المفكر الأمريكي بول كينيدي في حوار تنشره "الخليج" بالتزامن مع "الأهرام":
المفكر الأمريكي بول كينيدي : أمريكا تمر بحالة خطيرة من التوسع الاستعماري
حاوره في جامعة ييل الأمريكية - عزت إبراهيم:

بول كينيدي أحد أشهر المؤرخين المعاصرين على المستويين الأمريكي والعالمي خاصة بعد صدور كتابه الأشهر صعود وسقوط القوى العظمى الذي صدر في أواخر عام 1988 مثيراً ضجة دولية يندر تكرارها لكتاب آخر بعد أن توقع مرور الامبراطورية الأمريكية بمرحلة انحسار بحلول عام ،2010 إلا أن الرجل لم يتراجع ويواصل التحذير من التوسع الاستعماري الأمريكي الذي لا بد أن يعرض القوة الاقتصادية الأولى للإرهاق تحت وطأة الإنفاق العسكري غير المحدود. وبلغت مبيعات الكتاب مليوني نسخة وترجم الى 23 لغة من بينها العربية، كما حقق كتابه الثاني الاستعداد للقرن الواحد والعشرين  الذي أصدرت مؤسسة الأهرام طبعته العربية قبل سنوات  نجاحاً كبيراً آخر، أما أحدث أعماله فهو برلمان الانسان: ماضي وحاضر ومستقبل الأمم المتحدة.جرى اللقاء بالمفكر بول كينيدي في منزله بمدينة نيو هيفن بولاية كونيكتيكت حيث يقوم بالتدريس في جامعة ييل الشهيرة منذ سنوات طويلة وهي الجامعة التي تخرج منها آخر ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة، وكان معه الحوار التالي الذي تنشره الخليج بالتزامن مع الاهرام: منذ إطلاقك مصطلح التوسع الاستعماري يحاول خبراء السياسة والعلاقات الدولية والتاريخ القياس على ما انتهيت إليه من دراسة الامبراطوريات الاستعمارية السابقة على مدى القرون الخمسة السابقة فيما يتصل بمستقبل القوى العظمى الوحيدة في عالم اليوم  الولايات المتحدة. هل تستشعر خطر المغامرات العسكرية الأخيرة التي تقوم بها الولايات المتحدة في مناطق عديدة من الكرة الأرضية؟
 نعم، منذ ظهور كتاب صعود وسقوط القوى العظمى في الثمانينات والكثيرون منشغلون بإثبات ما انتهيت إليه في الكتاب عن تراجع القوى الكبرى من تأثير الإنفاق العسكري غير المحدود، وقد تعرضت لهجوم هائل من قوى اليمين الأمريكي المحافظ في سنوات التسعينات لأنهم اعتبروا الأداء الاقتصادي غير المسبوق للولايات المتحدة في هذه الفترة بمثابة هدم لما توصلت إليه. لقد استيقظت ذات يوم لأجد صحيفة كبرى تحمل العنوان التالي جورج شولتز وزير الخارجية يقوم بجولة في ست دول آسيوية لدحض نظرية بول كينيدي، لو كان هؤلاء يقرأون جيدا لأدركوا إنني كنت أعني خطورة الميل أو التوسع الاستعماري الأمريكي على الأمة الأمريكية بحلول عام 2010 ولو استمعت إلى جنرالات الجيش الأمريكي تعرف أننا في عملية توسع استعماري فعلية.
وهناك بعدان في هذه المسألة: الأول التوسع العسكري خاصة في العراق والثاني التمدد المالي والإنفاق غير المحسوب في ظل عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري، ونظريتي تقول ان القوى الاقتصادية تسير يدا بيد مع القوى العسكرية، فإذا أصبح اقتصادك أقل تنافسية فإن ذلك يعني في المدى البعيد  عدم القدرة على الحفاظ على الوضع العسكري المتميز عالمياً. إن خطورة التوسع الاستعماري مسألة ظاهرة للعيان ولو استمرت أمريكا في الاحتفاظ ب200 ألف جندي في العراق وأعداد أخرى في أفغانستان وآسيا الوسطى وكوريا ومناطق أخرى فإننا سوف نشهد هذا التمدد الكبير، وأعتقد أننا نعيش هذه الحالة اليوم.
