|
د. بشير موسي نافع
لم يعد من الممكن ولا من المفيد تجاهل وجود أزمة فلسطينية متفاقمة.
الاشتباكات المتكررة بين من يوصفون بأنهم أنصار حماس وأنصار فتح، أو القوي
التابعة للرئيس وتلك التابعة للحكومة؛ الانتقادات الحادة المتبادلة بين
الرئاسة ومن نصبوا أنفسهم للدفاع عنها وبين رئاسة الوزراء؛ الفشل الذريع في
التوصل لاتفاق حول قيام حكومة وحدة وطنية، بالرغم من تبني جميع الأطراف لهذه
الحكومة؛ التصنيفات الانقسامية والتحريضية للفرقاء الفلسطينيين بين معسكرات
إقليمية ودولية؛ ما يكاد يشبه الشلل في الدفاع عن الحق الفلسطيني في مواجهة
الانتهاكات الإسرائيلية الفادحة والتجاهل الدولي؛ والحصار الاقتصادي والسياسي
الذي يدفع مئات الألوف من الفلسطينيين إلي حافة الجوع، كلها مؤشرات لا تخفي
علي وضع متأزم. في ظاهره، يبدو هذا الوضع وكأنه نتاج خلاف بين الرئيس محمود
عباس والحكومة التي تقودها حماس حول هذا البند أو ذاك من بنود برنامج حكومة
الوحدة الوطنية المنشودة. ولكن الحقيقة ان الأزمة الفلسطينية ذات وجوه
متعددة، ليس الخلاف علي البرنامج السياسي إلا مظهراً لها.
في قلب هذه الأزمة يأتي الانتصار الذي أحرزته حماس في انتخابات كانون الثاني
(يناير) الماضي، الانتصار الذي لا يريد البعض ان يدرك دلالاته التاريخية،
ويتعامل معه كأنما هو حدث عابر يمكن الالتفاف عليه. التعددية المفرطة هي
ظاهرة ملازمة لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية؛ وهي ظاهرة طبيعية ولدها
انهيار المجتمع الفلسطيني عقب نكبة 1948 وافتراق هذا المجتمع إلي مجتمعات
متعددة داخل الوطن وفي الشتات. وهي ظاهرة ترتبط بانهيار الإجماع في المجتمعات
العربية ـ الإسلامية خلال القرن العشرين، بعد ان داهمت هذه المجتمعات تحديات
غربية كبري ورياح تحديث عاصفة. وهي ظاهرة تتصل أيضاً بصعود الأيديولوجيات في
المنطقة العربية خلال الحقبة التالية للحرب العالمية الثانية، وإيمان
الانتلجنسيا الفلسطينية الصاعدة بجدوي الأيديولوجيا. ولكن التعددية
الفلسطينية المفرطة لم تمنع بروز قوة فلسطينية رئيسة، قوة قائدة، في كل مرحلة
من مراحل تاريخ الحركة الوطنية، بغض النظر عن صوابية رؤية هذه القوة أو
فقدانها للصواب. وقد حصلت هذه القوة علي موقعها ودورها ليس فقط من نجاحها في
الاستفادة من توازنات القوي العربية، وأحياناً من إجماع عربي علي تبنيها،
ولكن أيضاً، وفي شكل مهم، من خلال نجاحها في تقديم إجابات مقنعة علي الأسئلة
المطروحة علي الشعب الفلسطيني في مرحلة ما.
كان الالتفاف الفلسطيني حول قيادة ورؤية الحاج أمين الحسيني حقيقياً، بالرغم
من وجود منافسين كبار له طوال الفترة من منتصف الثلاثينات وحتي النكبة. وبعد
فترة انتقالية من انهيار الحركة الوطنية، شكل التحالف الشهير بين قيادة منظمة
التحرير الفلسطينية والمشروع الناصري محور استنهاض والتفاف فلسطيني واسع. وما
ان واجه المشروع الناصري هزيمة 1967 حتي بات من الضروري ان تتحمل القيادة
الأولي والتأسيسية لمنظمة التحرير قسطها من الهزيمة. كانت تلك، بالطبع، لحظة
بروز حركة فتح وتسلمها مقاليد القيادة الوطنية، في الوقت الذي شهدت الساحة
الفلسطينية تعددية سياسية وأيديولوجية ونضالية لا سابق لحركة تحرر وطني ان
شهدتها. بهذا المعني لابد ان يقرأ انتصار حماس الانتخابي؛ إذ ان هذا الانتصار
هو مؤشر علي تحول تاريخي جديد في هيكل ورؤية وقيادة الحركة الوطنية، وليس
مجرد تنافس حزبي علي الحكم والسلطة. بل ان هذه السلطة، كما كان واضحاً اصلاً،
ويزداد اتضاحاً كل يوم، لا تستحق مجرد التنافس عليها. بعد عقود علي انفراد
حركة فتح في قيادة الشأن الفلسطيني، أصبح الفلسطينيون علي قناعة بأن قيادة
فتح للحركة الوطنية لم تعد تستطيع الإجابة علي الأسئلة الكبري للقضية
الوطنية، وبات عليها التنحي لصالح قوة أخري ورؤية أخري جديدة. ولكن الطبقة
السياسية الفلسطينية التي ارتبطت بالمرحلة السابقة لا تريد الاستماع إلي رأي
الشعب، وتقاوم، بكل ما أوتيت من قوة ودهاء، وبوسائل مشروعة وغير مشروعة،
عملية التغيير.
