*

حول التداعيات السياسية للحرب على لبنان

 أنطوان شلحت

حول التداعيات السياسية للحرب على لبنان (3- 5)/ أنطوان شلحت

30/09/2006 

لا يضنّ المعلقون السياسيون أيضًا بالنقد حيال رئيس الحكومة إيهود أولمرت وحيال أدائه خلال الحرب وبعدها
في رأي عوزي بنزيمان (صحيفة "هآرتس"، 30 آب 2006) فإن أولمرت لا يقصد ما يقول عندما يعلن أنه المسؤول الأعلى عن قرار شنّ الحرب وعن نتائجها. فلا معنى لأقواله إذا لم ترافق بنتيجة عملية. ومن ناحية الجمهور فإن من جلب على البلاد خرائب تموز- آب ينبغي أن يدفع الثمن (إخلاء الكرسي).

أما المعلق السياسي والاقتصادي نحاميا شترسلر فإنه يشير (صحيفة "هآرتس"، 29 آب 2006) إلى أنه لو خصّص ايهود أولمرت، في ذلك اليوم المرّ والمتسرع في 12 تموز، يومين أو ثلاثة أيام لتفحص خطط الجيش وإسقاطاتها ولتحليل التطورات المحتملة- كما فعل قبيل إعلان قراره بشأن لجنة التحقيق- لربما ما كان بحاجة الآن إلى لجنة تحقيق.

ويضيف: أولمرت اليوم مختلف جدًّا عمّا كان في 11 تموز. آنذاك كانت لديه أجندة سياسية شملت عملية انطواء (تجميع) شجاعة في الضفة الغربية. أما الآن فلديه فقط أجندة شخصية هي... البقاء. آنذاك كانت لديه أجندة اقتصادية مسؤولة بالحفاظ على عجز منخفض. أما الآن فهو يقول في اجتماعات مغلقة بأنه لا بدّ من اختراق إطار الميزانية العامة وزيادة العجز بأكثر من 3 بالمائة. والجيش، الذي يشعر بضعف رئيس الحكومة، يحاول أن يلقي بكل المسؤولية من جراء الفشل العسكري على عاتق الميزانية... وبدل أن يواجه أولمرت ابتزاز الجيش فإنه ينوي الخنوع له، حتى لا يفتح (قائده) دان حالوتس جبهة إضافية ضده.

من ناحيته يؤكد ناحوم برنياع، المعلق السياسي الرئيسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (29 آب 2006) أن اللجنة التي عينها أولمرت تسمى لدى المشرّع: لجنة استيضاح. فلا يفترض فيها أن تحقق ولا أن تفحص ولا أن تطيح بأحد. وقد بحث مقربو أولمرت عن قاض متقاعد يوافق على رئاسة اللجنة، لكن كل من توجهوا إليه رفض ذلك. كما رفض أمنون روبنشطاين أن يترأس اللجنة.


مع ذلك فهذه اللجنة أفضل من لجنة تحقيق رسمية، برأي بارنياع. وعندما يحذر أولمرت من أن لجنة تحقيق كهذه يمكن أن تشلّ الجهاز العسكري والمدني لفترة طويلة فإنه على حقّ. النقد يجب أن يوجه إلى أولمرت ليس بسبب تهرّبه من تعيين لجنة تحقيق رسمية، وإنما بسبب تهرّبه من اتخاذ قرارات سياسية كان يتعين عليه اتخاذها في أعقاب دروس الحرب. لقد أخطأ أولمرت عندما عيّن وزراء بحسب راحته السياسية المؤقتة. عمير بيرتس لم يكن الوزير الصحيح للدفاع وأبراهام هيرشزون لم يكن الوزير الصحيح للمالية. وثمة وفرة من الوزراء في الحكومة لكن لا يوجد وزير للرفاه الاجتماعي. فلا عجب أن فشلت الحكومة فشلاً ذريعًا في الاعتناء بالجبهة الداخلية. وإذا لم يكن أولمرت قادرًا على إنعاش حكومته فكيف سيستطيع إصلاح القصورات التي تكشفت في الحرب؟. إنه يحسن صنعًا بكونه يطير كل يوم (بعد انتهاء الحرب) إلى الشمال، لكن مشكلة زعامته تبدأ في القدس.

أما رافي جينات، رئيس تحرير صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فيرى (18 آب 2006) أن تعيين عمير بيرتس وزيرًا للدفاع نمّ عن صفقة. وهذه الصفقة تحولت إلى ورطة.


ويضيف: بيرتس وإيهود أولمرت شريكان كاملان ويتحملان المسؤولية عن هذه الصفقة مثل توأمين سياميين. أولمرت لأنه اخترعها وبيرتس لأنه خلدها. أولمرت متهم لأنه سلّم الإشراف على الجيش إلى جهة غير مجربة، غير مهنية وغير لائقة. وبيرتس متهم لأنه قال نعم بسبب دوافع شخصية، سياسية تتعلق بسيرته الحزبية. لقد وافق رغم علمه بأن هذا المنصب ليس له، وأنه الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، وأن هناك مجالات أخرى يتميز فيها ويمكن أن يسهم فيها كثيرًا. كلاهما أخطأ في انعدام المسؤولية القومية وكلاهما مذنب بالقدر نفسه. صحيح أن أولمرت وبيرتس يبدوان (منذ انتهاء الحرب) منضفرين ببعضهما البعض ويكيلان المديح الواحد للآخر ويثمنان التعاون المدهش فيما بينهما ويعرضان انسجامًا تامًا... لكن في الغرف المغلقة يصب أحدهما جام غضبه ونقمته على الآخر. لكن لا خيار أمامهما سوى إظهار ودهما لأن كلا منهما يمكن أن يسقط الثاني، وتبادل الاتهامات فيما بينهما يمكن أن يطيح بكليهما معًا.

غير أنّ المعلق السياسي يوئيل ماركوس يعتقد (صحيفة "هآرتس"، 25/8/2006) أن الانتقاد الشعبي يسيء إلى حد ما للذين قادوا هذه الحرب، أولمرت وبيرتس وحالوتس. فهؤلاء، برأيه، أخيار ولامعون. لكن ما حصل معهم هو نوبة من التدهور، التي ما كانت ستحصل مع سابقيهم في الوظائف المماثلة. فإسحق رابين كان جزعًا بطبعه. وعندما كانوا يقترحون عليه عملية عسكرية كان وجهه يتكدّر وكان بالإمكان التخمين فورًا ماذا يمرّ في رأسه. وإسحق شامير كان من المستحيل جرّه إلى أية مغامرة عسكرية. فهو لم يسمح لوزير الدفاع، موشيه آرنس ورئيس هيئة الأركان العامة، إيهود باراك، بقصف العراق عندما سقطت هنا صواريخ السكود إبان حرب الخليج الأولى.


ويتابع ماركوس: الثلاثية الأمنية الحاكمة خافت في حالة عدم ردها على اختطاف الجنديين أن تفقد إسرائيل الشرعية الدولية. شرعية ماذا؟ أن نخسر في الحرب ونخيّب أمل بوش ودول عربية بنت على قدرتنا بأن نكبح جماح الإرهاب الإسلامي الأصولي الذي هددها أيضًا؟ لكن اتخاذ القرار كان متسرعًا جدًا. ورغم الغضب الجماهيري ورغم المطالبة بتطيير "الثلاثة الكبار" يجوز أن يكون سقوط الحكومة أو تعيين لجنة تحقيق رسمية خطأ كبيرا. فليس لدينا لاعبو احتياط أفضل في هذا الوقت. وليس لدينا وقت للجنة يمكن أن تبدأ تحقيقها منذ أيار 2000 وتنهيه بعد سنة، في حين أن التحديات التي تواجهنا كبيرة جدًا. من الأفضل أن ندع الحكومة تتعلم من أخطائها وان تصحح نفسها بسرعة في كل المجالات. بقطع الأعناق لن نبني أنفسنا من جديد.

