في مغارة المِعْزَى

قصيدة ريفية قصصية غنائية بلهجة فلسطينية / مهداة إلى الشاعرة الرقيقة صفاء العناني بمناسبة أغنيتها

                                   " يا طالعين عَ الجليل " مع مودّتي واحترامي .

للشاعر : سعود الأسدي

كتب الشاعر الأديب أحمد دحبور لدى مراجعته ديوان سعود الأسدي " شبق وعبق " في صحيفة الاتحاد في السادس من آب 1999 مقالة جاء فيها :     

" يرسم سعود الأسدي ، بالكلام ، خريطة لهذه البلاد المجرّحة . ولأن أسماء مدنها وقراها تجعل الشجى يبعث الشجى ، فهو لا يكف عن ترداد الشاغور وبيسان وصفورية والطنطورة ، ويوقظ الراعية السمرا في مغارة المعزى ، ويصغي إلى كل زهرة ونوارة تهمس في بلادنا: الزقزقيا، والبرقوق ، والسوسن والنرجس  والفيجن وتفاح المجانين والدوم . بل إن الكلمات العامية الراقدة بين حبات التراب وفي عروق الصخر ، تسترد عافيتها على يدي هذا الشاعر الصّنَاع ، فإذا بكل سنبلة في البيدر تميل على وقع الكلام الجليلي حتى إذا أتى دورها اهتزت ، وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج " .

 

الرّاعْيِه السّمرا اللي كانتْ سارْحَه

بْعنزاتْها وْمَرْقَتْ عليّ البارْحَه

وِالدّنيا تندفْ ثلجْ

عَ الجبلْ وِالمرجْ

قُلْتِلْهَا : تَعي !

 

وْما بين لأ وآ وْلَمِّنْا أجَتْ

فاتَتْ معي عَ مغارْة المعزَى

اللي في عِرْق الجبلْ ،

وْصرتْ هيكي بْلا وعي

أفِجّ بيدي النار

يللي مْعَسْعِسِه بكوم القَصَلْ ،

وَانزلْ عَ رِكْبِه ونُص نايِخْ عَ الوَطَا

وانْفُخْ على الجَمْرات

نَفْخ بْلا وعي !

 

والراعْيِه وهي مادِّه ديّاتْها

تْفَرْفِكْهِنْ من البرد وِتْوَحْوِح :

" أحّو يا بَرْدي "

وِالدّفا يْقُلْلا معي :

لا تِطْلَعي بَرّا المغارَه بْتِصْقَعي !

 

وْصُرْنا على نار القَصَلْ

بِمْغارْة المعزى اللي في عِرْق الجبلْ

نِقْزَعْ قشاقيش الحَطَب لِمْبَلَّلِه

وْننفخْ عليها هي وأنا ،

وِالمغارَه لَسَماها مْعَسِقْدِه ،

وْدُخّانها يُعْزُقْ كأنْها موقَدِه ،

وِعْيونْنا يْسِحُّوا دَمِعْ عَ خْدودْنا ،

وْنِشوي بهالبلّوط تا نشوفو استوى

وِنْصير نِتْنَقْرَشْ سَوَا

وْنِحكي حكايا للغِوَى ،

وْنرجس الوادي يميل عا ميل الهوى

ومع كل ميلِه يْقول للغابِه :

اسمعي !

 

وْظلّينا طول نهارْنا

وِالدّنيا ريح وثلجْ

وِقْطيطَه تِكْفِت لتحت ع أالمرجْ

غيم وندى ،

وْنحنا نغنّي للغِوَى

وْفيجن الوادي يميل عا ميل الهوى

وْمع كلّ ميلِه يْقول للرّيح :

اخشعي !

 

وْلَمِّنْها شمس الكون غَطْسَتْ

وِالمسا ظَبّ الرّمَسْ

وْظبّنا من تحت جِنْحان الأسى ،

شحرورة الخَلِّه

خَنْسَتْ بشي مَلِّه

وْشهقتْ قبِل ما تباتْ

أربع خمِس شهقاتْ ،

والراعيه من خوف ييجي الليل

والذّيابِه تْمَلِّي هالغابِه

قامتْ ولمّتْ حالها

وِبْخاطْرَك ..!

ألله مَعِكْ .. !

وِتْحوحي لعنزاتها :

" حو حو حو حو " ،

وْعنزاتْها شَلْعَه

مْدَقّرِه تِرْعَى ،

وْلَمِّن ما هيكي

من وراها سَرَّبوا

وْصوب المشاتي غرّبوا

مِشْيَت الذّيل الذّيل

وْهِيْ عَ كْتافْها

والدنيا تندفْ ثلْج

راشِّه مْشَمَّعي ..

 

وفي باب لِمْغاره

لَمِّن الراعيه أبْعَدَتْ

ظلّيت واقفْ صافن بحالي

وْاسمع صدى الوادي

عَ الراعيه يْنادي

وِيقول إلها بْزاتها

وهي مْسرّبِه بْعنزاتها :

وينك يا حلوِه ؟

وين إنتي ؟

شو مَعِكْ ؟

إنتي أنا

وِكْ وين رُحْتي

شو معي ؟!

 

 وْلَمِّن مَ حَدِّش رَدّ

رِجْع الصّدَى ثاني

يْنادي بِلْساني :

يا نجمِه !

يللي من ورا الغيمِه اطْلَعي !

وقولي لهالبنت الحنونِه الراعيه

وِكْ وين رحتي ؟

إرجعي !

كل يوم عَ الميعاد زاتو إرجعي

في البَرْد يا بنت ارجعي

نارِكْ معي بتهبّ وبتطفي معي

في الشّرْد يا بنت ارجعي

بِتْبوردي بِتْشَبِّعيني بْتِشْبَعي

في الضوّ في العتمِه ارجعي

مع رفّة جفوني ،

مع رمشة عيوني ،

مع لمس ديّاتي ،

مع همْس حسْراتي ،

مع نفس ريّاتي ،

مع  " أوف " ناياتي ،

مع حزن ألحاني ،

مع نبض شرياني ،

مع غيم وجداني ،

وِكْ أرجعي !

وك إرجعي !

وك إرجعي!

ــــــــ

مادّة ديّاتها : مادّة يديها.

عَسْعَسَت النار : بدأت تشتعل ببطء مصحوب بدخان .

القَصَل : أعقاب القشّ .

الوطا ( الوطاة ) : الأرض .

القشاقيش : أعواد الحطب الدقيق .

معسقدة : مدخّنة .

يعزق : ينبعث باندفاع .

نتنقرش : نأكل تسلية .

قطيطة ( غطيطة ) : ضباب  .

فيجن : نبتة لها رائحة ساطعة ،

يرش ورقها على الزيتون الأسمر المكبوس لتطييبه .

ظبّ الرّمس : وقت امتداد الظلام غبّ غروب الشمس .

تحوحي لعنزاتها : تناديها وتنتهرها.

مدقّرة ترعى : من غريب ما رواه الرعاة أن الماعز تشعر

سلفاً في الأيام الماطرة ( أيام اللزبات أو الزربات ) بان

الراعي لن يخرج بها إلى المرعى في الغد لشدّة المطر لذا

فهي تدقّر في الأرض جادة في رعي العشب والقش وأوراق

الشجر لملء بطونها ليومين وأكثر .

 

 www.safsaf.org