مواسـم الاسـتغلال
بقلم: سري سمور
لكثير من الأمور والأنشطة مواسم زمنية أو مناخية؛ ففصل الربيع موسم مناسب للرحلات وفصل الصيف موسم لأنواع خاصة من الأنشطة الرياضية كالسباحة مثلاً، وللثمار المختلفة مواسم تُزرع وتُقطف وتُؤكل بها صيفاً أو شتاءً، والله سبحانه وتعالى جعل للناس مواسم خيرٍ يحصلون بها على الأجر المضاعف والثواب الأكبر؛ فهناك عبادات وفرائض في أوقات محددة من العام، وهناك عبادات وفرائض محددة بالزمان والمكان؛ ففريضة الصوم محددة بشهر رمضان والذي يتغير موعد حلوله ليزور كل فصول السنة مع الزمن، وفريضة الحج محددة الزمان وتبلغ أعظم وأهم شعائرها في التاسع من ذي الحجة ومحددة المكان في مكة وفي الصُعد والمشاعر المحددة هناك، وللأطفال مواسم يفرحون بها ويلهون كالأعياد والعطل، وهكذا نجد أن لكثير إن لم يكن لمعظم نشاطاتنا الدينية أو الدنيوية كباراً أو صغاراً مواسم خاصة بها.
وإذا كانت مواسم الخير وبعض العبادات والأنشطة الترفيهية محدودة في زمانها، فإن هناك آفة قبيحة تنخر في جسد مجتمعنا ـ المثخن أصلا بالجراح ـ على مدار السنة فموسمها هو كل مواسم السنة أياً كانت؛ وأعني هنا آفة الاستغلال تحديداً.
من مظاهر الاستغلال السلبي لرمضان
شهر فرض الله صيامه على المستطيع وشهر رحمة ومغفرة وتواد وتراحم وتآلف، أو هكذا يجب أن يكون بين الناس لأن الله قد جعله كذلك، ويُفترض أن يُستثمر في مضاعفة الأجر بعمل الصالحات من الأعمال، ولكن هناك من يأبى إلا أن يكون الشهر الفضيل المبارك موسماً لإطلاق آفة الاستغلال الذميمة، فمع بدء الشهر الفضيل تشهد الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الخضروات والمواد التموينية، في الوقت الذي نشكو فيه من وطأة الحصار الجائر المفروض على شعبنا ومن صعوبة الوضع الاقتصادي، بل من انهيار كبير في مرافق اقتصادنا؛ ولم تسلم منطقة من هذا الارتفاع في الأسعار؛ وقد يقول قائل أن هذه ظاهرة تشمل جميع أصقاع العالم العربي والإسلامي، صحيح، لكن وضعنا أخص من الخاص! وحين أردت شراء بعض الخضروات سألت البائع بدهشة حين لاحظت أن الارتفاع أكثر وأسرع من المعتاد أجابني: هكذا هي الأسعار في بداية رمضان، وكأن هذه فريضة أو سنة تُتبع! واصلت حديثي لبائع الخضار بمزاح في غوره الجد والعتب: ولكن أنتم ترون ظروف الناس، الموظفون لم يستلموا رواتبهم والعمال في أصعب حال والوضع لا يخفى عليكم، لم يتردد البائع بتحميل المزارعين مسؤولية هذا الارتفاع غير العادي في الأسعار؛ طبعاً المزارع يُحمل المسؤولية إلى ارتفاع أسعار وسائل الري والمبيدات والأسمدة، والمختصون باستيراد وبيع هذه الأشياء سيُلقون بالمسؤولية على غيرهم وسنجد أنفسنا في دوامة غريبة عجيبة... المحصلة أن هناك غلاءً فاحشاً في هذا الشهر الكريم، وغني عن القول بأنه لا داعي لتلك النصائح القيمة بالعزوف عن الكماليات، لأن صحن السلطة على الإفطار يجب أن لا يختص به الموسع دون المقتر والغني دون الفقير، لقد أصبح استغلال الشهر الفضيل لرفع الأسعار من الأمور التي سلَّم بها المواطن المغلوب على أمره وبات يُحاول ـ دون جدوى ـ أن يُكيّف نفسه معها، وأصحاب الأُسر الكبيرة هم الأكثر تضرراً.
