بابا الفاتيكان بين الجهل والإساءة!
فؤاد الحاج
عودتنا أيام بوش المعدودة في إدارة الشر الأمريكية أنه بين فترة وأخرى يطل علينا بأكاذيب وروايات مفبركة عما أسماه "أساحة الدمار الشامل في العراق"، وعن علاقة الرئيس صدام حسين بما أسماه بتنظيم القاعدة" والأخطر من ذلك إعلانه "الحرب على الإسلام والمسلمين" بحجة ما يسميه "محاربة الإرهاب" وبعد انكشاف تلك الأكاذيب وآخرها ما أعلن عنه كما أوردت الأخبار من "الكونغرس" حول عدم صحة ما قيل عن علاقة النظام الوطني العراقي ورئيسه صدام حسين بـ"تنظيم القاعدة"، وبين كل تلك الأكاذيب طلع علينا بوش الصغير وعصبة إدارة الشر الأمريكية وأتباعهم أمثال بلير وهاوارد بما أسموه "نشر الديمقراطية والحرية في العراق، وأن العراق دون صدام حسين أفضل"!!، وتشهد على تلك "الديمقراطية والحرية الأمريكية" "السجون الطائرة" و"سجون أبو غريب وغوانتامو"!! وبين هذه الأكاذيب والافتراءات يطل علينا هذا البوش وعزيزته (كوندي) وأمثالها بين الحين والآخر بهجومات مركزة على الإسلام والمسلمين وما أسماه "الحرب الصليبية" ثم يعتبر ذلك "زلة لسان" فيقيم حفل إفطار لجماعة من المسلمين في البيت الأبيض فينسى أولئك "زلة لسانه"!!.. ويغض البعض طرفه عن تصريحات بوش وفي مقدمتهم معظم الذين يسمون مسؤولين ومفتيين وأصحاب مراجع دينية إسلامية على مختلف أوجههم!!، من هنا يمكن القول أننا تعودنا على "زلات لسان" بوش الصغير التي أصبحت مألوفة لكل متابع لمجريات الأوضاع في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي لبنان وفي السودان حيث بات هذا البوش يهاجم الإسلام والمسلمين مرات عدة في العام الواحد دون أن يثير ذلك أي من تلك المراجع الدينية إلا بعض المشايخ الذين لا يولون أي منصب في أي دار إفتاء في بلاد العرب والمسلمين، وآخر ما جاء على لسان هذا البوش ما أسماه "المسلمون الفاشيون"!!. وفي كل مرة نقول أنه ليس على الجاهل حرج، لأن أيام بوش الصغير في إدارة الشر الأمريكية معدودة، ولعل شعوب أمريكا تختار رئيساً أفضل منه يعمل فعلا لصالح أمريكا وشعوبها كما لصالح البشرية، لأننا نؤمن إيماننا مطلقاً أن أمريكا ستكون أفضل بكثير من دون بوش وعصبة الشر التي تحكم أمريكا الآن، وأن أي رئيس أمريكي غير بوش ومهما كانت خلفيته وجنونه سيكون أفضل من بوش الصغير هذا وإدارته الشريرة..
وبالأمس القريب قامت ضجة كبرى على صحيفة دانمركية هاجمت بالصور الكاريكاتورية شخص الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، وفسر ذلك يومها بأنه جهل بالدين الإسلامي وبشخص الرسول الكريم، وبأنه يمكن أن يكون بدوافع عنصرية حاقدة يغذيها اللوبي الصهيوني في الغرب كله، وقبل ذلك وبعده كتب أعداء الإنسانية الكثير مما لا مجال لذكره ضد الإسلام والمسلمين وغايتهم من ذلك تفتيت المجزأ أكثر مما هو مجزأ وفي النهاية برأيي أن الحملة ضد الإسلام والمسلمين يقصد منها العرب ومفهوم القومية العربية بشكل عام، وأن تلك الحملة ستبقى مستمرة إلى ما شاء الله، طالما بقي الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، على الرغم من أن الإساءات للإسلام والمسلمين في أحيان كثيرة تأتي من بعض مدعي الانتماء إلى هذا الدين الحنيف، وهذا يحتاج لبحث مطول.
أما أن تأتي الحملة أو السقطة الكبيرة من مرجع ديني مسيحي ألا وهو بابا الفاتيكان الذي يعتبر أعلى مرجعية دينية مسيحية عند الكاثوليك في العالم كله، فهذا لا يمكن استساغته، كما لا يمكن التغاضي عنه، ولا يجوز تبريره بأنه إساءة فهم من المسلمين لكلامه كما قيل في عدد من المقابلات في بعض الفضائيات.
فالإسلام كدين سماوي واضح وصريح ولا يحتاج إلى مفسرين أو مترجمين لما ورد في القرآن الكريم، فهو معروف بنصوصه القرآنية والنبوية، وبالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المشرف، وهو معلوم بالتراث الضخم من كتب علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأحكام والتشريع وغيرها.
