|
منير عبد المجيد
خلافاً لما كان متوقعاً، جرت أعمال مهرجان صور من الشرق الأوسط كما
خُطّط لها. وكاد المهرجان، الذي يُعدّ أكبر تظاهرة ثقافية في تاريخ
الدنمارك، أن يلغي بسبب نشر الرسومات في صحيفة يولاندس بوستن منذ عام،
وما تبع ذلك من فورة غضب شعبي واسع ضد الدنمارك والدعوة الي مقاطعة
أعماله. والسبب الآخر نتج عن العدوان الوحشي الاسرائيلي علي لبنان، وما
تلا ذلك من حصار جوي وبحري، جعل مغادرة الفنانين اللبنانيين، بحضورهم
الملفت للنظر، أمراً صعباً.
خلافات تُذكّرُ بلعنة شرق أوسطية
قبل اسبوعين من انطلاق المهرجان (من 12 آب/اغسطس الي 20 أيلول/سبتمبر)
تسّربت الينا أخبار عن خلافات كبيرة بين العاملين من جهة، والادارة
(بما في ذلك مجلس الادارة الذي تترأسه وزيرة ثقافة سابقة)، خاصة بعد
طرد موظفين رئيسيين في CKU (مركز الثقافة والتطوير)، الجهة المنظمة
لمهرجان صور من الشرق الأوسط والممّول جزئياً من وزارة الخارجية
الدنماركية.
الأسباب التفصيلية للخلافات ما زالت مُبهمة حتي هذه اللحظة، فاهتمام
العاملين منصب علي نجاح المهرجان بالدرجة الأولي، الا أننا نتوقع أن
تنحو الخلافات باتجاه درامي فور انتهاء أعماله. وللتذكير أقول ان
المهرجان هذا أعدّ له منذ أكثر من سنتين (خلافاً لما ذُكر في الاوساط
العربية)، ولا علاقة له بتاتاً بمحاولة دانماركية رسمية لتبييض الوجه
بعد نشر رسومات صحيفة يولاندس بوستن. والمهرجان هذا هو تتمة وتكملة
لسلسلة من مهرجانات سابقة حملت عناوين مثل: صور من أفريقيا، صور من
آسيا، صور من الدنمارك... وهكذا.
الخطة كانت أن يكون مهرجان هذا العام الأكبر والأهم. ولا بد من
الاعتراف أنه حمل في أجندته الكثير من النوايا الطيبة، خاصة بعد
تفجيرات نيويورك، وربط العالم العربي والاسلام بالارهاب، كما شاءت
أمريكا. والهدف كان جلياً منذ اللحظة الأولي: الصورة الحقيقية للشرق
الأوسط مغايرة... هناك حضارة عريقة مديدة، وثقافة معاصرة تتطور وتتأثر
بما حولها، كما هو الحال في كل أنحاء العالم. فلمَ لا ندعو 400 ـ 500
فنان، كاتب، سينمائي ومسرحي الي الدنمارك، في محاولة لعكس صور الشرق
الأوسط الستيريوية السائدة في هذه الأصقاع. وكنّا قد دعونا بحماس، علي
صفحات القدس العربي، الي مشاركة عربية عريضة، بعد ظهور أصوات صاخبة دعت
الي مقاطعة المهرجان أسوة بمقاطعة البضائع الدنماركية، وذلك كي نُري
الدنماركي العادي حضارتنا وفنوننا وثقافتنا، ونُثبت له غباء صحيفة
يولاندس بوستن باقدامها علي نشر تلك الرسومات.
من اتخذ القرار؟
آلية توجيه الدعوات (الي أكثر من 400 شخص) غير مفهومة. فمن الذي اختار
الأسماء المدعوة، وأية جهة في الدنمارك تعرف ما يكفي لتهيئة قائمة
الأدباء المدعوين علي سبيل المثال؟. كيف يمكن تكليف مستشرقين دنماركيين
بوضع قائمة الأسماء المدعوّة؟. لا أحاول هنا انتقاص أهمية الأسماء التي
دُعيت، لكن كيف، وبحق السماء، تمّ نسيان كبار آخرين علي حساب آخرين لم
يسمع الكثير عنهم؟. الحجة كانت أن هؤلاء كتاب شبان يُنتظر منهم الكثير،
والدعوات لا يفترض أن تكون محصورة علي الأسماء اللامعة.
