ما بعد الحرب على لبنان... ا لأجندة الأمريكية الإسرائيلية لم تتغيّر!
عبداللطيف مهنا
الأجندة الأمريكية الإسرائيلية في لبنان لم تتغير، مالم يؤخذ بالقوة، وكما هو معروف قد عجزت هذه القوة في تحقيق استهدافاتها في الحرب العدوانية الأخيرة جراء الصمود البطولي للمقاومة اللبنانية، لابد إذن من محاولة أخذه، أو تحقيق هذه الاستهدافات، بوسائل أخرى... منها أممية مثلاً، أو تحت هذه المظلة، حيث تحشد، كما نشاهد هذه الأيام، الأساطيل على سواحل هذا البلد في مهمة أقل مايقال فيها أنها غامضة... إذ مثلاً لم يعلن أبداً أنها جاءت حمايةً للبنان من العدوان الاسرائيلي المستمر بشكل أو بآخر حتى هذه اللحظة، وإن أعلن بالمقابل، وعلى لسان السيدة ميركل المستشارة الألمانية، أنها لم ترسل جنودها المعتمرين للخوذة الزرقاء إلاّ لحماية إسرائيل!
... وداخلية، عبر إثارة مسألة سلاح المقاومة، بالتوازي مع حملة تشكيك مستمرة، بل متمادية، في هذا الانتصار اللبناني المقاوم الناجم عن إفشال تلك الاستهدافات المعلنة من وراء شن تلك الحرب العدوانية، لدرجة وصف نتائج هذه الحرب من قبل بعض اللبنانيين ب"كارثة حقيقية"... هذه النتائج التي شكلت منعطفاً استراتيجياً ودرساً للأمة يقول: إن قلة مقاومة مؤمنة بحقها في مواجهة العدوان ومستعدة للتضحية من أجل الوطن كفيلة بصد أعتى قوة غاشمة في المنطقة، بل لعلها مؤرخة بذلك بدء العد العكسي للمشروع التوسعي الصهيوني في بلادنا ومسقطة بصمودها الأسطوري اسطورة الجيش الذي لايقهر، ومرسخة في وجدان الأمة الخيار الضروري والوحيد لانعتاقها من ربقة الاحتلالات ألا وهو المقاومة.
والأهم، دقت اسفيناً مضافاً لما تدقه المقاومة في العراق وأفغانستان في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد وفق آخر مسميات مشروع الهيمنة الأمريكي في المنطقة.
حتى الآن، هاتان هما الوسيلتان المتبعتان لتحقيق مالم تحققه القوة الغاشمة التي عجزت، وفق ما انجلى عنه غبار المعارك وآلت إليه نتائج الحرب، من استهدافات، وأهمها رأس المقاومة ونقل لبنان نهائياً للمعسكر الآخر، تعززهما وتوازيهما حملة ضغوط أمريكية هائلة على الصعيدين الاقليمي والدولي معاً. ويكفي هنا متابعة التصريحات شبه اليومية والتحركات المزمعة لكونداليسا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى ما يرشح يومياً من مواقف أو مناورات أو تسريبات على الصعيد الإسرائيلي.
إذن نحن إزاء تصعيد له ماوراءه... واللافت هنا أنه وفي جملة مقابلات مدروسة جرت مؤخراً مع وزيرة الخارجية الأمريكية، أقرت كونداليسا رايس بأن إسرائيل قد واجهت في الحرب الأخيرة على لبنان "معضلة صعبة جداً" . وفيما يؤشر على ما ينتظر هذا البلد عقاباً له على صمود مقاوميه وفلة المشهود للارادة المعادية الذي تسبب لها في هذه المعضلة، وفيما يؤكد على ذات البرنامج الأمريكي الإسرائيلي الذي لم يتغير، عبّرت رايس عن تفاؤلها بما دعته "انقسام الكتلة الشيعية"! وبشّرت لبنان بالأسوأ عندما توقعت حدوث اضطرابات لبنانية داخلية قالت أنها قد تشمل "محاولات اغتيالات لرموز 14 آذار"!
وتكتمل هذه الصورة الأمريكية المرادة بما سرّبته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، معلقة على جولة رايس الوشيكة في المنطقة، عندما أضافت هدفاً غير معلن للجولة قالت أنه يتمثل في عقد قمة عربية من معتدلي العرب لدراسة الأخطار التي تتعرض لها المنطقة... وهي الأخطار التي يستثنى منها قطعاً الخطر الإسرائيلي... الخارجية الأمريكية رفضت التعليق على النبأ الإسرائيلي، إلا أن المتحدث باسمها رأى أن تلك الأخطار لا تأتي إلا "من ايران ومن مجموعات ارهابية كحماس وحزب الله"! معتبراً أن من الأولويات الأمريكية على ضوء هذه الجولة الرايسية المزمعة، تعزيز "القوى الأمنية التي تدين بالولاء لأبي مازن"، مؤكداً أنه "لن نتحدث مع حماس ولن نتحدث إليها"!
مالم يؤكده أو ينفيه الناطق باسم الخارجية الأمريكية ، سبق وأن قالته بشكل غير مباشر الوزيرة الأمريكية، عندما صرّحت بأن حكومتها تعتزم العمل مع دول معتدلة في الشرق الأوسط "لصد الطموح الإيراني"!