لذلك يمكن القول والتأكيد بأن بابا الفاتيكان لا يمكن أن يكون جاهلاً بالإسلام، وبالديانات الأخرى، إذ لا يمكن لمن اختير لهذا المنصب، ولمن خصص عمره لدراسة الديانات - كما قيل - أن يكون بهذا الجهل، وأنه لا يمكن لأحد أن يصدق أن بابا الفاتيكان يجهل الإسلام، وأنه أسيء فهمه من قبل المسلمين!!. كما يمكن التأكيد بأن ما قاله بابا الفاتيكان حول الرسول العربي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحول الإسلام والمسلمين لا ولن يكون سوى جزء من مسلسل أمريكي - صهيوني طويل، وهو بالتأكيد مقصود يأتي ضمن ما يسمونه "الفوضى الخلاقة" وهي بالطبع تعني "خلاقة" بالنسبة لهم، خاصة بعد الهزائم الأمريكية المتلاحقة التي تتعرض القوات الأمريكية الغازية في العراق وفي أفغانستان، وبعد علامات هزيمة القاعدة الصهيو-أمريكية في فلسطين العربية وفي حربها على لبنان.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن منصب بابا الفاتيكان أنه ليس مجرد منصب عادي لأن مكانته عالمية وتاريخية الأبعاد، فمنه تم تبرئة "اليهود من دم المسيح" عليه السلام، وذلك في منتصف عام 1994 إثر زيارة "اسحق رابين" لبابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني أو (جان بول الثاني) كما يود للبعض أن يطلق عليه، الذي تم في عهده التوقيع على أول اتفاق سياسي – ديني بين الفاتيكان والكيان الصهيوني في نهاية عام 1993، مما أدى إلى الاعتراف المتبادل بين الطرفين من جهة، وإلى تكريس اغتصاب حقوق الآخرين عبر الاعتراف بـ"الأمر الواقع"، أي بشرعية الاحتلال الصهيوني للأراضي والمقدسات الفلسطينية العربية من جهة أخرى، وذلك إثر "اتفاقية أوسلو". ولنا لهذا الموضوع عودة أخرى، لذلك يمكن القول أنه من غير المنطقي أن تترك قوى الشر العالمية هذا المنصب الذي يمثل الملايين من البشر روحياً كما أنه يتحكم بالمليارات وآلاف الشركات والمصالح الاقتصادية الشرعية وغير الشرعية، إضافة إلى تحكمه بملايين المراكز الدينية في العالم أجمع..
فالفاتيكان كما تبين أنه مخترق صهيو-أمريكيا، كما معظم المراكز العالمية من صندوق النقد والبنك الدوليين إلى باقي المحافل والمنظمات الكبرى والصغرى الأخرى في العالم مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلسها الأمني..
وأخيراً يمكن التأكيد بأن المشكلة تكمن في الذين يسمون بالمثقفين العرب وبالمستشارين وأصحاب الألقاب الأخرى في أنظمة الذل والهوان كما في باقي المؤسسات والتنظيمات والأحزاب التي يقال أنها جماهيرية وعربية لأنه من المفترض أن يتذكر كل هؤلاء هذه الحقيقة كما أنه عليهم أن يتذكروا أنه منذ زمن بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني الذي تم انتخابه أنه بولندي الأصل والفصل وأنه تم تعيينه في هذا المنصب بعد موت أو مقتل البابا الذي كان قبله والذي بقي في منصبه - حوالي الشهر تقريباً ثم وجد ميتاً في غرفته - من أجل حسم الصراع ضد الشيوعية في بولندا، وقد نجح في تحقيق أهدافه هناك. مع العلم أن البابا يوحنا بولس الثاني كان يحمل فكراً ايجابياً إزاء الأديان الأخرى وساهم في إنجاح حوار الأديان، وكان يعتبر كل متدين حليفه الاستراتيجي.
بعد وفاة البابا المنصرم، كانت أمريكا في أوج معركتها ضد ما تسميه الإرهاب، وهي الحرب التي تتخذها ذريعة لاحتلال العالم. لذلك نجح اليمين الأميركي والفكر المسيحي المتصهين في إيصال البابا الحالي إلى كرسي الحبر الأعظم في الفاتيكان، وهو المعروف بتزمته ورفضه للحوار بين الأديان وصهيونيته. أما بابا الفاتيكان الجديد فهو ألماني الأصل وهو من أسس عنصرية معروفة وكان له دور بارز في أيام هتلر في مجالات العسكر ثم تعرض لمرض فأعفي من الخدمة العسكرية وكلن يعرف عنه بأنه "يميني محافظ وهو ما أسهم في قربه لاحقاً من البابا يوحنا بولس الثاني الآتي من دولة كاثوليكية، هي بولندا، ترزح تحت الحكم الشيوعية وتتوق للتخلص منه".
إذا اقتنعنا بأنه مجرد صنيعة أميركية، فعلينا أن لا نصدق حتى اعتذاره، وأنه إذا اعتذر - ولا أعتقد أنه سيفعلها لأنه وضع في مأزق حرج أولاً فيما يخص منصبه وهيبته – وإذا فعلها فأنه سيكون دائما صنيعة أميركية وسيطلق مثل هذه التصريحات مرة أخرى متى تشعر قوى الشر أن مثل هذه التصريحات تخدم السياسات الاستراتيجية الصهيو-أمريكية.
فإذا لم يحاول الفاتيكان التخلص فوراً من النفوذ الصهيو-أمريكي بداخله فأنه سوف يتحول إلى مجرد أبرشية معزولة عن مسيحيي العالم وسجن سري جديد في أوروبا تابع للـ(سي آي أي)، فكفى ترديد كلمتي إساءة وجهل لأن الحقيقة واضحة وليست بحاجة إلى توضيح أكثر مما هي عليه الآن.