بحث اسرائيلي: مناهجنا تمنع التسوية مع العرب

تشيطن العرب وتجردهم من انسانيتهم

 

صالح النعامي

دلت معطيات بحث انجز في إسرائيل حديثاً على أن كتب التعليم الإسرائيلية حالت دون تحقيق السلام مع العرب. وحسب البحث الذي أعده الباحث الإسرائيلي ايلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا فأن كتب التدريس الاسرائيلية أشعلت طيلة نصف القرن الماضي جذوة الصراع الفلسطيني العربي، وكرست حالة الحرب، وحالت دون التوصل للسلام بين العرب واليهود. ووصف بوديا مناهج التدريس اليهودية ب " المنحرفة "، منوهاً الى أن هذه المناهج تتميز بطغيان الصورة النمطية والأفكار المقولبة حيال العرب، وزرع كراهيتهم في نفوس التلاميذ الإسرائيليين إلى حد الاستنتاج بأن ما جرى داخل جدران المدارس الإسرائيلية قد اثر إلى مدى بعيد في قرار الحرب والسلام لدى قادة الدولة العبرية. واشار البحث الذي جاء تحت اسم " الصراع" الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية العبرية" ، و الصادر عن مؤسسة مدار لدراسة الشؤون الإسرائيلية في رام الله، الى ان الكتب المدرسية الإسرائيلية رعت نوعاً من الصراع الصامت بين الطرفين وحافظت عليه، وقادت بطريق غير مباشر إلى اثارة الصراع المسلح. واكد بوديا، ان جهاز التعليم الإسرائيلي قد اختار النهج القومي الذي يخضع الماضي لاحتياجات الراهن والمستقبل على حساب الحقيقة والموضوعية في كتابة التاريخ بهدف خلق ذاكرة جماعية متميزة، منوهاً الى أن ثلاثة ارباع الكتب التي تستخدم في المدارس الإسرائيلية ليست مجازة ما يعني انكشاف التلاميذ إلى مواد اكثر خطورة. واكد الباحث أن كتب التاريخ الإسرائيلية التي اخضعها للبحث انشغلت بتعميق القيم الصهيونية ورعاية الأساطير والتمجيد بأبطالها ضمن صهر المهاجرين في بوتقة وذاكرة جماعية واحدة.
ولفت إلى أن تلك الكتب وصفت الصراع بطريقة تبسيطية أحادية الأبعاد ومشبعة بعدم الدقة إلى حد التشويه. وأوضح الكاتب أن هذه الكتب سعت لشيطنة العرب وتجريدهم من إنسانيتهم، ما أدى إلى ترسيخ صورة نمطية لدى الإسرائيليين الذين ظهروا دائماً بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوماً نحو التدمير".وحول تناول هذه الكتب لاول مواجهة مع المسلمين التي حدثت في المدينة المنورة، فان هذه الكتب تصف القبائل اليهودية في تلك الفترة بأنها " شريفة ومحترمة وشجاعة، بينما وصف العرب بأنهم ماكرون وخونة وبأنهم هزموا اليهود بالخدعة والمؤامرة ".ونوه الكاتب إلى ان تعابير مثل متوحش ومحتال ومخادع ولص وسارق وإرهابي، كانت كثيراً ما تستخدم في وصف العربي بينما ما يرتكب ضد اليهود يسمى عداوات ومذابح ومجازر بغية خلق صلة بين العرب وبين اللاسامية المتأصلة في تجارب التاريخ اليهودي في أوروبا، مشيراً الى أن العرب يوصفون بأنهم النسخة الحديثة من العماليق، ألد اعداء الإسرائيليين في التوراة. ويؤكد الكاتب أن كتب التدريس عززت عملية ابتعاد اليهود عن العرب، وهذا بدوره زاد من مستوى اسطرة الصراع وعزز الميل إلى تجريد العرب من انسانيتهم".. ونوه الكاتب إلى ان التحامل الإسرائيلي ضد العرب كان اسقاطاً للموقف اليهودي تجاه الغريب في الشتات. ويقتبس الباحث  قول الباحث اليهودي سيغريد ليحمان، الذي قال: "نحن كيهود نميل إلى رؤية العربي كغير اليهودي كأحد الاغيار، نحن كأوروبيين نراه آسيوي خصماً لتطلعاتنا القومية وكاشتراكيين نحن نراه كممثل لاشد انماط الرجعية سواداً".. وأشار بوديا، إلى أن ردة فعل غريبة جاءت في اسرائيل على زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حيث حرص كبار المسؤولين في الدولة على الدعوة الى  تعميق القيم الصهيونية على حساب ثقافة السلام. واقتبس من كلام الوزير التعليم السابق زبولون هامر قوله: "هناك زعماء عرب يظنون انهم ان لم يكونوا قادرين على القضاء علينا في ميدان المعركة، فإنهم سينجحون في فعل ذلك عن طريق عملية " السلام ". ويؤكد الباحث أن كتب التدريس الاسرائيلية تحاول ان تكرس قناعة مفادها ان السلام مع العرب " يهدد إسرائيل المهزوزة ويستلزم تحصين الناشئة بتقوية الوعي الصهيوني".. ويؤكد البحث انه عندما حاول وزير التعليم السابق اسحاق نافون احداث تقارب بين التلاميذ العرب واليهود داخل اسرائيل، لم يشارك في هذه الأنشظة الا 2% من المربين اليهود، منوهاً للموقف

