فلافل جورج

 

 بقلم الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري

 

في زحمة شوارع " تل أبيب مزنوقا" أتصبب عرقا تتوسل عيناي من خلف زجاج سيارتي العتيقة"بلاعة البنزين"تبحثان عن شارع "عمال"تقصدان أستوديو لتسجيل الصوت لآخر أفلامي" نزهة الفؤاد"وتجول عيناي وتصول ولا "عمال" يأتيني لينقذني من مخالفات السير كالسير بعكس الاتجاه في شارع ذو اتجاه واحد.

 

وفي احد اقتطاع شارعين رأيت احدهم راكبا دراجة نارية  تجر صندوق مراسلات او توصيلات هكذا هيئ لي وكنت  على يقين بحكم صنعته انه لابد يعرف أين يسكن "عمال" فسألته  بابتسامة من وجد ضالته عن الشارع ووشمني بنظرات سوداء قاتله" سأرسلك إلى ما هو بعد بعد سوريا ، أقدامكم ممنوعة  من دواس هذا المكان انتم حاقدون علينا وتكرهوننا كرها شديدا .. انتم خونه  وغدارون" وأغدق  صديقي علي بوابل من الشتائم بألفاظ  تمنيت ألا اسمعها حتى من ألد أعدائي إذا توفر,ولكن والحمد لله فهم قله وأكثر الناس ما يفهمون, أو هكذا أريد.

 

شكرته على كرم أخلاقه وحسن ضيافته ,  صفاء ذهنه ,- وحسن نيته لم انسها أيضا-قائلا:"نهاية خاتمه طيبه- وهذه التهنئة تخص عيد راس السنة العبريه بالتحديد-": والله انك رجل طيب وابن ناس شكرا لك على  هذا النطق والمنطق والأخلاق العالية"، "وركنت" سيارتي في مكان ممنوع  ملتصقا بسيارة أخرى بمحاذاة عمارة تحت الترميم غطيت حيطانها ببلاستك اخضر , وركضت نحو  مدخل العمارة المواجهة للمواجهة بيني وبين فارس الدراجة النارية, وكانت ليس فقط في شارع عمال بل رقم 6 أيضا العنوان الذي قصدته فقلت في نفسي كعجوز مستسلمة"يلله ورب ضارة نافعة"!

 

انتهت الحكاية الأولى

 

وهنا قطع حاد  للنصف الثاني من الحكاية الثانية, لأنزل بعد ساعة من الزمن انا وجاد نئمان المخرج بعد ان أتممنا تسجيل الصوت للفيلم  متجهين إلى  فلافل جينا اشهر فلافل آخر موضة "حيث دعاني صديقي فلبيته" وبينما كنت انتظر الرغيف والدور كبير والمكان "معجوق" ناداني جاد لاختار  نوع السلطة التي أحب فوضعت  محفظتي على كرسي لأحجزه  لنا ,  وطلبت من الجالس بأدب أن "يحط عينه على الشنطه" وبعد اختيار السلطة عدت إلى الطاولة  فاستقبلاني رجلان ضخمان كانا في خضم التهام  فلافل جينا بنهم شديد وبادر احدهما :" أنت رجل  عظيم أتمنى ان يكثر أمثالك ليتم السلام  أتمنى لك  ولعائلتك  خاتمة سنة طيبه

اشد على  يديك انا والله معك", شكرتهما بأدب ومحبه

وبدأت بالتهام  جينا

كنت جائعا جدا

فتذكرت فلافل جورج , صديقي من البصه في اوسلو

كانت الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر

وكنت صائما إلا من السيجارة

وليس على المسافر حرج

رمضان كريم

 

*

 

>>>>محمد بكري:  في حوار مع الجزيرة نت

*

 

أمين

 

 

 

بعيدا عن الفضائح الجنسية والفظائع العسكرية لحكام الأزرق والأبيض في " إسرائيل" يحتل الأزرق النيلي,والأبيض الحليبي وجه تونس الحبيب,يقفزان إلى العيون من قلب اصفر الرمال واخضر الزيتون فتشم الياسمين  وتحس بدفء قديم كما المطر الأول والحب الأول.في قلب هذه الاجواء جلست مع حبيب بلهادي كل على كرسي بلاستيكي ابيض في احد الأجران  المدهونة بالكلس الأبيض في معصرة الزيتون التي تحولت إلى قاعة  مهرجان السينما في مدينة هرقله (نسبة إلى هرقل)التونسية التاريخية التي بلغ  عدد سكانها أثناء الامبراطوريه الرومانية أربعين ألف نسمه واليوم بضعة آلاف قليلة يعتاشون من لا شيء اللهم إلا بعض الأسماك  والقليل من السياحة.

 

وكان القائم على فكرة السينما في المعصرة صديق تونسي مجنون جميل اسمه محمد شلوف .

 

 جلسنا حبيب وأنا نتجاذب أطراف الحديث والسينما والناس والسياسة لنكسر الوقت الضائع في انتظار حفلة ختام المهرجان المتواضع وللحديث مع الحبيب مجون .

 

وفي هذا ركض نحوي أمين ابن التاسعة نجل محمد شلوف الذي كنت ضمنته إلى قلبي قبل 4 سنوات على درج  احدى قاعات السينما في أيام قرطاج السينمائية حيث شاركت في فيلم "جنين جنين",  وها نحن أمين وأنا نعاود العناق .

 

 بادرني أمين بلهفة قائلا بلهجة تونسية "بربي فك عليك من إسرائيل" , بما معناه ارحل من إسرائيل , قالها متوسلا بلهفة الولد الخائف من رحيل أبيه , عادها وكررها وشدهنا الحبيب وأنا , وبين الرجاء والتوسل لصغيرنا أمين سألته : لماذا ؟

 

فسارع بعينين دامعتين مفسرا انه حلم حلما بان زار إسرائيل مع أمه وأبيه فقبضت عليهم الشرطة ولكنهم استطاعوا الهروب والإفلات, وختم كابوسه بعينين دامعتين متبرعا ببيتهم في "هرقله" سائلا أمه المغنية التي وقفت تشاهد المشهد  بان توافق على إهدائي بيتهم , ووافقت أمه ضمن الحلول الحالمة لولدها المتوجس لمصيره في إسرائيل .

 

كان قد شاهد فيلمي الأخير "من يوم ما رحت" في الليلة السابقة وطاردته الحكاية في منامه , بقيت صامتا بعض الوقت , وحبيب أيضا , واستمر أمين بالرجاء ولكي اخرج من صمتي المربك حكيت له حلمي الأخير من ليلة الأمس أيضا , عندما وقفت حائرا وزوجتي في قلب صالون بيتي وقد أحاط جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح بيتي يحومون مترصدين طريدتهم في داخل البيت .

 

أمين ابن التاسعة وأنا ابن الثاني والخمسين يجمعنا حلم واحد, شرحت لامين بان لي زوجه وأولاد ستة علي أن أستشيرهم بقضية الرحيل فسارع أمين :وإذا رفض احدهم؟

 

قلت : نحاول إقناعه   

 

قال : "خمن" فكر بالتونسية

 

طار أمين كالفراشة وبعد دقائق عاد ليسألني : "خمنت؟"

 

قلت : ما زلت أخمن ..

 

وها أنا عائد في طريقي من تونس إلى روما في طريقي إلى بلادي وما زلت " أخمن" ..

 

 

محمد بكري

 

www.safsaf.org