الشرق الأوسط والجماعات الدينية

 

 من آرائك أن منطقة الشرق الأوسط مستعصية على الحل فيما يتعلق بالتوافق مع تيارات التحديث التي يموج بها العالم، وقلت ان النظم الاجتماعية والمعتقدات تسير في اتجاه مضاد للاتجاهات العالمية وأن صراع الدين والسياسة يلحق أكبر الضرر بفرص التقدم، هل ترى مشروع التحديث مسألة غير قابلة للتحقق من قراءتك للتاريخ؟
 هي مسألة صعبة بالفعل من قراءة التاريخ، وأريد توضيح أن الغرب نجح في تطوير صيغة مدنية علمانية ذات طابع مجتمعي بعيدة عن المعتقد الديني والحياة الخاصة للأفراد، نعم هناك ما سمي بالدين القومي مثل كنيسة انجلترا أو الكنيسة اللوثرية ولهما المكانة الخاصة، إلا أن مساحة العلمانية والحياة المدنية اتسعت دون أن يعني ذلك معاداة الدين، أن هذا المجال الأوسع للحياة المدنية هو الذي سمح للمجتمعات الغربية بالتغير دون إعاقة من السلطة الدينية أو اعتبار أصحاب الأعمال الجدد أعداء للدين، ويمكن اعتبار هولندا أوضح مثال على ما ذكرته، ففي القرن السابع عشر خاضت هولندا الشديدة البروتستانتية حربا لمدة 80 عاماً ضد أسبانيا الكاثوليكية لكنها تحولت إلى الفصل بين النظام التجاري المدني العلماني والدين وهو الأمر الذي أسهم في ظهور أفضل نظام مصرفي ومالي في أوروبا وأيضاً واحد من أعظم الأساطيل والشركات التجارية عبر البحار.
ولا شك ساعد هذا الفصل الغرب على تحقيق تقدم على سائر مناطق العالم، لقد انتهت قيود الكنيسة على فوائد الإقراض المالي بحلول عام 1600 وتحررت التعاملات المالية والاستثمارية من قيود الكنيسة وأخذت الضرائب شكلاً جديداً حيث يدفع الفرد أو الشركة للدولة التي تقوم بدورها بدفع مجرد رواتب لرجال الدين، لقد كان هناك نظام اقرب إلى ذلك في مناطق من الشرق الأوسط إلا أن هناك من أصر على عدم الفصل بين الدين والتعاملات التجارية، النموذج الحديث يتمثل في دبي وأبوظبي حيث لا يوجد تعارض بين ان يكون المرء مسلماً متديناً ورجل أعمال أو مصرفيا أو مستثمراً ناجحاً في الوقت نفسه، الشرق الأوسط يجب أن يتحرر من سطوة مثل هذه الجماعات الدينية التي تعوق قيام أنظمة حديثة.
التعالي الثقافي
 رؤيتك عن التحديث في الشرق الأوسط تقودنا إلى مشروعات الترويج للديمقراطية في المنطقة العربية، كيف ترى الجهود الأمريكية في هذا الاتجاه، وما الذي يمكن أن تفعله المجتمعات العربية لإجراء تحديث تدريجي فعال بعيدا عن صخب الدعوة  فقط  لانتخابات حرة طوال الوقت؟
 الطريق مليء بالصعوبات والكثير من التعالي الثقافي، البعض يقول إننا أفضل من وضع النظم الديمقراطية في العالم وأفضل من حل المعضلات الدستورية والسياسية، كل ما عليكم فعله هو الاقتداء بالنموذج الأمريكي، أنا لا أتفق مع مشروع الترويج للديمقراطية في سائر أنحاء العالم وصديقي هنري كيسنجر لا يفضل الفكرة على الإطلاق، فهو يتفق معي في أن أفكار تيار المحافظين الجدد التي تروج للديمقراطية من السعودية إلى الصين غير قابلة للنجاح، إن ما تحتاجه المنطقة يتمثل في السلام والاستقرار ومنح الأفراد الفرصة لتحقيق طموحاتهم، ونظام تجاري قوي ونظام قضائي صارم ومحاكم بعيدة عن الفساد وجهاز شرطة غير فاسد.