وعلى نفس النسق يعتقد المعلق الصحافي إيتان هابر، مدير مكتب رئيس الحكومة الأسبق إسحق رابين (صحيفة "يديعوت أحرونوت"، 16 آب 2006)، أن الأزمة الكبيرة التي تجد إسرائيل نفسها في مواجهتها الآن هي أزمة القيادة. فلقد نفد القادة في إسرائيل. وإذا ما تبدّل المبتدئون أولمرت وبيرتس وتسيبي ليفني، فبمن سيتم استبدالهم؟. ذات مرة كان هناك على الرفّ منتخب من الشخصيات الجيدة أو الأقل جودة التي لم يعترض أحد على قيادتها، غولدا (مئير) وبنحاس سابير، موشيه ديان ويغئال ألون، مناحيم بيغن واسحق شامير. أما اليوم فليس ثمة ولو شخص واحد من الأشخاص السياسيين أو من الجيش والأكاديمية ممن يحلم به مواطنو إسرائيل ويشتاقون لزعامته.

بدوره يتساءل البروفيسور أفنيري: هل يمكن أن تكون هناك سياسة أخرى في إسرائيل؟ واضح أن الطريق التي يصل عبرها ساسة إلى القمة تدفع إلى أمام نوعًا معينًا من الناس. لكن ثمة طريقًا أخرى وثمة مرشحين آخرين أيضًا. وينبغي بنا أن نرى أنه حتى في الحزبين الرئيسين اللذين يشكلان الائتلاف الحكومي الحالي يوجد أشخاص يدمجون التجربة مع الاستقامة. لكن هؤلاء الأشخاص دفعوا إلى الهامش. وهذا هو أوان دفعهم نحو المركز.


ويكتفي الكاتب بذكر نموذجين: على هامش قائمة "كديما" ثمة شخصية توقع كثيرون أن يسند لها أولمرت حقيبة وزير أو سفير في الولايات المتحدة. وأقصد دان مريدور، صاحب التجربة الغنية في السياسة ومواضيع الخارجية والأمن. ومن الجهة الثانية فإن حزب "العمل" لم يجد الطريق الصحيحة لدمج (الجنرال في الاحتياط) عوزي ديان في صفوفه. وهو أيضًا شخصية ذو تجربة أمنية غنية. الأزمة التي نمر بها الآن هي فرصة ليس فقط لتغييرات شخصية، وإنما أيضًا لإدخال أشخاص من صنف آخر في السياسة الإسرائيلية. وكما قلت ثمة الكثير الكثير عدا الذين ذكرت.

 

حول أداء عمير بيرتس

 

 

علاوة على ما تقدّم فإن وزير الدفاع، عمير بيرتس، لا يواجه فقط حملة شعواء على أدائه كوزير للدفاع يفتقر إلى أية تجربة عسكرية أو أمنية حاول التغطية عليها بالتماهي مع نزعة قيادة الجيش بأن ما ليس في الإمكان تحقيقه بالقوة يمكن بلوغه بمزيد من القوة، وإنما على أدائه أيضًا كرئيس لحزب "العمل"، الذي خاض الانتخابات الأخيرة على أساس أجندة اقتصادية- اجتماعية لم يتبق منها سوى الشعارات. وبالتالي فقد تركزت هذه الحملة أيضًا في استكناه أداء "اليسار الإسرائيلي" ودلالاته.

ويلفت المعلق السياسي لصحيفة "هآرتس"، عكيفا إلدار (17 آب 2006)، إلى أن محاولة بيرتس "تجاوز الضربة القاضية التي سددت له في الحرب بواسطة إحياء العملية السياسية" مع الفلسطينيين (وأيضًا مع سوريا ولبنان) هي محاولة تعترضها عقبات كثيرة ليس أبسطها ما خلفته آلة الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، وتحديدًا في قطاع غزة، من قتل ودمار في "أثناء انهماكه والحكومة كافة في مجريات الحرب على لبنان".

وفي مقال تحت عنوان "انهيار الأيديولوجيات" يؤكد البروفيسور باروخ كيمرلينغ، أستاذ علم الاجتماع، أن الزلزال السياسي الذي مرّت به إسرائيل في أعقاب حرب العام 1973 سيكون لا شيء بالمقارنة مع الزلزال السياسي الذي سيحصل في أعقاب حرب 2006. ومن الممكن الافتراض أن مصطلحات "يمين" و"يسار" و"مركز" (وسط) ستفقد دلالاتها الحالية، والتي ثبت من الناحية الأيديولوجية أنها لم تعد ذات صلة بالإضافة إلى غياب الفوارق بينها حتى قبل أن تبدأ الحرب. كما من الممكن الافتراض بأن تنهار غالبية الأحزاب الحالية. ولا يمكن التنبؤ سلفاً كيف سيبدو الجهاز السياسي والحزبي بعد هذه الحرب، لكن يمكن الافتراض بأن الجمهور سيمنح الأفضلية لهيئات قادرة على الإقناع بقدرتها ونيتها في إعادة بناء الدولة من الدمار المادي والمعنوي (موقع "واينت" الإلكتروني، 13 تموز 2006).

ويتابع: تمت إعادة بناء ألمانيا (الغربية) واليابان من ناحية مادية وأخلاقية بسرعة كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، بمساعدة الولايات المتحدة، إلا أن ذلك تطلب شرطاً مسبقاً ملزماً، هو التخلي عن العسكرة. وفي هذا السياق فإن إسرائيل بحاجة إلى حل فوري للصراع بينها وبين الفلسطينيين والسوريين، بحيث يمكن لجميع الأطراف العيش معه. وإن الحرب مع حماس والفلسطينيين تكمل الحرب مع حزب الله وتساهم في الدمار المادي والثقافي والأخلاقي للدولة، وحتى هذه الجبهة لا يمكن الانتصار فيها عن طريق القوة.
 

"اليسار"- أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته الحرب

يرى يوسي سريد (صحيفة "هآرتس"، 15 آب 2006)، وهو زعيم "ميرتس" السابق وأحد أقطاب "اليسار الصهيوني"، أن "اليسار الإسرائيلي" هو أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته هذه الحرب لمجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ذلك أن هذا اليسار لم يفعل ما كان يتعيّن عليه أن يفعله (وهو معارضة الحرب، بصريح العبارة) وبقي يمارس "الرقص على حبلين"، بين المعارضة وبين التأييد للحرب، بمسوّغ أنها "عادلة" و"مبرّرة". وكان يتوجب على هذا اليسار أن يفهم باكرًا- في قراءة سريد- أن انضمامه إلى الإجماع حتى لو كان متحفظًا وعابسًا من شأنه فقط أن يؤجّج مسيرة أولمرت وبيرتس وحالوتس نحو عمق لبنان. وتساءل: إذا لم ينهض هذا اليسار في وقت الامتحان فمتى كان في نيته أن ينهض على قدميه؟ مع يسار كهذا لا نحتاج إلى وسط ولا إلى يمين.

