2006-09-28
سلام المنطقة وحديث الدولتين

عوني صادق

 

كثيرون الذين تمعنوا في الحرب “الإسرائيلية” الثانية على لبنان، وكثيرون من هؤلاء خرجوا من ذلك التمعن، بمن فيهم “إسرائيليون”، باستخلاصات عدة أهمها على الإطلاق يتصل بالعلاقة الوثيقة بين هذه الحرب - والحروب التي سبقتها - وبين فشل جهود إحلال السلام في المنطقة. هذا السلام الذي لم ينقطع حديثه منذ أكثر من نصف قرن.

 

ففي كلمته التي افتتح بها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الواحدة والستين، أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان على أهمية التوصل إلى حل لصراع الشرق الأوسط وضرورة حل (النزاع الفلسطيني- “الإسرائيلي”). وفي هذا الإطار، التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزيرة الخارجية “الإسرائيلية”، كما اجتمعت اللجنة الرباعية المكلفة بتنفيذ خطة الرئيس بوش المسماة “خريطة الطريق”. وفي الوقت نفسه، ألقت وزيرة الخارجية “الإسرائيلية”، تسيبي ليفني، خطابا أمام الجمعية العامة تحدثت فيه عن “حل الدولتين” و”خريطة الطريق”، مع التأكيد على عدم إمكانية العودة إلى حدود 4 يونيو/حزيران 1967. وكانت المجموعة العربية قد أعلنت موت “عملية السلام في الشرق الأوسط” وأعادت “ملف القضية” إلى مجلس الأمن ليجد لها حلا، مع التذكير بما يسمى “المبادرة العربية” التي أقرتها قمة بيروت، والتي تقيم الحل على أساس العودة إلى حدود يونيو/حزيران 1967 وذلك استنادا إلى “قرارات الشرعية الدولية” والمقصود بها قرارا مجلس الأمن رقم 242و338.

 

ويرى مراقبون أن عباس عاد من رحلته إلى الولايات المتحدة صفر اليدين إلا من تأكيدات على المواقف “الإسرائيلية” - الأمريكية الخاصة بالصراع وسبل حله. والأرجح أن المجموعة العربية ستعود إلى بلدانها على طريقة الرئيس الفلسطيني، أي صفر الأيادي أيضا. مع ذلك فقد عودتنا السياسة الأمريكية، ومن قبلها السياسة البريطانية أيام كانت تحكم المنطقة، على إعطاء الوعود و(الحقن المهدئة) قبل أن تتخلى عن وعودها لنا وتتخذ خطوة جديدة ضدنا، وهي بذلك وفي الوقت نفسه تملأ الفراغ والوقت الضائع.

 

في إطار هذه السياسة، ذكرت مصادر أمريكية أن مسؤولا أمريكياً سيبدأ زيارة للمنطقة هذا الأسبوع وتكون بيروت محطته الأولى “لاستكشاف” الأوضاع! كذلك جاء في تصريح للرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون، قبل أيام، قوله إن منطقة الشرق الأوسط ستشهد “مبادرة جديدة” خلال الستين يوما القادمة. من جانبيهما، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والفرنسي جاك شيراك، مؤخرا، عن الحاجة إلى عقد مؤتمر دولي لحل الصراع في الشرق الأوسط.

 

ودائما لم تكن عقدة “مشكلة الشرق الأوسط” في افتقاد الأفكار أو قلة الاقتراحات، بل كانت ودائما في عدم الرغبة في تحويل تلك الأفكار إلى برامج عمل، وفي عدم الرغبة في تنفيذ تلك الاقتراحات، فيموت بعضها ويضيع بعضها، ويسقط الباقي بالتقادم ! والدليل موجود في عشرات ما يسمى “قرارات الشرعية الدولية” بدءا بقرار الجمعية العامة رقم 181 لعام 1947 الذي قامت بموجبه “دولة إسرائيل”، والذي أقام نظريا وقانونيا “الدولة الفلسطينية” التي لم تقم حتى اليوم، إلى قرار الجمعية العامة رقم 194 الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، إلى قراري مجلس الأمن رقم 242و 338 لعامي 1967و 1973 على التوالي.

 

والآن يجري كل هذا الحديث في وقت تتواصل فيه جرائم جيش الاحتلال “الإسرائيلي” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويستمر قضم الأراضي والتمسك بالمستوطنات، ويتم رفض كل خطوة مهما كانت صغيرة يمكن أن تقود إلى حل شبه حقيقي ولو في المدى المتوسط. وعندما يتحدث الرئيس الأمريكي عن “أمله” بقيام دولة فلسطينية يضع كل الشروط الممكنة وغير الممكنة على الجانب الفلسطيني. وعندما تتحدث اللجنة الرباعية عن “خريطة الطريق” تضع الشروط نفسها على الجانب نفسه، وعندما يتحدث مفوضو الاتحاد الأوروبي عن ضرورة “حل النزاع الفلسطيني- “الإسرائيلي”” يضعون الشروط ذاتها مرة أخرى على الجانب الفلسطيني، ولا أحد من هؤلاء يخطر بباله أنه يجب وضع ولو بعض الشروط على الجانب “الإسرائيلي” الذي يحتل أراضي الغير ويقترف كل جرائم الحرب ضد شعب أعزل تحت الاحتلال ويفترض فيه الجانب “الإسرائيلي” كجيش احتلال أن يحترم وأن يلتزم باتفاقيات جنيف الدولية في زمن الحرب.

 

شروط... شروط... شروط... لا نهاية للشروط! قيام “الدولة الفلسطينية” له شروط.. وأي دولة؟ تتحدث ليفني عن “حل وسط” حيث لا يمكن العودة إلى حدود 1967 ولا يمكن الحديث عن القدس لأنها تقع في “قلب “إسرائيل” البيت القومي لليهود! هكذا تتحدث السيدة إياها وتنسى أن العودة إلى حدود 1967 بما فيها القدس الشرقية لا تعني أكثر من إعادة 22% فقط من مساحة فلسطين للفلسطينيين أصحاب الأرض! استئناف المفاوضات أيضا له شروط، والمفاوضات لها شروط، فتح معبر له شروط، تقديم منحة أو مساعدة خارجية له شروط، دفع رواتب الموظفين له شروط، تشكيل حكومة له شروط، إجراء انتخابات له شروط... كل ما له علاقة بالفلسطيني وقضيته وشؤون حياته له شروط، وأي شروط؟! شروط تحقق وتضمن أمن “إسرائيل” وأمن الجيش “الإسرائيلي” و”أمن المستوطنين والمستوطنات” الخ. وبعد ذلك يتحفوننا بالحديث عن “دولة قابلة للحياة تعيش بسلام مع جارتها إسرائيل”!! أي حديث هذا وأي دولة تلك؟ إنها تستحق بجدارة أن تسمى “دولة الشروط” وليس “دولة فلسطين”! وإلى متى يستمر هذا الهراء عن “حل الصراع”، وإلى متى تستمر مهزلة “جهود إحلال السلام في المنطقة”؟

 

الخليج

 

www.safsaf.org