عبد
العظيم محمود حنفي
لا يخفي علي أحد الدعم العسكري الكبير الذي تقدمه ألمانيا إلي إسرائيل
منذ إنشائها علي ضوء الالتزام الأخلاقي والتاريخي الذي أخذته علي
عاتقها بسبب جرائم النازيين ضد اليهود.
يعود التعاون بين ألمانيا وإسرائيل إلي أكثر من خمسة عقود، أي إلي ما
قبل عقدين علي إقامة علاقات دبلوماسية بينهما عام 1965. وقد بدأ هذا
التعاون الذي أسس لعلاقات خاصة ومتميزة عندما زودت الحكومة الألمانية
إسرائيل بقاربين حربيين عام 1955.
أن التعاون بين إسرائيل وألمانيا، لا سيما في المجالين العسكري والعلمي
وصل إلي حدود يصعب معها تبرير مستواه بحاجات إسرائيل الأمنية وفقا
لجريدة البرلمان الألمانية الأسبوعية. فقد جاء في تقرير نشرته الصحيفة
في عددها الصادر في تاريخ 15 نيسان/ أبريل 2005 أن الدولتين تتعاونان
أيضا في تطوير الأسلحة وبيعها إلي مختلف بلدان العالم من خلال شركات
متخصصة تحقق أرباحا بمئات الملايين من الدولارات سنويا.
ومنذ عام 1964 لم تعد صفقات تزويد الأسلحة الألمانية إلي إسرائيل سرا،
بل هناك تقارير تتحدث عن حجم هذا التعاون وأشكاله والذي بدأ بتزويد
الدولة العبرية بالذخيرة والدبابات المستعملة. فعندما أطلق صدام حسين
صواريخ سكود علي تل أبيب عام 1991 تصدت لها صواريخ باتريوت وإن لم تفلح
في إسقاطها كلها، إلا أنها استطاعت أن تحد من فاعليتها. هذا ما كان
ليحصل دون هذه الصواريخ التي وصلت من المستودعات الألمانية. هذه
الصواريخ عادت لتظهر من جديد بعد مهاجمة أمريكا للعراق عام 2003. وفي
هذا السياق أكد المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر مدي التزام
بلاده بدعم الدولة العبرية: إن الدفاع عن إسرائيل وأمن مواطنيها هو جزء
من سياستنا التي تعود إلي جذور أخلاقية وتاريخية .
ومن الملاحظ أن صواريخ باتريوت هي استثناء، خاصة وأن العادة جرت علي
تزويد إسرائيل ليس بالنظم القتالية كاملة، بل ببعض مكونات هذه النظم
وتكنولوجياتها. بعض هذه المكونات موجودة علي سبيل المثال في دبابة
ميركافا التي تعد من أكثر الدبابات في العالم كفاءة وقدرة علي
المناورة. ففي ألمانيا تم تطوير تصفيحها ومدفعها إضافة إلي أن محركها
ألماني الصنع. ولا ينحصر الدعم الألماني في هذه الدبابة وإنما يتجاوزه
إلي البوارج والسفن وطائرات سلاح الجو الإسرائيلي التي تحتوي علي
تقنيات وقطع صنعت وطورت في ألمانيا. ورغم إعلان ألمانيا أنها لن تورد
إلي إسرائيل أسلحة حربية ذات طبيعة هجومية لأسباب سياسية، إلا أن
الغواصات الألمانية التي استلمتها إسرائيل تثبت عكس ذلك. فقد زودت
ألمانيا إسرائيل ما بين الفترة 1998 و2000 بثلاث غواصات تم تمويلها من
قبل دافع الضريبة الألماني بنسبة 80 بالمائة. وتتميز هذه الغواصات
بقدرتها علي حمل العتاد الثقيل وصواريخ بحر ـ بحر التي تستطيع إغراق
السفن. كما أنها تستطيع حمل صواريخ بعيدة المدي. وتحصل إسرائيل أيضا
علي وسائل قـــــتالية أمريكية مجهزة بتقنيات ألمانية عالية مثل طائرات
F-16 ومروحيات أباتشي التي استخدمتها في هجومها علي لبنان. وتضم هذه
التقنيات أجهزة الرصد الليلي عن طريق الأشعة تحت الحمراء التي تساهم في
تشخيص الأهداف بدقة والتصويب عليها في كافة الظروف الجوية.
