فَضُّ الاشتباك بين الانتصار والهزيمة

لا بأس بقوائم باسماء مثقفي الهزيمة

د. عادل سمارة

http://www.kanaanonline.org/articles/00931.pdf

 

 

بعد أن شغلت المقاومة الإسلامية شاشة القتال، تحتل اليوم شاشة الجدال. وفي حين أن ما أنجزته يفترض الاصطفاف الطوعي والعفوي ورائها، فإن من جادلوا في النصر القتالي ما زالوا يرمون المقاومة بحجارة الهزيمة في محاولتةمستميتة لإبقاء الأمة في رحم الهزيمة العاقر من جهة الانتصار.

وليس هذا أول انقسام بين المثقفين في الوطن العربي، بل إن الانقسام حتى إلى هذا الحد الحدِّيْ هو الطابع العام والدارج والطبيعي. إنه تعبير عن حدود تبلور المجتمع العربي والاستقطاب فيه. لذا، فحدوثه أمر صجي لأنه يشي بأن التركيب الاجتماعي الطبقي في الوطن العربي يتصف بالتقاطب الذي لا بد سيفعل فعله في مشروع النهضة العربية المرتقب.

هو خلاف وانقسام طبقي لا بد أن يكون المثقفون جزءاً منه، لا بل هم محركه الرئيسي أو على الأقل هم شعرائه كما كان الشعراء سابقاً هم إيديولوجيو القبائل. وكما كان حسان بن ثابت شاعر الرسول الكريم.

إن طهارة المقاومة ودماء شهدائها وبطولات عناصرها لا علاقة لها البتة بالتصور الرومانسي لدى الطبقات الشعبية التي تفترض أن يقف الكل وبالمطلق مع هذا الشرف. هناك أدوار أخرى ومصالح أخرى لا بد لأصحابها أن يكونوا خارج الإجماع، وحتى خارج الوطن، ونحن اعتدنا على هؤلاء طوال تاريخنا الحديث، فمن السذاجة نسيان ذلك. فالطبقة المتخارجة يتخارج معها مثقفوها بالضرورة، بل هم الذين يضعون الفرش الفكري لتبرير تخارجها.

يقف هؤلاء المتخارجون ضد المقاومة وضد الانتصار، ويصرون على تصويره كهزيمة، وإذا ما عجزوا عن ذلك، فإنهم يعملون على تفويت فرصة استثماره ليكون مجرد حدث عابر لا يؤثر على المصير المحتوم للوطن العربي، مصير الهزيمة الأبدية المتوخى لديهم. ألم يُفرغ هؤلاء انتصار مصر في أكتوبر 1973 خلال عملية الانتصار نفسها، وما جاء بعده من مفاوضات كان أخطر؟ ألم تمد أميركا آنذاك جسراً جوياً من القنابل الغبية، وهذه المرة من "الذكية"؟

 

لا يكتفون بالتقييم الصادق

إلتقط منظِّرو الهزيمة قول السيد حسن نصر الله، بأنه لو كان يعرف أن رد العدو سيكون بهذا القدر لما عملت المقاومة على أسر الجنديين، وانطلق هؤلاء من اعتبار هذا الحديث إقراراً بعدم الانتصار، مع العلم أن لا علاقة قط بين هذا القول وبين مجريات الحرب ونتائجها. وباعتقادي أن السيد كان متواضعاً أبعد من الضروري بكثير. كان أفضل لو وضع النقاط على الحروف ليقول، لم نعتقد أن الرد سيكون أميركيا بامتياز، وأوروبيا بامتياز ومن مجلس الأمن بامتياز ومن أنظمة عربية بامتياز، وأخيراً من مثقفين عرب بامتياز ايضاً. لا نسوق هذا للمبالغة، لكن القتال كان بين المقاومة والعولمة بمركزها ومحيطها، نعم "لقد أتتك قريش بقضها وقضيضها". وإذا لم يكن قد جال بخاطر المقاومة وسيدها أن كل هؤلاء ضد المقاومة، فكان يجب الاستنتاج لاحقاً والقول، نعم لم نتصور أن كل هؤلاء سيقفون هكذا ضدنا، لأن هذا ما حصل!

في التحليل النظري وبالاستنتاج المنطقي، كان قد وصل الكثيرون من المثقفين العرب أن كثيرا من الأنظمة العربية تتمنى لو تغمض عينيها لتفتحهما فتجد أن لا مقاومة في وطن المحيط والخليج. ليس غريباً، ألم يحلم اسحق رابين بأن يبتلع البحر غزة؟ ألم تقف أنظمة عربية عديدة ضد العراق وتشارك في دماره؟ فلماذا لا تقف ضد المقاومة. وفي التدقيق الفعلي يعرف من يفعل أن المركز الراسمالي هو الذي يقاتل هذه الأمة منذ هيمنة نمط الانتاج الراسمالي في الغرب.

تشير تقديرات وحتى مؤشرات عديدة، أن اسرائيل لم تكن بصدد توسيع نطاق الدمار ولا مواصلته. ولكن الولايات التحدة والاتحاد الأوروبي اصرا على مواصلة الدمار وتوسيعه. فالأمر متعلق هذه المرة بتجريد المركز الراسمالي من تفوقه المطلق في الزمان والمكان.

هناك احتكاران لا يتنازل عنهما المركز الرأسماي باي ثمن: احتكار المعرفة العلمية المعلوماتية (أل نو-هاو) know-howالمدني والعسكري. لذا، فإن تفوق مقاتلي المقاومة في الميدان اثار الجنون التدميري للمركز، فأصر على امتطاء الحصان الصهيوني إلى أن انهار في ميدان السباق. وإذا كانت قيادات الكيان لا تقول ذلك بملىء الفم، فإنها تلمح به.

