازن الإستراتيجي ) بالمقاتل الاستراتيجي ، المقاتل البسيط ، المقاتل الذي دخل المعركة والنصر على جبينه ...

 

شكرا لك وأنت تعيد تسعير ( الميركافا ) في سوق السلاح ، وتحيلها كفناً للعدو المختبىء في جوفها ...

 

شكرا لذراعك الذي أغرق البوارج ، واسقط الهليوكبترات ، وأسقط الأساطير ...

لست ( أسطورة ) ..أنت مقاتل نبت بين شجرات ( التبغ) في أرض الجنوب ، أنت مقاتل ترعرع في ( بيروت ) ، في ضاحيتها الجنوبيّة ، بيروت التي هزمت هذا العدو عام 82 ، ولاحقه الأوفياء لها حتى كنسوه ، وكان نصرهم الأوّل عليه بشارة للنصر التاريخي الكبير ...

 

أيها السيّد ، يا حسن نصر الله ، أيها السيّد حزب الله ، أيتها السيّدة المقاومة اللبنانيّة ( الإسلاميّة ) المظفرّة : أنتم بهذا الانتصار فتحتم أبواب المستقبل ، ففلسطين على مرمى النظر ، والشرق الجديد يولد في بيروت وعلى تراب الجنوب ...

 

لك أيها السيّد ،يا مايسترو الانتصار ، لكم يا سادة الندى والكبرياء في الميدان ..الشكر .

 

لكم يا أبطال ( المنار) مذيعين ومذيعات ، معدّي برامج ، مراسلين في مواقع الخطر ، وأنتم تنقلون بأصواتكم ، بكاميراتكم أنباء الانتصارات بصدق ..الشكر .

 

 نحن يا أخوتنا لفرط ما هزمنا ، وحزّنا ، وانكسرت خواطرنا ، نصدقكم القول بأننا في حالة ارتباك ، فلا تؤاخذونا لأننا لأوّل مرّة نستمتع برؤية هذا العدو المجرم المغرور وهو يحترق في جوف ( الميركافا )  على الهواء مباشرة ، نرى جنوده يفرّون والرصاص ينالهم في ظهورهم ...

 

صحيح أننا خضنا معه معارك مجيدة ، وعشنا لحظات مجيدة ، لكننا لم ننتصر انتصاراً كاملاً كهذا من قبل ...

 

في الثلاثة والثلاثين يوماً ، تحوّلت ( إسرائيل) إلى بلطجي ( سابق) ، يمكن لأي ( قوّة ) جّادة ، صادقة ، مؤمنة أن ..تمرمطه ، وتمسح فيه الأرض ...

 

هذا الانتصار واأسفاه في خطر من ( يهود ) الداخل في لبنان وبلاد العرب ، فلنصونه بحدقات عيوننا ، إنه انتصار أمّة عطشى للانتصار...

 

 

 

* القدس العربي 16 آب 2006

****

كل عناصر الانتصار  

   رشاد أبوشاور

 تعيد المقاومة اللبنانيّة للإنسان العربي حالة من التوازن النفسي ، والروحي ، لأنها حرب (غير شكل ) عمّا سلف من حروب ( عربيّة )رسميّة ،إمّا فاشلةً خاسرة ، أومبدّدة .

  انتدب حزب الله نفسه للدفاع عن لبنان ، ومواصلة انتصار عاد 2000 ، لأنه بالتحليل المنطقي ، وبالعقل ، عرف أن هذا العدو لن ينام على هزيمته تلك ، ولن يترك حزب الله ( حيّاً ) يسبح في بحر جماهير تمحضه ثقتها واحترامها و( صوتها) ...

 حزب الله وإن تكوّن في أحضان (طائفة) مسلمة ، فإنه لم يسلك سلوكاً طائفيّاً ، ولم يؤخذ عليه في أي يوم تفريقه بين لبناني ولبناني دينيّاً ، ولذا نرى أن بعض أبرز المقربين منه سياسيّاً هم مسيحيو ( الدين) ، وطنيو وعروبيو الانتماء ...

