حكومة الوحدة .... نأمل خيرا
فوضى ,فلتان ,مظاهرات منضبطة وغير منضبطة ,اضرابات مهنية أو مطلية سمها ما شئت , اضرابات سياسية , حصار وتجويع , خطف واغتيالات , تذمر وأحيانا إحباط حتى لدى أصحاب البال الطويل والصدر الرحب ,اخذ ورد يشبه حوار الطرشان , وأشياء أخرى ومظاهر أكثر قسوة , وشعبنا الفلسطيني ينتظر الفرج ويستمر في تقديم تضحياته على طريق تلون بدماء أبناءه من الشهداء والجرحى وآلاف الأسرى ,وفى المقابل , روح من الأمل والتفاؤل والسعي الجاد والمثابر من اجل تقريب يوم النصر وتحقيق الأهداف .
هذه حال شعبنا عشية الإعلان البشارة عن قيام حكومة الوحدة الوطنية التى طال انتظارها ,وباعتبارها احد الروافع التى لا غنى عنها للخروج من المأزق الذي وصلنا إليه جميعا , سواء بتخطيط العدو وحلفائه , أو بأخطاء قياداتنا وقصر نظرها .
لم يكن الأخ إسماعيل هنية يتوقع إن يكلف بتشكيل الحكومة مرتين في غضون ستة اشهر , لكنه وبكل تأكيد كان يعرف أن حكومته الأولى لن تتمكن من البقاء طويلا في ظل غياب كل القوى الوطنية عنها , وفى ظل الظروف التى يمر بها شعبنا وحجم التحديات فان منطق الحرص على المصلحة الوطنية الذي يجاهر به الجميع على مدار الساعة يستدعى مثل هذه الحكومة ويجعلها ضرورة وطنية , ولا ريب إن ضرورات ترسيخ الديمقراطية واحترام نتائجها هو من المسلمات السياسية التى لابد من ترسيخها في مجتمعنا الفلسطيني , لكنها أبدا لا تغنى عن وحدة الكلمة والفعل في مواجهة مرحلة تحرر وطني بكل ما فيها من تجليات للصراع مع عدو من نمط ما نواجه , عدو يمتلك كل أسباب القوة والدعم وما يسمى بالشرعية الدولية والغطاء لكل ما يمارسه ضد شعبنا من قتل وتدمير وتشريد , وفى ظل وضع ضاغط نصل فيه إلى أزمة في الخبز وابسط مقومات الحياة بمجرد إغلاق معبر كارنى لمدة قصيرة ناهيك عن إغلاق باقي المعابر , وضع لا تستطيع فيه اى حكومة فلسطينية تعمل تحت الاحتلال كما هو واقع أن تمارس مهامها المعروفة إذا ما أرادت إسرائيل تعطيلها , لا بل أكثر من هذا لا تجد هذه الدولة العصابة من يلومها على اعتقال الوزراء وممثلي الشعب الفلسطيني والتعامل معهم كمجرمين .
إذن من حقنا ومن حق شعبنا إن يفهم العديد من المسائل قبل أن يهلل مستبشرا بهذه الحكومة وللاطمئنان بأنها لن تكون مؤقتة وتزيد من حجم التناقض والصراع لاحقا , وبان طرفي النزاع في الساحة الفلسطينية , قد باتا مقتنعين بأنه لا يمكن لاى طرف منهما أن يحمل كل هذه المسؤوليات والأوزار أيضا بشكل منفرد , وان منطق التعاون والانسجام مع الدعاوى بالحرص واحترام تضحيات شعبنا والوفاء لشهدائه هي الطريق الصحيح للخروج من هذا القطوع الخطر ورسم سياسة جديدة تمزج بين المواقف المبدأية الحريصة على حقوق شعبنا وعدم إهدار تضحياته , وبين إدامة حالة الصراع مع هذا العدو بشكل واعي ومدروس وواقعي يؤسس لتغيير ميزان القوى بشكل تدريجي , والأيام حبلى بالوقائع والتغيرات كما يقولون .
