بحث اسرائيلي: مناهجنا تمنع التسوية مع العرب

تشيطن العرب وتجردهم من انسانيتهم

 

صالح النعامي

دلت معطيات بحث انجز في إسرائيل حديثاً على أن كتب التعليم الإسرائيلية حالت دون تحقيق السلام مع العرب. وحسب البحث الذي أعده الباحث الإسرائيلي ايلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا فأن كتب التدريس الاسرائيلية أشعلت طيلة نصف القرن الماضي جذوة الصراع الفلسطيني العربي، وكرست حالة الحرب، وحالت دون التوصل للسلام بين العرب واليهود. ووصف بوديا مناهج التدريس اليهودية ب " المنحرفة "، منوهاً الى أن هذه المناهج تتميز بطغيان الصورة النمطية والأفكار المقولبة حيال العرب، وزرع كراهيتهم في نفوس التلاميذ الإسرائيليين إلى حد الاستنتاج بأن ما جرى داخل جدران المدارس الإسرائيلية قد اثر إلى مدى بعيد في قرار الحرب والسلام لدى قادة الدولة العبرية. واشار البحث الذي جاء تحت اسم " الصراع" الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية العبرية" ، و الصادر عن مؤسسة مدار لدراسة الشؤون الإسرائيلية في رام الله، الى ان الكتب المدرسية الإسرائيلية رعت نوعاً من الصراع الصامت بين الطرفين وحافظت عليه، وقادت بطريق غير مباشر إلى اثارة الصراع المسلح. واكد بوديا، ان جهاز التعليم الإسرائيلي قد اختار النهج القومي الذي يخضع الماضي لاحتياجات الراهن والمستقبل على حساب الحقيقة والموضوعية في كتابة التاريخ بهدف خلق ذاكرة جماعية متميزة، منوهاً الى أن ثلاثة ارباع الكتب التي تستخدم في المدارس الإسرائيلية ليست مجازة ما يعني انكشاف التلاميذ إلى مواد اكثر خطورة. واكد الباحث أن كتب التاريخ الإسرائيلية التي اخضعها للبحث انشغلت بتعميق القيم الصهيونية ورعاية الأساطير والتمجيد بأبطالها ضمن صهر المهاجرين في بوتقة وذاكرة جماعية واحدة.
ولفت إلى أن تلك الكتب وصفت الصراع بطريقة تبسيطية أحادية الأبعاد ومشبعة بعدم الدقة إلى حد التشويه. وأوضح الكاتب أن هذه الكتب سعت لشيطنة العرب وتجريدهم من إنسانيتهم، ما أدى إلى ترسيخ صورة نمطية لدى الإسرائيليين الذين ظهروا دائماً بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوماً نحو التدمير".وحول تناول هذه الكتب لاول مواجهة مع المسلمين التي حدثت في المدينة المنورة، فان هذه الكتب تصف القبائل اليهودية في تلك الفترة بأنها " شريفة ومحترمة وشجاعة، بينما وصف العرب بأنهم ماكرون وخونة وبأنهم هزموا اليهود بالخدعة والمؤامرة ".ونوه الكاتب إلى ان تعابير مثل متوحش ومحتال ومخادع ولص وسارق وإرهابي، كانت كثيراً ما تستخدم في وصف العربي بينما ما يرتكب ضد اليهود يسمى عداوات ومذابح ومجازر بغية خلق صلة بين العرب وبين اللاسامية المتأصلة في تجارب التاريخ اليهودي في أوروبا، مشيراً الى أن العرب يوصفون بأنهم النسخة الحديثة من العماليق، ألد اعداء الإسرائيليين في التوراة. ويؤكد الكاتب أن كتب التدريس عززت عملية ابتعاد اليهود عن العرب، وهذا بدوره زاد من مستوى اسطرة الصراع وعزز الميل إلى تجريد العرب من انسانيتهم".. ونوه الكاتب إلى ان التحامل الإسرائيلي ضد العرب كان اسقاطاً للموقف اليهودي تجاه الغريب في الشتات. ويقتبس الباحث  قول الباحث اليهودي سيغريد ليحمان، الذي قال: "نحن كيهود نميل إلى رؤية العربي كغير اليهودي كأحد الاغيار، نحن كأوروبيين نراه آسيوي خصماً لتطلعاتنا القومية وكاشتراكيين نحن نراه كممثل لاشد انماط الرجعية سواداً".. وأشار بوديا، إلى أن ردة فعل غريبة جاءت في اسرائيل على زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حيث حرص كبار المسؤولين في الدولة على الدعوة الى  تعميق القيم الصهيونية على حساب ثقافة السلام. واقتبس من كلام الوزير التعليم السابق زبولون هامر قوله: "هناك زعماء عرب يظنون انهم ان لم يكونوا قادرين على القضاء علينا في ميدان المعركة، فإنهم سينجحون في فعل ذلك عن طريق عملية " السلام ". ويؤكد الباحث أن كتب التدريس الاسرائيلية تحاول ان تكرس قناعة مفادها ان السلام مع العرب " يهدد إسرائيل المهزوزة ويستلزم تحصين الناشئة بتقوية الوعي الصهيوني".. ويؤكد البحث انه عندما حاول وزير التعليم السابق اسحاق نافون احداث تقارب بين التلاميذ العرب واليهود داخل اسرائيل، لم يشارك في هذه الأنشظة الا 2% من المربين اليهود، منوهاً للموقف

الصارم للمؤسسة الدينية اليهودية الرافض لعقد مثل هذه اللقاءات،بحيث ان ذلك يثبت ان الذاكرة الجماعية لليهود كضحايا لمخططات الاضطهاد والابادة جعلتهم "سجناء ماضيهم الخاص".. ويؤكد الباحث أن الإسرائيليين كانوا يعرفون عن الإسكندينافيين أكثر مما يعرفونه عن جيرانهم العرب، وهو ما ساهم في تعقيد الصراع كما ساعد في خلق أرضية بررت استخدام القوة ضد العرب.ونوه إلى أن 4.1% فقط من الوقت المحدد للتاريخ في المدرسة الإسرائيلية قد خصص للتاريخ العربي، لافتاً إلى موافقته على رأي باحثين أجانب بأن اليهود نقلوا صورة الأغيار من الشتات إلى إسرائيل وسلطوها على العرب بشكل خاطئ. من ناحيته يقول الكتاب و الناقد أنطوان شلحت، الذي كتب مقدمة للبحث أن السنوات التي تلت العام 2000 قد شهدت صعوداً يمينياً متطرفاً إلى رأس هرم جهاز التعليم في الكيان، بعد تسلم ليمور لفنات من حزب الليكود حقيبة التعليم. واقتبس شلحت الباحث سامي شالوم، الذي رأى بفترة وزيرة التعليم السابقة ليمور لفنات الاكثر خطورة بالنسبة للتعليم الإسرائيلي، باعتبارها "قاب قوسين أو أدنى من الفاشية التامة". ونوه الى ان ليفنات قد اخرجت كل ما ليس مستمداً من الرواية الصهيونية التاريخية، والتي تعتبر ان فلسطين كانت خالية من السكان عدا قلائل هربوا عام 1948.

طالع بقية القضايا على موقع صالح النعامي www.naamy.net


*


 

شكرا لرئيس الوزراء

بقلم: أنور حمام

 

في الخامس والعشرين من الشهرالحالي ومع بداية  شهر رمضان المبارك تسلمت قرارا ممهورا بتوقيع رئيس  الوزراء، والقرار يقضي بالغاء درجتي الحالية وعودتي للدرجة  السابقة – ما قبل الترقية -، وهذا قرار غريبٌ عجيبٌ ذلك انه لم يحدث له مثيل من قبل في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية، والقرار لم يطلني وحدي بل طال مجموعة من الاخوة والاخوات زملاء العمل، وكم كان هذا القرار مثيرا للحزن والألم باعتباره يمثل مساسا شخصيا ومهنيا ووظيفيا ونفسيا، بل أكثر من ذلك للقرار دلالات درامية وكوميدية في ذات الوقت، فمنذ شهور ونحن ننتظر ما وعدت به الحكومة الجديدة العاشرة من اجراءات اصلاحية ادارية في بنية السلطة وما فيها من وزارات ومؤسسات، ولكنني لم أفكر ولو للحظة أنني سبب المشكلة الادارية في السلطة، وان  الاصلاح الاداري يعني نزع درجتي الوظيفية، على أسس يبدو انها لم تكون الا اسس حزبية، ولم أفكر للحظة انني ساكون مستهدفا من قبل أي حكومة مهما كان لونها السياسي، كوني متخصص في مجال عملي وحاصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، وباحث متخصص في سوسيولوجيا اللاجئين.

