علي الكاش/ اليونان
 

إطلاق صفارة التحذير الأمريكي

ومن المؤسف أن تأتي راكبة مع قوافل الغزو الامريكي حفنة من العملاء الضالين الذين وجـدوا في العراق الجديدة لقمة سهلة المضغ وثدي طافح بالغنى ليغرسوا أسنانهم فيه ويرضعوا بجشع أعمى كل ما فيه من حليب حتى أمتزج الحليب بالدم، لكن هذا الطعم الدموي الكريه والآضرار الملحقة بمصدر الغنى لم يثنيهم عن التوقف، وهذه الحفنة من العراقيين بالجنسية، إذا أفترضنا ان بعضهم يمتلك فعلاً الجنسية العراقية لم يجرؤ على إستصحاب عوائلهم المغتربة خارج العراق لحد هذه اللحظة التي يروجون فيها اكذوبة العراق الجديد والمسيرة الرائعة للعملية السياسية وإزدهار حقوق الأنسان والحريات الأساسية، ومن الطرائف كما يقول بعض المحللين السياسيين بانه إذا أجبرت هذه القيادات الهزيلة على جلب عوائلهم من الخارج وخيروا بين مناصبهم وعوائلهم، سترى ان الوزارات ومجلس النواب ستتحول الى خرائب تنعق فيها أشقائهم الغربان وتنبح فيها الكلاب السائبة، ولم تكتف هذه القيادات بجلب العثة الطائفية معهم لتنخر في النسيج العراقي الكبير وتحوله الى خيوط ضعيفة مبعثرة، وأنما جاءوا بغرائب الكلم وعجائبه فقد تحول ابناء السنة الذين يمثلون نصف المجتمع العراقي الى أقلية سمونها العرب السنة وسلخوا عنها الأكراد إمعاناً في إضعافها، في حين ضموا الأكراد الفيلية الى الطائفة الشيعية العربية، وحورب المسيحيون والأقليات الأخرى ولم يحصلوا سوى على أضغاث احلام في العراق الجديد، وتنصل الأكراد من مذهبهم ليتحولوا الى خدم مطيعين الى السيد الأمريكي ويتضامنوا وفقاً لمصالحهم الفدرالية مع الطائفة الشيعية تحت مبدأ "شيلني وأشيلك" فلكل مصلحته وأجندته، وأفترق أبناء الطائفة السنية التي أفتقرت الى المرجعية الدينية والسنية الى مفرقين متعاكسين فمنهم من إنضم الى جناح المجاهدين الوطنيين الذين يعتبرون كل فعالية أو نشاط في ظل الأحتلال البغيض باطل "ما بني على الباطل فهو باطل" فقدموا جهداً رصيناً وضع الحركة الوطنية العراقية في موقعها اللائق متوخين في أجندتهم الجهادية العمق والنضج السياسي والشمول الفكري ومقدمين أنفسهم زاداً مجانياً للتضحية في سبيل العراق العظيم، وآخرين وجدوا ان بقائهم في الهامش كما جربوا قبل مشاركتهم في العملية السياسية جعلهم فريسة سهلة للوقوع بالفخ، وكانت النتيجة تراجيدية بكل معنى الكلمة، مما أوجب عليهم الدخول في المعترك السياسي تحت شعار "مجبراً أخاك لا بطلاً " وذلك للتخفيف من المعاناة التي تكبدتها الفئات غير المشاركة في العملية السياسية.

 