إن من أهم التساؤلات المطروحة بعد الاستفسار عن إضاعة كل هذا الوقت للاتفاق بالرغم من إدراك الجميع لأهمية الوقت وحجم المعاناة الواقعة على شعبنا , هو السؤال عن المرجعيات لمثل هذه الحكومة وبوصلة الحركة بالنسبة لها , فلا يكفى الحديث عن المصلحة الوطنية أو وثيقة الأسرى وخلافه مما نراه ضروريا , بل يجب أن تحدد وبدقة وبشفافية عالية كل المرجعيات السياسية والتنظيمية , وأكثر من هذا العسكرية والأمنية ......... الخ من القضايا التى شكلت صواعق تفجير وخلاف في الساحة الفلسطينية , وبات ملحا الاتفاق حولها ليس فقط بين فتح وحماس بل كل مكونات العمل الوطني الفلسطيني , وخصوصا فصائل منظمة التحرير الفلسطينية , والبدء مباشرة بعد هذا في تنفيذ ما اتفق عليه في حوار القاهرة حول إعادة تفعيل وبناء المنظمة وغيره من مسائل الحوار المعروفة .
إن مهمة بحجم قضيتنا الوطنية وجسامة متطلبات الصمود والمواجهة تفترض فهما منطقيا يقول إن أكتاف اى فصيل لا تستطيع حملها مهما بدت عريضة , واخص هنا الأخوة في حماس, الذين وان كنا نتفهم موقفهم المبدأى وسلوكهم الذي نثنى عليه , إلا أننا كنا نتمنى أن يستفيدوا من حجم الدعم الذي منحهم إياه شعبنا , في منعطف تاريخي غير مسبوق للحركات الإسلامية المناضلة وان يقدموا برحابة صدر كل التسهيلات الواجبة عليهم للمشاركة من الجميع بل لاستدراجهم لمثل هذه المشاركة وعدم إضاعة الوقت في مساجلات لا تقدم ولا تؤخر , ولعل حديث العديد من الأخوة من قادة حماس حول الزهد في السلطة بل والجرأة في الحديث عن خطأ تولى حماس هذه السلطة ما يشير إلى أهمية ما نقول , وقد كان هذا الأمر وغيره مما لا يتسع له المجال هنا , محور نقاش مطول دار بيني ومعي مجموعة من الأخوة المناضلين وبين الأخ موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي وبعض قيادات حماس في منزله بدمشق قبل بضعة اشهر , ويومها أكد لنا الأخ أبو مرزوق حرص الحركة على وحدة الصف وعلى الدم الفلسطيني , وتحمل برحابة صدر الكثير من الملاحظات السلبية على أداء حركة حماس وفى مختلف الجوانب .
وفى المقابل وحتى نطمئن إلى سلامة هذا الإعلان وجديته لا بد للإخوة في حركة فتح أن يعترفوا بخطئهم في مقاربة العمل المشترك مع حماس , لأنه وبالرغم من تفهمنا لحجم الإحباط الذي لحق بفتح جراء خسارتها للسلطة على يد حركة ناشئة , وردة فعلها تجاه ما كانت تضعه حماس من عراقيل أمام حكومة فتح بقصد وبغير قصد , إلا أن مقتضيات المصلحة الوطنية كانت تفرض عليها تسهيل مهمة حماس وإنجاح تجربتها , عبر المشاركة في الحكومة , وقد يقول احدهم إن حماس وضعت عقبات في طريق المشاركة وهذا صحيح لكن الصحيح أيضا إن فتح عملت بمنطق الضرة والشريك المضارب بكل أسف .
إن النظرة إلى الخلف بهذه الجدية ومراجعة الأداء السابق ووضع الأسس والمرتكزات الصحيحة وإشراك الناس في الحوار القائم من اجل الأفضل يجعلنا نستبشر خيرا في قادمات الأيام , ولعل ما يجب البدء به هو ضبط الحالة الأمنية لان أهم عوامل الصمود هو اطمئنان الناس على أنفسهم وعائلاتهم , ومن ثم المباشرة في توفير مصادر العيش الكريم لشعبنا الذي طالت معاناته , ومع هذا كله التفاهم على أسس المجابهة العسكرية مع العدو وكل ما يتعلق بهذا الأمر على حساسيته .
وبخلاف ذلك فإننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة تضيع فيها ليس فقط الإنجازات بل و المبادىء وتصغر الأهداف , واظننى مع الذين ينظرون بتفاؤل إلى المستقبل ولا أظن أن قيادة الشعب الفلسطيني بكل ما لنا عليها ستخذل شعبنا هذه المرة ....... ونأمل خيرا .