المحزن والدرامي انني لطالما اعتقدت انني ممن عملوا بصمت وبكل اخلاص في كل المواقع التي تدرجت بها، في الحكومة وخارجها، فقد كان لي شرف المساهمة برفقة الاخ حسام خضر في تأسيس لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين  مطلع العام 1994كاول مؤسسة فلسطينية شعبية اهتمت ووعت ضرورة التركيز على حق العودة. والعمل على نشر الوعي به، وداخل الحكومة عملت كفلسطيني حر واستنادا لتخصصي وتدرجت وراكمت خبراتي داخل الوزارة ابتداءً من موظف في احدى المديريات، الى رئيس قسم فيها، الى مدير لمؤسسة، فمدير لمكتب الوزير واخير رئيسا لوحدة تنسيق ومتابعة عمل مديريات الشؤون الاجتماعية في الضفة الغربية. والدرامي ان يتم اتخاذ قرار يمس الموظف دون الرجوع للموظف نفسه أو البحث عن الامكانياته ومؤهلاته العلمية وخبراته وقدرته على العمل، بل دون الرجوع الى الملف الوظيفي.

 شعوري الحقيقي انني رحت ضحية صراع من أجل السيطرة على المراكز العليا في السلطة، والا لماذا يتم ترقية موظفين وفي ذات الوقت يتم الغاء ترقية موظفين اخرين، علما أن من تم ترقيتهم في مؤسستنا نحن (من صدر بحقنا القرار) أكثر منهم خبرة وشهادتنا العلمية أعلى، ولكن يبدو ان الحسابات الاخرى كانت عنصر الحسم.

مؤلم ان يتم تهميش موظف وممارسة التعسف الوظيفي بحقه، من حكومة تدعي انها جاءت من أجل الاصلاح والتغيير، ولكن يبدو ان التغيير المقصود هو تغيير للشخوص وليس للأفكار والبرامج والاستراتيجيات. كنا ننتظر من الحكومة ان تجعل من الموظف شريكا لها في مشروعها المعلن بالنهوض بواقع السلطة، ولكن للاسف ما حدث على العكس تماما شعور بالغربة والاحباط، وشخصيا كنت دائما أعيش شعورا رائعا كوني جزء أصيل من الوزارة وما يحدث داخلها، وساهمت بكل ما أوتيت من قوة من أجل رفع شأنها، لكنني الأن اشعر كغيري بالاغتراب، فشكرا لرئيس الوزراء.

 

* موظف في وزارة الشؤون الاجتماعية

           *

عبده وازن قارئاً محمود درويش ومحاوراً اياه ... الشعر هوية متحولة والأنا لا تكتمل إلا بالآخر

شوقي بزيع     الحياة     - 29/09/06//

 

 

 

 

حسناً فعل عبده وازن بإصدار الحوارات التي كان أجراها مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش ونشرت في جريدة «الحياة» في كتاب مستقل، مضيفاً اليها قراءات نقدية في بعض أعمال درويش الأخيرة. ذلك أن محاورة الكبار من الشعراء والروائيين والمبدعين عموماً، قد تتيح لهؤلاء فرصة نادرة لتقديم تجاربهم في محطاتها المختلفة من جهة وللوقوف على الخلفيات الفكرية والمنابع الحياتية والوجدانية لهذه التجارب من جهة أخرى. وإذا كانت هذه الحوارات تتم بين شاعرين مختلفي المناهل والأساليب، أو بين ناقد محترف ومبدع كبير، فإنها تتيح لهذا الأخير قدراً من البوح والمكاشفة الصادقة التي يتعذر عليه تقديمها في مذاكراته أو سيرته الذاتية بسبب الخجل أو الحرج من أن يكون الوجه والمرآة في آن واحد. وما يعزز هذا الزعم أن الحوارات المطولة التي أجريت سابقاً مع مبدعين آخرين من وزن غابرييل غارسيا ماركيز ونجيب محفوظ وأدونيس وصلاح ستيتية وغيرهم ضاهت في جمالها وعمقها أبرز النصوص الأدبية ومكَّنت القراء من الوقوف على الكثير من خفايا الكتابة ومباهجها وعذاباتها وأسرارها المغلقة.

 

كان يمكن لعبده وازن بالطبع أن يكتفي بنشر حواره المطول والغني مع محمود درويش ولكن استهلال كتابه «محمود درويش/ الغريب يقع على نفسه»، والصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر، بالمقالات التي تناولت أعمال الشاعر الجديدة أعطى للكتاب لمسة خاصة ووفر للقارئ مقاربة أخرى للعلاقة بين شاعرين ينتمي كل منهما الى جيل مختلف كما والى رؤية مختلفة للشعر. فوازن الذي يكتب قصيدة النثر منذ نعومة أظفاره ينتمي الى حساسية شعرية مختلفة لغة وإيقاعاً وأسلوباً عن حساسية درويش التي لم تغادر الوزن إلا في ما ندر والتي لا ترى في الإيقاع الخارجي عائقاً أمام مشروعها الحداثي وتجريبيتها الجريئة. ولهذا السبب بالذات يكتسب الحوار صدقية كبيرة ودلالات متعددة الإشارات كونه لا يتم بين متشابهين أو متماثلي النظرة الى الشعر بل بين ضفتين متباينتين للكتابة. ومع ذلك فإن قبول الآخر واحترام مشروعه التعبيري والرؤيوي، على رغم الفروق، هو ما يعطي الكتاب قيمة اضافية في زمن التنابذ والاستئصال والحروب الصغيرة القائمة حول معنى الشعر وهويته ودوره.

في تقديمه للكتاب يلح عبده وازن على التغيرات التي أصابت شعر محمود درويش في أعماله الجديدة والتي ظهرت ارهاصاتها مع أعمال أكثر قدماً على المستوى الزمني مثل «ورد أقل» و «لماذا تركت الحصان وحيداً». كما يكشف عن قدرة درويش الدائمة على تجديد نفسه بين كتاب وآخر ملمحاً مع ذلك الى ان المرحلة القديمة من شعر درويش، وشعراء فلسطينيين آخرين كانت «تمتدح البطولة والحماسة وتدعو الى الشهادة فداء للأرض المسلوبة» كما «كانت القضية تسبق الشعر وتصنعه وكان الشعر دوماً وراءها، يتأثر بها أكثر مما يؤثر فيها». وقد لا يكون الكاتب مغايراً للحقيقة من بعض الوجوه حيث تكون البدايات غالباً متصلة بالغناء والترسل العاطفي الحماس المبكر للقضايا التي يرتبط بها الشعراء. إلا أن هذه المسألة في رأيي تحتاج الى مزيد من التفحص والنقاش لا بالنسبة الى محمود درويش وحده بل بالنسبة الى شعراء مماثلين أيضاً. ذلك أ ن في الأعمال الأولى وان اعوزتها المهارات العالية التي يكتسبها الشاعر عبر الدأب والاشتغال والتقصي المعرفي في الكثير من اللهب وقوة العصب والفوران التلقائي للُّغة. لذلك فإن ميزاناً للربح والخسارة لا تنبغي إشاحة النظر عنه في تناول أية تجربة شعرية بالمطلق. وقد آن الأوان أيضاً أن ننصف أولئك الذين رأوا في شعر صاحب «عاشق من فلسطين» و «أعراس» و «محاولة رقم 7» اجتراحاً مبكراً للمعادلة الصعبة التي تجمع بين الانتماء للقضية وبين ترجيحاتها التعبيرية الحافلة بالصدق والتوهج وملموسية الصور والأحاسيس. وإذا كان البعض يرون في البواكير على عفويتها، التصاقاً بلحم الحياة ودمها الفتي وبذلك الانفجار الأصلي الذي يشبه رعشات البلوغ الأولى فإن تلك النظرة ليست بعيدة جداً عن الحقيقة وان كانت تتبلور في شعر درويش، وقلة معه، أكثر مما تتبلور عند آخرين، تبعاً لتكوين كل شاعر وقوة موهبته.

