غزة : شق الصراع الغاطس
http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article=386826&issue=10179
فهمي هويدي جريدة الشرق الأوسط , الأربعاء 11 اكتوبر 2006
هذه أربع لقطات مختلفة المصادر توفر لنا بعض المفاتيح التي تساعدنا على فهم خلفيات الصراع الحاصل في الأرض المحتلة. ففي الأسبوع الماضي تناقلت وكالات الأنباء تقريرا مثيرا حول الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة لتعزيز الحرس الرئاسي الفلسطيني (في الوقت الذي تمارس فيه واشنطون ضغوطا اخرى قوية لإحكام الحصار حول الشعب الفلسطيني وتجويعه). أشار التقرير الى ان وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ناقشت مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أثناء اجتماعهما الأحد في رام الله ضرورة تحسين مستوى القوات الأمنية التابعة للرئاسة، التي تتلقى في الوقت الراهن تدريبات أمريكية، ومعدات أوروبية، وأسلحة مصرية وأردنية. كما تحدث عن انه بعد فوز حركة حماس فى الانتخابات التي تمت في شهر يناير/كانون الثانى الماضى. ارتفع عدد أفراد الحرس الرئاسى من 2500 عنصر الى ما بين 3500 و4000. وتهدف الخطة الامريكية الموضوعة الى زيادة حجم تلك القوات بحيث تضم 6000 عنصر. وقد عرضت الولايات المتحدة 20 مليون دولار لتمويل التوسع فى العدد ورفع كفاءة القوات، بحيث تقدم واشنطون نصف المبلغ، في حين يغطي النصف الآخر أصدقاء الولايات المتحدة في اوروبا والعالم العربي.
(حسب التقرير فعملية التعزيز جارية الآن على قدم وساق، حيث يجرى الآن بناء معسكر للتدريب خلف أسوار أريحا في الضفة الغربية على مساحة تقدر بحوالي 16 فدانا من المقرر الانتهاء منه بحلول يناير/كانون الثاني القادم، وهناك اتجاه لإقامة معسكر آخر في غزة. لكن عملية التدريب وتعزيز الحرس الرئاسي بالسلاح لم تنتظر بناء العسكريين. لان الامريكيين يتولون عملية تدريب تلك القوات منذ بداية صيف هذا العام في معسكر مقام حاليا بجوار اريحا على مساحة 1,2 فدان كما ذكر التقرير، الذي اشار الى ان الولايات المتحدة «تفاهمت» مع السلطات الاسرائيلية بشأن السماح لقوات الحرس الرئاسي بتلقي أسلحة وذخائر جديدة من مصر والأردن.
من الملاحظات اللافتة للانتباه التى أوردها التقرير، أن الدبلوماسيين الغربيين في الأرض المحتلة ذكروا ان كل تلك الخطوات محاطة بدرجة عالية من الكتمان، وان التدريبات التي يباشرها الخبراء الأمريكيون وشحنات الأسلحة التي تأتي من الاردن ومصر، وتمررها إسرائيل إلى الحرس الرئاسي، هذه الخطوات كلها يجري التعتيم عليها، لتفادي إحراج رئيس السلطة أمام الرأي العام الفلسطيني.
(اللقطة الثانية من النسخة العربية لموقع صحيفة «هآرتس» فى الاول من شهر اكتوبر/تشرين الحالي، حيث نقلت عن المصادر الإسرائيلية قولها إن الادارة الامريكية تعتزم القيام بسلسلة من «الخطوات الإبداعية» من اجل تعزيز مكانة الرئيس محمود عباس وإضعاف حركة حماس وحكومته، باعتبار أن ذلك يحقق مصلحة استراتيجية أمريكية في الطراز الاول. وقالت تلك المصادر ان تلك الخطوات ابلغتها واشنطون للحكومة الاسرائيلية لتكون تفصيلاتها موضع مناقشة اثناء زيارة وزيرة الخارجية الامريكية لتل أبيب، تمهيدا لحسم الأمر تماما، خلال الزيارة التي يفترض أن يقوم بها رئيس الوزراء الاسرائيلي لواشنطون في الشهر القادم. وطبقا لما ذكره موقع صحيفة هآرتس، فان الادارة الامريكية ترغب في تسوية للصراع بين اسرائيل والفلسطينيين، لكن بسبب ضعف موقف حكومة اولمرت بعد فشل العدوان على لبنان، الى جانب عدم قدرة الادارة الامريكية على ممارسة اي ضغط على تل ابيب بسبب قرب الانتخابات الجزئية للكونجرس وعدم رغبة الرئيس بوش في إغضاب جماعات الضغط اليهودية، الى جانب تولى حركة حماس الحكم في مناطق السلطة السلطة الفلسطينية، فإن كل هذه العوامل تجعل من المستحيل إجراء مفاوضات جدية للتوصل الى تسوية سياسة للقضية الفلسطينية. وحسب المصادر الاسرائيلية فان الخطة الامريكية «الابداعية» لتعزيز عباس واضعاف حركة حماس وحكومتها تتضمن الاجراءات التالية:
(استئناف ضخ المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية عن طريق ديوان ابو مازن، مع حرص الإدارة وجميع الجهات الممولة على التأكيد للجمهور الفلسطينى انه لا يوجد لحركة حماس أو حكومتها أى دور فى وصول هذه المساعدات وهو ما يعنى ايجاد آليات خاصة لتحويل وصرف أموال المساعدات، بحيث لا يكون لوزارات الحكومة الفلسطينية أي دور في استقبال وتوزيع وصرف هذه الأموال.
