2006/09/29

 

 

 

weekly_culture


 

 


<الوجه الآخر لإسرائيل> (?) لسوزان نايثن  العرب موجودون لكنهم غير مرئيين

 

بقلم صخر ابو فخر

 

صار من بديهيات البحث العلمي اليوم الانطلاق من فرضية ترقى إلى مرتبة البرهان تقول إن إسرائيل ليست مجتمعاً متماسكاً وملتحماً بقوة كالفولاذ، وهي ليست مجتمعاً إسبارطياً مرصوصاً يقاتل أفراده جميعاً كأنهم واحد؛ فهذه الصورة العتيقة ما عادت تلقى أي احترام لدى الباحث المدقق. وأبعد من ذلك، فإن الواقع الماثل أمام أعيننا يؤكد، إلى حد بعيد، ان إسرائيل مجتمع له، بالتأكيد، سمات خاصة، لكنه، في الوقت نفسه، يخضع لقوانين علم الاجتماع، بهذا القدر أو ذاك، من حيث تكوينه التاريخي ونسيجه البشري وتشققاته الإثنية والعقيدية. ومن علائم ذلك ان هناك الكثير، بل الكثير جداً، من اليهود الذين انشقوا على هذه الدولة وناصبوها العداء المرير، وفضحوا عنصريتها منذ تأسيسها سنة 1948 حتى اليوم.
ولعلنا نتذكر بعض هؤلاء أمثال عالم الاجتماع إيلان بابه والمحامية فيليتسيا لانغر والمخرجة السينمائية سيمون بيتون ورسام الكاريكاتير سيمون صبار والصحافي جدعون ليفي والصحافية أميرة هاس والباحث إيلان هاليفي (ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الاشتراكية الدولية) والموسيقار دانيال بارنباوم والآثاري يسرائيل فنكلشتاين والبروفيسور آفي شلايم والكاتب يوري دايفيس (الذي هجر المجتمع الإسرائيلي ليقيم في بلدة سخنين العربية)، علاوة على الموسيقي يهودا مينوحين والمفكر موشيه ماخوفر ومردخاي فعنونو والمناضلين أودي أديب ورامي ليفنه ودان فيريد وغيرهم كثيرون جداً.
على خُطى هؤلاء سارت سوزان نايثن (ناثان)، فأعلنت انشقاقها على المجتمع الإسرائيلي وهجرته لتقيم في قرية طمرة العربية، وهناك اكتشفت ما كان خافياً عليها، وما كان غير مرئي لغيرها على الإطلاق. تقول سوزان نايثن: <حينما دخلت إلى هذه القرية أول مرة شعرت بأنني دخلت إسرائيل أخرى (...). كان يكفي ان أنحرف عن طريق سريع على مقربة من المناطق اليهودية الريفية في الجليل، المزودة بأسباب الترف كافة، لأجد نفسي في مكان مختلف بشكل لافت وكبير (...). لقد بدت لي طمرة مألوفة جداً. وفكرت: ترى أين رأيت مثل ذلك من قبل؟ لقد تجلى لي فيها، على الفور، نموذج التمييز الذي اختبرته في سنوات حكم التمييز العنصري في جنوب افريقيا> (ص76)
من هي سوزان ناثان؟
في مقابلة صحافية معها أجراها أسعد غانم، وهو أكاديمي فلسطيني معروف، ونشرها في مجلة <قضايا إسرائيلية> (العدد ,21 شتاء 2006) روت سوزان ناثان حكايتها كالتالي: ولدت في كانون الثاني 1949 في بريطانيا. جدها وجدتها هما، في الأصل، من يهود ليتوانيا اللذان هربا من مذابح ,1880 وقادتهما أقدارهما إلى جنوب افريقيا بدلاً من أوروبا. وقد ولد أبوها في جنوب افريقيا، فصار مواطناً أبيض من جنوب افريقيا. أما والدتها فهي بروتستانتية انكليزية اعتنقت اليهودية بعد زواجها من والد سوزان.
عاشت طفولتها الأولى في جنوب افريقيا. وهناك اكتشفت التمييز العنصري ضد السود. وفي ما بعد عاشت في انكلترا وتزوجت هناك، وأصبحت صهيونية مع ميل إلى اليسار ثم جاءت إلى إسرائيل في 10/10/1999 لتقيم في تل أبيب وتصبح مواطنة إسرائيلية. وفي تلك المرحلة بدأت تكتشف الواقع الإسرائيلي كما هو بالفعل حيث العنصرية ضد الفلسطينيين تحتجب خلف غلالة من الديموقراطية. وبالتدريج راحت تعي كيف ان كره العرب هو ما يتسربل به المجتمع الإسرائيلي في العمق. وقد أرادت ان تخرق جدران العزلة في إسرائيل وأن تحيلها إلى ركام رمزي، فهجرت حياتها شبه الوادعة في تل أبيب وانتقلت إلى الإقامة في قرية طمرة في الجليل. وكان هذا الانتقال تحدياً نافراً لامرأة يهودية لفظت مجتمعها، وحاولت ان تجد خلف ما تخفيه الجدران ميداناً لتحقيق إنسانيتها الممزقة، ولإعادة صوغ هويتها المضطربة.