بمعزل عن هذه الاشارة التي تحتاج الى مزيد من البلورة والنقاش يظهر عبده وازن في قراءته لمحمود درويش قدرة فائقة على الإنصات الى دبيب شعره الخفي كما الى ايقاعاته التي تعتمد التدوير والتقفية الداخلية في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت» كما الى إفادته من قصيدة النثر وتلمس اختباراته الجديدة للغة كما لتناول العالم في تفاصيله ونثاره اليومي. كما يشير الى أن المعايير التي اعتبرتها سوزان برنار أساساً في رسم ملامح قصيدة النثر وتعريفها تنطبق برمتها على شعر محمود درويش باستثناء المجانية التي فقدت في رأيه ذريعتها حتى لدى شعراء النثر أنفسهم. اضافة الى ذلك يركز وازن على صورة الأنا/ الآخر لدى الشاعر بما يجعل كليهما وجهين لحقيقة واحدة وبما يتصادى مع رؤية رامبو الى العالم والذي جعله درويش قناعاً له في بعض قصائده. ثمة أيضاً قراءات مماثلة لديوان «سرير الغريبة» الذي يتجاوز ثنائية المرأة/ الأرض في شعر درويش السابق ليدخل بدوره في لعبة انصهار الأنا بالآخر وسعيهما معاً نحو كينونة واحدة. هذا الانصهار يتكرر عند الشاعر في غير وجه حيث يصبح انصهار الشعر بالنثر وانصهار الغنائية بالفكر وانصهار الذات بالعالم. أما «الجدارية» فيرى وازن فيها نوعاً من الملحمية الخاصة أو الذاتية التي تستبدل الصراع بين الجماعات وبينهم وبين الآلهة بصراع مع الموت يسبر من خلاله الإنسان معنى وجوده على الأرض ويرى الى الفن بصفته الوسيلة الأنجع لمخاتلة الموت ما دمنا غير قادرين على هزيمته تماماً.

سيكون من الصعب اختزال اعترافات محمود درويش في الجانب الحواري من الكتاب بصفحات أو أسطر قليلة. وليست مهمة هذه المقالة بأي حال هي استعادة الأفكار التي يتضمنها الكتاب الذي لا تغني أية مقالة عن قراءة نصه الأصلي. لكن قارئ الحوار يعثر على الكثير من النقاط المشتركة بين أفكار وازن النقدية وبين طروحات درويش، وهو ما يظهر بوضوح من خلال الحديث عن البدايات وبخاصة تلك التي حذفها الشاعر من أعماله الكاملة بدءاً من «عصافير بلا أجنحة» ووصولاً الى قصائد عدة نشرت في الصحف ولم يتضمنها الديوان. وإذا كان الشاعر يتبرأ من اللافتات الشعرية التي ترفع أحياناً باسم الأيديولوجيا والقضايا الكبرى إلا أنه يبقي الأمر مفتوحاً على الشكوك حين يسأل: «ما هو الشعري وما هو غير الشعري؟». وربما كان هذا السؤال حاضراً دائماً في بال الشاعر وهو ينتقل بتجربته من طور الى طور من دون أن يمتلك اليقين النهائي. ذلك أن اليقين ليس أبداً من صفات الشعراء الحقيقيين الذين يجاورون المتنبي في قلقه الأبدي.

وما يرد في مقالات المؤلف حول المواءمة بين النثري والشعري في قصائد محمود درويش تتضح معالمه أكثر فأكثر في سياق الحوار. حيث يبدي الشاعر اعجاباً واضحاً ببعض تجليات قصيدة النثر وببعض شعرائها الذين لا يسميهم، ولو أنه دعا بعضهم الى عدم الوقوع في الفخ نفسه الذي نصب لهم من قبلُ والعمل على إلغاء الآخرين. كما يعبر عن افتتانه الشديد بالنثر الخالص وبالرواية التي يتمنى لو يملك الجلد على كتابتها، كما انه لا يجد في ازدهارها وجهاً من وجوه ضمور الشعر او اضمحلاله. يتحدث درويش بصراحة بالغة عن طقوس الكتابة لديه وعن أزمته مع الورقة البيضاء وعن الأعراض التي تلبس في البدء لبوس الايقاع الغامض.

أما اعتباره بأن كل شاعر يحمل في داخله تاريخ الشعر منذ «الرعويات الشفهية» وصولاً الى الشعر الحديث فيلتقي الى حد بعيد مع قول نوفاليس: «ان الشاعر يقف على البشرية كما يقف التمثال على القاعدة». وقد تكون بعض الأفكار التي وردت في سياق الحوار معروفة سلفاً من قراء الشاعر الذين تابعوه في حوارات عدة سابقة، كما أن بعضها المتصل بطقوس الكتابة وتهيؤاتها قد يكون مشتركاً بينه وبين شعراء كثر لكنه ما يلبس أن يفاجئ الجميع بقراءاته التي لا تخطر على بال ولا تدخل مباشرة في دائرة اهتمام الشعراء مثل قراءاته عن تاريخ القراصنة أو عن الملح أو عودته المستمرة لتصفح «لسان العرب». وقد تكون هذه اللفتة الأخيرة هي «الخبطة» الأكثر إدهاشاً في الحوار الشيق حيث انها تكشف عن مصدر غريب لإثراء قاموس الشاعر. وإذا كان قد اصطلح على أن لغة الشعر هي النقيض المباشر للغة القواميس الجامدة فإن اعتراف درويش يزيل هذا التناقض بقدر ما يكشف عن أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يستعين بكل مصادر اللغة ومناجمها الأم لكنه وحده القادر على نقل اللغة من بلادة القواميس وحيادية اللفظ ليضرم من تحتها نار المخيلة ويدخلها في زواج نادر الحدوث بين اللفظ واللفظ من ناحية وبين الشكل والمعنى من ناحية أخرى.

يبقى القول أخيراً إن العنوان الذي اختاره عبده وازن للكتاب هو من العناوين الجميلة والمشبعة بالدلالات وهو وإن كان منتزعاً من سياق إحدى قصائد الشاعر يعبر أبعد من القصيدة عن علاقة الشاعر بلغته، كما عن علاقته بذاته وبالعالم. فالشاعر هو أكثر الكائنات توحداً على الأرض ولذلك فهو غريب في اللغة كما في الحياة، في المنفى كما في الوطن، بما يؤكده قول هلدرلن: «عندما نفسك تتخطى زمنك/ غريباً تمكث حينئذٍ على رصيف بارد/ مع أهلك وأنت لا تعرفهم».

*************

 


 

مواقف ألمانيا من الحروب الأميركية جنبتها ويلات الإرهاب

GMT 8:15:00 2006 السبت 30 سبتمبر

دوتشيه فيليه


برلين: كانت برلين في مقدمة العواصم التي أعلنت تضامنها ودعمها الكامل لواشنطن في حربها على الإرهاب. لكن هذا التضامن تحول إلى جفاء بسبب معارضة برلين لحرب العراق. مواقف ألمانيا جنبتها خطر الإرهاب وليس تشديد الإجراءات الأمنية. وعقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 الإرهابية أعلن المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر تضامن بلاده "غير المحدود" مع واشنطن.

أحد أسباب هذا التضامن تمثل في أن ألمانيا كانت، كما ثبت في حينه، مقرا لتخطيط وانطلاق ثلاثة من منفذي تلك التفجيرات. وتُرجم ذلك الموقف في المشاركة العسكرية الألمانية في حرب أفغانستان وفي القرن الأفريقي في إطار الحملة الدولية على الإرهاب. لكن الأمر كان مختلفا تماما فيما يتعلق بموقف ألمانيا من حرب العراق، حيث اتخذ المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر قرارا شجاعا بعدم المشاركة في تلك الحرب، وهو ما ضمن عدم تورط بلاده في حرب لا ناقة لها فيها ولا بعير وجنبها السقوط في مستنقع تلك الحرب وبالتالي الابتعاد عن شر عواقبها التي امتدت في شكل تهديدات وتفجيرات إرهابية إلى عواصم الدول المشاركة فيها.

كما ضمنت حكومة شرودر بذلك الموقف شعبية داخلية تُرجم عبر إعادة انتخابها عام 2004. هذا ودفعت ألمانيا ثمنا غاليا جراء خروجها على خط واشنطن، حيث تعرضت العلاقات بين البلدين للجمود والتوتر. لكن على العكس من ذلك حظيت السياسة الخارجية باحترام الرأي العام العالمي عموما والعربي الإسلامي بوجه خاص، كما زاد ثقلها على الساحة الدولية.

