من سيسرق انتصار حزب الله؟؟

 
توجان فيصل

السؤال لم يكن في أية لحظة "لمن سيهدي حزب الله انتصاره؟"، فحزب الله خاض المعركة منذ بداياتها في السبعينات وحتى يومنا هذا نيابة عن لبنان، كل لبنان، وعن العرب جميعاً. وحزب الله لم يحتفظ يوماً لنفسه بأي من غنائم التحرير اللهم إلا "الحرية". فلم يقفز زعيمه للحكم ولا لتولي منصب عام، بل تلك تكالب عليها "قناصو المكافئات" الذين يختبئون عند المعركة الحقيقية، إن لم يعينوا العدو خلسة أو حتى علانية!! بل إن مجرد مشاركة حزب الله في مجلس النواب وفي الحكومة ما جاءت إلا كمشاركته في الدائرة المستديرة: لدعم الحوار اللبناني- اللبناني المباشر ومن أجل استعادة الوحدة الوطنية.. وايضاً لمنع المؤامرات القادمة من واشنطن وتل ابيب أن تمرر على يد نواب ووزراء واشنطن وتل أبيب. لهذا، وبصراحة، أنا لا اثق بغالبية وزراء الخارجية العرب المجتمعين في بيروت، ولا اصدق أن اجتماعهم جاء لنصرة لبنان، بل اعتقد انه جاء أوّلا: لتجديد أقنعتهم التي مزقوها بأيديهم في بداية العدوان على لبنان، وقبل ان تسقط ما تبقى منها أيدي الشعوب العربية ويد حزب الله، وثانياً: لسرقة انتصار حزب الله وتحويله لصالح إسرائيل وأمريكا، على امل أن تساعد هاتان الأنظمة العربية على البقاء ممتطية ظهور شعوبها في مرحلة "الشرق الأوسط الجديد" الذي لوحت به أمريكا لهذه الغاية بالذات.. فأمريكا التي فشلت بهذا الشكل الذريع في تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، لا يمكنها أن تزعم ان في أكمامها شرق أوسط جديد، اللهم إلا أن تكون توقعت الولادة المحتومة لنظام عربي جديد بعد الطلاق البائن الذي وقع في الأسابيع القليلة الماضية بين الأنظمة العربية وشعوبها، فسارعت للتصدي له بلعب آخر أوراقها السياسية في المنطقة، بعد أن أحرقت المقاومة العربية في العراق ولبنان وفلسطين، أوراقها العسكرية!!

 لهذا احذر منذ الان من كل من يدعو لنزع سلاح حزب الله الآن أو في أي موعد لاحق، أو المقايضة به تحت أية ذريعة من مكاسب مزعومة او موهومة، أو يتعهد به في أية مفاوضات سرية. فمن يدعو لنزع هذا السلاح الذي لم يستعمل يوماً ضد لبناني أو عربي آخر، حتى من خان من هؤلاء، لا يمكن أن يكون هدفه حماية لبنان واللبنانيين ضد أية حرب أهلية مزعومة، بل هدفه حماية الآلة العسكرية الإسرائيلية التي كبدها مقاتلو حزب الله اكبر الخسائر في تاريخها كله، وحماية المستوطنات الإسرائيلية ومشروع إسرائيل الكبرى.. إن لم يكن التمهيد لإشعال حرب أهلية لبنانية أخرى. ونذكّر هنا بأن السؤال عمن اشعل فعلاً الحرب الأهلية الأولى لم يطرح بعد لتتم الإجابة عليه، وبعض الصحافة اللبنانية التي تخندقت مؤخراً مع قرار 1559 كانت قد قاربت طرحه في السبعينات، ولا ندري لم سكتت أو كيف اسكتت!! لا تحرير كامل الأسرى اللبنانيين والعرب، ولا وضع مزارع شبعا في عهدة الأمم المتحدة ولا إعادتها للبنان، ولا إنسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي يقف عليها الآن في جنوب لبنان، ولا عودة المهجرين اللبنانيين إلى قراهم ومدنهم، ولا حتى عودة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان تكفي ذريعة لنزع سلاح حزب الله. ذلك أن خطر الأسر والتدمير وإعادة الاحتلال والتهجير لا ينتهي ولا يحد منه بتحقيق هذه المطالب لحظياً. فإعادة اسر آخرين بدل من يطلق سراحهم وإعادة الاجتياح الاحتلال والتدمير والإبادة الجماعية، كلها امور تعمد لها إسرائيل، وعلى نطاق واسع، فور تسليمها بتنازلات جزئية من هذا النوع على نطاق ضيق وملغوم. وانظروا تجربة الضفة الغربية وقطاع غزة منذ أوسلو وحتى اليوم.. اليوم الذي تجتاح فيه إسرائيل مقر حكومة منتخبة ومجلس تشريعي منتخب لتختطف وزراء وأعضاء ورئيس المجلس التشريعي وأعضاء مجالس بلدية منتخبين، لا اقل!!