كان لا بد لقيادة مركز العولمة أن تحقق نصراً ما، وكان لا بد لهذا النصر أن يتطابق مع عقيدتها، اي الدمار. أليس "التدمير الخلاق" من عقيدة الراسمالية؟ أما هذه المرة، فهي قامت بالتدمير لتقوم المقاومة بالخلق. وسيكون الخلق هذه المرة هو بالاقتناع أن الحرب ليست الآن ولم تكن قط سابقاً مع إسرائيل وحدها، ولن تكون في المستقبل.

إذا كان مثقفو التسوية من المحيط إلى الخليج، يقيسون الانتصار بقدر الدمار، فإن الطرف الآخر هو المنتصر بامتياز تماماً كما انتصرت أميركا بضرب هيروشيما وناجازاكي. لكن الفارق أن لبنان المقاوم ليس اليابان الحالية. اما إذا ما جرى التقييم بمقارنة ماكينة الدمار مع طاقة المقاومة البشرية، فقد هُزمت تكنولوجيا الدمار أمام تكنولوجيا بسيطة وعقيدة صلبة.

ولا نعتقد أن الذين يمجدون الدمار مقتنعون بما يقولون، حتى لو رفعوا عقيرتهم في النقاش واحمرت وجوههم وانتفخت أوداجهم، فهذا التمثيل وأكثر منه ممكن طالما ورائه شيكات كثيرة.

قد لا يكون دمار الضاحية الجنوبية اكثر من دمار فيتنام، او لينينغراد، فلماذا أعتبر الدمار هناك هزيمة للنازي وللأميركي وهنا لا؟ أم أن علينا إلتماس العذر للمثقفين بحكم الوظيفة؟

يردد بعض المثقفين والساسة العرب بأن بعض العرب تعبوا من إعادة بناء لبنان؟ ربما؟ ولكن حتى هذه التبرعات، وبغض النظر عن أنها الحد الأدنى في تأدية الواجب ودفع الضريبة، فهي كسلوك، جزء من نظرية سادة راس المال : "التدمير الخلاق" اي تدور ضمن معادلة التوسع الراسمالي ليس أكثر.

وابعد من هذا، هي تدور كذلك في معادلة تحريك "الأموال الكسولة". فالارصدة العربية المكدسة في مصارف المركز الراسمالي بحاجة لتشغيلها، وبما أنها لم تُستثمر في تطوير الزراعة في السودان ولا الصناعة في مصر، فلا باس أن يتم بها إعمار لبنان الذي هو أجمل بالمقاومة على اية حال.

قد يجوز لنا سماع ما يقوله العالم غيرالرسمي بشأن، الإنتصار والهزيمة. فقد اعاد انتصار المقاومة للعرب صورتهم الإنسانية بل ورفعهم إلى مقام البطولة لدى الشعوب المغلوبة على أمرها والطبقات الشعبية في العالم، واصبحت المشاركة، اية مشاركة في معركة الوطن العربي مع العولمة شرفاً لشباب وشابات العالم. فهل لهؤلاء مصلحة لدى حزب الله؟

ليقل كل ما يرى، ولكن العبرة في ما هو آتٍ. فعرب الهزيمة لن يتسامحوا مع هذا الانتصار. لقد قدموا وسيقدموا نصراً لإسرائيل وللولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كتعويض عن هزيمة الميدان. وهذا النصر هو تجريد كل القوة الممكنة للجم المقاومة وخلعها. لمنع تحول حزب الله إلى ظاهرة قومية شاملة، لمنع اتساع نطاق المقاطعة ومناهضة التطبيع والاستهلاكية.

ولكي لا ينجحوا في تحويل الانتصار إلى حدث عابر أو نتوء بياني في منحنى هابطٍ بالمطلق، لا بد من استراتيجية شاملة لمواجهة المرحلة المقبلة. لا شك ان المقاومة هي عنوان اساسي فيها، ولكن لا بد من تحليل واستنطاق شعار المقاومة، سواء بتوضيح وتأكيد أن الحرب لم تبدأ ولم تنتهي فهي متواصلة ضد الأمة العربية، وبأن من يشن الحرب هو الغرب الراسمالي وأن إسرئيل هي أداة مستجدة وملحقة. وأن مناهضة التطبيع ومقاطعة منتجات العدوان هو واجب يومي كالصلاة بالنسبة لكل عربي. إن كل من يتغنى بصمود المقاومة لا يخدمها إذا لم يتحول إلى موقف عملي.

تقوم الدول الوظيفية العربية بحرب أهلية شاملة ضد الأمة. وضمن ذلك تجدد قوائم اسماء المناضلين وتوسع لهم الزانزين. فلماذا لا تقوم مواقع الانترنيت الشعبية بنشر قوائم باسماء أعداء الأمة ولا سيما المثقفين العرب في خدمة الآخر (العدو) وحتى مثقفين غير عرب (اسم الكاتب وعنوان مقاله)، وأسماء مستوردي بضائع العدو...الخ. فلا يكفي ان نعرف اسم هذا الحاكم أو ذاك وهذه الدولة أو تلك.

الآراء الواردة في المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع أو محرري "كنعان".
عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى "كنعان".
يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان "كنعان" الالكتروني: mail@kanaanonline.org

www.safsaf.org