أما عكيفا إلدار فرأى أن الحرب على لبنان دقّت المسمار الأكبر في نعش معسكر السلام الإسرائيلي (مجلة "آفاق جديدة" الإلكترونية، عدد 22 آب 2006). وأضاف أن استطلاعات الرأي وكذا تصريحات أشخاص يساريين بارزين، مثل الكاتب المسرحي يهوشواع سوبول، تدل على أن "هجوم الصواريخ على شمال البلاد، الذي ترافق مع قصف سلاح الجو في بيروت وجنوب لبنان، أفلح في تقويض إيمان الجمهور الإسرائيلي بوجود شريك عربي للسلام. يكفي سماع كلمات الندم الصادرة عن اليساري سوبول وقراءة مقال يوسي بيلين في "معاريف" الذي اقترح فيه مهاجمة سوريا أو قراءة صرخات الحرب في ملحق "هآرتس" الصادرة عن مؤسسات منظمة "أربع أمهات" لكي نفهم ذلك".

ويعتقد إلدار أن الحديث لا يدور عن "ردود فعل عاطفية عابرة، تعدّ نتيجة مطلوبة ومفهومة لمشاعر الغضب والإحباط والخوف" وإنما يدور عن "مرحلة إضافية في سيرورة عميقة ومتصلة من فقدان البوصلة واللهاث وراء حلول انعزالية وأحادية الجانب، نهايتها الطريق المسدود وتأبيد النزاع".

ويقول إلدار إن السهولة التي هضم فيها معسكر السلام هذا ذرائع ايهود باراك بشأن إخفاقه في مسار المفاوضات السوري- اللبناني والمسار الفلسطيني، كانت شهادة أخرى على هشاشة هذا المعسكر.

وما يتضح الآن هو أن غالبية الإسرائيليين الذين يتفاخرون بلقب "يسار" هم "حمائم تغرّد داخل السرب" لا "حمائم ذات قيم" (تتجاوز الإطار المحليّ الضيق). وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات برغماتية تحيل فقط إلى ما يندرج في إطار صالح الشعب اليهودي، الميزان الديمغرافي، ضمان أمن إسرائيل و/ أو دفع ازدهارها الاقتصادي. أما الصنف الذي يؤيد السلام بدوافع أخلاقية عالمية فقد بات صنفًا نادرًا- هذا الصنف هو الذي لا يبحث عن ملاذ في حضن الوطنية العمياء والإجماع العابر.

وقال ناشط اليسار وسكرتير حركة "يوجد حد"، التي تدعو إلى رفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي لأسباب ضميرية، الدكتور يشاي مينوحين، لـ"المشهد الإسرائيلي" (الملحق، 22 آب 2006)، إنه "أثناء الحرب التي يصاب فيها مواطنون يتعلق الناس أكثر فأكثر بمشاعرهم الوطنية من تلك الشمولية. لذلك فإنه في كل حرب وفي كل انتفاضة رأينا أن قسما كبيرا من اليسار يواجه صعوبة في التجنّد للنضال ضد الحرب والاحتلال ويستغرق وقتا أطول للتجند لهذا النضال. وحرب لبنان الثانية ليست مختلفة من هذه الناحية عن الحروب السابقة أو عن الاحتلال والانتفاضتين. والمنظمات (الإسرائيلية) التي وضعت نصب أعينها قيما عالمية شمولية بصورة أوضح، مثل تعايش وكتلة السلام ويوجد حد واللجنة ضد هدم البيوت ومركز المعلومات البديلة، تجندت على الفور للنضال ضد الحرب، لأن الحرب بدت لهم منذ البداية غير مبررة وخاطئة من الناحية الأخلاقية وتتناقض مع القيم التي يؤمنون بها. لكن منظمات يسارية أكثر رخاوة مثل سلام الآن ومثل أحزاب اليسار الصهيوني وبينها ميرتس استغرقها وقت أطول للانضمام للنضال ضد الحرب انطلاقا من مقولة إنه عندما تطلق المدافع النار على الناس أن تسكت. ومرّ على الحرب شهر كامل قبل أن يخرجوا للتظاهر ضد الحرب".

وأشار مينوحين إلى أنه "في فترة حرب لبنان الأولى (1982) مرّ شهر أو حتى أكثر قبل أن يبدأ اليسار الرخوي بالاحتجاج عليها، ومرت شهور قبل أن ينضم قسم من حزب العمل الذي كان في حينه في المعارضة إلى حملة الاحتجاج. وعموما هذا ما يميز أداء هذا اليسار بما في ذلك النضال ضد القمع العنيف للشعب الفلسطيني خلال الانتفاضتين".

يذكر أنه في اليوم الثاني عشر للحرب، اجتمعت الأمانة العامة لحركة "سلام الآن" اليسارية، التي قادت في الماضي تظاهرات ضخمة احتجاجاً على ممارسات الجيش الإسرائيلي سواء في لبنان أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، لتبحث في الموقف المطلوب اتخاذه حيال الحرب الدائرة. لكن الاجتماع شهد انقساماً وخلافات في الرأي أدت إلى عدم اتخاذ أي قرار "تفادياً لكسر الإجماع الإسرائيلي". وكان لافتاً موقف الأمين العام للحركة، ياريف أوبنهايمر، الناشط الأبرز ضد الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية وقطاع غزة. قال أوبنهايمر إنه "ليس منطقياً أن نتظاهر الآن. هذا يمس بالدولة. نحن مهاجمون وكل من يتظاهر الآن إنما يدعم حزب الله".


ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" (25 تموز 2006) عن أوبنهايمر أن "غريزة أي يساري تقوده إلى اتخاذ موقف معارض عندما يرى طائرة حربية في الجو. لا أحد منا يريد أن نعاود الدخول إلى لبنان، لذا يجدر بنا الانتظار. في هذه المرحلة، وبألم شديد كان القرار أن نجلس جانباً ولا نقوم بأي شيء".


وتشير الصحيفة إلى أن بعض جنرالات الاحتياط والسياسيين المحسوبين على معسكر اليسار، ينتقد في صوت خافت الحكومة والجيش، لكن أحداً لا يجرؤ على إسماع صوته عالياً أو حتى توجيه السؤال إلى الحكومة وقادة الجيش: "إلى أين تقودوننا؟ وما الهدف من الحرب ومن سيدفع ثمنها في نهاية المطاف؟". ويبرر هؤلاء عجزهم بالادعاء بأن أسئلة من هذا القبيل لا يمكن أن توجه طالما أن الحرب دائرة وفقاً لشعار "الآن يجب السكوت. هدوء... يطلقون النار... هدوء يُقتلون".


وتلفت الصحيفة إلى صمت رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك، الذي يعتبره الإسرائيليون أكبر جنرال عرفته الدولة العبرية في تاريخها، والى اختفائه عن شاشات التلفزيون المحلية "فيما يقول لشبكات التلفزيون الأجنبية نقيض ما يؤمن به، مدافعاً عن الحرب". وتضيف أن باراك يرى أن قرار رئيس الحكومة كسر سياسة ضبط النفس التي تحلى بها أريئيل شارون تجاه حزب الله، كان خاطئاً، بل كان الأجدر أن لا ترد إسرائيل أبداً على خطف الجنديين.

يكمن مرض هذا اليسار، في جانب ما، في إدارة ظهره للقيم العالمية.