لم يغب عن تفكير حزب الله وقيادته الواعية المؤمنة أنه بخوضه لمعركة الدفاع عن سيادة لبنان أرضاً ، وسماءً ، وهويّةً ، إنما يخوض معركة فلسطين والعرب كأمّة ، والمستضعفين في العالم...

 أعدّ حزب الله للمعركة التي توقع قدومها في أي وقت ، وحسب جيّداً ما يملكه العدو من إمكانات عسكريّة تدميريّة ، ومن صلف وغرور ، وقسوة ووحشيّة ، وخطط كما هو جلي _ بعد أربعة أسابيع من الحرب_  للتقليل من تميّز وتفوّق أسلحة هذا العدو ، مبتدئاً بالعنصر البشري ، وجعله أساس المفاجأة في هذه الحرب ،فهو مقاتل معّد بدنيّاً وروحيّاً ونفسيّاً ،لا ينسحب من الميدان ، ويأتمر بأمر قيادات ميدانيّة وعليا ثابتة معه على كل الصعد ، قيادات استشهاديّة الروح ، لا قيادات فضائيات واستعراضات ،  وزوّد مقاتله بكّل ما يمكّنه من الصمود والثبات في الميدان ، ويمنحه ميّزة سرعة الحركة بأسلحة متواضعة قياساً بما يملكه العدو ، خفيفه ليحملها فرد أو أكثر ، وفعّالة تناسب سرعة وحيوية مقاتل لا ينتظر العدو وإنما يلتف حوله ، يلسعه بغتةً ، يضرب ويختفي ، فعله ظاهر ، وجسده خاف حتّى على أدّق أجهزة الرصد التكنولوجيّة المتجسسة من الجو ، والبحر ، وعلى الأرض ، وعلى كاميرات مراسلي الفضائيات ، الذين يعلنون يوميا أنهم لم يروا ولو مقاتلاً واحداً من حزب الله على أرض الجنوب ! .

أعّد حزب الله  قوّته العسكريّة القليلة العدد ، بقدرات بدنيّة ، ونفسيّة ، وإيمانيّة ، بحيث تهيّأ رجاله لخوض حرب حقيقيّة مع عدو اعتاد دائماً على الانتصار على جيوش( دول) عربيّة ، مهما حشدت ...

   مع وضوح ( الهدف) ، وبناء القوّة ، يبدو لي أن قادة حزب الله ( المقاومة الإسلاميّة) ، قد طرحوا على أنفسهم أسئلة عن كل شئ ، وفي كل شئ ، فمثلاً من يخض هذه الحرب الرهيبة ، لا بدّ ، وهذا واضح ولا يحتاج للغوص ، أنه طرح الأسئلة : كيف نحمي أنفسنا من طيران العدو المتفوّق ؟ ما الأسلحة المناسبة للتصدّى لدبابات العدو المصفحّة التي لا تخترقها قذائف الآربي جي العاديّة ؟ كيف نجعل قوّات العدو في حالة هلع دائم ، في حال فكّرت بالاختراق في أي محور ؟ كيف نثبت وراء وحول قوّات جيش اعتاد على الاختراق ، والالتفاف ، وخوض حروبه بغزارة نارية هائلة ، وفي وقت سريع ، وانقضاض خاطف ؟

واضح أن حزب الله _ وقادته رجال دين ، وليسوا دراويش في التكايا والزوايا ، ولا هم خطباء ( جمعة) وظيفتهم التضليل ، والدعاء للحكّام ، والحّض على طاعة ( أولي الأمر) ، ولكنهم رجال دين مجاهدون ولدوا على أرض الجنوب المقاتل منذ الستينات ، وفي كنف أسر ذاقت الاضطهاد الاجتماعي ، فكان الدين عامل تثوير لا وسيلة تضليل وتجهيل _ قد أحاط كّل نشاطاته ، وعمليات البناء الضخمة ، بستار من السريّة والكتمان ، بحيث لا يعرف أي عنصر في الآلة الجبّارة سوى ما يجب أن يعرف ، ولا يبوح به لغير نفسه وضميره ، فهو حامل أمانة ، وهو حامل  هدف مقدّس ، وهو مؤتمن على ( سّر) الانتصار...