الصارم للمؤسسة الدينية اليهودية الرافض لعقد مثل هذه اللقاءات،بحيث ان ذلك يثبت ان الذاكرة الجماعية لليهود كضحايا لمخططات الاضطهاد والابادة جعلتهم "سجناء ماضيهم الخاص".. ويؤكد الباحث أن الإسرائيليين كانوا يعرفون عن الإسكندينافيين أكثر مما يعرفونه عن جيرانهم العرب، وهو ما ساهم في تعقيد الصراع كما ساعد في خلق أرضية بررت استخدام القوة ضد العرب.ونوه إلى أن 4.1% فقط من الوقت المحدد للتاريخ في المدرسة الإسرائيلية قد خصص للتاريخ العربي، لافتاً إلى موافقته على رأي باحثين أجانب بأن اليهود نقلوا صورة الأغيار من الشتات إلى إسرائيل وسلطوها على العرب بشكل خاطئ. من ناحيته يقول الكتاب و الناقد أنطوان شلحت، الذي كتب مقدمة للبحث أن السنوات التي تلت العام 2000 قد شهدت صعوداً يمينياً متطرفاً إلى رأس هرم جهاز التعليم في الكيان، بعد تسلم ليمور لفنات من حزب الليكود حقيبة التعليم. واقتبس شلحت الباحث سامي شالوم، الذي رأى بفترة وزيرة التعليم السابقة ليمور لفنات الاكثر خطورة بالنسبة للتعليم الإسرائيلي، باعتبارها "قاب قوسين أو أدنى من الفاشية التامة". ونوه الى ان ليفنات قد اخرجت كل ما ليس مستمداً من الرواية الصهيونية التاريخية، والتي تعتبر ان فلسطين كانت خالية من السكان عدا قلائل هربوا عام 1948.

طالع بقية القضايا على موقع صالح النعامي www.naamy.net


*


 

شكرا لرئيس الوزراء

بقلم: أنور حمام

 

في الخامس والعشرين من الشهرالحالي ومع بداية  شهر رمضان المبارك تسلمت قرارا ممهورا بتوقيع رئيس  الوزراء، والقرار يقضي بالغاء درجتي الحالية وعودتي للدرجة  السابقة – ما قبل الترقية -، وهذا قرار غريبٌ عجيبٌ ذلك انه لم يحدث له مثيل من قبل في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية، والقرار لم يطلني وحدي بل طال مجموعة من الاخوة والاخوات زملاء العمل، وكم كان هذا القرار مثيرا للحزن والألم باعتباره يمثل مساسا شخصيا ومهنيا ووظيفيا ونفسيا، بل أكثر من ذلك للقرار دلالات درامية وكوميدية في ذات الوقت، فمنذ شهور ونحن ننتظر ما وعدت به الحكومة الجديدة العاشرة من اجراءات اصلاحية ادارية في بنية السلطة وما فيها من وزارات ومؤسسات، ولكنني لم أفكر ولو للحظة أنني سبب المشكلة الادارية في السلطة، وان  الاصلاح الاداري يعني نزع درجتي الوظيفية، على أسس يبدو انها لم تكون الا اسس حزبية، ولم أفكر للحظة انني ساكون مستهدفا من قبل أي حكومة مهما كان لونها السياسي، كوني متخصص في مجال عملي وحاصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، وباحث متخصص في سوسيولوجيا اللاجئين.

