حرب المحافظين الجدد القادمة

 

 سيدني بلومينتا

 

12/08/2006

 

المتشددون في إدارة بوش يحاولون توسيع دائرة النزاع في الشرق الأوسط ليشمل إيران وسوريا، وليس إيقافه. وذلك من خلال تزويد إسرائيل بمعلومات سرية من وكالة الأمن الوطني، وتحجيم دور سيئة الطالع كونوليزا رايس.

تقوم وكالة الأمن الوطني بتزويد إسرائيل بمعلومات استخبارية هامة لمراقبة إيران وسوريا حتى لا تقومان بتقديم تجهيزات جديدة من الأسلحة لحزب الله، بينما يقوم الأخير بإطلاق مئات الصواريخ على شمال إسرائيل، هذا على حد قول أحد مسئولي الأمن الوطني على اطلاع مباشر بهذه العملية. والرئيس بوش من جانبه وافق على هذا البرنامج السري.

المحركين الأساسيين لبرنامج إطلاع إسرائيل على المعلومات الاستخبارية السرية من وكالة الأمن الوطني، هم المحافظون الجدد داخل الإدارة الأمريكية، من فريق نائب الرئيس ديك شيني في وكالة الأمن الوطني، وإليوت أبرهام، مدير دائرة الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي، وهو أيضاً من المحافظين الجدد، حيث قاموا بمناقشة النشاطات الإيرانية والسورية الداعمة لحزب الله، لكونها ذريعة لتوجيه ضربة إسرائيلية محتملة إلى البلدين، على حد قول بعض المصادر العليمة بهذا البرنامج. (وفي السابق المعلومات الاستخبارية، بما في ذلك المعلومات التي كانت تقوم وكالة الأمن الوطني بجمعها، كان يتم تقديمها لإسرائيل لأغراض مختلفة). ويوصف المحافظون الجدد بأنهم متحمسون لإمكانية استخدام المعلومات الاستخبارية كذريعة لتوسيع دائرة النزاع الدائر بين إسرائيل وحزب الله، وبين إسرائيل وحركة حماس، إلى حرب من أربع جبهات.

ويقال أن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، "تم إشعارها" بالموضوع بشكل مجمل لإشراكها فيه، ولكنها ليست من المؤيدين الأساسيين لهذا السيناريو السري للمحافظين الجدد. غير أن "حجب التفاصيل" عنها يأتي في إطار النزاع الداخلي القائم لإخافتها وتهميشها. وقد تعرضت مؤخراً لعاصفة من انتقادات عناصر بارزة من المحافظين الجدد الذين عارضوا تأييدها للمفاوضات الدبلوماسية مع إيران لمنعها من تطوير الأسلحة النووية.

وقد اضطربت دبلوماسية رايس في الشرق الأوسط بين دعوتها إسرائيل "بضبط النفس" ومعارضتها المطلقة لوقف إطلاق النار في تضارب مع الاقتراح الأوربي، ومن ثم إحباط الجهود الدبلوماسية لإتاحة المزيد من الوقت للهجوم الإسرائيلي لتحقيق هدفه المعلن وهو إخراج حزب الله من جنوب لبنان. ولكن سيناريو المحافظين الجدد يمتد إلى أبعد من ذلك الهدف، ويسعى لدفع إسرائيل إلى "حرب تصفية حسابات" مع سوريا وإيران، على حد قول مسؤول الأمن القومي، وهو ما سيؤدي إلى التعويض عن سياسة بوش المحاصرة في المنطقة برمتها.

