30/7/2006

دعوا الجيش ينهزم..!!!

شاكر الجوهري

المهزومون لا يملون الشروط..

هذا ما أجاب به الرئيس جورج بوش الأب رئيسا عربيا حين طالبه بانسحاب قوات الإحتلال الإسرائيلي من اراضي بلاده, بعد انتهاء العمليات العسكرية لعاصفة الصحراء.

الآن جورج بوش الإبن يريد أن يفرض المهزوم الإسرائيلي شروطهن وإن في حدها الأدنى، على لبنان..!

الهزيمة الإسرائيلية ثابتة بالأقوال والأفعال..

عمير رافبورات المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية يقول بعد معركة بنت جبيل "إن كانوا في المؤسسة الأمنية قد تدارسوا في اواسط الأسبوع (الماضي) الإكتفاء بالإنجازات المحدودة فقد تراجع هذا الخيار الآن. ايقاف الحرب بعد مثل هذه الضربات الموجعة سيفسر على أنه فرار في حالة وضع الذيل بين الأرجل: أي الفشل".

يضيف رافبورات "بنظرة للوراء نجد أن القادة العسكريين باعوا المستوى السياسي وهما سحريا, وجعلوه يعتقد أن سلاح الجو قادر على تولي أمر حزب الله من دون الحاجة لقوات برية تدخل إلى العمق اللبناني".

يضيف رافبورات أيضا "إن الحرب ستنتهي دون أن يرفع حزب الله الرايات البيضاء".

اليكس فيشمان المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت احرونوت" يقول "ليست هناك أية اشارة لا سياسية ولا عسكرية بمقدورها التدليل على أن شيئا ما في مواقف مثلث حزب الله ـ ايران ـ سوريا قد تعرض للصدع".

زئيف شيف المعلق العسكري في صحيفة "هآرتس", وهو رئيس سابق للإستخبارات يرى أن اعطاء وقت اضافي للجيش الإسرائيلي بأمل أن يحقق اهدافه هو قرار "يعطي حزب الله وقتا اضافيا لإدارة حرب استنزاف ضد السكان المدنيين في اسرائيل".

شلومو بروم الباحث في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية يرى أنه "إذا كانت اسرائيل تسعى من وراء حربها إلى نزع سلاح حزب الله فإن ثمة شكا كبيرا في امكانية تحقيق هذه الغاية".

أما شيمون بيريس نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي, فإنه يعمل على تسويق ضرورة وقف اطلاق النار عبر قوله في اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي "إن اسرائيل تقف الآن أمام خيارين هما بدء التفاوض مع حزب الله لإجراء تبادل للأسرى, او اعلان حرب شاملة".

بيريس بهذا يريد وقف اطلاق النار لأن للحرب الشاملة تفاعلات اقليمية من شأنها أن تنسف مجمل الإستراتيجية الأميركية من جذورها, وهي الإستراتيجية القائمة على عزل اطراف "محور الشر" ممثلة في سوريا وايران عن محيطهما العربي والإسلامي. فهذا العزل ستقود الحرب الشاملة ليس فقط إلى تقويضه, بل إلى جعل هذا المحور قائدا للمواجهة يصطف خلفه جميع العرب والمسلمين.

في حزيران/يونيو 1967 عمل النظام العربي على تبرير هزيمته الساحقة بالقول إنه انتظر الطيران الإسرائيلي من الغرب فجاءه من الشرق, لأنه لم يرد أن يعترف بأن العدوان الإسرائيلي بدأ حين كان جنرالاته وضباطه لا يزالون نياما في الثامنة صباحا, جراء ليلة تحشيش صاخبة امضوها برفقة سيادة المشير عبد الحكيم عامر وعدد من الراقصات والعاهرات.