المحزن والدرامي انني لطالما اعتقدت انني ممن عملوا بصمت وبكل اخلاص في كل المواقع التي تدرجت بها، في الحكومة وخارجها، فقد كان لي شرف المساهمة برفقة الاخ حسام خضر في تأسيس لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين  مطلع العام 1994كاول مؤسسة فلسطينية شعبية اهتمت ووعت ضرورة التركيز على حق العودة. والعمل على نشر الوعي به، وداخل الحكومة عملت كفلسطيني حر واستنادا لتخصصي وتدرجت وراكمت خبراتي داخل الوزارة ابتداءً من موظف في احدى المديريات، الى رئيس قسم فيها، الى مدير لمؤسسة، فمدير لمكتب الوزير واخير رئيسا لوحدة تنسيق ومتابعة عمل مديريات الشؤون الاجتماعية في الضفة الغربية. والدرامي ان يتم اتخاذ قرار يمس الموظف دون الرجوع للموظف نفسه أو البحث عن الامكانياته ومؤهلاته العلمية وخبراته وقدرته على العمل، بل دون الرجوع الى الملف الوظيفي.

 شعوري الحقيقي انني رحت ضحية صراع من أجل السيطرة على المراكز العليا في السلطة، والا لماذا يتم ترقية موظفين وفي ذات الوقت يتم الغاء ترقية موظفين اخرين، علما أن من تم ترقيتهم في مؤسستنا نحن (من صدر بحقنا القرار) أكثر منهم خبرة وشهادتنا العلمية أعلى، ولكن يبدو ان الحسابات الاخرى كانت عنصر الحسم.

مؤلم ان يتم تهميش موظف وممارسة التعسف الوظيفي بحقه، من حكومة تدعي انها جاءت من أجل الاصلاح والتغيير، ولكن يبدو ان التغيير المقصود هو تغيير للشخوص وليس للأفكار والبرامج والاستراتيجيات. كنا ننتظر من الحكومة ان تجعل من الموظف شريكا لها في مشروعها المعلن بالنهوض بواقع السلطة، ولكن للاسف ما حدث على العكس تماما شعور بالغربة والاحباط، وشخصيا كنت دائما أعيش شعورا رائعا كوني جزء أصيل من الوزارة وما يحدث داخلها، وساهمت بكل ما أوتيت من قوة من أجل رفع شأنها، لكنني الأن اشعر كغيري بالاغتراب، فشكرا لرئيس الوزراء.

 

* موظف في وزارة الشؤون الاجتماعية

           *

عبده وازن قارئاً محمود درويش ومحاوراً اياه ... الشعر هوية متحولة والأنا لا تكتمل إلا بالآخر

شوقي بزيع     الحياة     - 29/09/06//

 

 

 

 

حسناً فعل عبده وازن بإصدار الحوارات التي كان أجراها مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش ونشرت في جريدة «الحياة» في كتاب مستقل، مضيفاً اليها قراءات نقدية في بعض أعمال درويش الأخيرة. ذلك أن محاورة الكبار من الشعراء والروائيين والمبدعين عموماً، قد تتيح لهؤلاء فرصة نادرة لتقديم تجاربهم في محطاتها المختلفة من جهة وللوقوف على الخلفيات الفكرية والمنابع الحياتية والوجدانية لهذه التجارب من جهة أخرى. وإذا كانت هذه الحوارات تتم بين شاعرين مختلفي المناهل والأساليب، أو بين ناقد محترف ومبدع كبير، فإنها تتيح لهذا الأخير قدراً من البوح والمكاشفة الصادقة التي يتعذر عليه تقديمها في مذاكراته أو سيرته الذاتية بسبب الخجل أو الحرج من أن يكون الوجه والمرآة في آن واحد. وما يعزز هذا الزعم أن الحوارات المطولة التي أجريت سابقاً مع مبدعين آخرين من وزن غابرييل غارسيا ماركيز ونجيب محفوظ وأدونيس وصلاح ستيتية وغيرهم ضاهت في جمالها وعمقها أبرز النصوص الأدبية ومكَّنت القراء من الوقوف على الكثير من خفايا الكتابة ومباهجها وعذاباتها وأسرارها المغلقة.

