|
تغيير قواعد اللعبة
عوني صادق |
|
بعد عملية (الوهم المتبدد)، وخصوصاً بعد عملية (الوعد الصادق)، البطوليتين اللتين نفذتهما المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، تردد كثيرا على ألسنة المسؤولين الصهاينة قولهم (إن قواعد اللعبة قد تغيرت)!. واللافت أننا لم نلاحظ، بعد أكثر من شهر على بدء الحرب “الإسرائيلية” المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، وأكثر من أسبوع على بدء الحرب المفتوحة ضد الشعب اللبناني، ما يمكن أن يعتبر تغييرا جوهريا لقواعد اللعبة من الجانب الصهيوني إلا من حيث اتباع سياستي (الأرض المحروقة) و(العقاب الجماعي) كعنوان وحيد تندرج تحته العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، وهي سياسة “إسرائيلية” معتمدة منذ أمد طويل.
والحقيقة أن المقاومة هي التي تغير هذه الأيام قواعد لعبة الصراع العربي- الصهيوني التي كانت سائدة منذ 1956 على الأقل. وباستثناء حرب اكتوبر 1973 المغدورة، لم تبادر الدول العربية إلى أية حرب بل كانت دائما تتلقى الضربات ثم تنهزم، ثم تبدأ تستجدي المبادرات والحلول من الجهات والأطراف الدولية التي كانت دائما تقف في خلفية صورة الانتصارات “الإسرائيلية”. ولقد كانت عمليتا (الوهم المتبدد) و(الوعد الصادق) بداية تغيير قواعد اللعبة حيث قررت المقاومة أخذ زمام المبادرة لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين في السجون “الإسرائيلية” من خلال أسر جنود “إسرائيليين” ومبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين والعرب، أي بالقوة.
هذا التوجه من جانب المقاومة فهمته القيادة “الإسرائيلية” بأنه محاولة لتغيير اللعبة الجارية التي وضعت قواعدها، وليس فقط لتغيير قواعد هذه اللعبة. يفسر ذلك أن الحكومات “الإسرائيلية” سبق لها وقبلت التفاوض وعقدت صفقات لتبادل الأسرى، بل وجثث الأسرى مع (حزب الله) في السابق، فلماذا رفضته هذه المرة؟ قد يقال إن القيادة “الإسرائيلية” استغلت الفرصة لتنفيذ خطة موضوعة ضد لبنان، في إطار دورها الوظيفي في خدمة المخططات الأمريكية في المنطقة وتقاطع مصالحها مع تلك المخططات، وتحديداً بشأن سوريا وإيران وحلفائهما في لبنان. وقد يكون ذلك صحيحا، لكنه لا ينفي صحة التحليل بالنسبة لما أوردناه عن استشعار “إسرائيل” لخطورة التوجه الجديد للمقاومة في فلسطين ولبنان والذي أشرت عليه عمليتا (الوهم المتبدد) و(الوعد الصادق) وما تلاهما من مؤشرات.
وفي مقال للكاتب الأمريكي ديفيد بروكس بعنوان (أزمة ولا كل الأزمات)، قال إن هذه الأزمة مختلفة عن كل أزمات الشرق الأوسط السابقة، والسبب في رأيه أن المقاومة الإسلامية هذه المرة هي الطرف الرئيسي في الأزمة وليس الأنظمة والمسؤولين العرب (العقلاء والأذكياء كما يقول)، ويرى بروكس أن وجه الخطورة يتمثل في أن هذه الأزمة وكون المقاومة في صلبها تعيد قصة (النزاع مع “إسرائيل”) إلى نقطتها الأولى، أي إلى قضية وجودها نفسه، كما يقول. بالطبع هناك مبالغة وتضخيم واضحين إذا ما فهم من قوله إن المقاومة الفلسطينية واللبنانية قادرة اليوم على إلحاق هزيمة عسكرية ب”إسرائيل” ومن ثم إزالتها من الوجود، والغرض من هذه المبالغة وذلك التضخيم هو تبرير كل الجرائم التي ترتكبها، والتي يمكن أن ترتكبها ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومحاولة لتأليب (المجتمع الدولي) ضد هذه المقاومة. لكن في ما قاله بروكس شيء صحيح وهو أن مبادرة المقاومة تحمل في توجهاتها إعادة الاعتبار لمقولة الصراع العربي- الصهيوني، ومركزية القضية الفلسطينية في قلب كل القضايا العربية في التحرر والتقدم والتنمية.
ولعل السؤال الذي يطرح في ضوء ما يجري هو: لماذا قررت المقاومة الآن أن تأخذ زمام المبادرة، والتصدي للهجمة والسياسة الأمريكية الصهيونية على الأمة العربية؟ بالطبع الأسباب كثيرة لا مجال للتوقف عندها في هذا المقال القصير، لكن أهم تلك الأسباب يتمثل في عجز الحكومات العربية عن القيام بهذا الدور، وقبولها الخضوع والتلاؤم مع السياستين الأمريكية و”الإسرائيلية” في المنطقة على حساب تطلعات وآمال وآلام الشعوب العربية.
وقد انكشف الفهم المشترك إلى حد التماثل بين هذه الأنظمة و”إسرائيل” والولايات المتحدة لمضمون بروز المقاومة كبديل للأنظمة العربية في الدفاع عن الأمة ومصالحها، من خلال تماثل الاتهامات والهجوم على المقاومة ومحاصرتها في فلسطين ولبنان واتهامها بالمغامرة خوفاً من أن تنتصر في هذه الحرب، وما يعنيه هذا الانتصار من تداعيات، لذلك ليس متجنياً من يرى أن البعض يتطلع اليوم إلى انتصار تحققه “إسرائيل” على المقاومة سواء في لبنان أو في فلسطين!
وفي إطار هذا التحليل تصبح سهلة الإجابة عن سؤال لا بد أنه ورد على أذهان كثيرين بعد صدور بيان وزراء الخارجية العرب الأخير وهو: لماذا أعلن وزراء الخارجية العرب الآن فشل وموت ما يسمى (عملية السلام)، وهي عملية فشلت وماتت منذ سنوات طويلة؟ هذا الإعلان، في رأيي، هو عملية استباقية لغسل الأيدي من كل الصراع الدائر والتنصل من كل تبعاته، بل وإطلاق غير مباشر ليد “إسرائيل” وحلفائها بأن يفعلوا ما يشاؤون وما يستطيعون للقضاء على المقاومة، وليس مجرد اعتراف منها بالعجز والاستسلام. لأنها بما تربت عليه تعتقد أن الكلمة الأخيرة في المواجهة القائمة ستكون ل”إسرائيل” والولايات المتحدة وليس للمقاومة، وهو سيحمل معه تغييرا فعليا لقواعد اللعبة طبقا لواشنطن وتل أبيب.
لكل ذلك، صدق السيد حسن نصر الله عندما قال: “حزب الله اليوم لا يخوض معركة حزب الله، ولا يخوض معركة لبنان، ولكنه يخوض معركة الأمة”. |
جريدة " الخليج " ـ الجمعة 28 / 7 / 2006 ـ صفحة " رأي ودراسات "