الآن نستمع إلى تبريرات اسرائيلية من ذات الطراز للهزيمة الإسرائيلية.. فها هو الوف بن المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية يصف قرار المستوى السياسي بشن الحرب على لبنان بالمتسرع. "فالجيش أعد خطط ادراج لمحاربة حزب الله, بل وحتى تدرب عليها.. لكن النقص في الإستخبارات والصعوبات العملياتية وتخفيض الجهوزية قبل عملية الأسر تشهد على أن قيادة هيئة اركان الجيش, التي كانت منشغلة حتى الثمالة في الحرب على الفلسطينيين, لم تكن جاهزة بجدية لأن تحول جهدها الرئيس نحو الشمال".

رافبورت يحاول التبرير هو الآخر بالقول إن الجيش الإسرائيلي قاتل أمام عدو مزود بأحدث الوسائل القتالية, ويخوض المعركة على أرضه.

هل يفترض أن يكون التفوق التسليحي دائما لصالح اسرائيل..؟ تساؤل يطرح ببلاهة, ذلك أنه كان كذلك أيضا في هذه المرة, لكنه وجد امامه تصميم الرجال على الإنتصار لأنهم يقاتلون دفاعا عن وطن لا عن نظام..!

حين تكون الأمور بهذا السوء, يسهل نشر معلومات في وسائل اعلامية اسرائيلية تتحدث عن محاولة قام بها رجال حزب الله للتقدم نحو احدى المستوطنات الشمالية الأكثر تعقيدا في الدفاع عنها في منطقة الحدود مع لبنان.

الهزيمة الإسرائيلية صارخة مدوية إلى حد استدعت عودة كونداليزا رايس بعد فقط يومين من مغادرتها الأراضي الفلسطينية ومن ثم روما معطية حكومة اولمرت فسحة وقت تمتد من اسبوع لعشرة أيام أخرى كي تحاول خلالها تحقيق انجاز عسكري يساعدها على تحويله إلى انجاز سياسي.

يومان اثنان فقط فصلا بين مغادرة رايس المنطقة وعودتها, كانا يستدعيان التفسير والتبرير, وهذا ما حاولت فعله ياعيل غبريتس في صحيفة "يديعوت احرونوت", مستدعية قول رايس للقادة الإسرائيليين "كيف تريدون الخروج من هذا (المأزق)..؟ هناك امكانيتان: إما أن نستمر ونسحب ونشد هذا الحبل حول عنقنا, وإما أن نعطي هذا الحبل لمبادرة سياسية".

رايس تريد أن تلقي الآن بحبل النجاة لإسرائيل, قبل أن يلتف حبل الفشل حول عنقها, في محاولة من الحليف.. بل القائد الأميركي لجني بعض المكاسب السياسية.

لكن حبل رايس يتسابق الآن مع خطوات الحملة الداخلية التي تستهدف ايهود اولمرت. فها هو آرى شافيت يطالب في "هآرتس" بتشكيل حكومة طوارىء, معتبرا ذلك "أمر الساعة"..!

ولكن ما الذي تستطيع أن تقدمه حكومة الطوارىء..؟

لقد شكلت اسرائيل حكومات طوارىء خلال حروبها الحاسمة, خاصة قبيل عدوان 1967. وميزة حكومة الطوارىء في اسرائيل أنها تشكل من جميع, أو معظم الأحزاب السياسية بهدف الحفاظ على الوحدة الداخلية في مواجهة الأخطار الخارجية. ونظن أن هذه الحكومة تكاد تكون قائمة الآن.. ذلك أن حكومة اولمرت تتشكل من معظم الأحزاب السياسية الممثلة في الكنيست باستثناء حزبي الليكود وحركة ميرتس.

أما أهم الأحزاب الصغيرة الموجودة خارج الحكومة الآن فهو حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو, الذي يواصل الصمت انتظارا لانتهاء الحرب كي يعلن الحرب على كاديما واولمرت، في حين لا أهمية تذكر لانتقادات يوسي بيلين في ظل اجواء الحرب.