الخوف من البطالة يفوق الخوف من الإرهاب! 

محاولة تفجير قطارات ألمانية مؤخرا وضع الإجراءات الأمنية على المحك لم تمنع مشاركة ألمانيا في "الحرب على الإرهاب" المواطنين الألمان من الإحساس ولو شكليا بالأمان وعدم الخوف من وقوع تفجيرات إرهابية على أراضيهم. وفي هذا السياق أشار استبيان للرأي أُجري في أغسطس/ آب الماضي بأن ربع الألمان فقط عبروا عن مخاوفهم من أعمال إرهابية محتملة.

بينما تمحورت مخاوف الأغلبية حول مستقبل إصلاح النظام الاجتماعي ومشكلة البطالة. حتى المخاوف من المتغيرات المناخية احتلت أسبقية لدى الألمان، مقارنة بالمخاوف من الإرهاب. لكن على الأقل منذ العثور على متفجرات في حقائب وضعت في قطارات ألمانية في شهر أغسطس/ آب الماضي أصبح ذلك الإحساس بالأمن مجرد خدعة. كما وضعت هذه المحاولة الإرهابية الفاشلة جميع الإجراءات الأمنية و الإحتياطات على المحك، لاسيما وأن القنابل لم تنفجر لأسباب فنية وليس بسبب سهر رجال الأمن والشرطة الذين لم يكن لديهم أدنى فكرة عن خطط التفجيرات. 

تشديد الإجراءات الأمنية وإصدار القوانين ليس مفتاح الحل 

 يقضة الشرطة ضرورية لكن ليست الحل دائما عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن سارعت الحكومة الألمانية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الأمنية الاحتياطية التي طالت الحريات المدنية والشخصية. وكان من هذه لإجراءات على سبيل المثال السماح للشرطة والمخابرات بالإطلاع على المعلومات الشخصية عن طريق البنوك ووكالات السفر والمصالح الخدمية، وكذلك مراقبة المساكن والجمعيات، وتشديد قانون الأمن الجوي الصادر عام 2005 لإجراءات المراقبة على المسافرين والعاملين في المجال، بالإضافة إلى السماح باعتراض الطائرات المدنية المخطوفة وإسقاطها عند الضرورة. لكن المحكمة الدستورية العليا حكمت بتعارض الكثير من هذه الإجراءات ا مع مبادئ الدستور الألماني.

يذكر هنا أنه اعتبارا من عام 2004 دخل قانون ألماني خاص بالأجانب موضع التنفيذ تستطيع بموجبه السلطات المختصة إبعاد الأجانب المتطرفين من الأراضي الألمانية بسهوله اكبر من ذي قبل. في هذا السياق يقول أخصائي العلوم السياسية كريستوف بوترفاجه بأن "النقاش حول الهجرة تم ربطة بالنقاش حول الإرهاب والأمن الداخلي"، مضيفا بأن ذلك يمثل "خلطا خطيرا" للأمور. 

البيروقراطية الأمنية وتعقيدات القضاء يحدان من فعالية مكافحة الإهراب

 في كل مرة وعقب اكتشاف خطط لأعمال إرهابية أو بعد كل تفجيرات إرهابية، لكن إيضا قبل كل انتخابات برلمانية  أصبح من الطقوس السياسية المعتادة المطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية. لكن المشكلة تكمن، وفقا لرئيس إتحاد موظفي المباحث الاتحادية الألمانية، كلاوس يانزن في كيفية توحيد وتنسيق أعمال الأجهزة المختصة بمكافحة الإرهاب وليس في توفر الوسائل التقنية والقوانين الأمنية.

ويشير المسئول الألماني إلى عدم وجود نظام موحد بين الولايات والأجهزة لتبادل المعلومات والخبرات. فالأجهزة التابعة للمكتب ألإتحادي لحماية الدستور وعددها 17 جهازا ليس لديها حتى الآن نظام موحد للمعلومات، حسب يانزن. ويضيف المسئول الألماني قائلا بأن مكافحة الإرهاب تتوزع على حوالي 37 جهة. وحتى مركز مكافحة الإرهاب (GTAZ) الذي أنشأ مؤخرا والذي يفترض أن تنضم تحته جميع الجهات المختصة بهذه المهمة، لا يعمل بالشكل المرضي. أما على الصعيد التعاون الدولي والأوروبي المشترك فإن التعاون الفعال يفترض في البداية فعالية الأجهزة الداخلية وانسيابية المعلومات بينها.

وعلى الصعيد القضائي تعتبر ألمانيا من الدول التي تمتلك نظام قضائي معقد توصف أحكامه بأنها غير شديدة مقارنة بدول غربية كثيرة. ويرجع ذلك لكون ألمانيا دولة قانون توطدت فيها الحقوق المدنية والشخصية عبر عشرات السنين. ويجد الادعاء العام في ألمانيا صعوبات حقيقية في إثبات التهم على المشتبه بهم، حيث هناك إجراءات معقدة وطويلة واستئناف وطعون في الإحكام مما يجعل من عملية إدانة شخص ما وإصدار حكم نهائي عليه غاية في الصعوبة ويستغرق سنوات.

اندماج المسلمين صمام أمان للأمن في ألمانيا 

مسلمو ألمانيا أدانوا دوما كل الأعمال الإرهابية بإسم الدين منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر يشكو المسلمون من ووقوعهم جماعيا تحت تهمة الإرهاب كما لو كان لكل مسلم ملتزم دينيا ميول للقتل الجماعي. غير أن العزلة الناجمة عن التهمة الجماعية للمسلمين في ألمانيا أدت إلى اتجاه المسلمين أكثر إلى التدين حسب ما أثبت دراسة قام بها مركز الدراسات التركية. وأكدت هذه الدراسة تزايد أهمية الدين بشكل ملحوظ لدى مسلمي ألمانيا منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. 

في هذا السياق يعتقد أودو اولكوتا، الخبير في شئون الإرهاب، بأن الحيلولة دون استشراء التطرف في أوساط الجالية الإسلامية يتوجب أن يكون الهدف الرئيسي على سلم اولويات سياسة مكافحة الإرهاب. "لا يمكن محاربة الإرهاب بنصب 10 آلاف كاميرا مراقبة ولكن بالبحث عن جذور المشكلة". لكن في ظل النقاش الهيستيري حول بعض القضايا المتعلقة بالجالية الإسلامية مثل الحجاب والقتل تحت مبرر ما يسمى بغسل الشرف وكذلك قضية الاندماج يتم التغاضي عن حقيقة يؤكد عليها الخبراء باستمرار وهي أن إشراك الجالية الإسلامية في مكافحة الإرهاب ضرورة لتحقيق الأمن في البلاد.

 

*******

 

القوات اللبنانية تستعيد LBC

 