كيف تتم، علي سبيل المثال وليس الحصر، دعوة الروائية التركية أصلي
أردوغان (تُرجمت الي لغتين أجنبيتين فقط)، ولم يُدعَ أورهان باموك،
الذي تُرجمت أعماله الي معظم اللغات الحية في العالم؟
هذا لا يُقتصر علي الأدب وحده، بل تظهر علي نحو أوضح في اختيار
الموسيقيين والعروض المسرحية. هنا قامت شركة علاقات عامة بوضع
البرنامج. ليس لديهم، ولو شخص واحد، تعود أصوله الي الشرق الأوسط.
الدنمارك تزخر بمثقفين من الشرق الأوسط، شاءت ظروفهم المستحيلة هناك
اللجوء الي هذه الديار. أليس من الطبيعي أن يُربط هؤلاء، بشكل أو آخر،
بالمهرجان وبرنامجه للاستفادة من خبراتهم، كي يتم كل شيء بمهنية، وليس
كما جري معي منذ خمس سنوات (صور من آسيا)؟ وليسمح لي القارئ الكريم هنا
بالتنويه الي واقعتين جرتا معي، في محاولة لاضافة شرح للصورة التي أود
رسمها. حينذاك طلبت مني ادارة المهرجان دعوة 3 مفكرين من سورية، كونها
بلدي الأول ولي امكانية الاتصال وترتيب دعوتهم، شريطة اتقانهم اللغة
الانكليزية... هكذا. وقع اختياري علي الشاعر ممدوح عدوان (الذي وافته
المنية العام الماضي)، والمفكر صادق جلال العظم، وكلاهما منعتهم الظروف
من الحضور، وأخيراً الباحث والناقد صبحي حديدي، والذي وبالرغم من
مشاغله الكثيرة، لبّي الدعوة وحاضر في موضوعة هامة جداً (تأثير قناة
الجزيرة علي دمقرطة البلاد العربية). وفي تلك الأمسية لم يتعد الجمهور
أصابع اليد الواحدة بكثير. لماذا؟، لأنه وبكل بساطة، نسيت ادارة
المهرجان ادراج المحاضرة في برنامجها العام، ولم يدر أحد بموعدها.
هذا العام طُلب مني أيضاً الدعوة الي حلقة بحث عربية ـ دنماركية مشتركة
لتبادل الحوار والأفكار، تُعقد علي هامش أعمال مهرجان الشرق الأوسط
وقبل بدء أعماله بشهرين. طبعاً ذكرت لهم ما جري من سوء ترتيب في
المهرجان الفائت، فأكدوا لي أن الادارة الحالية استفادت كثيراً من كل
الأخطاء التي ارتكبت في المرات الماضية.
العروض السينمائية
وحدها كانت العلامة الفارقة
وهذا يعود الي جهد كيم فوس، الناقد السينمائي والمدير الأسبق لبرنامج
مهرجان أفلام الليل السينمائي. فالرجل اكتسب وعلي مر السنين خبرة يُحسد
عليها عن سينما الشرق الأوسط. قام كيم فوس بوضع برنامج هام للعروض
السينمائية شمل 28 فيلماً، بدأ بشريط الفيلم المصري عمارة يعقوبيان (انتاج
2006) واخراج مروان حامد، عن قصة علاء الاسواني.