البحث عن هوية
تقول سوزان ناثان إنها نشأت في بريطانيا بلا عائلة ممتدة: لا أجداد، لا أشقاء، لا شقيقات، لا أعمام أو عمات أو أخوال أو خالات. فقد كانت عائلة والدها مقيمة في جنوب افريقيا، بينما أقرب أفراد عائلة والدتها مات في الحرب العالمية الأولى.
ربما كانت هذه الحال هي المفتاح التفسيري الذي لا بد منه لفك أقفال الشعور لدى هذه المرأة الحائرة بين هويات شتى وجنسيات متداخلة. فهي تتحدث عن هذا الجانب بالقول: <لم يسبق لي ان عرفت جذوري ولا إلى أين انتمي. وقد تم طرد أجدادي من ليتوانيا إلى جنوب افريقيا، ثم كان على والدي مغادرتها لأنه لم يتمكن من تلقي التعليم الذي أراده، فتوجه إلى أوروبا. أما أنا فقد غادرت بريطانيا حيث لم أشعر إلا ببعض الارتباط العاطفي لأعيش في إسرائيل> (ص 308). لكن هذه المرأة اليهودية لم تمارس الطقوس اليهودية على الإطلاق، بل تعلمت من والدها ان اليهودية تعني، ولا سيما في أوروبا، النضال في سبيل المساواة وفي سبيل حماية الكرامة الإنسانية. غير ان شعورها المبكر بالكرامة الإنسانية والمساواة لم تتعلمه من والدها، ولا من الثقافة الأوروبية، بل من عمتها المتعصبة في جنوب افريقيا. ففي إحدى المرات، حينما كانت في السادسة عشرة، وفي أثناء تناول العشاء في منزل عمتها الثرية، انبرت عمتها لتهاجم خادماً أسود في بدايات سنواته العشرين وتوبخه بعنف لأنه قام على خدمتنا من غير ان يضع قفازين أبيضين في يديه. وكان معنى كلامها: <نحن لا نرغب في رؤية بشرتك السوداء. أنتَ تصلح لخدمتنا فقط، لكنك لا تصلح بما يكفي ليُسمح لك بلمس طعامنا...>. وتضيف سوزان: <كنتُ صادقتُ هذا الشاب سراً، فشعرت بألمه وإحساسه بالإهانة. كدتُ اختنق، فطلبت الإذن لمغادرة المائدة ولحقت به إلى المطبخ. تحدثنا، وأخذ بنا شعور قوي من الإعجاب المتبادل، فتعانقنا وانتهى بنا الأمر إلى ممارسة الجنس على طاولة المطبخ> (ص 202).
لقد انتقمت من عنصرية عمتها البيضاء بمضاجعة شاب أسود. ولعل هذا السلوك كان البرعم الأول لاكتشاف الشقاء الإنساني لاحقاً، مع ان الروح اليهودية المعاصرة، أي الصهيونية، تغلغلت فيها إلى حد كبير في أوروبا. كانت تائهة بين الرغبة في الاندماج والرغبة في الاختلاف في آن واحد. وفي هذا الحقل من الشعور تقول: <كنت خلال سنوات طفولتي أشعر ان يهوديتي وصمة واضحة يراها الأساتذة والتلامذة الآخرون (...). كنت أخاف ان أبدو مختلفة وأرغب، في الوقت نفسه، في أن اعترف بفخر واعتزاز بهذا الاختلاف. وفي إسرائيل شعرت للمرة الأولى في حياتي بأنني أنتمي إلى الأكثرية، فلم أعد احتاج إلى تفسير اسم عائلتي (ليفي)، ولم أعد اضطر إلى إخفاء اعتزازي بيهوديتي (...). وقد يصعب على غير اليهود إدراك أي أثر أحدثه فينا قيام الدولة الإسرائيلية (...) باعتبارها ملاذاً لنا> (ص 67).
إلى اليسار موقتاً