لعل الوجه الآخر للعملة الأمريكية في لبنان هي المواقف الميدانية الإسرائيلية في الجنوب الذي لازالت أجزاء منه تحت الاحتلال، ويماطل الإسرائيليون في الانسحاب منها ابتزازاً لتحقيق بعض مالم تحققه الحرب، ومن ذلك مايدعونه الاتفاق على "قواعد الاشتباك"، والتي تعني فيما تعني حق مطاردة مقاومي حزب الله أو إخراجهم من الجنوب، الذي يعني في مثل هذه الحالة إفراغ الجنوب من أهله، باعتبار هؤلاء المقاومين ينتمون إلى قراه وليسوا قادمين إليها... المماطلة الإسرائيلية عكستها صحيفة "جورزيلم بوست" الإسرائيلية، عندما نسبت لضابط إسرائيلي كبير قوله:
"قلنا لليونيفل أننا نخطط لسحب قواتنا من لبنان بحلول عيد الغفران، مع أننا لم نحدد في أي سنة" يكون هذا الانسحاب!
خلاصة القول أن الإسرائيلين، لاسيما وقد بلغت نسبة التأييد بينهم لرئيس وزراء العدوان أيهود أولمرت 7% فقط، لايمكنهم لأسباب عديدة ليس أقلها إعادة الاعتبار لجيش تكسّرت هيبته في الأمتار الحدودية الأولى من الجنوب اللبناني، نسيان مرارة هزيمة هدف العدوان الأول ألا وهو رأس حزب الله أو المقاومة اللبنانية.
كما يسؤهم ويثير أحقادهم الدفينة ماعبّر عنه يوئيل ماركوس كبير معلقي صحيفة "هآرتس" بالقول:
"أن نصر الله الزعيم الوحيد الذي لديه أجندة، وهذه حقيقة لاتشكل بشرى سارة للسنة (العبرية) الجديدة"!
إذن مطرقة الأجندة الأمريكية الإسرائيلية، غير المعزولة عن ما يجري من تعثر في العراق و أفغانستان، وتعقيدات الملف النووي الايراني، وصولاً إلى استهدافات الهيمنة الكامنة في مشروع الشرق الأوسط الكبير، لابد لها من سندان محلي في لبنان لكي تأتي استهدافاتها أكلها المنشودة، من هنا ليس بمحض الصدفة أن تطل مجدداً ذات الأصوات المحلية التي حاولت الاصطياد في الماء العكر إبان الحرب لتجر اليوم البلد إلى حيثما عجزت آلة الحرب الإسرائيلية عن تحقيقه. أصوات تصرّ في عناد غير معقول على إنكار الانتصار الذي حققته المقاومة، لا لصالح لبنان فحسب وإنما لصالح أمته بأسرها، ويتعدى ذلك إلى محيطها الإسلامي، بل تحميل مسؤلية العدوان الأمريكي الإسرائيلي برمته، لمن ضحوا بدمهم الزكي دفاعاً عن الوطن فأفشلوا ببسالتهم استهدافات الغزاة، وزادوا فشككوا حتى في وطنية أبطال المقاومة...
في لبنان انقسام حقيقي كان خجولاً إبان الحرب أما اليوم فلم يعد كذلك، بل ارتفعت وتيرته. إنه انقسام يعكس مأزقاً وطنياً حقيقياً، لعله يشكل، كما قلنا، بقصد أو من دونه، سنداناً مساعداً للمطرقة الأمريكية الإسرائيلية، ويضع هذا البلد الصغير أمام أتون حرب أهلية، لعل التربة الطوائفية فيه كانت وتظل خير مرتع خصب لمن يريدون إثارتها... أو من يريدون جرّ حزب الله لها وللمذهبية البغيضة اللتين يسعى جهده لتجنبهما، وهو الفصيل اللبناني الوحيد الذي لم يشارك يوماً في الصراعات الداخلية، أو لم يكن طرفاً في الحرب الأهلية التي شهدها هذا البلد، بل قام ويقوم وأخذ معناه وشعبيته من مواجهته للاحتلال بعد أن حرّر الجنوب عام الألفين من الاحتلال الاسرائيلي، وصدّ العدوان عليه في العام 2006... لعل الشواهد كثيرة على هذا الانقسام أو هذا المأزق الوطني اللبناني، حيث يختلف البعض من اللبنانيين مع أغلب اللبنانيين على الانتصار، ويحمّل مسؤلية العدوان للمقاومة الوطنية، ويتكامل بالتالي من حيث يعي أو لايعي مع محاولات العدو تحقيق ما فشل في تحقيقه إبان الحرب... هنا لانعدم شواهداً، مثل، بيان المطارنة، بيان البريستول، تصريحات جعجع، جنبلاط، الحريري، وجملة من المواقف التحريضية جاءت رداً على مهرجان الانتصار الحاشد في الضاحية الشرقية الذي أقامته المقاومة... وقبل ذلك كله تنصل الحكومة إبان الحرب من المقاومة...
قد تكتمل الصورة في قادم الأيام، عندما يعزز دور قوة اليونيفيل وأساطيلها، بقرار أممي جديد غير مستبعد، وقد يصدر تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهي الرغبة الأمريكية المعلنة، يجيز لهذه القوة تنفيذ القرار الأممي الأخير الذي لم يتضمن نزع سلاح المقاومة لكنه لاينفي المسعى المضمر لذلك... كل المؤشرات التي يمكن استشفافها من مابين سطور مواقف "المجتمع الدولي" الغربي لصاحبته الولايات المتحدة الأمريكية،وهذا الغموض في مهمة اليونفيل، يعززان ما يدل على نوايا غير معلنة لاستصداره... الأجندة الأمريكية الإسرائيلية في لبنان، في فلسطين، في العراق، في السودان، وسائر المنطقة هي هي لم تتغير!