دعم وتعزيز الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تعمل تحت إمرة الرئيس عباس لاسيما جهاز حرس الرئاسة المعروف بـ«القوة 17»، والذي يخضع مباشرة لسيطرة عباس، في نفس الوقت يتم حرمان جهاز القوة التنفيذية الذي أنشأه وزير الداخلية الفلسطينية بعد تشكيل الحكومة الحالية من هذه المساعدات، مع العلم أن جهاز القوة التنفيذية هم من العناصر السابقين في الأذرع العسكرية لحركات المقاومة الفلسطينية، سيما «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة حماس. ويذكر أن الإدارة الأمريكية أقنعت الدول المانحة بأن يحصل منتسبو الأجهزة الأمنية على أعلى الرواتب بغض النظر عن الشهادات الأكاديمية التي يحصلون عليها. وقد فسر الاصرار الأمريكي في حينه على ان رغبة أمريكية في تكريس الطابع الأمني لعمل السلطة والمتمثل في مواجهة حركات المقاومة.
(تطبيق خطة «دايتون» التي تقوم على اعادة فتح المعابر الحدودية بين قطاع غزة وإسرائيل، بحيث يتم تطبيق نفس آليات العمل المتبعة في معبر رفح الحدودي الذي يصل قطاع غزة بمصر، بحيث يتمركز في هذه المعابر مراقبون دوليون، بالإضافة إلى عناصر من جهاز «حرس الرئاسة» التابع لأبومازن.
(اللقطة الثالثة أوردتها القناة العاشرة للتليفزيون الاسرائيلى، التي بثت مساء يوم 3/10 الحالي حوارا مع وزير البنى التحتية وأحد ابرز قادة حزب العمل بنيامين اليعازر، علق فيه على المواجهات الحاصلة في غزة بين حركتي فتح وحماس، قائلا: إنني أصلي من اجل ان تنتصر حركة فتح في هذه المواجهة، لأنه من المهم جدا لاسرائيل ان تخرج حركة حماس خاسرة بشكل واضح. وأضاف الرجل الذي سبق أن تولى منصب وزير الحرب قائلا: انه يتوجب على اسرائيل ان تمد يد العون لحركة فتح ولابو مازن، الذي يتزعم معسكر الاعتدال في الساحة الفلسطينية. واعتبر ان المواجهات الحالية يمكن ان توفر فرصة لتجاوز نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وإيجاد قيادة أخرى يمكن أن تشكل عنوانا مناسبا لاسرائيل. \ هذا الموقف عبر عنه بكلمات اخرى شمعون بيريز القائم بأعمال رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي قال في اتصال هاتفي اجرته معه الاذاعة الاسرائيلية العامة صبيحة يوم 4/10 ان الاخبار الواردة من الضفة الغربية وقطاع غزة «تبعث على الارتياح، لأنها تدل على أن معسكر الاعتدال الفلسطيني حي ويتنفس».
اللقطة الرابعة فى الصحافة الاسرائيلية فقد نشرت صحيف هآرتس في 4/10 مقالة مهمة لمراسلتها في الضفة الغربية وقطاع غزة عميرة هاس، شددت فيها على أن هناك تحالفا بين اسرائيل وبين المسئولين عن تنظيم الاحتجاجات على حكومة حماس. وقالت إن كلا من اسرائيل ومنظمي عمليات الاحتجاج لهم هدف واحد هو: إزاحة حركة حماس عن الحكم، لأن ذلك من شأنه ان يسمح باستنئاف المفاوضات المضللة مع السلطة والتي توظفها اسرائيل في التغطية على عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية الى جانب عمليات القمع. وشددت هاس على انه مقابل ذلك يقوم العالم بدفع الأموال للشعب الفلسطيني لكي يغض الطرف عن ممارسات اسرائيل. وأكدت ان اسرائيل هي المسؤولة عن الأزمة المالية الخانقة في السلطة وليس حكومة حماس، التي تقوم بفرض الاغلاقات والحصار وتسجن مئات الآلاف من الفلسطينيين في زنزانة كبيرة، إلى جانب سرقة أموال السلطة التى تجبيها لصالحها كضرائب على البضائع التي تستورد لمناطق السلطة. وحذرت هاس الحكومة الاسرائيلية من مغبة الرهانات الخاسرة، مشددة على أنه بدون موافقة اسرائيل على اقامة دولة فلسطينية مستقلة فإنه لا يوجد امكانية ان يسود الهدوء في المنطقة.