ربما تتعلق مقاومة حركة التغيير بقناعات وإيمان عميق بالصواب. ولكنها تتعلق
علي الأكثر بنظام الامتيازات الذي استندت إليه هذه الطبقة وعاشت في كنفه منذ
أكثر من ربع قرن. كما التعددية المفرطة، شابت الحركة الوطنية الفلسطينية
مظاهر فساد وإفساد لا تخفي منذ ولادة العمل الفدائي في أعقاب هزيمة 1967؛ وقد
اتسع نطاق الفساد وتصاعدت حدته خلال المرحلة اللبنانية التي استمرت من 1971
إلي 1982. ولكن الفساد في مرحلتي الأردن ولبنان وجد معادلاً نضالياً كبيراً
في مواجهته وموازاته، سواء بنضالات العمل الفدائي علي نهر الأردن وعبر النهر،
أو بتصاعد الكفاح المسلح في جنوب لبنان وشمال فلسطين، بل وحتي مستنقع الحرب
الأهلية اللبنانية. المعادل النضالي ثلم حدة الفساد واستطاع الحد من أثره
المدمر علي الحركة الوطنية. ولكن ما ان أخرجت القوات الفلسطينية من لبنان،
وانتقلت قيادة منظمة التحرير وأغلب مؤسساتها إلي العاصمة التونسية، حتي تراجع
البعد النضالي، وتحول جسم الحركة الوطنية إلي بيروقراطية مهاجرة، تنخر
جنباتها البطالة والملل والتدافع علي المواقع والأدوار؛ وبدلاً من قيم
التضحية والإيثار، سيطرت علي المؤسسات الوطنية الفلسطينية قيم الامتيازات. في
هذا المناخ بالتحديد ولدت الطبقة السياسية التي فاوضت علي اتفاق أوسلو، التي
عاد أغلبها إلي الضفة والقطاع لقيادة السلطة الوطنية ونشر عدوي الامتيازات
إلي كل من احتك بها، أو انضم إليها من مناضلي الحركة الوطنية السابقين في
الضفة والقطاع.
ما كانت تعنيه الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وما يمكن ان تفرزه أية محاولة
حقيقية وجادة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها ككيان جامع
للفلسطينيين، ليس فقط بروز برنامج وتصور وطريقة عمل ونمط تحالفات جديد للحركة
الوطنية الفلسطينية، ولكن أيضاً تنحي طبقة سياسية وتقويض نظام الامتيازات
الذي عاشت فيه ومن أجله طوال عقود. ولعل هذا ما يجعل العناصر الأكثر فساداً
وامتيازاً في الطبقة السياسية الفلسطينية أكثر هذه الطبقة عداء وخصومة
للحكومة الفلسطينية الحالية وأكثرها نشاطاً في العمل علي تقويض الحكومة
والالتفاف علي نتائج الانتخابات.
تتعلق بهذا الوجه الهام للأزمة، تمده بالقوة ومبررات الوجود، وتستمد منه
القوة في المقابل، وجوه أخري، إسرائيلية وإقليمية ودولية. الإسرائيليون،
الذين تعتقد أكثرية قيادتهم انها قدمت خلال التسعينات أقصي ما تستطيع تقديمه
للجانب الفلسطيني ولاتفاق أوسلو، يسعون إلي تحويل الصراع علي فلسطين إلي صراع
فلسطيني ـ فلسطيني، يصيب الحركة الوطنية الفلسطينية بالشلل ويحطم قدرة الشعب
الفلسطيني علي مواصلة النضال. ويجد الإسرائيليون في الخلافات الفلسطينية
الداخلية، وتفاقم التنافس علي قيادة السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية، فرصة
كبري لإقناع العالم أن الفلسطينيين لا يستحقون أكثر مما يمكن للجانب
الإسرائيلي منحه منفرداً. لهذا، لا يعمل الإسرائيليون علي عزل وإضعاف حكومة
حماس وحسب، بل وأصبحوا طرفاً مباشراً في التأزم الفلسطيني الداخلي، عن طريق
دعم طرف معين وتشجيعه علي تصعيد هذا التأزم.
