كيف يمكن ان يخون الخائنون؟!

عبد الرحمن مجيد الربيعي*


بعض الشعراء قالوا في اوطانهم شعرا لم تطفئ السنوات دلالاته العظيمة بل ظل حيا نردده حتى مع انفسنا. ورغم ان حديثي هذا ليس عن الشعر بل عن المحنة العربية الواحدة في لبنان وفلسطين والعراق ومع هذا اذكر ان بدر شاكر السياب قالها في يوم بعيد بتساؤل من الضمير: (كيف يمكن ان يخون الخائنون؟!) او (ايخون انسان بلاده؟!).


وها انا اردد ما قاله، ولست وحدي من يفعل هذا ولكن المحنة العربية هي التي تجعل اغلبنا يرددون مقولات الشعراء اذ هي تمتلك عبقرية التركيز والاختصار.


ان الانسان الشريف والمواطن الحقيقي هو الذي لا يمكن شراء موقفه مهما كان الثمن، ولا يرتضي ان تكون مواقفه من الذي يجري مسيّرة بردود الافعال، والثأر الشخصي حتى لو وصل بصاحبه الى حد الخيانة بل والخيانة الكبرى.


كل ما بدأت به مقالتي هذه يقودني الى القول بأنني توقفت اخيرا امام تصريحات الشخصية الوطنية الملتهبة حماسا وصدقا النائب السابق نجاح واكيم التي ادلى بها لمحطة تلفزة المنار ، وهي تصريحات مخيفة اذ انها تدلل بأن حدود الانتقام لدى بعض السياسيين من خصومهم من الممكن ان تبلغ درجات لا احد يتوقعها ابدا، وقدم لنا الاستاذ واكيم نموذجاً من هؤلاء الذين يحول انتقامهم من الخصوم السياسيين الى الانتقام من الوطن، وذكر بأن وفدا ضم سياسيين لبنانيين سماهم بالاسماء ذهب الي السفارة الفرنسية بلبنان ليطلب من الحكومة الفرنسية عدم التدخل لوقف القصف الاسرائيلي للبنان ظنا من هؤلاء بان الصهاينة قادرون على تدمير الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية والقضاء على المقاومة الوطنية ودفنها تحت الانقاض وبذا تطبق اسرائيل القرار 1559 القاضي بنزع سلاح حزب الله.


ان سياسيا وطنيا بحجم نجاح واكيم الذي يمتلك شجاعة يفتقدها غيره عندما يكشف هذا الامر ولا اقول السر فانه يكشف عن فضيحة اخلاقية تتجاوز الخيانة الى ما هو اكبر منها وامضّ واعظم:


لقد اصبح اعضاء هذا الوفد الزائر لسفارة فرنسا في وضع لا احد يحسدهم عليه او ينافسهم فيه.


والمواطن العربي يتأثر بما يراه في عصر الصورة هذا المواطن الذي يجاوز الخلافات والانتماءات. بما فيها الديني والطائفي الى ما هو وطني وانساني وهو القاسم المشترك بين الشرفاء والخيرين، ولذا اجتمعت كلمته تأييدا للمقاومة سواء كانت في لبنان وطليعتها حزب الله الذي من المؤكد جدا اننا لا نلتقي معه في التفاصيل ولكننا نلتقي معه في المحصلة الاخيرة، بين ما وعد به وما انجز، وكان صادقا لم يدع ولم يموه.


والمواطن العربي مع المقاومة العربية ـ الفلسطينية، ومع الديمقراطية الفلسطينية التي جاءت بحكومة وبرلمان ضمن روحية التداول واريحية الفلسطيني في قبول النتائج رغم ان كثيرين منا ليسوا مع افكار حركة حماس، ولكن الاحتلال الصهيوني ومحركيه في امريكا وبريطانيا ودول اخرى لم تعجبهم هذه الديمقراطية لانها ليست على مقاسهم وها هم اعضاء اساسيون في الحكومة بمن فيهم نائب رئيس الوزراء وبرلمانيون بمن فيهم رئيس البرلمان وقد خطفوا من قبل الجيش الصهيوني، وفوق هذا يريد محاكمتهم! اي عالم هذا يمنح القتلة والمحتلين كل الدعم العسكري والسياسي ولم يحتج احد على كل هذا؟ ولم يتحدث احد عن حقوق الانسان وطائرات الصهاينة حولت قطاع غزة الى ملعب لها تجرب فيه بطولاتها الفارغة التي ثبت في جنوب لبنان انها كما يقول اخوتنا المصريون (فشنك) بعد ان تعلموا الدرس على يد مقاتلي حزب الله!


ووسط هذا كله هناك من باع ضميره للصهاينة وصار يرشدهم ويضع دهانا لا يرى على سيارات معينة لتقصف!


وفي العراق تحول الخونة الى حاكمين، وباعة الوطن الى وزراء وبرلمانيين وسفراء، ومن يقاومهم ويقتص منهم ارهابيا. هكذا يقولونها بلا حياء ولا تردد رغم ان الوطن يذبح ويدمر ويتشرذم ويتقزم وهو العملاق!


كيف يمكن ان يخون الخائنون؟


انهم يخونون لأنهم ضعاف وصغار ودمهم فاسد لا تنفع معه تنقية. ورغم كل ما هم فيه من وضع يظنونه الأمثل فانهم منبوذون مرفوضون ووجوههم تقرأ فيها سطور العار.


يواصل السياب القول عن خونة الاوطان:


(أيخون انسان بلاده؟
ان خان معنى ان يكون
فكيف يمكن ان يكون؟)


وجوابنا ان هذا الخائن يكون صفرا، لا شيء، وان الاقدام ستتجاوزه وهو مردوم تحت وقعها.


ختاماً لا بد من تحية للسياسي الفارس نجاح واكيم وللعلم فقط نذكر انه من عائلة لبنانية مسيحية وليعذرني اخي نجاح على هذا.


* روائي من العراق يقيم في تونس

 

www.safsaf.org