 الصدق : بعد تحديد الهدف ، وبناء ما يضمن الصمود ، أي الانتصار ، وإحاطته بما يحميه أمنيّاً _ أذكّر بالشبكات التي قبض عليها حزب الله في السنوات الأخيرة ، وهذا انتصار كبير له على العدو الذي بقي أعمى رغم كل ما عرف عنه من قدرات استخباريّة ،  واختراقيّة _ مع النفس ، ومع أبناء الوطن ، بات سمة أصيلة من سمات حزب الله قيادةً ، ومقاتلين و..وإعلاماً يتجلّى في فضائية المنار المجاهدة ، بدقّتها ، وحيويّتها ، وهدوئها ، وشبكة مراسليها ،  فلا تهويش ، ولا تهريج ، فكّل شئ مدروس ، من الخبر حتى برامج الحوار مع قادة الاتجاهات السياسيّة ، رغم الخلافات ، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن مواقفهم ...

 تفاعل ملايين العرب بدأ بطيئاً ، فثقل الهزائم المرنّخة في النفوس والعقول ، يستحيل أن يزول بسرعة ، ولكن البطولات في الميدان ، وعظمة شعب لبنان الملتف حول مقاومته ، وبهدلة جيش العدو في جبهة القتال ، بحيث إنه يتقدّم بضعة أمتار ثمّ يلوذ بالفرار رعباً مّمن يلتفون حوله مشتبكين معه وجهاً لوجه ، ضاربينه في صدره ، وظهره ، وعلى جنبيه ...

الخطاب السياسي الواثق ، الواضح ، بصوت وصورة السيّد حسن نصر الله بات زاداً نفسيا ، وفكريّاً ، وثقافيّاً ، ينتظره ملايين العرب ( والمسلمين) الذين يصدقّونه ويثقون به ، هو أحد عوامل الصمود ، بل هو سلاح في الحرب النفسية للصديق وللعدو  ...

 حزب الله بلسان السيّد حسن _ هكذا بات اسمه عند الناس ، إذ هناك سيّد و..حسن ..واحد _ قال في خطابه بتاريخ 3 آب الجاري  : نحن نقوم برّد فعل على ما يفعله العدو، يضربنا بالصواريخ فنضربه ، يضرب مدننا وقرانا فنرّد عليه و..إذا ما ضرب عاصمتنا بيروت فسنضرب عاصمته تل أبيب...

 جمهور العدو تربّى في فترة وجيزة على أن يصدّق السيّد حسن ، وحزب الله ، وإعلام المنار ، وهذا انقلاب في دور الإعلام ، فنحن عرب المشرق اعتدنا على متابعة أنباء الحروب من إذاعة ( صوت إسرائيل) أو ( بي بي سي ) أو ( مونتكارلو) ، ولم نكن نثق بإذاعاتنا خّاصة بعد سلسلة الهزائم ، وافتقاد الإعلام الرسمي للمصداقيّة ...

يحدث حزب الله ومقاتلوه انقلاباً في المفاهيم ، يعيدون للإنسان العربي الثقة بنفسه وبقدراته ، ويضعون ملايين العرب في مواجهة مع نظم حكم عربيّة متواطئة ، أو مهادنة ، أو متفرّجة  ، ويفرز بين العدو والصديق ، ويضع كل عربي أمام مسؤولياته في عملية فرز عظيمة ، بحيث أن الجماهير العربيّة باتت تؤمن بأن ( شافيز ) أكثر عروبة   من قادة عربا أبا عن جّدً ، وأن ( ماليزيا ) أكثر شجاعة وإسلاماً من دول أعضاء في الجامعة العربيّة  ...

 rashads@go.com.jo

القدس العربي، الأربعاء 9 آب 2006

 

قانا تذبح.. لبنان الصغير الشجاع ينهض

 رشاد أبو شاور

 

01/08/2006 

خرجت قليلاً لجلب بعض الحاجيّات، ثمّ عدت على عجل، فأنا كملايين العرب أتسمّر ليل نهار أمام شاشة التلفزيون، أتنقّل بين ( المنار) و( الجزيرة)، وقلّما أمّر على فضائيات عربيّة أخرى، مع استثناءات في متابعة بعض البرامج كبرنامج ( قلم رصاص)...