ومن المثير، في هذا السياق، أن نلتفت إلى ما تقوله المؤرخة الإسرائيلية د. فانيا عوز، في عمق بحث جديد أنجزته بالمشاركة حول المحكمة الإسرائيلية العليا وحرية التعبير، في هذا الخصوص بشأن إتباع رئاسة القاضي أهارون باراك المنتهية ولايته أخيرًا لهذه المحكمة، التي تشكّل مدعاة لافتخار إسرائيليين كثيرين بمن فيهم أشخاص محسوبون على التيارات اليسارية والليبرالية، نهج إدارة ظهرها كاملاً لقيمة "كرامة الإنسان"، التي ميّزت بكيفية ما بعض من سبقوه في هذا المنصب "الرفيع المستوى"، وتمثلها (أي رئاسة باراك) النموذج القضائي الأميركي الذي لا يضع تلك القيمة في اعتباره ويستعيض عنها بقيمة حرية التعبير، مع فارق جوهري كبير، هو امتلاك المجتمع الأميركي تقاليد وثقافة حرية التعبير بما يجعله حريزًا أمام تغلغل ظواهر العنصرية، في حين يفتقر المجتمع الإسرائيلي إلى إدراك البعد العالمي لقيمة التعددية ويتمسك بقبلية هذه القيمة، التي تنهل من ثقافة التلمود والغيتو اليهودية (عوز، 2006).

كما سبق للناشطة اليسارية د. تسفيا غرينفيلد أن أكدّت أن هناك حلقة معينة في النقاش العام في إسرائيل تعاني من إهمال تام، وهي الحلقة التي يفترض أن تربط بين الهوية الثقافية اليهودية وبين الهوية العالمية والليبرالية. و"لقد نشأ وضع غير صحي وغير سليم يقرر أو يختار الناس بموجبه أن يكونوا يهودا أو أن يكونوا ليبراليين. مع أن هناك إمكانية للربط بين الهويات".
وتابعت: "أود أن أرى هذه المواضيع، وفي مقدمتها الطريقة الملائمة للربط والجسر بين الهوية اليهودية والهوية العالمية، وقد أصبحت مطروحة وتحظى باهتمام في جهاز التعليم الرسمي أيضا. وأود التوضيح هنا أنني وعندما أتحدث عن الربط بين الهوية الثقافية اليهودية وبين الليبرالية العالمية، فإنني اشمل بحديثي أيضا مواطني الدولة غير اليهود. بمعنى أنهم يواجهون أيضا تحدي ربط هويتهم الثقافية بالفهم الليبرالي العالمي" (مقابلة مع د. تسفيا غرينفيلد، المصدر: شبكة الانترنت).

(يتبع- حلقة رابعة وقبل الأخيرة)

[ينشر بالتعاون مع مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية المتخصصة الصادرة عن مركز "مدار"- رام الله]

www.safsaf.org

الحلقة الأولى

فور بدء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان (12 تموز- 14 آب 2006) عاد إلى صدارة الاهتمام موضوع العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل على خلفية المواجهات العسكرية.

ومن الواضح أنه بعد انتهائها سوف يأخذ هذا الموضوع أبعادًا مضاعفة في المستقبل القريب والبعيد، في ضوء حقيقة بسيطة مفادها أن هذه الحرب كانت الأولى، على الأقل منذ ربع قرن، التي يقف فيها على رأس الحكومة الإسرائيلية وفي قيادة وزارة دفاعها سياسيان يفتقران إلى ماضٍ عسكري أو أمني. وبالتالي فقد اعتبرت بمثابة "اختبار صعب" لكل من إيهود أولمرت وعمير بيرتس.

ومهما تكن تفاصيل هذا الاختبار الصعب، فإن زعامة أولمرت العمومية بالذات هي التي وضعت أولاً على المحك، باعتبار "اقتضاب القيمة الحقيقية لوظيفة وزير الدفاع في هذه المواقف"- وهي مسألة سيتم توضيحها في سياق لاحق- وذلك من زاوية مقدرته كرئيس للحكومة على الوقوف بحزم وتصميم أمام جنرالات الجيش، بحسب ما يقوله الخبير الجامعي في الشؤون الإستراتيجية رؤوبين بدهتسور (صحيفة "هآرتس"، 15 تموز 2006).

هؤلاء الجنرالات- يضيف هذا الخبير- يتأملون العالم عبر فوهة البندقية، وسيحاولون (بمجرّد اندلاع الحرب) تصعيد العمليات العسكرية أكثر فأكثر، من منطلق الفرضية التي تمسك بتلابيبهم ومؤداها أن "المشاكل في لبنان يمكن حلّها فقط بواسطة القوة العسكرية".

وواقع الحال أنه وفق ما ارتسمت تطورات الأمور في تلك الحرب فإن المستوى العسكري هو الذي قرّر مجريات الأحداث ميدانيًا. ويومًا بعد آخر حصل هذا المستوى على ضوء أخضر من المستوى السياسي يفوّضه بتوسيع نطاق العمليات.
 

"الكلب والذيل"

هنا يثار السؤال المجازي التقليدي: من الذي يهزّ الآخر- هل الكلب هو الذي يهزّ ذيله، أم أن الذيل هو الذي يهزّ الكلب؟.

على خلفية تعدّد "حروب إسرائيل" (وثمة من يعتقد بـ"منهجية" دوريتها أيضًا)، وعلى خلفية واقع عيشها على أسنة الحراب، تطوّر في الآونة الأخيرة في إسرائيل أيضًا مجال البحث، الذي يتناول مسألة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري.

ولا يتسع المجال لعرض جميع النماذج التي طاولها هذا البحث، وفيها ما يحدّد بالتفصيل الدقيق جوهر هذه العلاقة، الذي جاء عليه بعض الخائضين في هذا المجال.

ولذا سنتوقف، كخلفية عامة لما حصل في هذه الحرب، عند بعض النماذج المستقرضة من فترة ما بعد العام 2000، وتنطوي على ما يسعف الراغبين في فهم إشكالية الحالة الراهنة المرتبطة بهذه العلاقة. وذلك لكون ذلك العام قد شهد حدثين مفصليين: الأول الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من جنوب لبنان في أيار. والثاني انتفاضة القدس والأقصى في أيلول.

وسنبدأ بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، علمًا بأن هناك تداخلاً بين الحدثين يخص الموضوع المراد تناوله.

تقول الرواية شبه الرسمية الإسرائيلية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنئذ، إيهود باراك، لم يفرض على الجيش الإسرائيلي الانسحاب الأحادي الجانب من جنوب لبنان فحسب، وإنما منع الجيش كذلك من "ترميم السياج الإلكتروني للحدود الدولية". وكان تسويغه لذلك هو أن الانسحاب سيتم وفقًا لاتفاق. وقد كان قائد هيئة أركان الجيش في ذلك الوقت، شاؤول موفاز، من أشدّ المعارضين لهذا الانسحاب (شيلح، 2006).

وعلى خلفية وقائع الإعداد للانسحاب من لبنان، الذي لم يتم في نهاية المطاف بحسب اتفاق كما وعد باراك، وما أبرزته تلك الوقائع من خلل في العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري، صرف موفاز جلّ اهتمامه لتحضير الجيش الإسرائيلي لـ"المواجهة القادمة"، التي كان هو نفسه يتوقع اندلاعها مع الفلسطينيين، وذلك قبل حوالي عام من تفجّر الانتفاضة الثانية، رغم أن طلبه بزيادة الميزانيات المخصصة لهذا التحضير جوبه بالرفض من قبل باراك.