زياد ابوشاويش
كاتب فلسطيني ....... دمشق
11 / 9 / 2006
***
11أيلول..... حدود القوة الأمريكية زياد ابو شاويش
وجد الأمريكيون غطاءأً من الشرعية الدولية لردهم القاسي على ما جرى في الحادي عشر من أيلول سبتمبر عام 2001, وتحديدا في أفغانستان , كما أن ما ساقوه من مبررات لدعم مثل هذا الرد قد وجد تعاطفا دولياً وداخليا على ضوء حجم الخسائر , واتساع نطاقها وعدد القتلى الذين سقطوا في ذلك اليوم المشهود قبل خمسة أعوام,ولعل اكثر ما استدعى رداً بهذا الحجم وبهذه القوة أن العملية التي نفذتها منظمة القاعدة استهدفت على وجه التحديد والدقة رموز القوة والغطرسة الأمريكية على الصعيد المادي , كما أن حجم الإهانة التي لحقت بالإدارة الأمريكية كان من النوع الذي لايمكن السكوت عنه أو التسامح تجاهه , خصوصا أن أركان هذه الإدارة جميعهم يحملون تراثاً من الفكر المحافظ والمتصهين بآفاق رؤية إمبراطورية لبلدهم لطالما حذر منها بعض العقلاء من الساسة والمفكرين الأمريكيين , ولعل خطاب ايزنهاورالأخير قبل تسليمه سدة الرئاسة لجون كنيدى حمل تخوفات تحذر من هكذا ميول ستضع أمريكا في موقف حرج وصعب مستقبلا .
وبرغم كل الملاحظات والمناشدات حول تجنيب المدنيين الأفغان ويلات الرد الأمريكي إلا أن هذه الإدارة أمعنت قتلا وتدميرا في بلد يعد من أفقر بلدان العالم تحت ذريعة القضاء على الإرهاب , الذي بات عنوانا لكل السياسة الأمريكية منذ مطلع القرن والمرشح للبقاء لسنوات طويلة , وربما لا يخفى على أحد ما يحمله مثل هذا العنوان من التباسات تخلط أحيانا الحابل بالنابل وتضيع في خضمها معايير الحق والحرية التي ينادى بها السيد بوش وأركان إدارته الميامين , ولعل أكثرها وضوحا الخلط المتعمد بين مقاومة الاحتلال والإرهاب , وكذا تحديد مضمون الديمقراطية بالتماهى مع الإرادة الأمريكية ومشروعها الإمبراطوري , كما أن تعابير مثل الفاشية الإسلامية وغيره من(( الهفوات )) يوضح ما نقصده .
نعرف انه عبر التاريخ الإنساني المديد تم استخدام اعظم الأهداف و أكثرها نبلا للتغطية على افظع الجرائم واكثرها همجية وخسة , ولو أمعنا النظر قليلا فيما تقوم به الولايات المتحدة , ربما نجد أدلة واضحة على ما نقول وربما في ذات السياقات التاريخية التي لم تؤدى إلا إلى نهايات غير محسوبة ومفجعة للعديد من الدول والإمبراطوريات.
إن حجم الألم والكارثة التي حلت بأمريكا جراء الهجوم الشهير على البرجين ووزارة الدفاع وسقوط المواطنين المدنيين الأبرياء استدعى في حينه تعاطفا كبيرا وإدانة من كل العالم تقريبا لهذه العملية التي كانت مفهومة ومتوقعة على ضوء الكثير من المعطيات سواء في السياسة الخارجية للولايات المتحدة أو في سلوك وأدبيات منظمة القاعدة , التي ساعدت أمريكا بالذات على ولادتها واشتداد ساعدها , ولعل القاعدة الأخلاقية والإنسانية التي استدعت هذا التعاطف مع الضحايا من الشعب الأمريكي هي تلك التى تقول وبناءاً على دروس التاريخ بأن الأهداف النبيلة أو حتى المطلقة لا يجب تحقيقها إلا عبر وسائل مماثلة , وإذا جرى الأمر بخلاف هذا فان كل مبررات ونبل المقصد لا تجد من يصدقها أو يتعاطف معها , وفى هذه فان أمريكا التى وضعت العالم على كف عفريت وما زالت ,وآلتي قامت بإلحاق اكبر الخسائر وبما يفوق ما دفعته في 11 أيلول سبتمبر بمرات عديدة هذه الإدارة الأمريكية ناقضت في ردها وسلوكها كل المعايير التى بررت بها هذا الرد غير المتوازن وغير المجدي ,فإذا كان المقصود هو حقا مكافحة الإرهاب وجعل العالم اكثر أمنا وسلاما ,فقد أتت النتائج مخالفة تماماً لما توخته هذه الإدارة , ليس هذا وحسب بل لعل منظمة القاعدة وشبيهاتها قد سجلت بعض الانتصارات النوعية على الولايات المتحدة وخصوصا في المجال التقني والإعلامي,وما يزال الشيخ أسامة بن لادن( كبير المطلوبين) طليقاً ويمارس دوره الفريد في إثبات عجز هذه الإدارة عن تحقيق ما تريد بالقوة .
