| 2006-08-30 |
| غالبيتها ضعيفة وتفتقد الصدق |
| الأغاني الوطنية رسالة أم صرعة؟ |
|
لا شك أن الأزمة اللبنانية الأخيرة أعادت للأغنية الوطنية بريقها حيث تبارت القنوات الغنائية في بثها وأخذ الجمهور في العودة للاستماع اليها، فارتمى غالبيتهم في أحضان القديم منها كنوع من الحنين للماضي ولحقبة مجيدة من تاريخ أمتنا العربية وانتصاراً للصدق والأصالة الفنية التي تفوح منها - على حد قولهم - مقارنة بالضعف الذي بات يعتري الحديث منها والذي يعكس - على حد تعبيرهم - أزمة الغناء والموسيقا العربية الآنية بصفة عامة، بينما انتصر الآخرون للأغنية الوطنية الحديثة، التي يرون أنها أكثر التصاقاً بآلامنا الحالية وتفاعلا معها وتعبيرا عنها، خاصة انها تنبع من إيمان عميق بأن ذلك جزء مهم من موقف ورسالة الفن والفنانين الذين ينفون في هذا الصدد أن يكون دافعهم لذلك مجاراة الحدث وتقليد الآخرين - أي موضة - أو حصد المزيد من الشهرة والنجومية التي هم في غنى عنها، كما يؤكدون انه من المبكر الحكم على هذه الأعمال أو توقع خلودها الفني من عدمه.
تحقيق: هاني نور الدين
وعن ارتباط استماعها للأغنيات الوطنية بوقت ما، تقول هناء جبر - سكرتيرة في شركة وساطة مالية: لا ترتبط معي الأغنيات الوطنية بوقت الأزمات او المناسبات، حيث استمع اليها طيلة الوقت في المنزل والسيارة، وأعشق القديم منها لإحساسي بمدى الصدق الفني الذي يفوح من أعمال مطربين كبار، ولأن أصواتهم تنقلني لمرحلة مجيدة من تاريخ أمتنا العربية حيث العزة والكرامة، والانتصار والشموخ، يوم كان الحس الوطني والقومي يسري في عروقنا ولأجله كان الجميع يضحي لنصرة أشقائه العرب.
وتضيف: أما اليوم فأصبح كل إنسان يبحث عن ذاته ومصلحته بعيدا عن روح الأخوة والتضامن العربي وهو ما انعكس بدوره على الفن الذي هو مرآة للمجتمع، فبات مبتذلاً ورخيصاً وجاءت حتى الأغاني الوطنية خالية من الصدق والحماسة والأخلاص للقضية المغناة لها، فلم تصل لقلب الجمهور، خاصة ان معظمها جاء كنوع من “رفع العتب” عقب كل كارثة وعدوان يطال جزءا من الأمة العربية، وكأسلوب من وسائل حصد المزيد من الشهرة والانتشار الجماهيري لصاحب الأغنية.
ويرى أحمد البلاسي- مسؤول مبيعات - ان مطربي اليوم باتوا يستغلون الأزمات والآلام التي يتجرعها وطننا العربي كالعدوان “الإسرائيلي” على لبنان أخيرا، حيث يتسابقون في الغناء للشعب اللبناني رغبة منهم في استغلال الحدث للترويج لأنفسهم وحصد الشهرة والجماهيرية - مما جعل أعمالهم خالية من الصدق والإحساس الفني.
وتقول زينة المصري - موظفة مبيعات: استماعي للأغنيات الوطنية ينحصر في وقت الأزمات والكوارث التي تطال أمتنا العربية وتعصف بطموحات وأحلام شعوبها في العيش بأمان ورخاء حيث أستمع للقديم منها، وبخاصة أغنية “أحلف بسماها وترابها” لعبدالحليم حافظ التي أدمنها في مثل هذه المناسبات لأنها تبعث بداخلي الحماسة.
وتستدرك قائلة: لكن ذلك لا يعني عدم وجود صدق أو إخلاص فيما يقدم من أغنيات وطنية حالية، إلا أنها نادرة وقليلة منها على سبيل المثال “الحلم العربي”.