غير أن الانتفاضة الثانية أبرزت، بصورة جوهرية، ما يسميه المعلق العسكري الإسرائيلي عوفر شيلح "الاقتضاب القائم في وظيفة وزير الدفاع". فإن هذه الوظيفة تكاد تكون معدومة عمليًا، برأيه. صحيح أنه كان هناك في تاريخ إسرائيل وزراء دفاع أقوياء، مثل إسحق رابين، لكن عمومًا فإن وزراء الدفاع فيها ضعفاء جدًا. وهذا الضعف يبرز لدى حصول "مواجهة منخفضة الكثافة" تكون فيها خطوط اتصال مباشرة ليس فقط بين رئيس الحكومة وقائد هيئة أركان الجيش، وإنما أيضًا بين رئيس الحكومة وقائد سلاح الجو ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) ورئيس وحدة الأبحاث وحتى آخر القادة الميدانيين.

ويشير شيلح إلى أن شاؤول موفاز مرّ بـ"تجربة انعدام أهمية وظيفة وزير الدفاع"، عندما انتقل إلى هذه الوظيفة من رئاسة هيئة أركان الجيش وخاض مواجهة مع خليفته في الوظيفة الأخيرة الذي كان نائبه عندما أشغلها، الجنرال موشيه (بوغي) يعالون، على خلفية خطة فك الارتباط عن قطاع غزة. وهي المواجهة التي انتهت بعدم تمديد ولاية يعالون في رئاسة هيئة الأركان، خلافًا لما هو متبع.

وتؤكد مجلة "برلمانت" (برلمان) الصادرة عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (برلمانت، 2006) أن الحاجة إلى خبرة عسكرية مطلوبة من وزير الدفاع تعود إلى أهمية الموضوع الأمني وتعقيد القضايا الأمنية (في إسرائيل)، في حين يذهب البعض إلى أنه من غير المفترض بوزير الدفاع أن يقوم بدور القائد الأعلى لهيئة الأركان العامة وإنما تلقى على كاهله مهام ووظائف لا تختلف من حيث الجوهر عن مهام وزارات أخرى. والنقاش بين الجهتين يعكس، عمليًا، الخلاف حول وظيفة وزير الدفاع: هل وظيفته أن يكون مسؤولاً عن الهيئة المدنية التي تراقب الجيش أم أن وظيفته محدّدة في إدارة الجيش؟. إذا كانت وظيفته هي الأولى فمن المفضل أن يكون وزيرًا ذا خلفية مدنية، لأن إنسانًا ذا ماض عسكري سيجد صعوبة في مراقبة الجهاز الذي خدم فيه في الماضي غير البعيد. مقابل ذلك إذا كانت وظيفته إدارة الجيش فمن الأفضل أن يكون إنسانًا يعرف الجهاز في أدق تفاصيله.
وتضيف المجلة أنه حتى العام 1976 حامت ضبابية كبيرة حول تحديد وظيفة وزير الدفاع ومسؤولياته. وكانت "لجنة أغرانات"، التي حققت في نتائج حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قد توصلت إلى خلاصة مفادها أن قسمًا من الإخفاقات التي أدت إلى النتائج الكئيبة للحرب ناجم عن انعدام تعريف واضح لوظيفة وزير الدفاع ومكانته بالنسبة لرئيس الحكومة ورئيس هيئة الأركان العامة. وفي ضوء توصيات اللجنة الداعية إلى إرساء مكانة وزير الدفاع بالنسبة لرئيس هيئة الأركان العامة ورئيس الحكومة أقرّ في العام 1976 "قانون أساس: الجيش"، والذي تمّت صياغته على الوجه التالي:


المضمون:
1. جيش الدفاع الإسرائيلي هو جيش الدولة.

خضوع للسلطة المدنية:
2. (أ) الجيش يخضع لسلطة الحكومة.
(ب) الوزير المسؤول من طرف الحكومة عن الجيش هو وزير الدفاع.

رئيس هيئة الأركان العامة:
3. (أ) المستوى القيادي الأعلى في الجيش هو رئيس هيئة الأركان العامة.
(ب) يخضع رئيس هيئة الأركان العامة لسلطة الحكومة ويتبع وزير الدفاع.
(ج) يعيّن رئيس هيئة الأركان من قبل الحكومة حسب توصية وزير الدفاع.

واجب الخدمة والتجنيد:
4. يكون واجب الخدمة في الجيش والتجنيد بموجب ما نصّ عليه القانون أو بحكمه.

التعليمات والأوامر في الجيش:
5. تتحدّد الصلاحية بإصدار تعليمات وأوامر ملزمة في الجيش في القانون أو وفق ما ينصّ عليه.

قوات مسلحة أخرى:
6. لا يجوز إقامة أو الاحتفاظ بقوة مسلحة خارج إطار جيش الدفاع الإسرائيلي إلاّ في نطاق قانوني.
حسب أوامر القانون فإن وزير الدفاع يتحمل مسؤولية وزارية عما يجري في الجيش ويحق له أن يصدر أوامر إلى أفراد الجيش عبر رئيس هيئة الأركان العامة فقط. لكن القانون أبقى هالة من الغموض تحيط بمكانة وزير الدفاع الدقيقة وصلاحياته. وعلى هذه الخلفية أصبحت وظيفة وزير الدفاع في إسرائيل تحدّد كنتيجة لتوازن القوى بين رئيس الحكومة وبين وزير الدفاع. عندما يحوّل الأول صلاحيات للثاني تتسع وظيفة هذا الأخير. ولكن عندما يكون رئيس الحكومة معنيًا بأن يكون متداخلاً في كل ما يحصل في الجيش، فإنه يلتف على وزير الدفاع بواسطة تفعيل الجيش عبر رئيس هيئة الأركان العامة.
تجدر الإشارة إلى أنه لدى إقامة إسرائيل في 1948 قرر رئيس الحكومة الأول، دافيد بن غوريون، نمطًا يكون رئيس الحكومة بموجبه محتفظًا بحقيبة وزارة الدفاع. واستمر هذا النمط 19 عامًا متواصلة. غير أن تعيين موشيه ديان في منصب وزير الدفاع، عشية حرب حزيران 1967، شكل نقطة انعطاف في هذا النمط من ناحيتين: الأولى- ناحية الفصل بين وظيفة رئيس الحكومة ووزير الدفاع. والثانية- ناحية تعيين شخص ذي ماض عسكري كبير لوظيفة وزير الدفاع. ومنذ هذا التعيين أصبحت "سابقة ديان" هي النمط السائد. ومن الناحية الإحصائية انعكس الأمر في أن قادة سابقين كبارًا في الجيش الإسرائيلي أشغلوا وظيفة وزير الدفاع في 75 بالمائة من الوقت المنقضي منذ 1967، في موازاة ظاهرة دخول العسكر معترك العمل السياسي بعد اعتزالهم نشاطهم العسكري.

ولا شكّ في أن الحرب الأخيرة ستقدّم المزيد من الشواهد على جوهر العلاقة بين المستويين، خصوصًا في ضوء ما ذكرناه عن انعدام الخبرة العسكرية لرئيس الحكومة الحالي على وجه الخصوص.