وهناك من يُلاحظ زيادة من يستغل رغبة الناس في التصدق وعمل الخير، فترى أعداد المتسولين قد تزايدت بشكل ملحوظ في هذا الشهر، فيرابط بعضهم على أبواب المساجد وآخرون سواء من الرجال أو النساء يجولون في الشوارع ويمدون أيديهم للمارة وبعضهم يحمل أوراقاً لا تدري ما بها وقد لوحظ أن بعضها مكرر، وبعضهم يدقون أبواب البيوت، لن أؤكد على الإطلاق تلك الأخبار التي تفيد أن متسولاً أو متسولة مات فاكتشف أنه في حقيقته من الأغنياء، لأن هذا سيضيع المروءة بين الناس وسيقتل فيهم حب البذل ويجعلنا في حالة شك وريبة من أي سائل للإحسان، ولا نستطيع الجزم أن كل المتسولين هم ليسوا بحاجة، لكن تزايد أعدادهم وانتشارهم في هذا الشهر يبعث على الشعور أن هناك استغلالاً سلبياً لمشاعر الناس وروح البذل عندهم في هذا الشهر، ويا حبذا لو تجد هذه الظاهرة معالجة جذرية، وبما أنها موسمية فعلى كل المعنيين الاستعداد لمتابعة كل متسول، فكل مدينة بها منهم عدد يُجمع السكان على أنهم غرباء، فما يُدرينا ما أصلهم وفصلهم عوضا عن فاقتهم الظاهرة؟!
استغلال الأزمات والحصار العسكري!
كثير من المناطق تُعاني من أزمة مياه إما على مدار السنة وإما بشكلٍ عارضٍ كما هو عندنا في جنين، فنتيجة خلل في مضخة البئر الرئيسي المزود للمدينة بالماء حدثت أزمة مياه كبيرة اضطرت الناس لشراء خزانات الماء التي تُجر بالجرّارات (التراكتورات)، ولأن آفة الاستغلال مستحكمة وتحتاج إلى علاج لأنها أشبه بالمرض الخبيث أو الورم السرطاني، فقد ارتفع سعر خزان الماء؛ كان سعر الخزان يتراوح ما بين 25-30 شيكل فارتفع السعر إلى 35-40 شيكل، وهناك أقوال بأنه إذا استمرت الأزمة سيُصبح سعر الخزان 50 شيكل، اللهمَّ عافنا واعفُ عنا!
ليس ثمة مبررٍ لهذا الأمر بل الأولى هو تخفيض سعر الخزان لأن الطلب كثُر بسبب الأزمة، وآبار المياه السطحية منتشرة بكثرة، وبالمناسبة عندما تحدث أزمة كهرباء فإن الفوانيس والمصابيح التي تعمل بالكاز أو الشموع تشهد أسعارها قفزات خيالية... قاتل الله آفة الاستغلال.
أما الحصار العسكري الصهيوني على مدننا وقرانا فكان له مع الاستغلال قصصاً وحكايا؛ لقد بكينا أمام شاشات الفضائيات وعلى صفحات الجرائد والمجلات وعبر أثير الإذاعات وشكونا من شدة وطأة الحصار وآثاره على التعليم والصحة وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية العتيدة، وتفنّنا بوصفه فأجدنا؛ فالحصار أحال مناطقنا إلى ما يشبه "الجبنة السويسرية" وأحال تجمعاتنا السكانية إلى "كانتونات أو باتستونات"، ورسم فنانونا الرسوم الكاريكاتورية المعبرة، والتقطت عدسات آلات التصوير ما تقشعر له الأبدان من هذا الحصار، وناشدنا "العالم الحر" أن يضغط على الجانب الصهيوني كي يرفع حصاره الظالم الجائر عنا، هذا أمر حق ولا شك؛ فالحصار ظالم جائر ومخالف لكل القيم والأعراف السماوية والأرضية؛ ولكن كيف نسأل الظالم أن يرحمنا ونحن المظلومون لا نرحم بعضنا؟
لقد استغل البعض الحصار أيما استغلال؛ فقد شهدت أجور المواصلات ارتفاعاً مهولاً؛ وللإنصاف فإن سيارات الأجرة تضطر لسلوك طرق وعرة غير مناسبة إلا لسير الدبابات، ويتعرض السائقون للخطر حيث أن قوات الاحتلال قد تُنكل بهم بل إن بعضهم سقطوا شهداء أثناء تنقلهم، فمن الطبيعي أن ترتفع الأجرة، ولكن ماذا لو كان الطريق البديل لتجاوز حاجز ما جيداً أو مقبولاً وليس طويلاً بحيث تكون أجرة الالتفاف حول الحاجز تزيد عن أجرة الوصول إليه؟ بل في فترة من فترات الحصار وصلت أجرة التنقل بين إحدى البلدات والمدينة المجاورة إلى 25 ضعف من الأجرة الأصلية، والأنكى أن سيارات مسروقة كانت تعمل على الخط! ومن إبداعاتنا في مواجهة الحصار استخدام الدواب، فقد عاد الحمار ذاك الحيوان الذي تقلصت مهماته وانحصرت في الأرياف ولدى فئة محدودة من الناس بفضل الاختراعات في مجال النقل والمواصلات، عاد إلى لعب دورٍ هامٍ بسبب الحواجز اللئيمة والحصار الجائر، ولكن هذا الإبداع لم يخلُ من آفة الاستغلال المقيتة؛ فرغم أن الحمار "معفيٌّ" من رسوم الترخيص والتأمين وسعر الشعير والتبن لا يُقارن بأسعار المحروقات، إلا أن بعض القائمين على المواصلات البديلة المعتمدة على الحمير لم يرحموا من يضطر من أبناء شعبهم إلى الاستعانة بخدماتهم؛ في الغالب تستخدم الدواب لنقل الأمتعة وأحياناً الأطفال الصغار الذين لا يقوون على المشي؛ وفي ذروة حصار مدينة نابلس كان على المسافرين صعود طريق جبلي وعر ويُستحسن ألا يحملوا أمتعتهم معهم، ومرة وصلت إلى ذاك الطريق، وناديت أحد مالكي الدواب وعرضت عليه أن يحمّل أمتعتي على حماره، فشرع بتحميلها فقلت له: مهلاً، قبل أن نسير لنتفق على الأجرة، فأجاب بثقة: عادي 20 شيكل! هنا شعرت بفظاعة الاستغلال وقلت له: عادي؟! فقال: نعم هذا هو السعر، فقلت له بغضب: هل تعلم أن سيارة الأجرة نقلتني من منزلي إلى هنا أي إلى محافظة أخرى عشرات الكيلومترات فقط بعشرين شيكل وحضرتك تريد أن تأخذها كأجرة نقل على "المرسيدس" هذا، وهنا وافق "السائق" على تخفيض الأجرة إلى 15 شيكل، فرفضت بإصرار وقلت له: إذا كان لا بد يكفي 10 شيكل، فرفض فحملت أمتعتي واتجهت نحو الطريق الجبلي، فناداني موافقاً على أن أدفع 10 شيكل فقط ولكني بقيت مصراً وصعدت الطريق الجبلي وأنا أحمل أمتعتي مفضلاً مشقة الطريق على ألم الاستغلال، وبالطبع هناك من أمتعته أثقل وصحته لا تساعده، فلا الجنود الصهاينة يرحموننا ولا نحن يرحم بعضنا بعضاً.
وإرسال الطرود في سيارات الأجرة أيضا لم يبتعد عن الاستغلال، وهنا لا أتحدث عن "تنكة زيت" مثلاً بل عن مغلف بريد أو كتاب متوسط الحجم، فهم يطلبون أجرة نقله من مدينة إلى أخرى بما يساوي أجرة نقل الراكب! الله أكبر على الاستغلال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والبطالة من أوضح آثار الحصار على الفلسطينيين؛ فسوق العمل داخل الخط الأخضر مغلق، وليس لدينا مشاريع اقتصادية تُذكر، ولهذا كانت الرواتب هي "الدينمو" لاقتصادنا في هذه الفترة، فهل استغل البعض البطالة؟ بالطبع نعم، فهناك من يعمل في بعض المنشآت والمحلات التي لا زالت تعمل أعمالاً إذا لم أصفها بالشاقة أقول بأنها أكثر من متعبة كالتحميل وأعمال التنظيفات واستقبال الزبائن وخدمتهم ولمدة تتراوح ما بين 14-16 ساعة يومياً لقاء ألف شيكل شهريا (حوالي 230 دولار)، وهم يعضون على ألمهم ويكظمون غيظهم، فلا قانون فعّال يحميهم من أنياب الاستغلال، وصاحب العمل المستغِل "لموسم البطالة" لا يهتم نظراً لأن عشرات أو مئات لديهم استعداد للعمل في هذه الظروف بدافع الفقر والعوز، فإن لم تقبل أنت بالألف شيكل قبل غيرك!
فالاستغلال موسمه على مدار العام في كل مناسباتنا الدينية والدنيوية؛ رمضان موسم لرفع الأسعار وانتشار المتسولين، وكذلك الحصار العسكري الصهيوني وأزمات المياه وتعطل الخدمات... كلها مناسبات لاستغلال الناس وامتصاص دمائهم، وكالعادة يأتي السؤال الذي يتكرر في كل جزئية من حياتنا:ما الحل؟ لا حلّ بالمواعظ والنصائح وحدها؛ فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والواجب يقع على عاتق المشرّعين وأجهزة الأمن وكل من له علاقة بضبط ارتفاع الأسعار وحظر الاستغلال وإقرار حد أدنى للأجور، وعلى المدى الاستراتيجي: التربية ثم التربية ثم التربية، فكل أب وكل أم وكل معلم عليه أن يغرس في نفس الصغار احتقار الاستغلال وكراهيته وعدم الخضوع لأربابه!
،،،،،،،،،،،،،
سري سمور
جنين-فلسطين
عضو تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين
رمضان 1427هـ،أيلول 2006