 

كان يمكن لعبده وازن بالطبع أن يكتفي بنشر حواره المطول والغني مع محمود درويش ولكن استهلال كتابه «محمود درويش/ الغريب يقع على نفسه»، والصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر، بالمقالات التي تناولت أعمال الشاعر الجديدة أعطى للكتاب لمسة خاصة ووفر للقارئ مقاربة أخرى للعلاقة بين شاعرين ينتمي كل منهما الى جيل مختلف كما والى رؤية مختلفة للشعر. فوازن الذي يكتب قصيدة النثر منذ نعومة أظفاره ينتمي الى حساسية شعرية مختلفة لغة وإيقاعاً وأسلوباً عن حساسية درويش التي لم تغادر الوزن إلا في ما ندر والتي لا ترى في الإيقاع الخارجي عائقاً أمام مشروعها الحداثي وتجريبيتها الجريئة. ولهذا السبب بالذات يكتسب الحوار صدقية كبيرة ودلالات متعددة الإشارات كونه لا يتم بين متشابهين أو متماثلي النظرة الى الشعر بل بين ضفتين متباينتين للكتابة. ومع ذلك فإن قبول الآخر واحترام مشروعه التعبيري والرؤيوي، على رغم الفروق، هو ما يعطي الكتاب قيمة اضافية في زمن التنابذ والاستئصال والحروب الصغيرة القائمة حول معنى الشعر وهويته ودوره.

في تقديمه للكتاب يلح عبده وازن على التغيرات التي أصابت شعر محمود درويش في أعماله الجديدة والتي ظهرت ارهاصاتها مع أعمال أكثر قدماً على المستوى الزمني مثل «ورد أقل» و «لماذا تركت الحصان وحيداً». كما يكشف عن قدرة درويش الدائمة على تجديد نفسه بين كتاب وآخر ملمحاً مع ذلك الى ان المرحلة القديمة من شعر درويش، وشعراء فلسطينيين آخرين كانت «تمتدح البطولة والحماسة وتدعو الى الشهادة فداء للأرض المسلوبة» كما «كانت القضية تسبق الشعر وتصنعه وكان الشعر دوماً وراءها، يتأثر بها أكثر مما يؤثر فيها». وقد لا يكون الكاتب مغايراً للحقيقة من بعض الوجوه حيث تكون البدايات غالباً متصلة بالغناء والترسل العاطفي الحماس المبكر للقضايا التي يرتبط بها الشعراء. إلا أن هذه المسألة في رأيي تحتاج الى مزيد من التفحص والنقاش لا بالنسبة الى محمود درويش وحده بل بالنسبة الى شعراء مماثلين أيضاً. ذلك أ ن في الأعمال الأولى وان اعوزتها المهارات العالية التي يكتسبها الشاعر عبر الدأب والاشتغال والتقصي المعرفي في الكثير من اللهب وقوة العصب والفوران التلقائي للُّغة. لذلك فإن ميزاناً للربح والخسارة لا تنبغي إشاحة النظر عنه في تناول أية تجربة شعرية بالمطلق. وقد آن الأوان أيضاً أن ننصف أولئك الذين رأوا في شعر صاحب «عاشق من فلسطين» و «أعراس» و «محاولة رقم 7» اجتراحاً مبكراً للمعادلة الصعبة التي تجمع بين الانتماء للقضية وبين ترجيحاتها التعبيرية الحافلة بالصدق والتوهج وملموسية الصور والأحاسيس. وإذا كان البعض يرون في البواكير على عفويتها، التصاقاً بلحم الحياة ودمها الفتي وبذلك الانفجار الأصلي الذي يشبه رعشات البلوغ الأولى فإن تلك النظرة ليست بعيدة جداً عن الحقيقة وان كانت تتبلور في شعر درويش، وقلة معه، أكثر مما تتبلور عند آخرين، تبعاً لتكوين كل شاعر وقوة موهبته.