كنت أتوقّع شيئاً ما، حدثاً جللاً مروّعاً ( ما)، بعد خطاب السيّد حسن نصر الله يوم السبت 29 تموّز الجاري، والذي تميّز برحابة الرؤية، ودقّة المتابعة، والروح الوطنيّة اللبنانيّة المتسامحة، والرّد المقنع الواقعي المحاجج بعقلانيّة على كّل الأسئلة والتخوفات و..حتّى الأراجيف، والتأشير على انتصارات المقاومة دون تهويل، والتواضع المحبب من قائد لمقاتلين رفعوا الرأس في ( مارون الراس) و( بنت جبيل)...

توقعت فعلاً عسكريّاً لئيما، وإن كنت أستبعد أن يفلح العدو المتغطرس في التمكّن من إنجاز فعل كبير عسكريّاً، لأن مقاتلي حزب الله ليسوا في مكان، وهم في كل مكان، إنهم الهواء، والضوء، ولذا لا يمكن رصدهم، وتحديد حركتهم، وقصف مواقعهم...

وإذ أضاءت الشاشة، انبثق المشهد المذهل، وقد ظننته قديماً، ظننته قانا ( عناقيد الغضب) وأن ( المنار) تذكّر به!
نقّالات عليها أشلاء، أجساد متحاضنة ومتوارية تحت الدمار، أطفال وأمهات ينمنهم على أذرع باتت بلا حياة...
لا، ليست قانا عناقيد الغضب ما أرى، إنها قانا جديدة على الهواء مباشرةً، هذا بناء، وليس ذلك الموقع في معسكر القوّات الدوليّة!
هذا هو إذن ما يمكن أن يتفتّق عنه عقل هذا العدو!

مذبحة جديدة في ( قانا)، يبررها رئيس وزراء العدو أولمرت بأن أهالي قانا طلب منهم الرحيل من بلدتهم، ولكنهم لم يفعلوا!
هل نسينا مذبحة قانا عام 96، التي حملت اسم ( عناقيد الغضب)؟! تلك المذبحة التي وقعت في موقع لمراقبي الأمم المتحدّة، دون إدانة من الأمم المتحدة، ومن مجلس الأمن حيث أمريكا بالمرصاد لكّل من يفكّر في إدانة أداتها وربيبتها...

شمعون بيرس، حامل نوبل للسلام، كان رئيساً لوزراء العدو آنذاك، وأراد من ( المذبحة) أن تمنحه شعبيّة تعيده رئيساً منتخباً للوزراء!
عمالي يقترف مذبحة ( قانا) الأولى عام 1996
ليكودي مزمن، في قيادة حزب ( كاديما) _ إلى الأمام، تقدّموا _ يقترف مذبحة 2006، وبعد ( خطأ) مقصود بحّق قوّات الأمم المتحدة، وسلسلة مذابح متفرّقة يوميّة في الحرب الأمريكية ( الإسرائيليّة) التي تمارس فيها دولة العدو دورها تماماً: دولة وظيفة ودور، ومخلب قّط، وقاعدة عدوان متقدمّة على العرب، وحارسة لمصالح الولايات المتحدة و( شريك صغير) دوره تأديبي، بلطجي...

مذبحة لأطفال ونساء وعجّز، هوت عليهم القنابل الأمريكيّة الذكيّة التي للتو وصلت بالتوقيت مع وصول وزيرة خارجيّة أمريكا رايس...
هل أصف ما شاهدته وأشاهده على مدار الساعة؟!