والفيلم الذي يحظي الآن بنجاح ملحوظ في بعض الصالات الأوروبية، يُعد من
أكثر الأفلام تكلفة.. وجودة أيضاً. اشارة مضيئة لسينما عانت علي الدوام
من ملايين الأمراض. سمعت من بعض الزملاء النقاد أخذهم علي تخصيص كل هذه
الأموال لانتاج الفيلم بتقليد أعمي لتركيبة وآلية انتاج الأفلام في
هوليوود. وأنا أقول لم لا؟. ان كانت مشكلة التمويل هي العائق الوحيد
لتقديم سينما متقدمة وعصرية، فلا مانع لدي من دخول رؤوس الأموال الي
صناعة السينما، شريطة أن لا يكون الربح هو الهوس الوحيد لهؤلاء
المستثمرين.
هذه نتيجة كبيرة للسينما المصرية، في وقت كنت اخشي من احتضارها. أرجو
وآمل أن تستمر. عمارة يعقوبيان أفضل فيلم مصري منذ قرن بالكامل.
علي عكس ميزانية الفيلم المصري، قام الأخوان المغربيان سويل وعماد نوري
بتقديم باكورة عملهما، بكاميرا محمولة علي الكتف، يحمل اسم أبواب الجنة
. فيلم تجريبي ملفت للنظر، لم تتجاوز كلفته 120 ألف دولار.
فيلم الجزائري مرزاق علواش (باب واد الحومة) من انتاج 1993 لم يفقد
آنيته، لأنه يتعرض لمشكلة تفشي الأصولية الدينية.
فيلم اللبنانية جوسلين صعب (انتاج مصري 2006) يحاول بحث وعرض مشاكل
مستعصية مثل ممارسة ختان الفتيات وتحرر المرأة العربية. لكن، ومع
الأسف، لم تستطع جوسلين صعب المسك بزمام حدوتتها، فجاء الفيلم باهتاً،
ساذجاً أنقذته، في بعض المرات، عذوبة أداء حنان ترك في الدور الرئيسي
ومحور القصة.
فيلم السوري محمد ملص باب المقام (انتاج 2005) لم يكن أكثر حظاً. باب
المقام تجري أحداثه، عن قصة واقعية، في مدينة حلب. عن امرأة جريمتها
تنحصر في حبها للغناء والطرب وأم كلثوم، مما يدفع ببعض أفراد عائلتها
الي قتلها. فيلم داهمته روح الخطابية وركاكة أداء الممثلين. اشارة
تجعلني أشعر بالقلق علي وضع السينما السورية، علي اعتبار أن محمد ملص
هو واحد من أهم مخرجيها. انتظار ، هو عنوان الفيلم الفلسطيني للمخرج
رشيد معشراوي (انتاج 2005). القصة مبتكرة جداً، ومعشراوي يطرح السؤالين
التاليين: لماذا لا يوجد مسرح وطني لدولتنا؟، لماذا لا توجد دولة
لمسرحنا الوطني؟. هذا الفيلم لقي قبولاً جيداً في كل مكان بعد عرضه في
مهرجان البندقية العام الماضي. القصة عن مخرج مسرحي يجوب، سوية مع
مذيعة ومصور، مخيمات الأردن، سورية، ولبنان بحثاً عن ممثلين لمشروع
المسرح الوطني في غزة والمموّل من الاتحاد الأوروبي.
موسيقي وقليل من المسرح
اختار المهرجان صورة المغنية ناتاشا أطلس للملصقات والأغلفة. وناتاشا
التي وُلدت في بلجيكا، تنحدر عائلتها من انكلترا، مصر، فلسطين والمغرب،
جاءت الي المهرجان وجذبت الي حفلها حوالي 1500 شخص (رقم المهرجان
القياسي). فرقتها خليط من كل مكان وأغانيها المأخوذة من كبار المغنين
العرب، صبغتها بالحداثة فناسبت الذوق الأوروبي الي أبعد الحدود. لا
فكرة لدي عن مدي شعبيتها في السوق العربية، لكنني أعجب من اصرارها علي
الغناء باللغة العربية التي من الواضح أنها لا تجيدها. هي بالنسبة لي
كمذاق الطعام في مطعم عربي في أوروبا: شكله عربي، لكن طعمه تغيّر
ليناسب الأوروبيين.