ولا يختلف الموقف الأمريكي، وموقف بعض الأطراف الأوروبية، كثيراً. فمنذ أحداث
الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، لم تعد الإدارة الأمريكية تنظر إلي
المسألة الفلسطينية باعتبارها قضية تستدعي التعامل معها ضرورات الحفاظ علي
استقرار المنطقة والعالم، بل باعتبارها جزءا من حرب عالمية علي الإرهاب وقوي
التطرف والراديكالية الإسلامية وخطر العرب والمسلمين التاريخي علي الوضع
الغربي. تستبطن هذه الرؤية، بالرغم من بعض ما يسمعه الرئيس عباس من وقت إلي
آخر ومن لقاء إلي آخر مع المسؤولين الأمريكيين، إعطاء الدولة العبرية فرصة
كاملة لإلحاق الهزيمة بالفلسطينيين، وإخراج القضية الفلسطينية كلياً من جدول
الاهتمامات العربية والإسلامية. والمدهش ان لا تري الطبقة السياسية
الفلسطينية السابقة، والرئيس ومن يلتفون حوله، ان الاهتمام الأورو ـ أمريكي
بإطاحة حكومة حماس لا يعني ان ثمة إنصافا عالميا ملموسا ينتظر الفلسطينيين في
نهاية النفق. ما تراه الطبقة السياسية الفلسطينية، وقد أعمتها هموم فقدان
نظام الامتيازات وانهياره، ان حكومة حماس باتت حجر عثرة في طريق التوصل إلي
حل عادل وكريم، وعامل ضعف فلسطيني في الميزان الدولي. وفي حين تستهدف العزلة
والمقاطعة الغربية الحكومة والشعب علي السواء، وتقويض قدرة الفلسطينيين علي
المقاومة ودفعهم إلي حافة اليأس والتسليم بحقائق القوة، يظن بعض القياديين
الفلسطينيين السابقين ان الضغط الدولي علي حماس وحكومتها يصب لصالحهم ولصالح
إسقاط حكومة استثنائية والعودة بالأوضاع السياسية الفلسطينية إلي ما كانت
عليه.
ما ساعد علي تفاقم الأزمة الفلسطينية ومسلسل الأوهام الذي يحرك عدداً من
أطرافها كان الانقسام العربي السياسي الذي ازداد حدة خلال أشهر الصيف. فمنذ
غزو العراق أخذ المحور العربي الثلاثي، مصر ـ سورية ـ السعودية، الذي شكل
مركز ثقل السياسة العربية زهاء عقد من الزمان وحاول الحفاظ علي الحد الأدني
من المصالح العربية، في التحلل. وقد اضطرت سورية، وهي تواجه خطر الجوار
الأمريكي المسلح في الشرق وخطر الدولة العبرية في الغرب، اضطرت إلي تعزيز
تحالفها مع إيران. لا يمكن إعفاء سورية تماماً من مسؤولية الافتراق عن مصر
والسعودية، ولكن مشكلة التحالف الثلاثي الأساسية برزت منذ لحظة الانضواء
المصري ـ السعودي في معسكر المؤيدين، صراحة أو ضمناً، لاحتلال العراق. وتداعت
من ثم التطورات التي وضعت سورية في مواجهة الخطر والتهديد. وبدون ان تخطط
حماس، أو حتي ترغب، وجدت نفسها وقد صنفت في المعسكر السوري ـ الإيراني، وهو
ما أعطي الطبقة السياسية الفلسطينية السابقة الأمل في ان يفرض هذا التصنيف
علي حكومة حماس ليس عزلة أورو ـ أمريكية وحسب، بل أيضاً، وهذا هو الأهم، عزلة
عربية.
المشكلة التي لا يريد معسكر طبقة الامتيازات رؤيتها انه بالرغم من المشقة
البالغة التي يعانيها الفلسطينيون بفعل الضغوط المفروضة علي حكومة حماس، فإن
الفلسطينيين لا يريدون للحكومة تبني النهج السياسي السابق، حتي لو كان في هذا
التبني وسيلة لرفع المشقة. إضافة إلي ذلك، فإن الفلسطينيين لا يريدون، بأي
حال من الأحوال، ان يعود الملف الوطني إلي عهدة طبقة الامتيازات وشخصياتها
المعروفة، أو علي الأقل ان لا تعود تلك الطبقة للتفرد في تقرير مستقبل القضية
الوطنية. حتي أكثر أولئك الذين يتظاهرون، بتحريض أو غير تحريض، في شوارع غزة
ورام الله، يعرفون حجم الكارثة التي أوصلت الطبقة السياسية السابقة
الفلسطينيين إليها. وفي انتخابات جديدة، مبكرة أو غير مبكرة، سيصعب علي
الشخصيات الرئيسية للطبقة السياسية السابقة ان تحصل علي ثقة الشعب. وفي حال
استطاعت هذه الطبقة بفعل الدعم الإسرائيلي والعربي والدولي إسقاط الحكومة
والالتفاف علي نتائج الانتخابات، فإن أي محاولة منها للتفرد بالملف الوطني
ستؤدي إلي انفجار فلسطيني غير مسبوق، يفرض نتائج الانتخابات بوسائل أخري. وهو
ما يجب علي عقلاء الفلسطينيين تجنبه بكل ما يستطيعون من جهد وحكمة، وترك قوي
التاريخ لتفعل فعلها بمرور الزمن
-----------------------------------------------------------------------------------
القدس العربي 12 تشرين أوّل ،
الخميس.
9
|