ربما يبدو الأمر بعيداً عما تعنيه الديمقراطية إلا أن الاقتصادي العظيم أدم سميث في القرن الثامن عشر وضع الصيغة المثلى لتطور النظام الاقتصادي الغربي حيث قال إن المجتمع يحتاج إلى الاستقرار وقدرة رجل الأعمال على توقع إمكانية الاستثمار في مجالات يصعب التوقع بشأنها، واحترام القانون، إن تحقق الشروط الثلاثة السابقة هي البداية للمضي قدما في الإصلاحات الأخرى، انجلترا لم تكن دولة ديمقراطية في القرن الثامن عشر حيث كان 10% من الرجال يصوتون لانتخاب البرلمان، لقد كان هناك نظام برلماني ونظام تمثيل إلا انه لم يكن ديمقراطيا بينما على الجانب الآخر نجحت في تأسيس قانون تجاري سليم حيث لم يعد في مقدور الملك جورج الثالث مصادرة شركات الشحن أو غيرها، أي هناك حماية بموجب القانون وهو ما يشجع أكثر على الاستثمار، وهذا هو النظام القانوني الموثوق فيه، بعد ذلك تنمو الطبقة الوسطى ويمكن أن تطالب بالمزيد من الحقوق السياسية.
وأنا لا اتفق مع التصور الأمريكي الساذج أن نشر الديمقراطية هو الإجابة السهلة لكني أقول إن الاستقرار ورفع مستوى الرفاهية والنظام القانوني القوي القابل للتوقع هي الشروط الأولية للتطور، ويمكن أن تأتي الديمقراطية بعد 20 عاما، ولو أن أمريكا تعني بالديمقراطية صوت واحد لناخب واحد دون النظر للعوامل الأخرى فإن الأمر سينتهي إلى الفوضى، وهو ما يحدث في حالة وجود أغلبية الثلثين من الشيعة، مثلا، والثلث من السنة أو الثلثين من البروتستانت والثلث من الكاثوليك، فلو أن الأمر هو تصويت الأغلبية على حساب الأقلية فإن الأمر سيسبب ذعرا لدى أو الأقلية وهذا ما حدث في يوغوسلافيا السابقة بين الصرب والبوسنة، وواضح أن الديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى مذابح عرقية.
حوار مع الاعتدال
 هل تتفق مع من يرددون أن الغرب أمامه خياران وحيدان اليوم إما مهادنة الإرهابيين أو محاربتهم، ألا يوجد طريق ثالث للتعامل مع الأزمة العالمية الراهنة؟
 أنا مقتنع تماماً بضرورة وجود طريق ثالث لكن المهادنة التامة تعرض المواطنين للخطر، خاصة في ظل الغضب من السياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، في المقابل فإن الاستمرار في حرب دائمة عبر الحدود وفي الشوارع الخلفية للمدن أمر لا جدوى منه، والطريق الثالث هو التوصل إلى حوار دائم مع القوى المعتدلة في أي بلد أو مجتمع يتأسس على مبدأ أن الأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب إلى التطرف يمكن أن تكون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة أو التمييز وهو ما يتطلب توفير أدوات متنوعة للتعامل معه، لو أن لديك اليوم 4 ملايين مسلم يعيشون في مناطق منعزلة جيتو حول مدن مثل باريس أو مارسيليا يعانون من تردي أحوال المعيشة والفقر والبطالة المرتفعة، بالإضافة إلى النظرة المتدنية من السكان المحليين لهم فإن ذلك يخلق حالة من الحنق، وهذا الحنق لا يترجم فوريا إلى إرهاب، لأن ذلك يحتاج إلى عامل إضافي وهو التوظيف الملتوي للدين، واحد من أعظم الأمثلة في هذا الإطار ما فعله رئيس الحكومة البريطانية اللورد بالمرستون عندما سئل عن رأيه بالغضب والفوضى الشعبية التي عمت باريس بين عامي 1830 و 1848 بالقول تخلص من أسباب المشاعر الغاضبة أولا وهي نقص الأمن والطعام والتعليم والوظائف علما بان الرجل عرف عنه الصرامة الشديدة التي تصل إلى حد القسوة، وقال إن القضاء على هذه الأسباب يؤدي إلى تقليل أعداد العناصر الراديكالية إلى أقل عدد ممكن.