سمير جعجع وبيار الضاهر
ماذا يجري في المؤسسة اللبنانية للإرسال؟
توقف «كلام الناس» على شاشة «إل.بي.سي.». مرسيل غانم في «اجازة»، تماماً مثل «إجازته» الاولى مطلع هذا العام. المسؤول الرسمي عن أخبار المحطة جورج غانم، لا يبدو مسؤولاً عن أي من أخبارها. وليد عبود يستعد للانتقال الى استعراض كلامي (توك شو) مسائي. والفريق الاعلامي في “الأرز” يتولى الاتصال بالمحررين وبمن هو مناوب، أما فرق العمل التقني والإخباري وحتى الإداري، فقد تبلغت أنها تتلقى أوامرها من غير اصحاب الامر في المؤسسة قانوناً، وأما رئيس مجلس الادارة المدير العام، بيار الضاهر، فهو على سفر وصمت ومنجم ألغام وأسرار وأخبار.. باختصار، “شيء ما” كبير يضرب “المؤسسة اللبنانية للإرسال”.
وضع يد، انقلاب، استعادة حق، مداهمة، تصحيح وضع... قد تكون مفردة «انتفاضة» هي الافضل لتوصيف ما يحصل في أدما، نظراً الى كونها الاكثر تماشياً مع تاريخ المؤسسة وتاريخ المعنيين بالحدث المستمر تدريجاً منذ نحو اسبوع.
اي رقم تحمل «انتفاضة» سمير جعجع التلفزيونية على بيار الضاهر، في تاريخ المحطة؟ قد تكون الثامنة على أقل تقدير، ما عدا السهو والغلط.
عشية خروجه من السجن، كان جعجع يتابع باهتمام وضع المؤسسة. كانت زوجته ستريدا مصدراً رئيسياً للأخبار: هذا معنا وهذا ضدنا، وهذا باعنا وهذا يعمل لمصلحة سوريا وحماعتها.. إلى جانب آخرين ينقلون إليه معطيات عن الواقع المالي والاداري. وقبل ان يغادر الحكيم السجن ويسافر عبر المطار كانت الإشارات الاولى لسياسته، وكانت لائحة المدعوين لاستقباله ووداعه في المطار قد شملت المحظيين وأبعدت المغضوب عليهم، ولما اقلعت الطائرة بدأت الحكاية الصعبة.
قبل عودة جعجع من الخارج كانت الاتصالات قد بدأت بينه وبين الضاهر، وتولاها بشكل رئيسي انطوان الشويري الذي يبدو أن قسماً كبيراً من امواله يخص القوات نفسها، وهو تولى الاتفاق على تخصيص مبالغ شهرية لمصلحة الحكيم ومصاريفه الشخصية والحزبية المستجدة (يؤكد كثيرون ان هذه الاموال ليس لها اي علاقة بحسابات المؤسسة). ثم كانت هناك توقعات غير واضحة بالنسبة إلى مصير المحطة القانوني، بعدما تبيّن ان القانون الذي وفر الغطاء الشرعي للمحطة بعد سجن جعجع قد اقتضى شراء حصص وبيع حصص، بقي منها 49 في المئة لمجموعة بيار الضاهر (تضمّه وشقيقه مرسيل وزوجته رندا وسقيقاتها رلى وريما وإيمان اضافة الى روني جزار ممثلاً انطوان الشويري) مقابل 51 في المئة لعدد كبير من المستثمرين بينهم سياسيون ورجال اعمال أبرزهم عصام فارس ونجيب ميقاتي ونبيل البستاني وميشال ادة وميشال فرعون وصلاح عسيران وجورج فتال وجاك صراف ومروان خير الدين. علماً بأن كلاً من هؤلاء يملك في القناة الفضائية نصف ما يملكه في الارضية، بينما بقي 49 في المئة من الفضائية موزعاً بين السعوديين صالح كامل والوليد بن طلال قبل ان يتملك الاخير الحصة المتبقية كاملة (49 في المئة). وهذا ترافق مع الاتفاق الذي عقدته القناة مع مؤسسة “الحياة” وصاحبها الامير السعودي خالد بن سلطان.
لكن جعجع كان يطلب التدقيق في اوضاع شركات إنتاج أسسها الضاهر خلال الفترة الماضية، وكان يحرص على نفي رواية منسوبة له ومفادها انه اضطر عام 1992 لأن يتنازل عن حصص القوات في المؤسسة مقابل اموال كان يحتاج إليها في تلك المرحلة، وانه بذلك تخلى عن كل حصص القوات في المحطة مقابل سعي الضاهر الى توسيع دائرة المساهمين فيها، وانه عندما وافق على ان يتولى الضاهر إيجاد المخرج السياسي والاداري للمحطة قبل توقيفه بأيام، لم يكن قد تنازل عن كامل حقوق القوات وأنه يملك من الوثائق ما يكفيه لرفع دعوى قضائية الآن، علماً بأن كل المساهمين في المحطة ينفون وجود اي اوراق قانونية تفيد جعجع في قضيتهم، وان الضاهر اكد لهم مراراً عدم وجود مثل هذه الاوراق.
ومنذ احتدام السجال السياسي الداخلي بعد 14 آذار، كان هناك ميل واضح لدى الفريق المشرف على المحطة لأن تكون سياسياً اقرب الى هذا الخيار. لكن هناك من شعر بأن هناك من يريد إعادتها الى “واقع حزبي”، وتطور الكلام حتى بعد عودة جعجع واتخاذ إجراءات امنية خاصة استدعت إعادة توظيف قواتيين سابقين في المؤسسة الامنية الخاصة بالمحطة، وصولاً الى شكوى كثيرين من ان القوات تريد تحويل المحطة الى “ثكنة” وأن الامر بدأ ينعكس على الأخبار وعلى البرامج السياسية، وصولاً الى ان جعجع قبل برواية زوجته وقرر عدم التعامل مع فريق من العاملين في الاخبار والبرامج السياسية، وصولاً الى أنه امتنع عن إجراء الحوار الأول معه بعد عودته الى لبنان مع مرسيل غانم وفضل قناة “المستقبل”، ليتطور الأمر لاحقاً الى نقاش حول من يفضله جعجع وبدا أنه أقرب الى الزميلة مي شدياق. وبعدما تعرضت الاخيرة لمحاولة اغتيال كان النقاش الاولي معها حول برنامج نصف سياسي قد حسم لمصلحة انها سوف تحظى ببرنامج سياسي مستقل. لكن الامر كان يحتدم في مكان آخر، حيث الصراع على البرامج وعلى الضيوف من نوع لم تشهده المحطات الزميلة من قبل، “كلام الناس” و“بكل جرأة” و“الحدث” اضافة الى “نهاركم سعيد”. علماً بأن السيطرة المبدئية لفريق جعجع قد حققت تقدماً كبيراً، من مي الى وليد عبود الى مروان متني المشرف على “الحدث” والذي أعاد تموضعه في الفترة الاخيرة وتولى مع الاداري حاتم حاتم ادارة جانب من علاقات المحطة بالقوى السياسية ولا سيما مع حزب الله.
ولما حاول الضاهر ضبط الامر بدأت الاشارات العملية المناقضة تأتيه من اكثر من جانب. نشرة يومية عن أخبار واستقبالات جعجع الى جانب حديث يومي له. تقنيون يعطلون محاولة بث مباشر لاحتفالات العونيين. وآخرون يقطعون بشكل غير مهني تقارير واردة في نشرات الأخبار تخص معارضي القوات ولا سيما في الشارع المسيحي. ثم عمل على زرع عدد كبير من الموظفين غير الموالين للضاهر في أقسام مختلفة من المحطة. وهمس بإمكانية معاقبة المحطة من خلال تقليص الحصة الاعلانية التي يشرف عليها الشويري الذي بدا اقرب الى جعجع من الضاهر.
فجأة شعر الضاهر بأن الامور تلامس حدوداً خطرة. كان البحث جارياً حول بث “المقايضة الكبرى” الوثائقي الخاص بعملية تبادل الاسرى بين حزب الله وإسرائيل. رفض جعجع وفريقه داخل المحطة عرض الوثائقي لأنه “يعطي شرعية لموقف حزب الله من النقاش حول الاستراتجية الدفاعية” وحصل جدل آخر حول عرض البرنامح مرتين. وفي هذه الفترة شعر بيار الضاهر بأن الارض تهتز من تحته، وهو الذي واجه اختبارات قاسية سابقاً قرر الهجوم وأعلن ما يشبه “الانتفاضة” وأبلغ جميع العاملين بأن المؤسسة غير مملوكة من القوات وأنها لا تنطق باسم القوات. ثم عيّن على الاثر جورج غانم مديراً للأخبار دون ان يصدر مذكرة رسمية بذلك.