وفي محاولة لفهم خارطة طريق المحافظين الجدد في هذا الأمر، بدا كبار الخبراء في شؤون الأمن القومي يتبادلون فيما بينهم إعلان صدر عن المحافظين الجدد في عام 1996 بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط. وهذا المشروع الذي حمل عنوان "الاستهداف النظيف: إستراتيجية جديدة لتأمين العالم A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm " حوالي ستة من الذين قاموا بإعداده بينهم بعض المحافظين الجدد من الشخصيات التي لديها تأثير كبير على إدارة بوش- ريتشارد بيرل، رئيس مجلس سياسات الدفاع في الفترة الرئاسية الأولى، ودوغلاس فيث، وكيل سابق لوزارة الدفاع، وديفيد ومسر، كبير مساعدي ديك تشيني لشؤون الشرق الأوسط.

وكانت خطة "الاستهداف النظيف" هذه قد كُتبت بناءً على طلب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عن حزب الليكود، وكانت تهدف إلى تقديم "مجموعة جديدة من الأفكار" لإلغاء سياسات إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تم اغتياله. فبدلاً من مقايضة "الأرض مقابل السلام"، طالب المحافظون الجدد بتنحية اتفاقيات أوسلو التي بدأت بها المفاوضات، وطالبوا بقبول فلسطيني غير مشروط لخطة حزب الليكود، وهي "السلام مقابل السلام". وبدلاً من المفاوضات مع سوريا، اقترحوا "إضعافها، واحتوائها، بل حتى تحجيمها". كما قدموا سيناريو متهور وطائش يهدف إلى "إعادة ترتيب العراق". حيث يصبح الملك حسين، ملك الأردن، حاكماً للعراق، ومن ثم تسيطر هذه المملكة السنية المقترحة على الشيعة العراقيين، ومن خلالهم "يتم الفصل بين الشيعة في جنوب لبنان وإيران وسوريا".

نتنياهو حاول في بادئ الأمر إتباع إستراتيجية "الاستهداف النظيف"، ولكن تحت الضغوط المستمرة من إدارة كلينتون، اضطر إلى الدخول في مفاوضات ترعاها الولايات المتحدة مع الفلسطينيين. وفي عام 1998، وبموجب اتفاقات واين ريفر Wye River التي تدخل فيها كل من الرئيس كلنتون، والملك حسين بشكل شخصي، وافق الفلسطينيون على الاعتراف بشرعية إسرائيل، ووافق نتنياهو على الانسحاب من جزء من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية. ثم واصل خليفته إيهود باراك المفاوضات، والتي كادت أن تحل النزاع لو لا أنها انتهت إلى فشل ذريع، ولكنها على ما يبدو هيأت المجال لمفاوضات جديدة.

وقد أذهل الرئيس جورج دبليو بوش في أول اجتماع له بمجلس الأمن القومي، وزير خارجيته كولن باول، عندما رفض أي محاولة لإحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. وعندما حذر كولن باول من أن عواقب هذا الأمر ستكون وخيمة، وخصوصاً بالنسبة للفلسطينيين"، رد عليه بوش بحدة "في بعض الأحيان استعراض القوة من جانب واحد يمكن أن يساعد في حسم الأمور". فقد كان الرجل يمارس خطة "استهداف نظيف" ليس مع سياسات سلفه المباشر وحسب، بل لسياسات والده أيضاً.

ومرة أخرى في الأزمة الحالية في الشرق الأوسط، تقدم حكماء الرئيس بوش لعرض نصيحة غير مرغوبة وغير محترمة. (إنهم قساة في الحقيقة). إدوارد جيرجيان، السفير السابق لدى كل من إسرائيل وسوريا، والذي يعمل الآن مديراً لمعهد جيمس بيكر بجامعة رايس، قال في 23 يوليو لمحطة CNN حول موضوع المفاوضات مع سوريا وإيران. "أنا من المدرسة الدبلوماسية التي تؤمن بمناقشة قرار الحرب والسلم مع الأعداء والخصوم، وليس مع الأصدقاء. لقد فعلنا هذا في الماضي، ويمكننا أن نفعله مرة أخرى".