إن القضاء على أسباب الغضب يحتاج فترة أطول من الوقت ويمكن أن تحدث انتكاسات، على سبيل المثال، منح رجال الدين وقادة المجتمع وقيادات الشرطة في بريطانيا اهتماما في الأعوام الأخيرة لمسألة الاندماج العرقي في المدرسة إلا أن ذلك انتهى إلى حالة من الإحباط في العام الأخير، توجد مجالس للشكوى ضد التمييز في بريطانيا إلا أن حملات الاعتقال في أغسطس وسبتمبر أشارت لقادة المجتمع أن مجهوداتهم، على الأرجح، ليست كافية أو أن الدعوة إلى الجهاد صارت تحمل إغراء أكبر بين بعض الصغار من المسلمين في بريطانيا، الطريق الثالث يمكن أن يجمع ما بين كل من الدبلوماسية في المستويات العليا والتفاعلات مع القواعد الجماهيرية.
 كيف تحكم من واقع خبراتك مع التاريخ على ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية في العراق؟
 إنني أميز بشكل قاطع بين رد الفعل الأمريكي تجاه حوادث سبتمبر الإرهابية وقرار الذهاب وراء القاعدة وطالبان وبين قرار الإطاحة بصدام حسين من الحكم، وأعتقد أن الولايات المتحدة كان يمكنها القيام بعملية احتواء أكبر لصدام بالمقارنة بما حدث معه في الماضي إلا أن المحافظين الجدد قادوا جورج بوش في اتجاه خاطئ، والمحافظون بدورهم وقعوا في فخ قيادات المعارضة العراقية في الخارج من نوعية أحمد الجلبي الذين أكدوا أن أمريكا ستلقى كل الترحيب من الشعب العراقي في الوقت الذي لم يعط هؤلاء للجماعات المتطرفة الشديدة العداء لخصوم الإسلام، من وجهة نظرهم، الاهتمام الواجب، دخلت الإدارة الأمريكية حرب العراق بخلفية شديدة الضحالة عن تاريخ العراق والدين.
بوش لا يبالي
 هل يمكن أن تخرج علينا الإدارة الأمريكية والرئيس بوش في المستقبل القريب لتعترف بالخطأ عن الحرب في العراق؟
 في حالة الإدارة الحالية أعتقد أن الاعتراف بالخطأ مسألة مستبعدة تماما، وهو الأمر الذي يثير تعجبي لأن الزعيم الحقيقي ونظام الحكم الناضج يمكنهما أن يعلنا للناس نعم لقد كنا على خطأ، لقد قللنا من شأن هذا الأمر وفشلنا في سياستنا، وعلينا أن نفكر من جديد وننفذ ما هو أفضل، أعتقد أن غالبية من الأمريكيين سوف يظهرون سعادتهم لو خرج عليهم بوش معترفا بالمبالغة في التفاؤل إزاء العراق، ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن المثل الأعلى لجورج بوش من الساسة العالميين هو ونستون تشرشل أعظم رؤساء الحكومات في تاريخ بلاده والذي لم يتردد في الذهاب إلى مجلس العموم البريطاني في غمرة الخسائر الفادحة في الحرب العالمية الثانية معلنا عن الهزيمة واعتزامه احداث تغيير في السياسات، لم يتصرف تشرشل مثلما يفعل بوش اليوم ويقول: أوه إن كل شيء يسير على ما يرام ونحقق النصر في العراق. واقع الأمر أن قليلين خارج الولايات المتحدة يصدقون ما يذهب إليه بوش، ونسبة أكبر من الأمريكيين بدأوا يغيرون من وجهات نظرهم بشأن السياسة الحالية في العراق بينما رئيسهم لا يبالي ولايستطيع الإقرار بأنه ارتكب خطأ كبيرا.