وإلى أن تتراكم هذه الشواهد لا بد من استعادة بعض التساؤلات الرئيسة التي طفت على سطح التداول الإسرائيلي الذي اطلعت عليه بشأن هذه المسألة، وذلك على النحو التالي، مع مراعاة أن الصياغة هي في الأصل لباحثين إسرائيليين، بصورة قد تبدو معها بعض المفردات غير مستساغة للأذن العربية ("أوراق إسرائيلية"، 2004):

1. تعيش إسرائيل، كدولة تقبع في صراع مستمر، حالة خاصة. فمن جهة، ينتخب المواطنون فيها ممثليهم للكنيست (البرلمان) الذي يشكل سلطة سيادية تخضع لها الحكومة، فيما يخضع الجيش لهذه الأخيرة. ومن جهة أخرى، فإن واقع الصراع المستمر بل والعنيف أحياناً، يتطلب إعطاء الجيش حرية العمل حتى يتمكن من توفير "السلعة" أو النتيجة التي ينشدها الجميع ألا وهي الأمن القومي والشخصي. لذلك فإن مسألة الأمن تحظى غالباً بأولوية على المسائل الأخرى.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: كيف يمكن الإبقاء والمحافظة لفترة طويلة على مجتمع ديمقراطي في ظل وضع يتمتع فيه الجيش، الذي يعتبر بطبيعته وحسب تعريفه جهازاً غير ديمقراطي، بمثل هذه المكانة الرفيعة؟.
2. ثمة سؤال آخر يتعلق بإمكانية الفصل بين المستويين، المدني والعسكري: أين يمرّ ذلك الخط الرفيع، المتعرّج، الذي يفصل بين المستوى المدني والمستوى العسكري؟ هذا السؤال يكتسب، خاصة في إسرائيل التي يجري الانتقال فيها بين المستويين العسكري والمدني بشكل سريع ومتواتر، أهمية استثنائية. وتطرح أسئلة من قبيل: كيف يجب التعامل مع شخص انتقل من المستوى العسكري إلى المستوى المدني؟.
هناك توجه يقول بأن التجربة هي التي تصنع الإنسان وتصوغه، ومن هنا فإن الإنسان العسكري يبقى حتى بعد انتقاله من المستوى العسكري إلى المستوى المدني، عسكرياً في توجهه، أو كما يقال "العسكري يبقى عسكرياً طوال حياته".
إذا ما أخذ بهذا الرأي أو التوجه، فلا شك أن له مغزى بعيد الأثر فيما يتعلق بإسرائيل، وذلك لأن الانتقال المستمر والواسع النطاق لكبار ضباط الجيش إلى مواقع القيادة السياسية إنما يدل على عملية عسكرة السياسة في إسرائيل.
3. يتعلق سؤال ثالث فيما إذا كان الجيش هو الذي "يتسلل" إلى مجالات ليست من اختصاصه، سعياً إلى زيادة نفوذه، وما إذا كانت المشكلة ليست نابعة من القوة النسبية للجيش، وإنما بالذات من الضعف النسبي للمؤسسات المدنية في إسرائيل. وهو ضعف يترك فراغاً في الساحة يشجّع المستوى العسكري على التحرك لملئه. ظاهرياً يبدو برأي البعض أن الإمكانية الثانية- والسؤال يبقى مفتوحاً- تفسّر الواقع في إسرائيل بصورة أفضل.

إذا كانت الأمور هي على هذا النحو بالفعل، فهذا يعني أن مفتاح تصحيح نظام العلاقات بين المستوى المدني والمستوى العسكري في إسرائيل لا يتمثل في فرض قيود على المستوى العسكري فقط، وإنما أيضًا في تقوية وتعزيز المؤسسات والهيئات المدنية.

يمكن القول إن هناك حاجة إلى نوع من "التمييز التصحيحي" بغية دعم وتقوية هيئات التقويم المدنية، المتمثلة في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، ذلك لأن ضعف هذه الهيئات، وعدم وجود هيئة مدنية قادرة على تنفيذ المهام (تحليل الواقع وبلورة وتنفيذ السياسة)، يجعل المهمة ملقاة على عاتق الجيش. وبالإمكان أن نجد مثالاً بارزاً على ذلك في مداولات المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينيت) التي سبقت انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في أيار 2000. ففي أعقاب إحدى هذه المناقشات تردّد حديث بين جزء من أعضاء المجلس الوزاري، والذي سرعان ما سرّب بطبيعة الحال إلى وسائل الإعلام، مفاده أن "الجيش يسعى إلى بث الخوف والرعب بيننا". والمقصود بذلك أن الجيش مارس التخويف والترهيب على المجلس الوزاري المصغّر في تحليل الواقع، وتقدير النتائج التي ستترتب على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. ويمكن بطبيعة الحال التساؤل بشأن ما الذي جعل الجيش يتصرّف على هذا النحو، بيد أن السؤال الأهم هنا هو: لماذا لم يتلق المجلس الوزاري المصغّر تقويماً آخر للوضع من طرف جهة أو هيئة أخرى، مدنية؟ أين كانت وزارة الخارجية؟ وأين كان مجلس الأمن القومي الإسرائيلي؟ وهل يوجد لدى وزارة الدفاع التي تعتبر في الواقع، خلافاً للجيش، جزءاً من المستوى المدني، هيئة تفكير قادرة على تقديم تقديرات أخرى مختلفة عن تقديرات الجيش؟.

في ظل عجز وزارة الخارجية عن تقديم بديل، واستمرار مراوحة "مجلس الأمن القومي" في ضعفه، وفي ظل عدم وجود هيئة للتفكير وإعداد التقديرات في وزارة الدفاع منذ حلّ "وحدة الأمن القومي" عقب حرب لبنان الأولى في 1982، فإنه لا عجب إذن في وجود عسكريين ضمن أطقم رسم السياسة وتنفيذها.
4. إن إثارة هذه التساؤلات يمكن أن تشكل قاعدة وأساساً لنقاش ضروري مؤجّل حول موازين القوى القائمة والمرغوبة بين المستوى المدني والمستوى العسكري في إسرائيل.
أحد الأسئلة الصعبة وربما الأكثر حساسية هو: هل يستطيع المستوى المدني في إسرائيل ممارسة رقابة ناجعة على المؤسسة العسكرية؟ وفي أية مجالات؟. (يتبع)
 

الحلقة الثانية

"الساسة أسرى الجنرالات"

 

يرى رؤوبين بدهتسور (صحيفة "هآرتس"، 28 تموز 2006) أنه إذا كان في الإمكان أن نميّز في "الديمقراطيات كافة وجود تبعية ما من جانب السياسيين للجنرالات ووجود محاولات لتقليلها، ففي إسرائيل لا يقتصر الأمر على التبعية فحسب، ذلك أن السياسيين مأسورون من قبل الجنرالات". ويتابع: عملية بلورة سياسة الأمن القومي خاضعة عمليًا للجيش وجهاز الأمن. وفي ظل انعدام منظمات التخطيط في مجال الأمن القومي خارج الجيش فإن أساس عمليات التخطيط، لا على المستوى الفاعل والتكتيكي فحسب وإنما أيضًا على المستوى الإستراتيجي- السياسي، يدور في أروقة الجيش. والنتيجة هي أن الاعتبارات العسكرية أصبحت مركزية، وأحيانًا حتى أكثر من الاعتبارات السياسية. "وهكذا أضحت منظومة علاقات إسرائيل الخارجية مستندة في الأساس إلى مفهوم القوة، الذي يمنح أولوية للاعتبارات العسكرية على الاعتبارات الدبلوماسية. وهذا الأمر، وحده، يمنح رئيس هيئة الأركان العامة نفوذًا سياسيًا كبيرًا".
الحكومة والكنيست لا يتدخلان عادة في عمل جهاز الأمن، الذي يحظى بأوتونوميا شبه مطلقة في بلورة السياسة بدءًا بمواضيع مثل حجم وتركيبة ميزانية الأمن وانتهاء حتى بتخطيط الحروب.