ويؤكد أحمد حسين - مدرس- أن حقبة الخمسينات وحتى السبعينات من القرن المنصرم كانت عصر ازدهار ونهضة عربية شملت جميع المجالات السياسية والثقافية والفنية حيث رموز الغناء الكلاسيكي الأصيل كعبدالحليم وأم كلثوم وفايزة أحمد الذين لا تزال أغنياتهم حية وخالدة بيننا الى اليوم.
ويعتقد عبدالرحيم أحمد - مهندس - ان صبغة التجارة والمنفعة المادية التي طغت على جميع قنواتنا بما في ذلك الأغنية، مما أدى الى تراجعها وتدني مستواها امتد ليشمل القنوات الغنائية العربية التي حاولت الاستفادة من العدوان “الإسرائيلي” الغاشم على لبنان، فإذا بها تتحول الى قنوات وطنية وقومية فجأة.
يقول خالد محمد - طالب: أفضل الاستماع للأغنية الوطنية الحديثة وبخاصة لفنانين مشهود لهم بالنزاهة والوطنية كعاصي الحلاني وديانا حداد وجوليا بطرس، حيث تنبض أصواتهم بالصدق والأصالة الفنية.
وتقول المطربة ديانا حداد: أي فنان حقيقي لا يستطيع وأمام ما يتعرض له أشقاؤه في لبنان الاكتفاء بمشاهدة ما يجري بل يجب أن يصيغ موقفا مناهضا لهذا العدوان وداعما لإخوانه في لبنان ولأننا لا نملك سوى صوتنا فلا بد أن نبادر الى الغناء لأوطاننا وشعوبنا والإنسانية، وهو ما فعلته حينما استفزتني مشاهد الدمار والخراب والقتل التي تعرض له أطفال لبنان على يد الآلة العسكرية “الإسرائيلية” الحاقدة، ودفعتني لتصوير أغنية “أنا الإنسان”، كلمات كريم العراقي وألحان سمير صفير وإخراج نهلة الفهد والتي جاءت دعماً لأطفال لبنان والعراق وفلسطين، ورغبة في احتضان آلامهم وأحزانهم والتعبير عن أمنيتهم في العيش بأمان وسلام.
وعما إذا كانت تلك الأغنيات الوطنية سيكتب لها الخلود الفني، مثلما حدث مع أغنيات جيل العمالقة والرواد، تقول ديانا حداد: هذا أمر يحدده الزمن وإن كنت أرى بأنه ما دامت خرجت الأغنية من القلب فستلامس مشاعر وأحاسيس الجمهور وتعيش معهم خاصة.
وعما إذا كان الجمهور لا يزال متعلقا بالأغنيات الوطنية القديمة دون الحديثة منها تقول المطربة رويدا المحروقي: لا شك أن الجمهور لا يزال متعلقا بالأغنيات الوطنية القديمة التي صيغت في فترة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم لأسباب عدة، منها أنها أبدعت بإحساس وصدق فني عال، إضافة الى أنها تذكره بتلك المرحلة المهمة من تاريخ أمتنا، حيث كان الحس والمد القومي العروبي في أوج قمته وهو ما بات مفتقدا في تلك الأيام.
وتضيف: أما الأغاني الوطنية الحديثة فلم تحصد جميعها النجاح والجماهيرية كما هو الحال مع القديم منها، وذلك لأننا في عصر السرعة حيث العمل لا يتجاوز ساعات ليخرج للناس.
وعن رأيها في عدم حاجة الشعب اللبناني أثناء الحرب “الإسرائيلية” عليه للأغنيات الوطنية، تعلق رويدا المحروقي بالقول: الشعب اللبناني في مرحلة الحرب لم يكن بحاجة لغنائنا خاصة أنه لن يساعده في شيء كما أنه لم يكن متاحاً له متابعته ومشاهدته وبالتالي تأثره به وعليه فكنت أرى أنه من الأولى ان نركز جهودنا على جمع التبرعات والى أن تهدأ الأمور فحينها يكون للأغنيات الوطنية مجال ونعمل من خلالها على بث روح الحماسة والإصرار على إعادة البناء والإعمار والحياة من جديد فتكون وسيلة لتضميد الجراح والمساعدة على النهوض.