إن رؤية المسالة من هذا البعد ,أي سعى أمريكا إلى إيجاد عالم اكثر أمنا وللرد على ماجرى في الحادي عشر من أيلول سبتمبر , لا يوضح كل المسألة بل قد يزيدها تعقيدا وارباكاً و لكن رؤية اكثر تفحصا للأمر قد تعطى دلالات ومؤشرات تخدم ما نريد قوله في مثل هذه المقالة وفى هذه الذكرى بالخصوص .
قد نسلم بأن الإدارة الأمريكية لا تقصد عن سابق تخطيط قتل العدد الأكبر من المدنيين حيث تستطيع ذلك بسهولة وهذا مفهوم على ضوء إمكانياتها العسكرية الهائلة , وكما انه من المنطقى أن يجرى الاستفسار عن هذا الحجم الهائل من الخسائر البشرية سواء في أفغانستان أو العراق الذي لم نتطرق إلى تفاصيل العدوان عليه ومبرراته كون الأمر من وجهة نظري لا يحتاج لكثير من التمحيص لنتبين حجم الكذب والمخادعة التى جرت لتسويق هذه الحرب, لكن ما لا نستطيع الإقرار به أو تفهمه هوتبريرهذا القتل في ضوء ما تملكه أمريكا من تطور تكنولوجي وأسلحة ذكية وغيرها من الوسائل التى يمكنها أن تجنب المدنيين هذا القتل , إذن هناك أمر آخر و مختلف يتعلق بفهم هذه الإدارة لما تسوقه حول الإرهاب والرد بأعمال شبيهة وجدت أنها ربما تحقق نتائج رادعة , مقتدية في ذلك بحليفتها الأقرب إسرائيل . إذن فهو استخدام أقصى لحدود القوة والتطور التكنولوجي المتفق مع عقلية إمبراطورية تختزن تجربة من سبق , ومثالها الأعلى على ما يبدو جنكيز خان .
وباستعراض سريع لما جرى حتى الآن على صعيد المجابهة المحتدمة على امتداد العالم وخصوصا في العراق وفلسطين وأفغانستان, ومعركة جنوب لبنان كجزء من مشروع مواجهة الإرهاب كما تفهمه أمريكا والذي يخفى في ثناياه كل المطامع الأمريكية في السيطرة على العالم وثرواته انسجاما مع الفكر الرأسمالي الإمبريالي الذي لم ينتهي بسقوط الاتحاد السوفيتي , بمثل هذا الاستعراض يتضح اكثر فاكثر حدود القوة الأمريكية وإمكانيات المجابهة , وصورها وآفاقها التى لا تحصر مصادر القوة سواء المادية أو الفكرية أو حتى التكنولوجية في يد أمريكا , بل قد تطلق ماردا يطاول هذه القدرة , وإذا كان هناك من شيء يمكن تقديمه لهذه الإدارة الأمريكية ولغيرها في المستقبل وفى مثل هذا اليوم الحزين للشعب الأمريكي وفى مثل هذه الذكرى , هو الطلب من الولايات المتحدة الأمريكية أن توازن بين حدود قوتها المادية بكل تجلياتها وحدود قوتها الفكرية والأخلاقية باتجاه ,وضع الأولى داخل إطار الثانية, والتوقف عن لعب دور القاضي والشرطي لهذا العالم المضطرب بما يكفى.
زياد أبو شاويش
كاتب فلسطيني
11 / 9 / 2006