لكن تطورات مع بعد الحرب الإسرائيلية وقصف الطائرات الإسرائيلية محطة ارسال تابعة للمحطة وتراجع العائدات خلال الاشهر الثلاثة الماضية ترك أثره الكبير. واصل جعجع هجومه وأبدى رغبة في كسر قرارات الضاهر. وبدأ فريقه الخاص يعمل على تحرير مديرية الاخبار والبرامج السياسية عملاً بالامر الواقع الذي تعوّد عليه الحكيم سابقاً، وأن يرد على الانتفاضة بمثلها. فلم يعد يحترم احد الهرمية وصارت الامور تتجه صوب تعقيدات من نوع مختلف. فيما كان السفير الاميركي في بيروت جيفري فيلتمان يتابع المعركة من جانب آخر بالضغط على الضاهر وبالعمل لتوسيع هامش القوات داخل المحطة، وحيث كان جعجع يعمل على اختيار مقربين منه للإشراف على جميع البرامج. كان هو قد ارسل بطلب نوفل ضو من أجل تعيينه ناطقاً اعلامياً باسمه. رفض الاخير وطلب منصباً حزبياً في منطقة كسروان، وأن يكون له دور مباشر داخل المحطة، حاله حال وليد عبود الذي انتقل الى البرامج المسائية بالتعاون مع “النهار”، فيما كانت هناك معركة الضيوف بوجه مرسيل غانم، تمهيداً لإحراجه فإخراجه من المحطة. وفي هذه الفترة كان الضاهر كعادته كثير السفر. وهو الذي ابلغ قبل شهور عدة بضرورة التحوط امنياً، فكثف من سفره، وصارت الشائعات تكثر حول نيته فتح قناة خاصة في دبي او انه يعمل على إنتاج خاص مع “الحياة” او آخرين. بينما يواصل جعجع مد نفوذه داخل المحطة، وكان مهرجان حريصا هو المحطة الابرز في المعركة المفتوحة.
وفي اتصال ببيار الضاهر قال لـ“الأخبار”: مرسيل غانم لم يترك المؤسسة. لم يحصل أي استيلاء للقوات، والحوارات متوقفة مع جعجع حول الوضع كله.
تاريخ العلاقة
بعد تأسيس سريع في 23 آب 1985، برعاية الياس حبيقة وصولانج الجميل وسمير جعجع وكريم بقرادوني، لم يلبث الاول ان جرد انتفاضته الاولى على المحطة، في شكل تزامن مع حركته الانقلابية الشهيرة في 9 أيار من ذلك العام. فانتقل التلفزيون الى اجواء «الاتفاق الثلاثي»، ليظل فيه نحو اشهر، انتهت بالانتفاضة الثانية التي قادها جعجع ضد حبيقة في 15 كانون الثاني 1986.
بعدها بدا تلفزيون “القوات” متجهاً الى حقبة من الاستقرار بقيادة جعجع وإدارة «بيارو» كما يسمي القواتيون الشيخ بيار الضاهر. لكن قلاقل 10 آب من العام 1986 كادت تلامس مقر المؤسسة في دار المعلمين سابقاً في صربا ـــ جونيه. يومها قامت مجموعات من المتململين من قيادة جعجع بحركة اعتراضية مسلحة، لم تلبث ان اجهضت بعد مواجهة عسكرية في حرم المحطة نفسها.
بعد 10 آب 86 ارتاحت “أل بي سي” 6 سنوات كاملة افتقد خلالها كثيرون الراحة. انتهت ولاية أمين الجميل بفراغ رئاسي، جاء ميشال عون رئيساً للحكومة، اندلعت اولى الحروب المسيحية في 14 آذار، ثم الحرب المسيحية الكبرى في 31 كانون الثاني 1990. اجتاح السوريون المناطق الشرقية في 13 تشرين الأول من العام نفسه، قامت “سلطة الطائف”، والمحطة القواتية على استقرار داخلي، وسط العواصف الخارجية.
منتصف العام 1992 كان جعجع في بداية معاناته مع السلطة وممانعته لها. سقطت حكومة عمر كرامي في 6 أيار، جاء رشيد الصلح، وتقرر إجراء انتخابات نيابية مبكرة ومفاجئة. وقف جعجع مع القوى المسيحية المقاطعة، وتحولت المحطة منبراً للمواجهة، فوقعت محاولة الانتفاضة الرابعة.
ليل 23 ـــ 24 تموز 1992، استفاقت وزارتا التربية والاشغال العامة على ضرورة استعادة املاكهما في الكرنتينا (المجلس الحربي) وفي صربا (مقر أل بي سي)، اضافة الى ممتلكات رسمية اخرى من بيت الدين وبعقلين وسواهما. صباح اليوم التالي كانت “اللبنانية للإرسال” تنقل من صربا الى أدما، من دون انقطاع البث ولا حتى ثانية واحدة.
عامان من الاستقرار النسبي في المركز الجديد المشترى نقداً من «الصندوق الوطني» التابع للقوات، وبداية تمايزات سياسية وإدارية بين جعجع والضاهر حول المؤسسة والوضع العام الأداء والمواقف. تمايزات انعكست اكثر من مرة داخل المحطة: ترك ايلي صليبي الاخبار ليحل محله جاك واكيم فترة وجيزة.
تبدل الكثير من المذيعين والمذيعات والمسؤولين وصولاً حتى استقالة الضاهر نفسه سنة 1993، ومسارعة جعجع الى تعيين مدير مكتبه، ابراهيم اليازجي، مسؤولاً عن التلفزيون. لكن اسابيع قليلة كانت كافية لاستدراك الوضع، عاد «بيارو» وعاد التعايش الحتمي الصعب.
في 27 شباط 1994 انفجرت كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل. اتهم وليد جنبلاط سمير جعجع بارتكاب الجريمة. في 10 آذار طوّق جعجع في غدراس. وفي 23 منه أصدرت حكومة رفيق الحريري قرارها بحل القوات وإسكات الاعلام المرئي والمسموع. صعد بيارو الى جعجع حاملاً سؤالاً واحداً: ماذا أفعل بالتلفزيون؟
أجابه رفيقه القديم: “شو ما بدك، بس خلص المؤسسة”. طرح الضاهر امكان الاستعانة بسليمان فرنجية، وافق جعجع. بعد اسابيع ذهب جعجع الى اليرزة معتقلاً، وذهبت المحطة الى فرنجية لاجئة محمية. بعد شهرين على اعتقال جعجع في 21 نيسان 1994، صدر القانون 382/94، تنظيم الاعلام المرئي والمسموع. ألغيت كل المؤسسات السابقة، وأنشئت اخرى جديدة، بينها واحدة نالت ترخيصاً تلفزيونياً فئة أولى، باسم «المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال». المساهمون اكثرية مطلقة لفريق بيار الضاهر، اضافة الى نسب اخرى لعصام فارس وفرنجية ونبيل البستاني وميشال اده وآخرين كثر. أقلعت المحطة في الاجواء السياسية المفروضة، وبدت مرتاحة في تكيفها الجديد، بالوجوه ذاتها والاسماء ذاتها، لكن بلغة مغايرة، غالباً مناقضة، وأحياناً مزايدة.
وفي هذه الاثناء قيل إن تمويلاً معيناً ظلت تؤمنه المحطة، إن مباشرة او بواسطة مؤسسات انطوان شويري الاعلانية الشقيقة، لمصلحة ستريدا جعجع، الى ان اطل صيف 1998، انتخابات بلدية شهدت تقارب جعجع مع الحريري في بيروت، فانفجرت فجأة سيارة مفخخة في منطقة الدورة منتصف حزيران واقتيد الضاهر والشويري وآخرون الى التحقيق.
النتيجة: وقف تمويل جعجع، إشراف سياسي مباشر على المحطة، وتبديلات في بعض الوجوه. لم يطل الأمر اكثر من اشهر قصيرة. خريف 1998 جاء اميل لحود الى الرئاسة، اصطفت المؤسسة على خط بعبدا وعادت الامور الى نصابها، حتى 27 تموز 2005.