ويوضح بدهتسور أن هذا الأمر بدأ في أيام دافيد بن غوريون، الذي عارض بناء منظومة ممأسسة من المراقبة المدنية على الجهاز الأمني. كما عارض بن غوريون إنشاء لجنة وزارية لشؤون الأمن. ووافق على إنشائها فقط في العام 1953 ولكنه لم يشركها في عملية إقرار السياسة الأمنية. وفعليًا فإن جهاز الأمن هو الذي بلور سياسة إسرائيل ولم يعرضها دائمًا على الحكومة من أجل المصادقة عليها. وعن ذلك قال رئيس الحكومة الثاني موشيه شاريت: "تحصل أشياء (في مجال الأمن) لا تنمو إلى علمي. أسمع بيانات في صوت إسرائيل وأقرأ بعد ذلك في الصحف دون أن أعرف عن خلفيتها الحقيقية". وقد عنى شاريت تحديدًا "عمليات الانتقام" التي نفذها الجيش الإسرائيلي في الخمسينيات والتي لم يتم البتة إحاطة رئيس الحكومة علمًا ببعضها.

وإسرائيل، خلافا لكل الديمقراطيات الأخرى، تتميز بالغياب المطلق تقريبا للرقابة البرلمانية على جهاز الأمن. لا توجد دولة ديمقراطية أخرى في العالم تعمل فيها المؤسسة العسكريةـ الأمنية بصورة ذاتية كاملة من دون أن تكون هناك محاولة حقيقية، ولو شكلية، لمراقبة ما يحدث فيها.

هذا الشيء يحدث في قضايا الميزانية الأمنية والدفاعية وهيكلية الجيش وتطوير الأجهزة القتالية وشراء المعدات العسكرية والنظرية القتالية ورواتب الجنود النظاميين وتعيين الضباط الكبار وغيرها من القضايا ذات التأثير الحاسم على مستقبل الدولة وهيكلية الاقتصاد وشخصية المجتمع الإسرائيلي.
وفي غياب الرقابة الخارجية ليس من الممكن منع حدوث الأخطاء التي تؤدي إلى الإخفاقات والإنفاقات المالية على تطوير الأجهزة القتالية غير الضرورية، وليس من الممكن مراقبة الميزانية الأمنية التي تقضم جزءاً كبيرا من الميزانية القومية العامة بنسبة تفوق مثيلاتها في كل الدول الغربية بعدة أضعاف.

بيد أنّ انعدام الرقابة البرلمانية لم يغب عن أعين أعضاء الكنيست بطبيعة الحال، إلا أنهم مستعدون للتسليم به وقبوله بصورة تامة. "أنا أسأل نفسي دائما هل توجد رقابة مدنية ملائمة على الجيش وجهاز الدفاع، فأستنتج بأنها غير قائمة... وهذا الأمر يتحمل مسؤوليته أعضاء الكنيست الذين اعتادوا التغطية على كل حادثة تُلم بهذا الجهاز"، هذا ما قاله عضو الكنيست دان تيخون، في تحليل جيّد للمعضلة عندما كان عضوا في لجنة الخارجية والأمن. إلا أنه مثل رفاقه الآخرين في اللجنة لم ينو التحرك من أجل تغيير ذلك. وأعضاء الكنيست المشاركون في اللجنة يواصلون جموديتهم أمام الجيش.

"نحن مضطرون للاعتماد على هيئة الأركان العامة طبعا"، أوضح ذات مرّة عضو الكنيست يسرائيل كرغمان، الذي كان رئيسا للجنة المالية في السابق. وأردف "بالأساس عندما تقول لنا (هيئة الأركان) إن هناك حاجة لإضافة صواريخ أو دبابات... ذلك لأننا لا نفهم في هذه المسألة أصلا". صحيح أن عدة عقود قد مرّت منذ فترة عضو الكنيست كرغمان، إلا أن كل خلفائه في المنصب ما زالوا يسيرون على نفس النهج.

لدى تحليل السياسة الإسرائيلية منذ إقامة الدولة يمكن الإشارة إلى أربع حالات فقط بلور فيها رئيس الحكومة سياسة لم يقترحها الجيش، بل لم يكن هذا الأخير موافقًا عليها. هذه الحالات هي:
1. في 1977 قرّر مناحيم بيغن توقيع اتفاق سلام مع مصر، ثمنه الانسحاب من سيناء. وقد عارض ذلك قادة الجيش. لكن بيغن حظي بدعم وتأييد وزير الدفاع، عيزر فايتسمان ووزير الخارجية، موشيه ديان، وكلاهما جنرال سابق.
2. في 1993 قرر إسحق رابين، وهو رئيس هيئة أركان عامة سابق، تبني اتفاقات أوسلو خلافًا لموقف الجيش.
3. في 2000 سحب إيهود باراك، رئيس هيئة أركان عامة سابق أيضًا، الجيش الإسرائيلي من لبنان على رغم المعارضة الصارخة والعلنية من قبل قيادة الجيش وعلى رأسها رئيس هيئة الأركان العامة، شاؤول موفاز.
4. في 2005 قرر أريئيل شارون، جنرال سابق، تنفيذ خطة الانفصال والخروج من غزة رغم أن رئيس هيئة الأركان العامة، موشيه يعالون، وكبار ضباط الجيش، عارضوا الخطة.
باستثناء هذه الحالات فإن قرارات الحكومة المتعلقة بمجال الأمن كانت مستندة إلى الاقتراحات التي عرضها الجيش الإسرائيلي على طاولة رئيس الحكومة.

وهذا هو ما حصل أيضًا بالنسبة للحرب الأخيرة على لبنان.

ويقتبس بدهتسور عن يغئال ألون، الذي يصفه بأنه أحد السياسيين الإسرائيليين القلائل الذين "حاولوا أن يؤثروا على صياغة سياسة الأمن القومي وأن يواجه مشاكل الأمن ليس بوسائل عسكرية فقط"، أقوالاً نطق بها في الستينيات وجاء فيها: "َضرورة الدفاع عن البلاد أمام العدوان، المصادمات العسكرية على الحدود، المنجزات العسكرية، التدريبات الجماهيرية، الاستعراضات في ساحات المدن- كل هذه الأمور تخلق جوًا يحمل في أحشائه أخطارًا اجتماعية وأخلاقية شديدة. خطر تفشي العسكرة الشوفينية والفظّة هو خطر عيني في إسرائيل... إنه خطر تمدّن (من مدني) المغامرات حيال الخارج وسيطرة الاتجاهات المعادية للديمقراطية حيال الداخل. كينونة السلاح تحمل معها خطر فقدان قيم اجتماعية وأخلاقية وثقافية إلى درجة طمس شخصية الشعب كمجتمع متنوّر... هذه الأشياء تناسب جميع المواطنين والشبان، مثلهم مثل أفراد الجيش الذين من شأنهم أن يتعطروا من مجرّد سحر لمس السلاح".

