مطر ...جنون وصمت

 

" إلى إسماعيل شموط والطفلة الجنوبية بتول  "

 

 

عبد السلام العطاري*

الفرشاة باقية واللوحة تعيد المشهد البريّ

كالعادة يترجّلون بشموخ ،

يرحلون دون ضجيج

يرتشفون آخر جرعة عشق من الوطن

يكتمون الشهقة على البقية النابضة

ويرحلون .

 

يسجى الملك القديس على الأفئدة

وأسنة الحب المغروسة فينا

تنذر بنزيف الوجع المتتالي

وترث الأجنة  صبر آلنا

"أيا إسماعيل  صبرا "

قال أطيق ما لا أطيق

وما يطاق  يجاورنا

هو الموت يا آخر الفراشات الطائرة في حدائقنا   

هو الصوت يا آخر الصرخات المتوترة

نصرخ  ووجه الموت يلاحقنا

كل هذا الشحوب

هذا الأرق

من نحن ،يسأل

ترد الصرخة :

أرض الله

والمطر الصيفي يوجعني

من يأتيني ببردى

أو ماء النيل

يطهرني

 يصمت صاحب النبوءة الكاذبة

واللوحة تفضح  مجرى النهر

يفيض النبع من خلف سوأتهم

تنهض فرشاة الرسم

والرمل يبعثر وجه الألوان

لا تغامر ...

الموت ليس ملكك وحدك

أمطار الصيف تستعجلك ،يسأل

 أخشى المطر  لم أتعود

هذا الشتاء يأتي مستعجلا

من يعجّل في رتقِ وصاياي

ملاءة الحزن تخبئ

فرشاة الرسم وألوان الربيع

أعيدوني إلى جنتي واكتبوا

إني اكره أمطار الصيف

واعشق معطفي الشتوي

وغزة تعشقني

وأغازل بيروت بعين الحب

ومن الجنوب إلى الجنوب

اقطف من زهرة الندى

وأرسل رثاء الهدى

إلى البتول،قصيدة حزنٍ

صارخة تعيد صدى البحر

 مرة أخرى

الرمل يبعثرني

والعوسج الجنوبي يوشمني

هذا الحناء الزكي 

زفاف لآخر الشهداء

لآخر دمعة وأنا الصغيرة

وإسماعيل يرسمني

وشاح مرتّق بثوب أمي

كفن ،

والفرشاة من شَعرِ البتول .

 

رام الله / تموز 06

شاعر وإعلامي / رئيس تحرير مجلة أدبيات

www.safsaf.org

 

رسالة مغلفة بالحنين مع بعض الألم

 

صديقي غسان

 

زمن طويل  مرّ كسرب طيور مهاجرة  جاءت من الأقاصي إلى الأقاصي ، عابرة ، فوق مدن تغرق في ظلام دامس او فوق شوارع موحلة تفوح منها رائحة  جثث سقطت هنا وهناك ، وبقايا صور لمدنٍ كانت وشهداء سقطوا بالأمس القريب . زمن عبر مسالكنا خِلنّا  انه سيعود بنا إلى رحيق البيارات وحكايات الغربة وهمسات قبل نوم  ننام عليها وبقايا الحديث على الشفتين   ليفيق معنا في الصبح مع كل شروق كان جميلا هكذا خيّل لنا، لم نكن ندرك انه يتناقص ويقترب من لحظة الفراق لم اقل الوداع  ما بعد الوداع لقاء ولكن على ما يبدو الفراق حليف كل حالم وكل رقيق وكل همسة دافئة .

 

حاولت دائما أن أعود إلى نسق الكتابة وان اغسل حزني بكلمات اكتبها إليك في مخيمك وكم فرحت حين عاد أو عُدت إلى مركزك الثقافي  ، لا اعلم كيف جاء ذلك الفرح واختفى عبر وسائط عشق مؤقتة  هل علينا أن ندرك بأننا لا نتقن فن الحب ؟ونحن نناضل من اجل حرية، يهمس لي صديق على غيرنا، لا يعرف أن للحرف معانٍ أُخر او ربما نصّفها على سطور القهر ودروب الحكايات الطويلة ،  صديقي هذا يجمع الحروف أو تتكوّن الحروف  لتكون  جملة تأخذك إلى حد الدهشة ، أقف هنا وأسال الشارد مني : 

من هو المثقف ؟ هل ذلك الذي يستعرض ملكاته بحروف وينمق كلماته ويسردها بطلاقة ؟ أم ذلك الذي يحدث تأثيرا ويجعل المستمع والمتلقي في حالة تفكير سرعان ما تنقله إلى الفعل والتدبير ؟ ذات مرة  كان لي صديقاً كتب يقول : المعرفة حزن ، نعن يا غسان هي المعرفة حزن ، والأكثر  حزناً  هو حين تظن انك تحت مطرقة والآخر يشاطرك الألم وسرعان ما تجد نفسك وحدك تتلقى الضربات وتتأوه ، هو صوتك ،هي صرخاتك ، هو جوعك ، هو وجعك وحدك .

ربما تسأل ولا أظن ذلك لمعرفتي بك انك تعلم حين اذهب بالهذيان او يذهب الهذيان بي أنني في حالة ملل وسخط وغضب ، لا على كل شيء بقدر ما هو شيء واحد فقط ، هذا المذبح  إلى متى ؟!

صديقي غسان ،

أعلم وأنت على تخوم وقع القذائف وصوتها التي لم تنضج بعد كما يردد سدنة البيت الأبيض ولم يحِنْ بعد إسكاتها حتى تصرخ تلك الطفلة بتول مرة أخرى من لحدها وتقول كفى ، وكلنا يعلم ان الصمت حليفها ، وان كان الألم يكسر أسنان اللبن في فمها او ترتد صرخات الوجع  لتخترق زجاجة  حليب إيمان حجو أو تتلاقى مع صرخات هدى على شاطئ غزة . لن يشفي يا صديقي جروحهن حتى وان قبلته شفاه (الواوا).

 

اعلم يا صديقي انك تنام على الجوع وعلى القهر وعلى الدموع المتبقية في مآقي عينيك التي تداري بها عن أطفالك وزوجك التي تعلم تماما ان نهايتك لن تكون إلاّ من حجم الألم وحجم الصراخ المتردد داخل حنجرتك  ذات الصوت الجميل ، هل ما زلت تمارس مهنة الغناء يا غسان ؟ نعم اعلم انك تمارسها سراً حين تشتاق الى ليمونة في حي السعدية في جنين ، أو تشتاق لزقزقة العصافير المتمردة على فلاح أنهكته مطاردتها لها .

 

صديقي الحبيب غسان ،

أتركك لدموعك وأنت تقرأ واذهب أنا إلى متابعة مونديال آخر لا يشعر به أهل المدن الناعسة على وقع اليسا وهيفا وموسيقى الراي والروك آند رول.

 

محبتي لك دائما تصل دمشق ومخيمك وأطفالك

 

عبد السلام العطاري

18/7/2006

 

www.safsaf.org