من ناحية أخري، يقول الساسة والمحللون الألمان إن ألمانيا لا توافق علي
تزويد إسرائيل بكافة الأسلحة التي تطلبها خوفا من استخدامها ضد
المدنيين وخاصة في الصدامات مع الفلسطينيين. ومن هذه الأسلحة المصفحة
التي يطلق عليها اسم دينجو التي رفضت الحكومات الألمانية السابقة تزويد
تل أبيب بها. إلا أن الحكومة الحالية كما يقول الخبراء العسكريون
الألمان سوف تسمح بتزويد إسرائيل بهذه العربة المصفحة التي تستطيع
التحرك بسرعة في المناطق المأهولة وداخل الأزقة. كما تستطيع نقل الجنود
وتوفير الحماية لهم من الألغام والأسلحة المضادة للدروع. وقد طلبت
إسرائيل أكثر من 100 قطعة منها. ولكي تحصل عليها لا بد من موافقة مجلس
الأمن القومي الألماني علي ذلك. ويتألف هذا المجلس من المستشار ووزراء
الخارجية والدفاع والداخلية ومدير المخابرات. ويشير هؤلاء الخبراء إلي
أن تزويد إسرائيل بالسلاح يجب أن يتماشي مع القوانين الألمانية وقانون
التجارة الخارجية إضافة إلي القوانين المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
ولكن الواقع يحكي قصة أخري، إذ إن هذه الشروط ليست وللأسف خاضعة إلي
الناحية القانونية، بل تخضع لاعتبارات سياسية.
ولذا لا غرابة في قيام الحكومة الألمانية بإخفاء صفقات تزويد إسرائيل
بالأسلحة عن الرأي العام. كما ان ما تحصل عليه تل أبيب في كثير من
الأحيان لا يتماشي والقواعد القانونية التي تنظم تصدير الأسلحة
الألمانية بعكس ما هو متبع مع دول أخري. وقد اعتمد التعاون الوثيق بين
إسرائيل وألمانيا منذ البداية علي طرق غير رسمية لا تخضع للرقابة
الديمقراطية. فحتي نهاية ثمانينات القرن الماضي علي الأقل اشرف عليه
مباشرة جهازا المخابرات الألمانية BND والاستخبارات الإسرائيلية موساد.
وهذا ما أبعده عن المراقبة البرلمانية التي بقيت غائبة حسب نفس المصدر.
وفي هذا السياق تبرهن عدة فضائح تتعلق بصفقات أسلحة سرية علي هذا العجز
في آلية صناعة القرار السياسي الألماني. ففي نهاية ثمانينات القرن
الماضي كشف النقاب عن تزويد إسرائيل بأسلحة سوفييتية تابعة لجيش
ألمانيا الشرقية علي أساس أنها تجهيزات زراعية. ووفقا لوزارة الدفاع
الألمانية فإن حكومات البلدين حرصت دائما علي إبعاد التعاون العسكري
والعلمي بينهما عن الرأي العام.
أما بالنسبة للدول العربية فلم يشكل التعاون الوثيق بين ألمانيا
وإسرائيل تحديا لعلاقات الأولي مع العرب سوي في فترات زمنية كان أبرزها
فترة نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. ففي ذلك الحين هددت هذه الدول
بقطع علاقاتها مع الحكومة الألمانية علي ضوء خروج صفقات تسلح ألمانية
لإسرائيل إلي العلن. غير أنه ومنذ رحيل جمال عبد الناصر لم تظهر أزمات
مماثلة في علاقات الطرفين رغم استمرار الدعم العسكري الألماني لتل
أبيب. ويرجع المحللون في ألمانيا ذلك بأن العالم العربي تقبل أو تأقلم
مع العلاقات الألمانية ـ الإسرائيلية الخاصة رغم عدم تفهم نخب واسعة
فيه لالتزامات الحكومات الألمانية تجاه تل أبيب بعد مرور أكثر من ستة
عقود علي نهاية الحرب العالمية الثانية.
ہ خبير في الدراسات الإستراتيجية
مدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات القاهرة
القدس
العربي عدد الاربعاء 13-09-2006 |