شربل روحانا سحرنا بمزجه الآلات الموسيقية العربية التقليدية مع الآلات
الموسيقية الكهربائية الغربية، مع الحفاظ علي روح ونكهة الموسيقي
العربية.
التونسي أنور ابراهيم اسم عالمي معروف الآن. عازف عود من طراز رفيع،
سبق أن تعاون مع ديف هولاند وموسيقيين عالميين كبار.
فاطمة زيدان قدمت حفلين جميلين وأصيلين مستمدين من التقاليد الموسيقية
الخليجية، وبصحبة اوركسترا الراديو الدنماركي.
شفان بروار بلغ الخمسين من عمره، دون أن يفقد صوته القوة والعذوبة.
شفان لم يعد ماركسيا-لينينياً كما كان في سبعينات القرن الماضي، ولم
يطالب مستمعيه باللجوء الي الكفاح المسلح من أجل كردستان مستقلة، لكنه
دفع بهم الي القفز من مقاعدهم وعقد سلسلة رقص ودبكة كردية. حتي موسيقي
الراب، المستمدة من موسيقي العصابات الأمريكية السوداء، كان لها حضور.
أذكر فريق دام الفلسطيني بنصوصه السياسية الأثيرة، وقوة حضوره المسرحي.
أسماء اخري كثيرة أقل أهمية كانت حاضرة، وهنا نُعيد انتقادنا عن كيفية
الاختيار والغربلة غير المفهومة التي تعرض لها الموسيقيون من الشرق
الأوسط.
فرق بريفورمانس ورقص عديدة لم تجذب الكثير من المشاهدين. من لبنان جاء
مسرح العرائس اللبناني، وقدم المسرح الوطني الفلسطيني جدارية محمود
درويش في قالب مسرحي، بينما أبدعت الفرقة الأكروباتية المغربية من طنجة.
أنطولوجيا-مشكلة
في كتاب من 152 صفحة، ويحمل اسم الجسر، صور أدبية من الشرق الأوسط ،
تُرجمت أعمال أدبية للمشاركين في المهرجان الي الدنماركية. قام باعداد
الكتاب كلاوس بيدرسن. ومن الأسماء أذكر مريد برغوتي، الياس خوري، نبيل
سليمان، علاء الأسواني، صنع الله ابراهيم، بالاضافة الي أدباء من تركيا
وايران.
لحظة من فضلكم! أنطولوجيا أدبية من الشرق الأوسط دون أن يشارك فيها
أدباء من اسرائيل؟ هذه جريمة لا تغتفر!.
هكذا كانت ردّة فعل بعض وسائط الاعلام الدنماركية التي، وكما يبدو،
حركّتها أقوال وتعليقات السفارة الاسرائيلية.
أما ردّ ادارة المهرجان فكان علي النحو التالي: حاولنا ايجاد ممولين
لمشروع الأنطولوجيا في كل مكان، الي أن حالفنا الحظ، فصدرت بأموال
سعودية (مؤسسة المملكة).
مهرجان صور من الشرق الأوسط بصدد إنهاء فعالياته في العاصمة والمدن
الدنماركية الاخري. وبالرغم من عدم حضور بعض الضيوف المدعوين، بعذر أو
دونه، وغياب الأسماء الأدبية الهامة (صنع الله ابراهيم، علاء الأسواني،
الياس خوري....)، واهتمام لم ينسجم وحجم المهرجان الكبير من وسائط
الاعلام الدنماركية... ورغم أخطاء وهفوات هنا وهناك، فان المهرجان،
ببرنامجه الواسع جداً، وحضور عدد غفير من المدعوين، وحلقات بحثه
ومعارضه التي يصعب حصرها، بلغ هدفه الرئيسي، وزوّد الدنماركيين بما كنا
نريد لهم أن يتزودوا به: الجانب العصري والحضاري (أيضا) من الشرق
الأوسط.
ناقد سوري مقيم في الدنمارك
|