لقد كان مرتزقة العراق الجديد من النكرات العائشة في ظل المخابرات الأمريكية والبريطانية والأسرائيلية والأيرانية وبدأت الأسرار تنكشف من قبل هذه الجهات بطريقة أو اخرى، فقد نذروا هؤلاء أنفسهم فداءًا لأسيادهم الأمريكان وحلفائهم ممن جثموا على صدر الشعب العراقي مرتكبين بحقه مآس يندر أن تعرض لها شعب في التأريخين القديم والحديث، سالبين منه حقوقه المشروعة وأهمها العيش في أمان وسلام وإستقرار، مختفين وراء واجهات امريكية تحمل شعارات تتناقض مع السياسة والشعارات التي اعلنوها منذ قدومهم الى العراق، مشاكل شملت حتى المفردات الصغيرة من الحياة، وقد وقعت أعبائها على الشعب العراقي برمته، وكلما مرت الأيام أنكشفت الأقنعة التي تنكرت بها القيادات الجديدة المترهلة خلال السنوات الثلاث الماضية وظهرت الوجوه الحقيقية الممتلئة غيضاً وحقداً وطائفية وجشعاً، وظهر للعيان إن همهما الوحيد هو الأصطياد في الماء العكر لتحقيق اكبر قدر من الجاه والثروة والهروب الى البلد الذي جاءت منه متى ما إنتهت ورقتها، ولا شك ان هذه القيادات تعتمد إعتماداً كبيراً على الدعم الأمريكي الأسرائيلي الأيراني، وان الوضع الأمني السائب وإنتشار الفوضى في كل أرجاء العراق قد عزز بشكل أو آخر على إستئسادها وتلاعبها بمصير اللشعب ، وقد قامت بتوسيع رقعة مصالحها الحزبية والذاتية على حساب المصالح الوطنية الكبرى، وتحولت السياسة العبثية واللامسؤولة التي تتبعها القيادات المشؤومة الى سياسات حكيمة ومتبصرة من وجهة نظر الأعداء الذين جاءوا بها وسلموها السلطة، ومن البساطة بمكان التمييز بين السلوك الأزدواجي لها، فهي من جهة تعمل على جر وإستقطاب الأحزاب والحركات المناوئة الى الفلك الامريكي الأيراني الذي تدور حوله ومن جهة ثانية تجتهد في الحفاظ على تماسكها الهش للحفاظ على مصالحها المتضاربة من خلال تجنيد البسطاء والسذج لضرب هذه الحركات والاحزاب من خلال وضع عصي الأرهاب في دورتها الجهادية وإعاقة وتفريق جهودها.

 

أن تضارب الأجندات لهذه القيادات والمرتبطة جميعها بقوى خارجية ولد أزمة حقيقية وربما لا تبدو واضحة العيان للبعض بسبب العزلة الأعلامية التي تفرضها قوات الأحتلال على المحطات الأعلامية التي لا تتماشى مع أهدافها التوسعية ولا تروج لسياساتها الكاسدة وشعاراتها الطنانة الفارغة، كما ان السلطة الحقيقية ومجريتاها تتم في دهاليز أجنبية وعلى نطاق ضيق ومحدود مقتصراً على القيادات العليا مما يولد الرؤية الضبابية لحقيقة ما يجري، وهناك صراعات كبيرة بين هذه القيادات وهي صراعات في أغلبها صامته، فكل يحاول أن يتكتل ويتحرك باحثاً عن أنصار جدد متربصاً تحركات الآخرين بنوع من الريب والتشكك، وربما كانت الأوضاع قد تفجرت بينها لو لا وجود المظلة الأمريكية التي تحاول أن تؤمن القليل من ظل التماسك وتجبرهم على التقارب ولو أمام الرأي العام فقط،رغم أن الطليعة من المثقفين يدركون ما يطبخ في الدوائر المعادية وترسل على شكل توجيهات ملزمة لهذه القيادات، ولاسيما ان رائحة الشعواط بدأت تنتشر خارج هذه المطابخ، بعد أن تبين أن القوات الأمريكية نفسها وليس الشعب العراقي فقط قد راهن على فرس القيادة الجديدة الخاسر.

 

رغم سياسة الأرهاب الحكومي والأحتلالي الشرسين ضد ابناء الشعب العراقي أخذت النقمة الشعبية تتكيف مع مسارها الصحيح والمنظم وبدأت اهدافها بالنضوج والتعمق يوماً بعد آخر رغم الظروف الصعبة التي تكتنف هذا المسار الطويل، ولا شك ان إتساع حجم الهجمات ضد قوات الأحتلال وزمر الخيانة، هو خير دليل على تعاظم هذه النقمة وإتساع رقعتها لتشمل العراقي كله حيث بدأ بركانها يقذف بحممه الحارقة على الرؤس العفنة في جميع الأتجاهات موعداً أياها بشر مستطير، فقد أعترف الجنرال الأمريكي وليام كولدويل بأن عدد السيارات الملغومة التي فجرت أو أبطل مفعولها مؤخراً فاقت أي وقت آخر، وكذلك القنابل التي فجرت حيث وصلت الى اعلى مستوياتها على الأطلاق، معترفاً بان الوقت امسى عصيباً وشاقاً لقواته في العراق.

