بريطانيا.. واللعبة مستمرّة.!

 

 عدنان كنفاني

 

في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مع السيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الذي يبحث في جولته بالمنطقة عن بارقة عمل إيجابي، ونجاح وهميّ، يستر عورات سقطاته في بلده، ومثالب تبعيته للسيد بوش، وبعد أن أكمل زيارات مماثلة لـ "إسرائيل" وحرصه على إبداء الولاء لها بزيارةٍ لعائلات الجنود الثلاثة الأسرى في لبنان وفلسطين الذين وجدهم كما قال "عائلات على مستوى أخلاقي وإنساني جيد.!" ومواساته لهم وتطميناته بأن على رأس اهتماماته مسألة إطلاق سراح أبنائهم، وزيارة أخرى مفاجئة لم يعلن عنها للسيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية... وما قام به هناك وهناك من حوارات لم يعلن عن معظمها.

 

نقول استقبله السنيورة في بيروت لساعات وسط إجراءات أمنية ليس لها سابق لا مثيل، ووسط مظاهرات حاشدة رافضة لمبدأ زيارة بلير اكتسحت شوارع بيروت، ومقاطعة كل الشرفاء من أعضاء مجلس النواب اللبناني وأعضاء في مجلس الوزراء، وبعد كثير من المحادثات السريّة التي شارك في بعضها طفلهم المدلل المليونير الألمعي سعد الحريري وزبانية الـ 14 شباط والنائب وليد جنبلاط في مقرّ الحكومة وفي مبنى سفارة بريطانيا في بيروت، كان لا بد من مؤتمر صحفي يغطي بخجل تلك الخفايا التي جرت وحدثت وراء الأبواب المغلقة.

 

قال السيد السنيورة مُخفياً الحرج بعد ظهور مفاجئ في القاعة لصحفية أيرلندية صرخت في وجه بلير بأنه مجرم وإرهابي، ورفعت يافطة كبيرة أمام عدسات المصورين تندد بزيارة بلير، قال إنه يعترف بالفضل بأن بريطانيا كان لها عبر كل الأزمات مواقف مشرّفة.! وأنها كثيراً ما قدمت مساعداتها العينية والمالية إلى لبنان وإلى دول عانت من ظروف خاصّة كما يعاني لبنان الآن، وهو لذلك يطلب من بلير أن يقدّم مساعدات بريطانية مالية وعينية وعسكرية إلى لبنان الرسمي ليتمكن من بسط نفوذ الحكومة على كامل أرض لبنان، أو بمعنى أوضح ما يمكّن حكومة لبنان التي يرأسها والتي تنفذ توصيات وتعليمات بعض السفارات في لبنان، للقضاء على المقاومة اللبنانية، أو بمعنى أدّق نزع سلاح حزب الله الذي أوقع أول هزيمة رسمية علنية بجيش الدفاع الإسرائيلي والذين يؤيدونه ويتحالفون معه.

 

تناسى السنيورة بأن عطايا حكومة بريطانيا العظمى لم تنقطع عن عالمنا العربي منذ عصور كثيرة، سواء بتجييش الحملات الصليبية، أو بحياكة المؤامرات، أو بتمويل ورعاية وتربية كل الخلايا المناهضة للقومية العربية والإسلام، وتناسى انتداب بريطانيا لكثير من دول المنطقة بعد تمرير اتفاقية سايكس بيكو، كما تناسى بأن بريطانيا وأجداد بلير هم من وضّعوا الكيان الصهيوني في المنطقة، وتناسى دعمها الذي لم يتوقف يوماً لإسرائيل خلال حروبها الكثيرة التي أعلنتها ومارستها على المنطقة وعلى لبنان تحديداً.!

 

وتناسى أن هدايا بلير سبقت حضوره عندما أقام جسراً جويّاً موّل جيش الدفاع بأطنان من القنابل الذكية التي قصفت ودمّرت وقتلت البشر والحجر في لبنان.

 

وتناسى ما أعلنه إيهود أولمرت رئيس وزراء حكومة "أبناء صهيون" علناً ودون مواربة بعيد زيارة بلير لـ "إسرائيل" وهو يطلب زيادة ميزانية الدفاع للأعوام القادمة بأكثر من تسعة ملايين شيكل سنوياً وذلك استعداداً وتهيئة لحرب ثأر جديدة على لبنان وغير لبنان.!

 

كنا نتمنى أن يقدّم السيد السنيورة الشكر والعرفان للسيد بلير على عطايا بريطانيا الكثيرة التي ما زالت تنبض بالحب في كثير من أصقاع العالم كانت تحتلها ولم تغادرها إلا وقد تركت لها في كل مكان أثراً ومسماراً وحرائق نسمع عنها في كل يوم.

 

ربما لم يسمع السنيورة هتافات المحتشدين من شعب لبنان خارج مقر المؤتمر الصحفي، ولو أنه سمعها أكاد أراهن أنه سيذرف بعض دموع توسّل أمام بلير، ربما توصله إلى عطاءات أخرى من حكومة بريطانيا، تكون أكثر ذكاءً وأوسع وأشمل "ليتمتّع" بها شعب لبنان.

 

أليس من حقنا ونحن نتابع مشاهدة وسماع فصول مسرحية سخيفة ووضيعة ومخزية أن نقول:

 

"إذا قلَّ ماءُ الوجه، قلَّ حياؤه"..!؟

 

 

www.safsaf.org