وعلق تشارلز فريمان، السفير السابق لبوش الأب لدى المملكة العربية السعودية قائلاً "من سخرية القدر أن أقوى المرشحين المحتملين لمساندة حزب الله على المدى البعيد، ليسو الإيرانيين، ولكنه استبداد العرب الشيعة، أي الغالبية التي قمنا بتنصيبها في بغداد". فعندما جاء رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي إلى واشنطن في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي، بدأ زيارته بتصريحات عنيفة ضد إسرائيل. وفي اجتماع مغلق مع أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، رفض بشدة توجيه أي انتقادات لحزب الله، عندما طلبوا منه ذلك.

ريتشارد هاس، مستشار سابق لشؤون الشرق الأوسط، في مجلس الأمن القومي في إدارة بوش الأب، والمدير السابق للتخطيط السياسي بوزارة الخارجية في إدارة بوش الابن، وهو حالياً رئيس لمجلس العلاقات الخارجية، سخر علانية من سياسة بوش تجاه الشرق الأوسط في مقابلة أجرتها معه صحيفة واشنطن بوست في 30 يوليو الماضي. حيث قال "جميع الأسهم تشير الاتجاهات الخطأ. والخطر الأكبر على المدى القصير هو الاستياء من الولايات المتحدة وزيادة عزلتها في العالم العربي. وليس العالم العربي فقط، بل في أوروبا وفي جميع أنحاء العالم. حيث أن الناس يشاهدون المعاناة كل يوم في لبنان، وهذا سيؤدي إلى رفع معاداة أمريكا إلى مستويات جديدة". وعندما سُئل عن تفاؤل الرئيس، أجاب قائلاً، "فرصة؟ ليلطف بي الرب. أنا لا أمزح كثيراً. هذا أطرف شيء سمعته منذ عهد بعيد. لو كانت هذه فرصة، فماذا يكون العراق؟ هل سيكون فرصة العمر الوحيدة؟"

وفي نفس اليوم الذي نشرت فيه تعليقات ريتشارد هاس، قام برينت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي السابق لدى بوش الأب، وصديقه المقرب حتى الآن، بنشر مقال في صحيفة واشنطن بوست ذاتها في شكل خطاب مفتوح إلى مرعيته الضالة السابقة كوندوليزا رايس.

ولاشك في أن سكوكروفت يعكس وجهات نظر بوش الأب. متبنياً نبرة الأستاذ لتلميذه العنيد، قام سكوكروفت بشرح تفاصيل خطة للإنهاء الفوري للنزاع بين إسرائيل وحزب الله، وللبدء في معالجة أصل المشكلة، أي عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. ويُعد برنامجه هذا المحاولة الأخيرة لإعادة الرئيس إلى الطرق التي سلكها أبيه. ولو كان بوش الأب وفريقه في السلطة لقاموا بالإعلان عن وقف لإطلاق النار. ولكن خطة سكوكروفت هذه تشبه تلك التي تقدم بها الأوربيون، ورفضتها إدارة بوش الابن، ورايس هي الوحيدة التي تقدمت بمقترح مضاد وضع الدبلوماسية في موقف محير.

وبالرغم من تجنب رايس لنصيحة الحكماء في فريق بوش الأول، اتخذها المحافظون الجدد هدفاً سهلاً في جهودهم الرامية لتقويض كل المبادرات الدبلوماسية. حيث أن مجلة إنسايت Insight اليمينية نشرت في عددها الصادر في 25 يوليو، مقالاً بعنوان شخص بارز يقول "إرموا كوندي في المزبلة". ويقول المقال أن حلفاء الرئيس من المحافظين الجدد في مجلس الأمن القومي يقودون ثورة ضد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ويقولون أنها عاجزة، وقلبت أجندة الإدارة الأمريكية للأمن القومي والسياسة الخارجية. كما نقل عن المتحدث السابق باسم البيت الأبيض، نيوت غينغريتش Newt Gingrich ، وهو عضو في مجلس سياسات الدفاع قوله: "نحن اليوم نرسل إشارات بأنه لا يهمنا ما تفعله لاستفزازنا، ولا يهمنا وصفك القاسي للأمور، بل لا يهمنا ما تفعله بالصواريخ والأسلحة النووية، لأنك لن تجد منا غير الكلام".