 

ويبدو أن القيادات الجديدة بدأت تدرك الأوضاع المتأزمة والتفاقمة التي تحصرها في عنق الزجاجة، فقد ادركت أن نفوذها الحقيقي لايمكن ان يقاس على معيار الحضور الرسمي والعيش في المنطقة الخضراء والتصريحات الفارغة والحياة الفارهة والحمايات المتطفلة، فهذه مظاهر زائلة مرهونة بظروف خارج سياقاتها الموضوعية ولا بد أن تلفظ الى خارج الحدود مثلما لفظت القيادات التي سبقتها، والتي تزاحمت على وزارة الخارجية العراقية في خطوة إنهزامية لأيجاد مواقع نفوذ أخرى للعمل خارج العراق بعد أن أدركت كم هي منبوذة وتافهة ورخيصة في تقييم شعبها، وفقهت سعة الهوة بينها وبين مواطنيها.

 

ويبدو ان الأدارتين الأمريكية والعراقية أمست على شفا حفرة من الأنهيار، فقد عبر عدد من المسؤولين بأن العام الحالي أما سيكون فيه عراق أو ينتهي العراق الحالي الى دويلات طوائف، وهذا ما أشار اليه الريس الطالباني ووزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري وعدد من القادة السياسيين، كما أن الجنرال جورج كيسي ذكر بأن الأشهور القادمة ستكون حاسمة لتقرير مصير العراق" انها فترة حاسمة لكل شخص والكل يعرفها" وهو نفس ما نوه عنه البيت الأبيض، وما ذكرته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس خلال زيارتها الأخيرة الى بغداد، حيث وصفت المرحلة القادمة بانها حساسة بالنسبة للحكومة العراقية، وحذرت رايس الحكومة العراقية بان الوضع الأمني لا يمكن تحمله، كما أن لا يوجد متسع من الوقت لتسوية الخلافات السياسية مؤكدة أن الأمر لا يتحمل نقاشات بعد، وهو عبرت عنه ايضاً المتحدثة بأسم البيت الأبيض دانا بيرينو، وعدد من النواب الأمريكان، ويبدو ان الدول المتحالفة مع القوات الأمريكية لها نفس الرأي، فقد نقل عن قائد قوات التشيك ميلاد ديفياك واصفاً ان الأوضاع في تفاقم مستمربسبب أعمال العنف، فيما تشير التقارير الى أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد فشلتا في وقف أعمال العنف التي تجتاح البلاد، وان الولايات المتحدة تكبدت خسائر كبيرة في الأموال والأرواح، فقد بلغت خسائرها المادية (300) مليار دولار منذ الغزو، كما بلغت خسائرها البشرية أكثر من (2700) قتيل و(20) ألف جريح منهم (766) خلال الشهر الماضي فقط حسب ما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست.

 

وفي تخبط الأدارتين الأمريكية والعراقية المستمر اعلن الأمريكان عن عقد مؤتمر أمني في العاصمة البولندية وارشو لتدارس الأوضاع الأمنية المأساوية وفشل الخطط الأمريكية والعراقية في وضع حد لها، ولاسيما بعد الفشيل الكبير الذي احرزته خطة "معاً الى الأمام" والتي تحولت الى "معاً الى الوراء" وقد علق الجنرال جورج كيسي بأسطوانته المشروخة عن المؤتمر بأن الهدف منه هو رؤية الشعب العراقي قادراً على تحمل مسؤولياته من خلال عمل القادة معاً لبناء عراق ديمقراطي يكون أنموذجاً للحرية في الشرق الأوسط ؟

 

ولكن البعض يتساءل هل " سيصلح العطار ما افسدته الأدارتين الأمريكية والعراقية" وبالتأكيد ان الأشهر القليلة الماضية كفيلة بتوضيح الحقائق أما عراق أو .. لا سامح الله.



www.safsaf.org