 



تاريخ العلاقة
بعد تأسيس سريع في 23 آب 1985، برعاية الياس حبيقة وصولانج الجميل وسمير جعجع وكريم بقرادوني، لم يلبث الاول ان جرد انتفاضته الاولى على المحطة، في شكل تزامن مع حركته الانقلابية الشهيرة في 9 أيار من ذلك العام. فانتقل التلفزيون الى اجواء «الاتفاق الثلاثي»، ليظل فيه نحو اشهر، انتهت بالانتفاضة الثانية التي قادها جعجع ضد حبيقة في 15 كانون الثاني 1986.
بعدها بدا تلفزيون “القوات” متجهاً الى حقبة من الاستقرار بقيادة جعجع وإدارة «بيارو» كما يسمي القواتيون الشيخ بيار الضاهر. لكن قلاقل 10 آب من العام 1986 كادت تلامس مقر المؤسسة في دار المعلمين سابقاً في صربا ـــ جونيه. يومها قامت مجموعات من المتململين من قيادة جعجع بحركة اعتراضية مسلحة، لم تلبث ان اجهضت بعد مواجهة عسكرية في حرم المحطة نفسها.
بعد 10 آب 86 ارتاحت “أل بي سي” 6 سنوات كاملة افتقد خلالها كثيرون الراحة. انتهت ولاية أمين الجميل بفراغ رئاسي، جاء ميشال عون رئيساً للحكومة، اندلعت اولى الحروب المسيحية في 14 آذار، ثم الحرب المسيحية الكبرى في 31 كانون الثاني 1990. اجتاح السوريون المناطق الشرقية في 13 تشرين الأول من العام نفسه، قامت “سلطة الطائف”، والمحطة القواتية على استقرار داخلي، وسط العواصف الخارجية.
منتصف العام 1992 كان جعجع في بداية معاناته مع السلطة وممانعته لها. سقطت حكومة عمر كرامي في 6 أيار، جاء رشيد الصلح، وتقرر إجراء انتخابات نيابية مبكرة ومفاجئة. وقف جعجع مع القوى المسيحية المقاطعة، وتحولت المحطة منبراً للمواجهة، فوقعت محاولة الانتفاضة الرابعة.
ليل 23 ـــ 24 تموز 1992، استفاقت وزارتا التربية والاشغال العامة على ضرورة استعادة املاكهما في الكرنتينا (المجلس الحربي) وفي صربا (مقر أل بي سي)، اضافة الى ممتلكات رسمية اخرى من بيت الدين وبعقلين وسواهما. صباح اليوم التالي كانت “اللبنانية للإرسال” تنقل من صربا الى أدما، من دون انقطاع البث ولا حتى ثانية واحدة.
عامان من الاستقرار النسبي في المركز الجديد المشترى نقداً من «الصندوق الوطني» التابع للقوات، وبداية تمايزات سياسية وإدارية بين جعجع والضاهر حول المؤسسة والوضع العام الأداء والمواقف. تمايزات انعكست اكثر من مرة داخل المحطة: ترك ايلي صليبي الاخبار ليحل محله جاك واكيم فترة وجيزة.
تبدل الكثير من المذيعين والمذيعات والمسؤولين وصولاً حتى استقالة الضاهر نفسه سنة 1993، ومسارعة جعجع الى تعيين مدير مكتبه، ابراهيم اليازجي، مسؤولاً عن التلفزيون. لكن اسابيع قليلة كانت كافية لاستدراك الوضع، عاد «بيارو» وعاد التعايش الحتمي الصعب.
في 27 شباط 1994 انفجرت كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل. اتهم وليد جنبلاط سمير جعجع بارتكاب الجريمة. في 10 آذار طوّق جعجع في غدراس. وفي 23 منه أصدرت حكومة رفيق الحريري قرارها بحل القوات وإسكات الاعلام المرئي والمسموع. صعد بيارو الى جعجع حاملاً سؤالاً واحداً: ماذا أفعل بالتلفزيون؟
أجابه رفيقه القديم: “شو ما بدك، بس خلص المؤسسة”. طرح الضاهر امكان الاستعانة بسليمان فرنجية، وافق جعجع. بعد اسابيع ذهب جعجع الى اليرزة معتقلاً، وذهبت المحطة الى فرنجية لاجئة محمية. بعد شهرين على اعتقال جعجع في 21 نيسان 1994، صدر القانون 382/94، تنظيم الاعلام المرئي والمسموع. ألغيت كل المؤسسات السابقة، وأنشئت اخرى جديدة، بينها واحدة نالت ترخيصاً تلفزيونياً فئة أولى، باسم «المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال». المساهمون اكثرية مطلقة لفريق بيار الضاهر، اضافة الى نسب اخرى لعصام فارس وفرنجية ونبيل البستاني وميشال اده وآخرين كثر. أقلعت المحطة في الاجواء السياسية المفروضة، وبدت مرتاحة في تكيفها الجديد، بالوجوه ذاتها والاسماء ذاتها، لكن بلغة مغايرة، غالباً مناقضة، وأحياناً مزايدة.
وفي هذه الاثناء قيل إن تمويلاً معيناً ظلت تؤمنه المحطة، إن مباشرة او بواسطة مؤسسات انطوان شويري الاعلانية الشقيقة، لمصلحة ستريدا جعجع، الى ان اطل صيف 1998، انتخابات بلدية شهدت تقارب جعجع مع الحريري في بيروت، فانفجرت فجأة سيارة مفخخة في منطقة الدورة منتصف حزيران واقتيد الضاهر والشويري وآخرون الى التحقيق.
النتيجة: وقف تمويل جعجع، إشراف سياسي مباشر على المحطة، وتبديلات في بعض الوجوه. لم يطل الأمر اكثر من اشهر قصيرة. خريف 1998 جاء اميل لحود الى الرئاسة، اصطفت المؤسسة على خط بعبدا وعادت الامور الى نصابها، حتى 27 تموز 2005.

 


 

عدد السبت ٣٠ أيلول

****************************** 

 

الخيانة في فلسطين عينك عينك

[ 27/09/2006 - 01:15 م ]

د. عبدالستار قاسم


 

أستاذ جامعي - جامعة النجاح -مرشح للرئاسة الفلسطينية-فلسطين
 

لم يعد غريبا أن يقف خائن فلسطيني على شاشة التلفاز يصافح صهيونيا يغتصب الأرض ويشرد الشعب، ولم يعد في الدعوة إلى الاعتراف بإسرائيل شيئا يدعو إلى التواري أو الخجل.

عينك عينك يقف فلسطينيون أمام العدسات ويصرحون أمام وسائل الإعلام بأن على حماس أن تعترف بإسرائيل إذا رغبت في توفير رغيف الخبز للشعب الفلسطيني.

هؤلاء الفلسطينيون يتعاونون مباشرة الآن مع إسرائيل والولايات المتحدة، ويشاركون في حصار الشعب الفلسطيني، ويستعملون الشعب وحاجته المالية من أجل إركاعه بالمزيد وإسقاط حكومة حماس.

حماس لا تجرؤ أن تقول للخائن خائنا، وتوافق على وثيقة الوفاق الفلسطيني التي تعني بعدة طرق الاعتراف غير المباشر بإسرائيل.

أما الشعب فيعرف أن الخيانة تُمارس في وضح النهار، ويعرف أن هناك من يتاجر بآلامه وأحزانه، لكنه يعي أيضا أن عليه أن يدفع ثمن سكوته على كل ما تم ارتكابه من خطايا عبر السنوات الطويلة.

لقد وضعت القيادة لقمة خبز الناس بيد العدو، وطأطأ الشعب رأسه، وتهافت الناس على وظائف وهم يعرفون سلفا أن الرواتب تأتي من عدو يطلب مقابلها تنازلات سياسية.

هناك قيادات فلسطينية الآن غارقة بالفساد والخيانة، وتقول إنها تنتمي لحركة فتح، وهي التي ألحقت بالحركة الهزيمة الانتخابية وبالشعب الدمار، تتآمر على الشعب الفلسطيني وتستغل حاجة الموظفين.

هناك أموال تم الوعد بصرفها للموظفين ولم تُصرف، وهي تختزن هذه الأموال من أجل رفع وتيرة الضغط على حماس لكي تستقيل الحكومة.

هؤلاء مثقلون بغيابهم عن السلطة لأنهم فقدوا الجاه ومصادر السرقة والاختلاس؛ وهؤلاء يدركون أن أسيادهم في إسرائيل وأمريكا سيلقون بهم في القمامة إن لم يتمكنوا من إسقاط الحكومة.

لا شك بأن حماس قد ارتكبت أخطاء عدة على رأسها الانغلاق والاستئثار بمواقع اتخاذ القرار ما أمكن، والفصائل الأخرى شريكة بما يجري لأنها تتعامل مع رؤوس الخيانة وكأنهم قادة وطنيون.

لقد ربطت تلك الفصائل نفسها بالخونة حتى تجذرت مصالحها معهم.

عار على شعب فلسطين الذي يقدم التضحيات على مدى مائة عام أن يسكت على الخيانة أو أن يهادنها ويتعايش معها. فلسطين ليست رغيف خبز، ودماء الذين استشهدوا من أجل التحرير والحرية ليست رخيصة إلى هذا الحد.

نحن بإمكاننا أن نحمل بعضنا من خلال برامج التكافل والتضامن، وليس من خلال الأموال الأوروبية الأمريكية.

لا خير فينا إذا كان الفلسطيني لا يريد حمل أخيه الفلسطيني، ولا خير فينا إن اعتمدنا على التوسل والتسول.

علينا أن نقف بجرأة وشجاعة في وجه الخيانة، وأن نعلنها صراحة وبوضوح أن كل الذين يتمرغون في الأحضان الأمريكية والإسرائيلية عبارة عن خونة.