في الوقت الحالي لا اخطار انقسام سياسي كبير, بالرغم من تعليقات اعلامية هنا وهناك, ثم إن ما الذي يمكن أن تضيفه حكومة طوارىء إلى جهد جيش العدوان في ساحة الحرب, بعد أن هزم مقاتلو حزب الله نخبة النخبة في الجيش الإسرائيلي (الكتيبة 51 من لواء غولاني)..؟

المناداة بحكومة طوارىء هي الشكل المهذب للمطالبة بإسقاط حكومة اولمرت. وها هو شافيت يواصل قائلا إن الحكومة "خرجت إلى حرب لبنان الثانية بصورة متسرعة ومتهورة. اهداف الحرب لم تحدد كما يجب، والمخاطر الكامنة فيها لم تدرس حتى النهاية, وآثارها لم تخضع للتحليل والتمحيص. الحكومة قادت الدولة إلى خطوة استراتيجية حاسمة من دون أن تكون واعية لعواقبها ونتائجها". ثم ينتقل شافيت إلى التشكيك بكفاءة اولمرت, تماما كما فعل الشيخ حسن نصر الله بداية الحرب "رئيس الحكومة سيطالب بعد الحرب بعملية محاسبة عن ذلك, فقد برهن أنه رجل دولة سطحي وعديم المسؤولية, وغير جدير بهذا المنصب الرفيع".

ازاء سطحية اولمرت, هناك من يطالب الآن بحكومة جديدة يشكلها ايهود باراك, فهو "الأنسب لقيادة المرحلة بعد أن تعلم من تجربته", كما يقول اوري دان في "معاريف".

ونستخلص من عندنا أن اولمرت قلب شعار ارئيل شارون الذي فاز بفضله في الإنتخابات قبل الأخيرة من "دعوا الجيش ينتصر" إلى "دعوا الجيش ينهزم". وهو لم يكتف بالدعوة لذك, لكنه مارسها على أرض الواقع, جارا معه إلى خندق الهزيمة جورج بوش, القائد العام لهذه الحرب, ومعظم حلقات النظام الرسمي العربي..!

جورج بوش لأنه تراجع, ووزير خارجيته عن مطلب نزع سلاح حزب الله إلى ارسال الجيش اللبناني إلى الجنوب.

تصوروا: يقصفون معسكرات الجيش اللبناني في الشمال, ويطالبونه بالتوجه نحو الجنوب.

الشرق الأوسط الجديد سترسم معالمه بنادق وصمود مقاتلي حزب الله, لا حماقات وهمجية بوش اولمرت.

أما النظام العربي الذي اطلقت هزيمة الجيش الإسرائيلي في بنت جبيل ومارون الراس عقال كرمه, على شكل تبرعات ومساعدات لإعادة اعمار ما هدمه ودمره العدوان في لبنان, فإنه يقف أمام ورطة حقيقية لمجرد أن حزب الله لم يهزم, وهو (النظام العربي) سارع إلى تحميله منذ لحظات المعركة الأولى مسؤولية مغامرة تدمير لبنان.

تدمير لبنان ليس مسؤولية حزب الله الذي قاتل وقاوم دفاعا عن ارض وكرامة الأمة العربية في لبنان، لكنه مسؤولية النظام العربي الذي قايض حرية الوطن بحرية المواطن، وتقاعس عن القيام بمهامه.

غير أن الورقة الأهم التي يعاني منها النظام العربي الآن تتمثل في سؤالين رئيسين:

الأول: كيف ينتصر حزب عربي على اسرائيل, في حين أن هذه الإسرائيل ذاتها سبق أن هزمت النظام العربي مرارا وتكرارا..؟

الثاني: هل يعقل أن الجماهير العربية التي اثبتت قدرة على تحرير الأرض والعرض من الجيش الإسرائيلي غير قادرة على تحرير الذات من النظام العربي..؟

وبعد, فإن مجزرة قانا الثانية لن تتمكن من تغطية معالم الهزيمة الإسرائيلية, تماما كما لم تفلح مجزرة قانا الأولى من انقاذ الجيش الإسرائيلي من الإنسحاب الأحادي الجانب الذي اضطر إلى تنفيذه, فيما كانت قذائف المقاومة تلاحقه.

 

www.safsaf.org