وقبل شهر من ذلك المقال أي في يونيو، كان بيرل قد نشر مقالاً في صحيفة واشنطن بوست، أعاد فيه إلى الأذهان عبارة كانت تستخدم عندما كانت الحرب الباردة في أوجها، متهماً الذين يقترحون الحلول الدبلوماسية بأنهم أصبحوا مثل رئيس الوزراء البريطاني نيفيل شامبرلين Neville Chamberlain، الذي حاول استرضاء هتلر. وقال بيرل "أن كندوليزا رايز انتقلت من البيت الأبيض إلى فوجي بوتون Foggy Bottom" على بعد ميل واحد فقط أو نحوه. وليس مهماً أنها ابتعدت عن المكتب البيضاوي، لأن تأثيرها على الرئيس لا يزال قائماً. بل بالأحرى هي الآن تمثل مؤسسة دبلوماسية تنقاد إلى استرضاء حلفائها حتى لو أشار هؤلاء الحلفاء إلى استرضاء خصومنا".

وتعتبر رايس عدواً من الداخل. وقال غينغريتش Gingrich لمجلة إنسايت "نحن في المراحل المبكرة لحرب عالمية ثالثة. وإجراءاتنا الدواوينية لا تتجاوب بما فيه الكفاية. وأننا لا نقف الموقف الصحيح".

كما أن رايس بتخبطها، وعجزها عن ملئ مركزها بالقوة، أصبحت مثل دمية الساحر (voodoo doll)، وهي الحالة التي كان عليها كولن باول في الفترة الرئاسية الأولى. وحتى مع أن إيماءاتها الضعيفة، وذات النتائج العكسية على العمل الدبلوماسي، تظل عرضة لانتقادات قاسية من المحافظين الجدد. كما أن سكوكروفت وفريق بوش الأول، تم تجاهلهم. والهجوم المستمر على رايس يهدف في النهاية إلى استعادة هيمنة المحافظين الجدد.

إن رفض بوش أو تردده في الأخذ بعملية السلام، أدى إلى انتصار حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية. وقد تلا هذا الفشل، رفض إشراك حماس، تمهيداً ربما لفصل وزراء الحكومة الجديدة عن قيادتهم الأكثر تطرفاً في دمشق. وكما كان متوقعاً وجدت العناصر المتطرفة في حماس فرصتها لتوجيه ضربتها. واغتنم حزب الله الفرصة هو الآخر فقام بالاستفزاز الذي قام به.

وبعد أن فشلت الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، تحاول إنقاذ مصداقيتها بتشبيه مأزق إسرائيل بالمستنقع الأمريكي في العراق. والمحافظون الجدد من جانبهم وجدوا في الخطر الذي أصبح يهدد أمن إسرائيل مؤخراً، فرصة لتسريع وتيرة مفاوضاتهم مع إيران، فلعلها تكون الفرصة الأخيرة لتحقيق خيالاتهم التي وضعوها في خطة "الاستهداف النظيف/A Clean Break".

وباستخدام المعلومات الاستخبارية لوكالة الأمن الوطني في وضع معلومات سرية خطيرة، تسعى الإدارة الأمريكية لوضع المنطقة في حالة اشتعال- من باكستان إلى أفغانستان، ومن العراق إلى إسرائيل- ذات نتائج غير معلومة. وتهدف سراً إلى تنفيذ مشروع قد يدفع بإسرائيل إلى حلقة من النيران لا يمكن نسبتها إلى الحماقة. بل هي مؤامرة متعمدة ومدروسة بطريقة منهجية.

عن:  http://www.salon.com/opinion/blumenthal/2006/08/03/mideast/index_np.html

 

www.safsaf.org