بمعزل عن هذه الاشارة التي تحتاج الى مزيد من البلورة والنقاش يظهر عبده وازن في قراءته لمحمود درويش قدرة فائقة على الإنصات الى دبيب شعره الخفي كما الى ايقاعاته التي تعتمد التدوير والتقفية الداخلية في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت» كما الى إفادته من قصيدة النثر وتلمس اختباراته الجديدة للغة كما لتناول العالم في تفاصيله ونثاره اليومي. كما يشير الى أن المعايير التي اعتبرتها سوزان برنار أساساً في رسم ملامح قصيدة النثر وتعريفها تنطبق برمتها على شعر محمود درويش باستثناء المجانية التي فقدت في رأيه ذريعتها حتى لدى شعراء النثر أنفسهم. اضافة الى ذلك يركز وازن على صورة الأنا/ الآخر لدى الشاعر بما يجعل كليهما وجهين لحقيقة واحدة وبما يتصادى مع رؤية رامبو الى العالم والذي جعله درويش قناعاً له في بعض قصائده. ثمة أيضاً قراءات مماثلة لديوان «سرير الغريبة» الذي يتجاوز ثنائية المرأة/ الأرض في شعر درويش السابق ليدخل بدوره في لعبة انصهار الأنا بالآخر وسعيهما معاً نحو كينونة واحدة. هذا الانصهار يتكرر عند الشاعر في غير وجه حيث يصبح انصهار الشعر بالنثر وانصهار الغنائية بالفكر وانصهار الذات بالعالم. أما «الجدارية» فيرى وازن فيها نوعاً من الملحمية الخاصة أو الذاتية التي تستبدل الصراع بين الجماعات وبينهم وبين الآلهة بصراع مع الموت يسبر من خلاله الإنسان معنى وجوده على الأرض ويرى الى الفن بصفته الوسيلة الأنجع لمخاتلة الموت ما دمنا غير قادرين على هزيمته تماماً.

سيكون من الصعب اختزال اعترافات محمود درويش في الجانب الحواري من الكتاب بصفحات أو أسطر قليلة. وليست مهمة هذه المقالة بأي حال هي استعادة الأفكار التي يتضمنها الكتاب الذي لا تغني أية مقالة عن قراءة نصه الأصلي. لكن قارئ الحوار يعثر على الكثير من النقاط المشتركة بين أفكار وازن النقدية وبين طروحات درويش، وهو ما يظهر بوضوح من خلال الحديث عن البدايات وبخاصة تلك التي حذفها الشاعر من أعماله الكاملة بدءاً من «عصافير بلا أجنحة» ووصولاً الى قصائد عدة نشرت في الصحف ولم يتضمنها الديوان. وإذا كان الشاعر يتبرأ من اللافتات الشعرية التي ترفع أحياناً باسم الأيديولوجيا والقضايا الكبرى إلا أنه يبقي الأمر مفتوحاً على الشكوك حين يسأل: «ما هو الشعري وما هو غير الشعري؟». وربما كان هذا السؤال حاضراً دائماً في بال الشاعر وهو ينتقل بتجربته من طور الى طور من دون أن يمتلك اليقين النهائي. ذلك أن اليقين ليس أبداً من صفات الشعراء الحقيقيين الذين يجاورون المتنبي في قلقه الأبدي.

وما يرد في مقالات المؤلف حول المواءمة بين النثري والشعري في قصائد محمود درويش تتضح معالمه أكثر فأكثر في سياق الحوار. حيث يبدي الشاعر اعجاباً واضحاً ببعض تجليات قصيدة النثر وببعض شعرائها الذين لا يسميهم، ولو أنه دعا بعضهم الى عدم الوقوع في الفخ نفسه الذي نصب لهم من قبلُ والعمل على إلغاء الآخرين. كما يعبر عن افتتانه الشديد بالنثر الخالص وبالرواية التي يتمنى لو يملك الجلد على كتابتها، كما انه لا يجد في ازدهارها وجهاً من وجوه ضمور الشعر او اضمحلاله. يتحدث درويش بصراحة بالغة عن طقوس الكتابة لديه وعن أزمته مع الورقة البيضاء وعن الأعراض التي تلبس في البدء لبوس الايقاع الغامض.