 

حول أداء إيهود أولمرت

يطول النقد الموجّه إلى رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، حتى الآن، ليس فقط أداءه خلال الحرب بأيامها كافة، والذي لخصه المعلق السياسي عوزي بنزيمان بما يلي: "الفشل في تحديد غايات الحرب الأولى، وفي فهم معنى ودلالة العمليات العسكرية، وفي الاعتماد الذي استمر في منحه لهيئة الأركان العامة رغم أنه تأكد من تحطم توقعاته، وفي المصادقة على العملية البرية عقب اتفاق وقف إطلاق النار" (صحيفة "هآرتس"، 30 آب 2006). وإنما يطول أيضًا سلوكه بعد انتهاء الحرب.
ويتوزع هذا النقد على محورين اثنين:
 الأول- تهرّب أولمرت من تشكيل لجنة تحقيق رسمية حول الحرب ونتائجها بمسوغات هشّة. ويرى أبرز الأساتذة الأكاديميين أن هذا التهرّب من شأنه أن يقوّض دعائم النظام الديمقراطي. ولا يقلّل من شأن هذا قرار أولمرت تشكيل "لجنة فحص حكومية" برئاسة قاض.
 الثاني- تخليه عن "أجندته السياسية" والتي كان في مركزها ما عرف باسم "خطة التجميع" أو "خطة الانطواء" واستعاضته عن ذلك بأجندة "إعادة ترميم المنطقة الشمالية التي لحقها دمار كبير نتيجة لتعرضها لقصف صواريخ منظمة حزب الله". وفيما بعد جرى الحديث بأنه يستعيض عن ذلك بالعمل من أجل تغيير طريقة الحكم والانتخابات في إسرائيل: إما بتوطيد الطريقة البرلمانية القائمة بواسطة إتباع انتخابات مناطقية (إقليمية)، وإما بتبني الطريقة الرئاسية ("يديعوت أحرونوت"، 15 أيلول 2006).


فيما يتعلق بالمحور الأول يرى البروفيسور زئيف شطرنهل، المؤرخ والأستاذ الجامعي (صحيفة "هآرتس"، 30 آب 2006)، أن أيام الأزمة النفسانية المحتدمة، مثل الأيام الراهنة، تشكّل أرضية خصبة للأخطار. وبدل أن يساعد في تطبيب المرض عن طريق التنظيف الأساسي للجرح، فإن رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، يزيد من خطورته. والمناورة البشعة في تعيين لجنة حكومية لا تعيبه هو فقط، وإنما تعيب أيضًا كل من دعم محاولة إنقاذ جلده حتى ولو بثمن إصابة ثقافة السلطة الإسرائيلية بعاهة مستديمة. وإذا كان أولمرت واثقًا جدًا من صدقه فلماذا يتهرّب من تحقيق حقيقي؟.
ويضيف: في بداية الأسبوع كانت لا تزال هناك إمكانية للاختيار بين احتجاج شعبي وبين عملية منظمة للجنة تحقيق رسمية. الآن لم يبق خيار لأنه خلافًا لسابقيه غولدا مئير ومناحيم بيغن، اللذين ارتكبا أخطاء قاسية لكن في لحظة الحقيقة تصرفا كسياسيين، يرفض أولمرت أن يقرّ بأن التهرّب الكلبيّ من المسؤولية يقوّض طريقة الحكم كلها.

أما البروفيسور شلومو أفنيري، أستاذ العلوم السياسية والمدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، فيؤكد (صحيفة "يديعوت أحرونوت"، 20 آب 2006) أن من يعتقد بأن الغضب العارم لدى الجمهور ولدى جنود الاحتياط سيمرّ مرّ الكرام يرتكب خطأ كبيرًا. وما يجب ضمانه الآن هو أن لا تتحوّل أزمة الثقة بالحكومة إلى أزمة ثقة بالنظام الديمقراطي. فليس مصير أولمرت وبيرتس هو المطروح على الأجندة، وإنما المطروح هو مستقبل الشعب ومستقبل النظام. الآن أصبح واضحًا كالشمس أنه لا يجوز أن يقف على رأس حكومة إسرائيل شخصان ليست لهما تجربة ولا معرفة عميقة في مواضيع الأمن والجيش والسياسة. صحيح أن من يملك التجربة يرتكب أخطاء أيضًا، لكن الذي لا يملكها لا يعرف أية أسئلة يطرح على الجيش وأية مطالب يضعها أمامه. وقد رأينا جميعًا نتائج ذلك. وللجمهور الحق في أن يقرّر ما إذا كان يرغب بهؤلاء القادة أم يرغب باستبدالهم. ولذا توجد انتخابات.

وفي تعليق لاحق (صحيفة "يديعوت أحرونوت"، 27 آب 2006) يؤكد أفنيري أن الغضب الجماهيري على القيادة السياسية ينطوي على مستويين: الأول نقد قلة تجربة رئيس الحكومة ووزير الدفاع في شؤون الأمن والسياسة، وهو ما أدى إلى قرارات خاطئة ومتناقضة ومتسرّعة، والثاني عدم راحة عميقة من أسلوب سلوك القيادة القائمة. فإن تحقيقات البوليس والشبهات الحائمة حول عدد كبير من السياسيين تخلق شعورًا من الاشمئزاز، ويوجد في هذا خطر على مناعة الديمقراطية.
ويصف البروفيسور يحزقيل درور، أستاذ العلوم السياسية والحاصل على جائزة إسرائيل وأحد أعضاء لجنة الفحص الحكومية لنتائج الحرب التي عينها أولمرت، العملية التي ينبغي أن ينجزها رئيس الحكومة قبيل المصادقة على أي نشاط عسكري، فيكتب قائلاً (صحيفة "يديعوت أحرونوت"، 21 آب 2006): يجب على رئيس الحكومة أن يحقّق جيدًا مع رئيس هيئة الأركان العامة ومساعديه قبل التصديق على أية عملية عسكرية. وهذا التحقيق يشمل مجموعة من الأسئلة التي ينبغي بـ"المحقّق معهم" أن يقدموا عليها أجوبة واضحة، منمقة ومقنعة. البحث مع قادة الجيش ينبغي أن يتم بروح موضوعية، عبر الفهم أن أية عملية عسكرية تعجّ بأشياء ليست يقينية أو أكيدة. مع ذلك إذا كانت الإجابات غير كافية فعلى رئيس الحكومة، قبل أن يصادق على العملية، أن يجري تحقيقًا مع رئيس هيئة الأركان العامة كما لو أنه "شاهد معادٍ". الإجابات يتعيّن طرحها للنقاش مع قادة وزارة الخارجية، الموساد، مجلس الأمن القومي ومع كبار المستشارين السياسيين والأمنيين، كلا على حدة وبعد ذلك سوية مع الجميع. كل الأجوبة والأبحاث يجب أن تكون موثقة، حتى يكون بالإمكان القيام بتقدير متدرّج لتقدّم العملية واستخلاص الدروس والوصول إلى نتائج شخصية، إذا اقتضت الحاجة. وكل هذه العملية يمكن أن تتم بسرعة ولذا فليس في "ضيق الوقت" أي تسويغ للالتفاف على هذه الطريقة في اتخاذ القرار.

ومع أن درور يعرب عن أمله في أن تكون قرارات الحرب ضد حزب الله قد تمت وفق ما جرى توصيفه، إلا أنه ينوّه بأنه "من معرفتي لثقافة اتخاذ القرارات في إسرائيل، أخشى أن لا يكون قد حصل ذلك بالنسبة لقرارات تحسم مستقبل البلاد".

(يتبع)

[ مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية المتخصصة الصادرة عن مركز "مدار"- رام الله]

www.safsaf.org