قوى 13/أيلول تعمل بجد ودأب على تصفية القضية الفلسطينية منذ أن صافحت الصهاينة وقررت ربط رغيف الجياع بالإرادة الأمريكية الإسرائيلية.

هذه القوى تجر الشعب إلى الخواء والبغاء والنذالة، وعلينا نحن جميعا أن نثور لأنفسنا وندافع عن شرفنا وعن قدسية الأرض والحق.

لا خير فينا إن بقيت هذه القوى تسرح وتمرح وكأن شعب فلسطين قد آل إلى مرتزقة تنتظر العلف من أهل الغرب.

وعلى حكومة حماس أن تخرج من هذا الانغلاق لتتفاعل مع الناس نحو إيجاد الحلول.
 

 

***

 

 

عندما تصبح فلسطين رغيفاً ................... د. عبد الستار قاسم

 

 

 

لم يكن خافياً في الاستراتيجية الصهيونية العمل على تحويل الشعب الفلسطيني إلى مجرد أفراد يبحثون عن لقمة الخبز، من دون أن يكون لديهم وعي جماعي أو تطلعات جماعية. وجود الشعب الفلسطيني، بالنسبة للصهاينة، كشعب يشكل أرقاً دائماً، وهمّاً ماثلاً، وهوية لا تنفك تطالب بحقوقها، وكان التفكيك عنواناً استراتيجياً يتم العمل نحو تحقيقه. حاولت “إسرائيل” ومن يؤيدونها توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية ودمجهم في المجتمعات العربية التي يوطّنون فيها لكي تنسى الأجيال حكاية فلسطين، لكن كل المشاريع التوطينية فشلت. وكان هناك أعداد الفلسطينيين الكبيرة التي بقيت في فلسطين المحتلة 48 وتلك التي وقعت تحت الاحتلال عام 1967 ليتم التخلص من بقائها الجماعي.

 

حاولت “إسرائيل” تذويب الفلسطينيين الموجودين على أرض فلسطين الانتدابية بوسائل مختلفة. بالنسبة لمن هم في الجزء المحتل ،1948 عملت “إسرائيل” على تذويب هويتهم الدينية والقومية والتراثية، واتبعت سياسات من شأنها تفتيت نسيجهم الاجتماعي والأخلاقي وإبعادهم تماماً عن كل ما يشكل لهم رمزاً أو حافزاً نحو البقاء معاً. نجحت جزئيا بخاصة في أوساط الذين تعمدت تجهيلهم وطوعتهم اقتصاديا وحولتهم إلى عالة على مؤسساتها المالية والأمنية، لكن فشلها الجزئي ما زال ينبثق إلى رعب يحاصرها خاصة في أوقات الحروب. فوجئت “إسرائيل” بمدى الوعي الفلسطيني إبان حرب عام ،1973 وحرب الخليج عام ،1991 وحرب لبنان عام 2006 والانتفاضتين عامي 1987 و2001 حيث جاهر الفلسطينيون بتلاحمهم مع كل ما هو عربي.

فشلت “إسرائيل” في الجزء المحتل 1967 حيث لم تتمكن كل إجراءاتها القمعية والإغرائية من تحويل الفلسطينيين عن وعيهم الجماعي ومطالبهم الوطنية وتطلعاتهم القومية والإسلامية. وقد وجدت “إسرائيل” أن حدة المقاومة تزداد يوما بعد يوم، وأن الجيل القادم أشد تمسكاً بجماعيته من الذي سلف.

لكن السياسة الفلسطينية أفسدت إلى حد كبير هذا الفشل “الإسرائيلي” وحولته جزئياً إلى نجاح وذلك عندما تخلت عن الثوابت الفلسطينية وقررت الاعتراف ب”إسرائيل” وإقامة علاقات معها وتوقيع اتفاقيات. كان من أبرز المطبات التي هوى فيها الوعي الجماعي الفلسطيني هو الاعتراف والتنسيق الأمني مع “إسرائيل” وفصل قضية الفلسطينيين في الضفة والقطاع عن قضايا الشعب الفلسطيني في كل مكان آخر. تساءل الفلسطيني العادي عن جدوى وعيه الجماعي إذا كانت القيادات الفلسطينية تخطو خطوات كانت مصنفة خيانيا على مختلف الصعد بما فيها صعيد منظمة التحرير الفلسطينية.

أخطر ما برز في الاتفاقيات مع “إسرائيل” هو الموضوع المالي الذي وضع لقمة خبز الفلسطينيين بيد أعدائهم الغربيين الذين يحرصون على “إسرائيل” ولا يكترثون بعودة اللاجئين. وقعت القيادة الفلسطينية اتفاقية باريس الاقتصادية التي تجعل الحركة المالية الفلسطينية بيد “إسرائيل”، وتضع الاقتصاد الفلسطيني البسيط تحت رحمة الحركة التجارية العالمية التي لا ترحم صغار المنتجين والفقراء، ووافقت على فتح مؤسسات مالية مثل البورصة والمصارف لتجعل من المال الفلسطيني هدفا يسهل استنزافه. ومن ثم طمعت القيادة الفلسطينية بأموال الدول المانحة التي ستتدفق إلى جيوب الفلسطينيين من دون عناء أو تعب.

تم التحذير من قبل أناس كثر، كنت أنا من بينهم، من هذا الاتفاق وهذا الطمع على اعتبار أن الذي يستند إلى غيره في لقمة خبزه لن يشبع إلا ذلاً، وأن الدول الغربية ستغلق حنفية المال في حال غضبت على الفلسطينيين أو لم ترق لها بعض سياساتهم. لم تكن هناك أذن صاغية، وعملت القيادة الفلسطينية على ضرب الإنتاج الفلسطيني من خلال تشجيع الاستيراد، ورفعت من أعداد الموظفين الذين يتقاضون رواتب من الغرب؛ وقد فاقت أعداد الذين عطلتهم عن أعمالهم الإنتاجية أعداد الذين وظفتهم، وعلماء الاقتصاد يعرفون الأخطار المترتبة على ذلك. هكذا اقترفت القيادة الفلسطينية خطيئة مزدوجة: عطلت الإنتاج الذي يشكل اعتمادا على الذات، ورفعت من اعتماد الفلسطينيين على الأوروبيين والأمريكيين.

فازت حماس في الانتخابات فحلت أسباب عقاب الفلسطينيين مالياً. لا يستطيع أحد أن يلوم شخصاً عادياً سعى للحصول على وظيفة في زمن عزت فيه الوظائف والأشغال والأعمال، ومن حق الموظفين أن يطالبوا برواتبهم. لكن الخطر الذي يتهدد الشعب الفلسطيني الآن هو تلبية مطالب الدول الغربية و”إسرائيل” لقاء رغيف الخبز. إذا استكان الفلسطينيون فإن الفلسطيني العادي سيدرك أن إرادته الانتخابية قد أصبحت بيد الممولين، وسيدرك الممولون أن الشعب الفلسطيني يخضع للضغط المالي ومن الممكن التطاول عليه بالمزيد.

الضائقة في فلسطين الآن أشد وطأة من رغيف الخبز لأن الإرادة السياسية الفلسطينية على المستويين الجماعي والفردي على المحك. هل ستتقلص القضية الفلسطينية إلى مجرد رغيف خبز فيخضع أهل فلسطين ويقبلون مساومة اللقمة بالحقوق الوطنية؟ أم هل سيصمد الشعب ويقرر إقامة نظام من التكافل والتضامن مع البحث عن منافذ لإدخال أموال بطريقة أو بأخرى؟ هل سنرى سياسة اقتصادية فلسطينية جديدة تركز على عرق الجبين وإحياء ما تعطل من ورش ومعامل ومزارع، أم ستبقى الحكومة الفلسطينية الحالية غارقة في عزل نفسها عن الجمهور وتائهة في قلة حيلتها؟

هذه محطة فلسطينية صعبة جداً بخاصة أنها تتواكب مع انفلات أمني في الضفة والقطاع، وبنسيجين اجتماعي وأخلاقي مهشمين. غابت عن الفلسطينيين الكثير من الحكمة في السنوات السابقة مما أثر في الوعي الجماعي، فهل سنشهد ردة إلى ذلك الوعي الذي يشكل الحصن المنيع أمام مختلف السياسات التفتيتية؟ لقد خاض الفلسطينيون تجارب مؤلمة عبر السنوات وخرجوا منها، ولا أرى أن السيرة التاريخية ستتبدل هذه المرة.

****