أما اعتباره بأن كل شاعر يحمل في داخله تاريخ الشعر منذ «الرعويات الشفهية» وصولاً الى الشعر الحديث فيلتقي الى حد بعيد مع قول نوفاليس: «ان الشاعر يقف على البشرية كما يقف التمثال على القاعدة». وقد تكون بعض الأفكار التي وردت في سياق الحوار معروفة سلفاً من قراء الشاعر الذين تابعوه في حوارات عدة سابقة، كما أن بعضها المتصل بطقوس الكتابة وتهيؤاتها قد يكون مشتركاً بينه وبين شعراء كثر لكنه ما يلبس أن يفاجئ الجميع بقراءاته التي لا تخطر على بال ولا تدخل مباشرة في دائرة اهتمام الشعراء مثل قراءاته عن تاريخ القراصنة أو عن الملح أو عودته المستمرة لتصفح «لسان العرب». وقد تكون هذه اللفتة الأخيرة هي «الخبطة» الأكثر إدهاشاً في الحوار الشيق حيث انها تكشف عن مصدر غريب لإثراء قاموس الشاعر. وإذا كان قد اصطلح على أن لغة الشعر هي النقيض المباشر للغة القواميس الجامدة فإن اعتراف درويش يزيل هذا التناقض بقدر ما يكشف عن أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يستعين بكل مصادر اللغة ومناجمها الأم لكنه وحده القادر على نقل اللغة من بلادة القواميس وحيادية اللفظ ليضرم من تحتها نار المخيلة ويدخلها في زواج نادر الحدوث بين اللفظ واللفظ من ناحية وبين الشكل والمعنى من ناحية أخرى.

يبقى القول أخيراً إن العنوان الذي اختاره عبده وازن للكتاب هو من العناوين الجميلة والمشبعة بالدلالات وهو وإن كان منتزعاً من سياق إحدى قصائد الشاعر يعبر أبعد من القصيدة عن علاقة الشاعر بلغته، كما عن علاقته بذاته وبالعالم. فالشاعر هو أكثر الكائنات توحداً على الأرض ولذلك فهو غريب في اللغة كما في الحياة، في المنفى كما في الوطن، بما يؤكده قول هلدرلن: «عندما نفسك تتخطى زمنك/ غريباً تمكث حينئذٍ على رصيف بارد/ مع أهلك وأنت لا تعرفهم».

*************

 


 

مواقف ألمانيا من الحروب الأميركية جنبتها ويلات الإرهاب

GMT 8:15:00 2006 السبت 30 سبتمبر

دوتشيه فيليه


برلين: كانت برلين في مقدمة العواصم التي أعلنت تضامنها ودعمها الكامل لواشنطن في حربها على الإرهاب. لكن هذا التضامن تحول إلى جفاء بسبب معارضة برلين لحرب العراق. مواقف ألمانيا جنبتها خطر الإرهاب وليس تشديد الإجراءات الأمنية. وعقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 الإرهابية أعلن المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر تضامن بلاده "غير المحدود" مع واشنطن.

أحد أسباب هذا التضامن تمثل في أن ألمانيا كانت، كما ثبت في حينه، مقرا لتخطيط وانطلاق ثلاثة من منفذي تلك التفجيرات. وتُرجم ذلك الموقف في المشاركة العسكرية الألمانية في حرب أفغانستان وفي القرن الأفريقي في إطار الحملة الدولية على الإرهاب. لكن الأمر كان مختلفا تماما فيما يتعلق بموقف ألمانيا من حرب العراق، حيث اتخذ المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر قرارا شجاعا بعدم المشاركة في تلك الحرب، وهو ما ضمن عدم تورط بلاده في حرب لا ناقة لها فيها ولا بعير وجنبها السقوط في مستنقع تلك الحرب وبالتالي الابتعاد عن شر عواقبها التي امتدت في شكل تهديدات وتفجيرات إرهابية إلى عواصم الدول المشاركة فيها.

كما ضمنت حكومة شرودر بذلك الموقف شعبية داخلية تُرجم عبر إعادة انتخابها عام 2004. هذا ودفعت ألمانيا ثمنا غاليا جراء خروجها على خط واشنطن، حيث تعرضت العلاقات بين البلدين للجمود والتوتر. لكن على العكس من ذلك حظيت السياسة الخارجية باحترام الرأي العام العالمي عموما والعربي الإسلامي بوجه خاص، كما زاد ثقلها على الساحة الدولية.