 الخطر الحقيقي والتهديد الحقيقي لأمن وسلام واستقرار وسيادة وتنمية كامل المنطقة وشعوبها، وصولا، في أية لحظة وبلا مبرر لمصادرة حق الحياة فيها والحق في الغذاء والماء والدواء وأسقف فوق رؤوس أهلها.. كله يتأتي من التفوق العسكري الإسرائيلي الذي يشجع أطماع إسرائيل التوسعية، بحيث توسعت، بعد كل حرب وكل هدنة وحتى كل اتفاقية سلام مزعومة، خارطة ومفهوم ونفوذ ما بدأ أصلاً كمشروع إسرائيل الكبرى. والأدهى ان إسرائيل تسمي جيشها هذا "جيش الدفاع الإسرائيلي"!! هذا مع أن حق الدفاع هو للمعتدي عليه وليس للمعتدي!! وما دامت الجيوش العربية النظامية، في ظل الأنظمة العربية القائمة، تعجز عن الحد الأدنى من مستلزمات الدفاع عن الأوطان والشعوب، فلا أقل من ان تملك تلك الشعوب قواتها الدفاعية الشعبية.. ولا أقل من ان تمتنع تلك الأنظمة عن نزع سلاح تلك القوات التي تكفيها شر القتال الذي سيطيح برؤوس تلك الأنظمة أول ما يطيح، والأغلب قبل أن تتمكن من تشغيل طائراتها الخاصة الجاهزة وحدها للإقلاع دوماً!!

 صحيح أن هنالك معاناة إنسانية لبنانية وفلسطينية، ولكننا نحن الشعوب وممثليها المعارضين (لا يمثل الشعوب أي من دمي الموالاة) نرفض تماماً اتخاذ تلك المعاناة ذريعة لتسوية مجحفة تحيل انتصار حزب الله إلى هزيمة. اما الأنظمة العربية فلا يحق لها ابتداء الحديث عن معاناة الشعوب وخروق حقوق الإنسان، لكون جل تلك المعاناة إنما تأتي على ايدي تلك الأنظمة مباشرة، أو بشكل غير مباشر نتيجة فسادها الذي جوع وقتل بشراً كثر ودمر بني تحتية وأعاق تنمية ثروات وقدرات أوطان وشعوب.. أما خيانات تلك الأنظمة المتكررة منذ بداية التحضير لإنشاء الكيان الصهيوني في العشرينات والثلاثينات، وذروة أفعال الخيانة تلك في الأربعينات، فهي ما تسبب في إضاعة كامل فلسطين ومعاناة ملايين الفلسطينيين وعشرات الملايين من العرب منذ ذلك الحين.

 فالقتل حد الإبادة الجماعية والتعذيب والتدمير والتهجير والتهميش والإفقار الذي تعرض له الفلسطينيون طوال عقود، بدأ بخضوع لهدنات وحلول وقرارت دولية وترتيبات يقال انها "أمنية"، بررت كلها بوقف او التخفيف من معاناة الفلسطينيين في الأربعينات. في حين أن حقيقة تلك الهدنات وما أحاط بها من ترتيبات مكنت لإسرائيل أوضاعاً على الأرض التي تحتلها، وأوضاعاً أخرى غير معلنة في أراضي الجوار "العربي"، ساعدتها على تمكين قوتها التي وظفتها فيما بعد لشن حملات قتل وتهجير وتدمير أكبر لم تنقطع منذ ذلك الحين، امتدت لما وراء فلسطين والفلسطينيين لتطال الأردنيين والسوريين واللبنانيين والمصريين وأخيرا العراقيين.. ومن بعدهم سيأتي دور السعوديين وبقية الخليج!! فتلك لعنة النفط الذي شكل سبباً رئيساً في زرع الكيان الصهيوني على بوابته، وهي لعنة ستصيب كل الشعوب التي يعتبرها الغرب مجرد "رصد" على ذلك النفط يعيقون الطرق إليه، ولا يرقون لمرتبة مُلاّكه، بل هم لم يرقوا يوماً لمرتبة البشر في نظر الغرب المستعمر!!

 

سلاح المقاومة، اللبنانية كما العراقية كما الفلسطينية، هي وسيلة الردع الوحيدة التي يمكنها أن تزيد عل مجرد إيلام إسرائيل وإذاقتها بعضاً من دوائها المر لوقف عدوانها، إلى إنجاز التحرير فعلاً وشبه كامل، كما جري في لبنان. ولا مناص من دعم وتقوية وتعميم نموذج هذه المقاومة إلى ان يعود نوع من التوازن الاستراتيجي للقوى العسكرية في الإقليم، بانتظار تبلور مشاريع توازن دولي نتيجة تنامي قوي أخرى في شرق آسيا أو امريكا الجنوبية. وغني عن القول أن التوازن الإقليمي، بعد احتلال أمريكا الكامل لباكستان، لا أمل في تحقيقه إلا بامتلاك إيران للقوة النووية.

 الحريصون على حقوق وامن ومستقبل شعوب المنطقة أكثر من سعداء بطاقة الفرج هذه التي فتحت لهم بعد ظلام دامس تلا ضعف ثم سقوط المعسكر الشرقي، وتغول امريكا وإسرائيل دون اعتبار لقانون دولي أو إنساني، أو مجرد رادع من خلق!! أما سلامة الأنظمة وما جرته عليها أطماعها الضيقة وتحالفاتها القديمة المتجددة، فلا تعنينا كشعوب. وهم يستطيعون النجاة بما اعتادوه من "مرونة" نتيجة التمرن الدائم على الانحناء لأعداء الأمتين العربية والإسلامية، فلا بأس ان ينحنوا مرة لحلفاء تلك الشعوب، إن لم يكن من باب المباديء التي يموت لأجلها العربي إلى جانب الإيراني، والمسلم إلى جانب المسيحي، والسني إلى جانب الشيعي.. فمن باب المصالح التي فهمتها الشعوب بعد طول معاناة على ايدي انظمة لا تفهم غيرها، أو حتى من باب "التقية" التي مارستها الشعوب لأطول مما يجب، وآن الأوان لتتعلمها الأنظمة!!

www.safsaf.org