 هل السياسة الأمريكية الحالية في العراق تعود إلى الطابع المتشدد لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي أم إلى الاستقطاب الشديد على الساحة السياسية الداخلية بين الديمقراطيين والجمهوريين التي تعتبر في أعلى حالاتها حالياً؟
 الأمريكيون لا يحبون الاختلاف حول السياسة الخارجية أو الحروب الخارجية، ويمكن أن تعاين الملصقات على سيارات الأمريكيين التي تقول ساندوا قواتنا، المرة الأخيرة التي انقسم فيها الأمريكيون حول السياسة الخارجية كانت أثناء حرب فيتنام، وكل الأمريكيين رفضوا هذا الانقسام لأن الأسر انقسمت حول الأمر والأكاديميون توقفوا عن التحاور فيما بينهم، الأمريكيون أيضا يفضلون تقديم الكثير من الدعم للرئيس لأنه رئيس الأركان فضلا عن منصبه، ولو استمرت حرب العراق دون إحراز تقدم حقيقي فإن التأييد للبيت الأبيض والأجندة الجمهورية سوف يتراجع كثيرا، ويبدو لي أن الرئيس بوش سوف يستمر على هذا الأداء ويترك الأمر لمن سيأتي بعده ليقوم بسحب القوات من العراق، وخليفته هو الذي سيتحمل كل اللوم في حال اتخاذه قرار الانسحاب وسيتهم بالضعف والتساهل وانه لم يستطع الاستمرار في مواجهة الموقف، وهو الموقف نفسه الذي نعتبره اليوم يسير في الاتجاه الخطأ، لقد صرح دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي مؤخرا بأن الوجود العسكري في العراق سيستمر حتى إتمام المهمة وهو ما يعني المزيد من الضحايا والمزيد من التوسع الأمريكي.
دولة العراق انتهت
 نخشى في العالم العربي أن تختفي دولة العراق قبل الوصول إلى تلك النقطة؟
 أعتقد أن الدولة في العراق قد انتهت لأنني لا أستطيع تخيل كيف يمكن تجميع الجماعات العرقية والدينية معا من جديد، خاصة الأكراد في الشمال، للاتفاق على إدارة الدولة، وأقصى ما يمكن الاتفاق بشأنه وحدة دستورية شديدة التفكك وليس وحدة حقيقية أو اتحادا فيدراليا يدار من بغداد، وربما هذا الحل هو أفضل ما يمكن لأمريكا التوصل إليه ولكن كيف في ظل حرب أهلية.
 تبدو الأمم المتحدة منظمة عديمة الجدوى وإصلاحها، خاصة مجلس الأمن الدولي، مسألة خيالية رغم الآمال التي عقدتها شعوب عديدة على المنظمة العالمية، هل نحن متفائلون أكثر من اللازم بشأن الأمم المتحدة؟
 سأضرب مثالاً بسيطاً لإظهار الجدل القائم، غلاف الطبعة الأمريكية من كتابي الأخير يختلف تماماً عن غلاف الطبعة البريطانية، الأولى تؤكد في معناها على فكرة التعاون الدولي والمثالية المفترضة في المنظمة، والغلاف الثاني يعكس حالة التباعد والشد والجذب وأننا نحمل مجرد أمل في السلام والرفاهية، لكننا واقعيون أيضاً. هناك دول كبرى في الأمم المتحدة وعندما تتفق هذه الدول على فعل شيء ما تقوم به والاختلاف يجمد أي فعل ممكن، وقد حدث الاختلاف أثناء الحرب الكورية، أمريكا والصين وروسيا لديهم القدرة على التصرف المنفرد المستقل دون أن يستطيع الآخرون فعل شيء بشأنه، فلا فائدة من مطالبة الصين بتغيير سياستها في التبت أو دعوة الرئيس الروسي إلى التعامل بشكل مختلف مع الشيشان فهما يعتبران ذلك شأنا داخليا، إن الأمم المتحدة هي كبش الفداء الذي اخترعته الدول الكبرى ولو لم تكن موجودة لصنعناها اليوم.
 لكن المجتمع الدولي في حاجة إلى منظمة مركزية أو لاعب دولي حقيقي؟
 بالفعل، لكن ما يجب أن نسعى إلى تحقيقه هو الوصول إلى نصف المسافة، أعني إنجاز الحل الوسط ما بين النظرة المثالية والواقعية، فلا يجب التشاجر طوال الوقت لأن الأمم المتحدة لن تصبح مثالية أو نموذجية في يوم من الأيام، فعلى القارئ أن يكون واقعياً يعرف أن الأمم المتحدة ربما تحقق تقدما محدودا أو لا تحقق أي شيء في الأغلب لسطوة فيتو الدول الكبرى، فمجلس الأمن لا يمكنه اتخاذ قرار بشأن إقليم دارفور لأن الصين لديها اعتراضات على التدخل بينما يمكن للمنظمة العالمية النجاح في حالة لبنان لو تمكنت من تجميع 15 ألف جندي من حلف الأطلسي والأمم المتحدة وفي حالة التزام إسرائيل وحزب الله بوقف إطلاق النار.

www.safsaf.org