كان البحث عن هوية مطابقة لوعيها هو المحرك الأساسي لمغادرتها بريطانيا والهجرة إلى إسرائيل. وفي إسرائيل اعتقدت انها وجدت هويتها وأنها عثرت على جماعة بشرية يمكنها العيش في ظلالها من دون خجل. لكن الأمر كان موقتاً: <يا لسخرية القدر! لقد أُجبرت على اقتلاع نفسي من الجزء اليهودي في إسرائيل حينما تنبهت الى أن دولتي قائمة على كذبة. وهكذا قُدّر لي ان أكون يهودية مترحلة تائهة (ص 308). لقد صُدمتْ عندما اكتشفتْ ان العرب في إسرائيل يعيشون أوضاعاً تشبه ما كان عليه السود في جنوب افريقيا. وتحول شعورها بالهوية الممزقة، أو الذي عاد إلى التمزق، إلى وعي إنساني يناهض التمييز والظلم والكراهية والتعصب، وقررت ان تنضم إلى المظلوم كطريقة في الاحتجاج على الظالم. وهكذا أصبحت يسارية ناقمة على اليسار الإسرائيلي الذي لا يعير كثيراً من الاهتمام للانتهاك الفاضح لحقوق الفلسطينيين في إسرائيل. وعلى سبيل المثال لاحظت ان من بين 13 ألف موظف في شركة الكهرباء هناك 6 موظفين من العرب فقط. وأن من بين 10 آلاف مستخدم في شركة <بيزيك> هناك أيضاً 6 من العرب.
في بلدة طمرة الجليلية اكتشفت ان في إسرائيل مجتمعين منفصلين تماماً: المجتمع العربي والمجتمع اليهودي، وبينهما حد عرقي فاصل للمجتمعين. وهذا الفاصل ربما لا يتنبه إليه الكثيرون، لأن العرب موجودون وغير مرئيين في الوقت نفسه. أي ان الزائر يمكنه ان يتجول في إسرائيل من غير ان يرى العرب. والعربي في إسرائيل لا يملك الحرية في الدخول إلى قريته الأصلية أو إلى منزل عائلته أو حتى المطالبة باسترداده. انه لا يملك الحق في ان يكون له تاريخ، وعليه ان ينكر ماضيه، وهو ما يؤذي إحساسه بكيانه وكرامته الإنسانية.
بقي بعض الفلسطينيين في ديارهم، لكن الديار نفسها تغيرت. ففلسطين صارت إسرائيل. تماماً مثل قرية عين حوض العربية التي أصبحت قرية للفنانين باسم <عين هود>. فقد <نجح الفنانون الإسرائيليون في المحافظة على القرية لكنهم غيروها في الوقت نفسه. فهم أبقوا على المباني ولكن لإعادة ابتكارها بطريقة تحجب هويتها الأصلية كبيوت عربية. فالمسجد القديم في وسط البلدة صار الآن مطعم الدوناروزا الذي يبيع المشروبات الروحية، وفي واجهته تمثال لامرأة عارية ترفع ذراعيها بشكل مثير يُظهر نهديها> (ص 150).
تراجيديا الفرار
فرت سوزان ناثان من التعصب العنصري في جنوب افريقيا لتبحث عن معنى إنساني لوجودها. وفرت من بريطانيا لتدفن الخجل من كونها يهودية. وجاءت إلى إسرائيل كي تردم ذلك الانشطار في هويتها، فإذا بها تمعن مجدداً في الفرار من إسرائيليتها، وتختار بوعي شامل ان تكون جزءاً من العرب في الجليل.
تنقل سوزان ناثان عن مفيد عبد الهادي فقرة مؤثرة، فيقول: <كنا في سنة 1948 على متن سفينة الملك فؤاد المكدسة باللاجئين الفلسطينيين لنقلهم بعيداً (معظمهم إلى الأبد) عن موطنهم وعائلاتهم وأهاليهم. وحينما رفعت السفينة مرساتها وانطلقت في رحلتها، التقت سفينة أخرى آتية في الاتجاه المعاكس. كان يشغل الحافة العليا منها مئات من الناس يغنون ويبتهجون بصخب، ويرحبون، لأول مرة، بأرض الميعاد. كانوا سعداء. لوحوا لسفينتنا بعلم دولتهم اليهودية> (ص 95). وتقول سوزان في إضافة حانية إلى هذا المشهد: <إن ابتهاج شعبنا جاء على حساب سلب الفرح من شعب آخر>.
لا اليهود الإسرائيليون غرقوا في أعماق البحر كما تمنى الفلسطينيون في أعماقهم، ولا الفلسطينيون تلاشوا في المنافي واندثروا كما تمنى اليهود الإسرائيليون. أما الخلاصة التي توصلت إليها الكاتبة فهي الجملة التالية: <إنني لا أرى أي مستقبل لإسرائيل إذا لم يصبح اليهود والعرب شركاء متساوين>. ومهما يكن الأمر، وحتى لو تغلب الحس الأخلاقي على هذه العبارة التي لا تصمد أمام مكر السياسة، فإن كتاب <الوجه الآخر لإسرائيل> يبقى، في نهاية المطاف، سيرة مفعمة بالأمل والروح الإنسانية الرفيعة، وهو وثيقة إدانة للعنصرية الإسرائيلية لا يمكن تفادي تأثيرها في وجدان من يطلع عليها.
(?) صادرعن شركة المطبوعات، بيروت .2006
ترجمة الزميلة إيمان شمص شقير

 

 * الآراء التي تنشر في موقعنا ملك لأصحابها وتعبر عن وجهة نظر كتابها

 

www.safsaf.org