ويؤكد المطرب والملحن محمد ناصر أن السبب الرئيسي في ضعف مستوى معظم أغنياتنا الوطنية اليوم هو تراجع مستوى كلماتها التي تشكل حجر الأساس لأي أغنية قومية ناجحة، وهذا لا يعني أن الألحان أحسن حالاً من الكلمات فألحان تلك الأغنيات باتت سريعة ومشوهة، كما أن معظمها بالأساس ألحان رومانسية وضعت عليها كلمات وطنية، وذلك على عكس أغنيات كبار مطربينا كأم كلثوم وعبدالحليم وفيروز التي كان يقف وراءها أناس موهوبون ودارسون للموسيقا وقادرون على الاختيار والانتقاء والصياغة السليمة لكلمات وألحان الأغنيات الوطنية كما كان يتوّجها صوت صادق نابض بقضايا وطنه وأمته ومعبراً عنها بصدق ساعده على ذلك كل ما حوله مما كان يتنفس وطنية وعروبة مما جعل أغنيته تعيش والى اليوم خاصة أنها كانت بعيدة كل البعد عن شبهة أي مجاملة أو رغبة في استثمار المواقف والأزمات.
وعما إذا كانت القنوات الغنائية قامت باستغلال الأزمة اللبنانية شأنها شأن عدد من الفنانين، يقول محمد ناصر: القنوات الغنائية العربية لم تكن في معظمها أحسن حالاً من أولئك الذين تفننوا في استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب تجارية حيث طبقت ذات المبدأ أي “مصائب قوم عند قوم فوائد” فتجدها في الأزمة اللبنانية الأخيرة إذ بها تفرد مساحات كبيرة للأغنيات الوطنية على شاشاتها بعد أن كانت غنائية طوال العام حيث كانت تقتصر على بث الأغنيات الراقصة والماجنة وذلك لاستفزاز جيوب المشاهدين وقلوبهم.
وعن ضعف تأثرنا كشعوب عربية بالأغنية الوطنية مقارنة بالماضي، يقول الملحن والموزع الموسيقي فهد الجسمي: الاحباطات والانكسارات والهزائم المتتالية التي تعترض طريق شعوبنا العربية وخيبة الأمل التي باتت تسكن الغالبية منا جعلت تأثرنا بالأغنية الوطنية يبدو ضعيفاً للغاية ويعززه حالياً ضعف وتراجع مستوى تلك النوعية من الأغنيات بعد أن أصبحت معظمها تجارية وسريعة ومرتبطة بالأزمات والكوارث.
ويضيف: حيث تجد أنه مع كل أزمة إذ بالفنان يتصل بك لتصنع له أغنية سريعة يجاري بها الجو ويحصد المزيد من الشهرة والنجومية مما يجعلها تخرج باهتة ومشوهة وغير متقنة أو صادقة فيعزف الجمهور عنها وتنتهي وتموت بانتهاء الأزمة التي صيغت لها، وبعدها تجد الفنان لا يعير الملحن أو المؤلف أي اهتمام.
أما الشاعر كريم العراقي فيقول: لا شك ان حرارة الخطاب السياسي خفت مقارنة بما كان في الماضي الذي كان فترة انتصار وازدهار على جميع الصعد السياسية والثقافية والفنية فكان عهداً مليئاً بالقادة والعباقرة فجاءت أغنيات الفترة مليئة بالحماسة والإصرار على الانتصار ونابضة بالقضايا العربية الكبرى.
ويضيف: أما اليوم وبعد أن بات الانكسار والإحساس بالهزيمة هما السمة المسيطرة علينا كشعوب عربية مما خلف ضعفاً طال كل مجالات حياتنا بما في ذلك الأغنية الوطنية التي أصبحت في معظمها موضة.