لقد بّت أعرف الطفلات واحدةً واحدة، جثّة جثّة، تلك التي تشبه اللعبة، التي يتعفّر وجهها بالإسمنت، وتلك التي مدّدت على التراب، وأمام الكاميرات رفع أحد ذويها _ لعلّه أبوها، عمّها، جارهم الذي كان يمازحها ويريدها عروساً لابنه علي _ رأسها أمام الكاميرات في لقطة تذكارية لها قبل الدفن في القبر الجماعي ( دفن الوديعة)...

إذاً هذا هو رّد جيش ( الدفاع) على هزيمته في مارون الراس، وبنت جبيل، وعيترون!
هجوم معاكس بالقنابل الذكيّة على ملجأ متواضع في قرية بسيطة، تهمتها أنها لبنانيّة، تماماً كالمقاومة!
هذه هي ( طهارة السلاح) التي ياما تباهى بها جيش العدو، وقادته! طهارة السلاح التي خبرناها في فلسطين في سلسلة مذابح: دير ياسين، الدوايمة، خان يونس، الطنطورة، في صبرا وشاتيلا، في بحر البقر، في قانا الأولى، في...

عدو وضع في رأس مهماته أن ينشر الخوف في نفوس المواطنين العرب، باستهتار، وبلا حساب من أحد، فهو محمي عسكريّاً، وسياسيّاً، وديبلوماسيّاً من دول تناوبت على رعايته، ومدّه بكل ما يحتاج من سلاح، ومال، وتغطية ( بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكيّة بكل إداراتها، الحليف والراعي الاستراتيجي)...

مرّة أخرى يعود عدونا المتوحّش إلى قانا، ليذبح أطفالنا، ونساءنا، وشيوخنا، تمدّه إدارة بوش الصغير باشّد القنابل فتكاً، وبالفيتو في وجه كل من يطالب بوقف إطلاق النار، أو إدانة للعدوان، أو مجرّد لوم لهذه الدولة المارقة، قاعدة الشّر في بلاد العرب...

لم تخرج في لبنان أصوات تطالب بوقف المقاومة، ورفع راية الاستسلام...
والناس يرون مشاهد المذبحة، اندفعوا إلى قلب بيروت، العاصمة الجميلة، الشجاعة، التي كنست الاحتلال بقوّة المقاومة لا باتفاقيات سلام مذلّة...
اللبنانيون البواسل اندفعوا إلى قلب بيروت، وارتفعت هتافاتهم: الموت الموت لأمريكا، الموت الموت (لإسرائيل).

وعلى فضائيتي المنار والجزيرة، تناوب زعماء لبنان من كل الطوائف، والاتجاهات السياسيّة: لا لاستقبال رايس، يجب إيقاف إطلاق النار فوراً وبدون شروط...
لبنان يتّحد تحت النار، يجوهر، ينهض من أجل قانا التي شهدت أولى معجزات السيّد المسيح...

دم قانا لن يذهب هدراً هذه المرّة، فحزب الله وعد بالعقاب، والمقاومة ستفي بالوعد، لأنها صادقة، والعدو سينوح هذه المرّة، فهذه حرب ليست كالحروب السابقة، هذه حرب لا جيوش عربيّة فيها لتهزم في ساعات، أو أيّام...
هذه حرب تقاتل فيها الجبال، والوديان، والغابات، والقرى، والمدن، حرب الإنسان الغني بثقافته، وانتمائه،وحضارته، ومدنيته، وجذوره...

يا أشلاء أطفالنا في قانا الجليل
بقدسيّة الدم، والأشلاء، والتراب المحترق، والبيوت المهدمّة نهتف مع أهلنا في بيروت:
الموت الموت لأمريكا
الموت الموت...
العار كل العار للحكام الخونة
العار للكتّاب المنافقين فاسدي الضمائر، الذين نظّروا للعدوان بحجج تنسجم مع فتاوى شيوخ النفط، وسادتهم الحكّام المستبدين الخانعين العجزة...
المجد للمقاومة العربيّة في فلسطين، والعراق، ولبنان...
 

www.safsaf.org