الخوف من البطالة يفوق الخوف من الإرهاب! 

محاولة تفجير قطارات ألمانية مؤخرا وضع الإجراءات الأمنية على المحك لم تمنع مشاركة ألمانيا في "الحرب على الإرهاب" المواطنين الألمان من الإحساس ولو شكليا بالأمان وعدم الخوف من وقوع تفجيرات إرهابية على أراضيهم. وفي هذا السياق أشار استبيان للرأي أُجري في أغسطس/ آب الماضي بأن ربع الألمان فقط عبروا عن مخاوفهم من أعمال إرهابية محتملة.

بينما تمحورت مخاوف الأغلبية حول مستقبل إصلاح النظام الاجتماعي ومشكلة البطالة. حتى المخاوف من المتغيرات المناخية احتلت أسبقية لدى الألمان، مقارنة بالمخاوف من الإرهاب. لكن على الأقل منذ العثور على متفجرات في حقائب وضعت في قطارات ألمانية في شهر أغسطس/ آب الماضي أصبح ذلك الإحساس بالأمن مجرد خدعة. كما وضعت هذه المحاولة الإرهابية الفاشلة جميع الإجراءات الأمنية و الإحتياطات على المحك، لاسيما وأن القنابل لم تنفجر لأسباب فنية وليس بسبب سهر رجال الأمن والشرطة الذين لم يكن لديهم أدنى فكرة عن خطط التفجيرات. 

تشديد الإجراءات الأمنية وإصدار القوانين ليس مفتاح الحل 

 يقضة الشرطة ضرورية لكن ليست الحل دائما عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن سارعت الحكومة الألمانية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الأمنية الاحتياطية التي طالت الحريات المدنية والشخصية. وكان من هذه لإجراءات على سبيل المثال السماح للشرطة والمخابرات بالإطلاع على المعلومات الشخصية عن طريق البنوك ووكالات السفر والمصالح الخدمية، وكذلك مراقبة المساكن والجمعيات، وتشديد قانون الأمن الجوي الصادر عام 2005 لإجراءات المراقبة على المسافرين والعاملين في المجال، بالإضافة إلى السماح باعتراض الطائرات المدنية المخطوفة وإسقاطها عند الضرورة. لكن المحكمة الدستورية العليا حكمت بتعارض الكثير من هذه الإجراءات ا مع مبادئ الدستور الألماني.

يذكر هنا أنه اعتبارا من عام 2004 دخل قانون ألماني خاص بالأجانب موضع التنفيذ تستطيع بموجبه السلطات المختصة إبعاد الأجانب المتطرفين من الأراضي الألمانية بسهوله اكبر من ذي قبل. في هذا السياق يقول أخصائي العلوم السياسية كريستوف بوترفاجه بأن "النقاش حول الهجرة تم ربطة بالنقاش حول الإرهاب والأمن الداخلي"، مضيفا بأن ذلك يمثل "خلطا خطيرا" للأمور. 

البيروقراطية الأمنية وتعقيدات القضاء يحدان من فعالية مكافحة الإهراب

 في كل مرة وعقب اكتشاف خطط لأعمال إرهابية أو بعد كل تفجيرات إرهابية، لكن إيضا قبل كل انتخابات برلمانية  أصبح من الطقوس السياسية المعتادة المطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية. لكن المشكلة تكمن، وفقا لرئيس إتحاد موظفي المباحث الاتحادية الألمانية، كلاوس يانزن في كيفية توحيد وتنسيق أعمال الأجهزة المختصة بمكافحة الإرهاب وليس في توفر الوسائل التقنية والقوانين الأمنية.

ويشير المسئول الألماني إلى عدم وجود نظام موحد بين الولايات والأجهزة لتبادل المعلومات والخبرات. فالأجهزة التابعة للمكتب ألإتحادي لحماية الدستور وعددها 17 جهازا ليس لديها حتى الآن نظام موحد للمعلومات، حسب يانزن. ويضيف المسئول الألماني قائلا بأن مكافحة الإرهاب تتوزع على حوا