ويرى كريم العراقي أزمة الأغنية الوطنية حالياً تجسد وتعكس أزمة الموسيقا والغناء بصفة عامة حيث هناك انتصار للكم على حساب الكيف كما غاب الصدق والإحساس الفني والاتقان والحب عن غالبية الأعمال وصارت لا ترتقي بمستوى الحدث.
وينفي المخرج سهيل العبدول رئيس مجلس إدارة شبكة قنوات “نجوم” أن تكون هناك شبهة أي منفعة أو مكسب تجاري وراء قراره بزيادة مساحة الأغنيات الوطنية المقدمة على شاشات قنواته في ظل الأزمة اللبنانية الأخيرة، فيقول: ان ما دفعنا لزيادة مساحات أغنياتنا الوطنية التي تبث على شبكة قنواتنا في ظل العدوان “الإسرائيلي” الغاشم على لبنان هو إحساسنا بأننا جزء مما يجري في وطننا العربي لا بد أن نتفاعل مع ما يمس شعوبنا من آلام أو مآس حيث لا يمكن أن نتجاهل ذلك أو أن نقف منه موقف المتفرج كما أننا نشارك الناس أفراحهم وهمومهم وأحزانهم باعتبارنا قادرين على استيعاب مشاعرهم والتعبير عنها والتضامن معها وذلك من خلال استقبالنا للرسائل التي أرى أنها الوسيلة الأرخص إعلامياً للتعبير عما يجول في خواطر الناس.
ويؤكد سهيل العبدول أن الأغنية الوطنية ليست وحدها حاليا ذات عمر قصير، بل إن ذلك يمتد ليشمل كل الأغنيات التي باتت استهلاكية وذلك بسبب طبيعة العصر الذي نعيش فيه، والذي يمتاز بالسرعة وتسارع أحداثه بشكل يجعلك تبحث عن كل ما هو جديد ومبهر فنيا وسرعان ما تمل منه لتذهب لمشاهدة عمل فني آخر وهكذا، اضافة الى أن معظم الأعمال الفنية حاليا تصاغ بسرعة شديدة تجعلها تبدو ناقصة وغير متقنة، كما أن الصبغة التجارية التي باتت تسيطر على عدد من الأغنيات الوطنية أفقدها قيمتها وإحساس الناس بها وتفاعلهم معها.
بينما تقول المخرجة نهلة الفهد - مديرة قناة “حواس”: إن القناة لم تقم أبداً باستغلال العدوان “الإسرائيلي” على لبنان لتحقيق مكسب مادي أو تجاري حيث لم نعمد مثل غيرنا من القنوات الى تركيب لقطات أرشيفية مصورة على أغنيات وطنية معينة، بل اكتفينا بعرض تلك المصورة فقط، كما قمنا بتكثيف الأغنيات الوطنية المذاعة كجزء من دعمنا وتضامننا مع الشعب اللبناني الشقيق، وإرضاء لرغبة جمهورنا الذي كان يطالبنا ببث المزيد من الأغنيات الوطنية عبر الرسائل القصيرة وبخاصة اغنية “أنا الإنسان” لديانا حداد وأغنية “بحبك يا لبنان” لفيروز لإحساسه بأنها تعبر عنه في تلك الأزمة وتلامس جراحه وآلامه.
وتضيف: إن الفنان في هذه الأزمات لا يملك سوى صوته ليعبر به عن ألمه وآلام شعبه جراء ما يحدث وهذا جزء من واجبه ورسالته وإحساسه وتفاعله مع قضاياه الوطنية الملحة، لذا لا أجد غباراً في أن تكثر الأغنيات الوطنية مع الأزمات بينما تتوارى في باقي الأوقات، والزمن وحده هو الكفيل بالإجابة عن سؤال هل تعيش تلك الأغنيات الوطنية الحالية عقب انتهاء الأزمة التي صيغت لأجلها مثلما حدث مع أغنيات عصر العمالقة كعبدالحليم وفيروز وأم كلثوم
alkhaleej - الخليج |