(من ناحية ثانية قال الصحافي روني شاكيد فى صحيفة «يديعوت احرونوت» ان ابو مازن يريد ان يفهم قادة حماس الآن بأنه من الأفضل لهم الموافقة على انتخابات عامة جديدة أو الاعلان عن وضع طوارئ واقامة حكومة مؤقتة حتى موعد الانتخابات القادمة بعد ثلاث سنوات، وهو الذي وظف عمليات العنف الاخيرة من اجل اقناع حماس بالتنازل عن الحكم، وخلص إلى القول بأن احراق مكاتب «حماس» واحراق مكاتب الحكومة، ومحاولات اغتيال وزراء ومسئولين كبار، والإضراب العام وتهديد حياة زعماء «حماس» هي ليست مجرد معارك شوارع، بل تمرد وانقلاب. ودعا شاكيد الحكومة الاسرائلية الى الحذر في تدخلها في الشأن الفلسطيني، مشيرا الى ان «التدخل الاسرائيلي لصالح أبو مازن يجب ان يكون حكيما وناجحا» ومنبها الى ان «أي عمل عسكري شاذ في غزة سيوحد الفلسطينيين ضد اسرائيل ويعزز موقف حماس». كثيرة هي المعاني التي تتداعى الى ذهن المرء وهو يستعرض هذه اللقطات لعل أبرزها ان الصراع الحاصل في غزة والضفة ليس بين فتح وحماس كما تشير الأنباء، وليس فقط بين أطراف في السلطة مصرة على استعادة مكانتها ومستعدة في سبيل ذلك لتحدي ارادة الشعب الفلسطيني الذي أوصلت حكومة حماس الى السلطة. ولكن شقا غامضا تقوم فيه الولايات المتحدة واسرائيل بدور المحرك والراعي والداعم المباشر وغير المباشر، وهدفه ليس اسقاط حكومة حماس، ولكن هدفه الحقيقي هو توفير فرصة مواتية لتصفية القضية الفلسطينية برمتها.
| انقلاب في الأولويات والتحالفات |
|
فهمي هويدي
من كان يتصور مثلاً أن يأتي زمان تتراجع فيه قضية فلسطين في الخطاب الرسمي العربي، بحيث تغدو إيران هي الخطر الذي يهددنا وليس “إسرائيل”؟ ومن كان يتصور أن يسهم العالم العربي في حصار فلسطين وتجويع شعبها، في حين يستنفر النظام العربي لإطلاق سراح اسير “إسرائيلي” وهو الذي سكت لسنوات طويلة على احتجاز “إسرائيل” لعشرة آلاف فلسطيني؟ ومن كان يتصور أن يسقط الصراع العربي “الإسرائيلي” من الأجندة، بحيث يستأثر بالضوء صراع قديم وسقيم بين السنة والشيعة؟ ومن كان يتصور أن ينفجر الوضع في غزة بحيث يقتل الفلسطينيون بعضهم بعضاً في النهار، ثم تأتي الغارات “الإسرائيلية” في الليل لقصف الجميع بلا استثناء؟ ومن كان يتصور أن تسيل دماء العراقيين أنهاراً كل يوم بحيث يتعرض أهله لما يشبه الإبادة ويتواصل مسلسل تآكل البلد وتقطيع اوصاله، في حين يقف العالم كله متفرجاً، والعالم العربي ذاهلاً ومبهوتاً؟
ومن كان يتصور أن يذهب رئيس العراق “المحرر” إلى الولايات المتحدة ليطلب استمرار الاحتلال لعدة سنوات قادمة؟ ومن كان يتصور أن يترك العرب لبنان ويتخلوا عنه وهو يتعرض للعدوان والتدمير، لتطلق فيه بعد ذلك يد قوى الهيمنة لتعبث بمقدراته وترعى تفجيره من الداخل؟ ومن كان يتصور أن ينفض العرب من حول السودان بحيث يتركونه وحيداً وبلا ظهر في مقاومته لجهود التدويل والتمزيق والتركيع التي تقودها الولايات المتحدة، منطلقة من دارفور؟ ومن كان يتصور أن ينتكس العالم العربي بحيث يخضع للوصاية الأمريكية في بدايات القرن الواحد والعشرين، وهو الذي كافح طويلاً ودفع ثمناً باهظاً حتى تخلص من الوصاية البريطانية والفرنسية في القرن العشرين؟
عديدة هي الأسئلة التي تعبر عن مدى عبثية المشهد العربي، لكن ذلك كله في كفة، والتقارير التي ظهرت في الأيام الأخيرة المتعلقة بخلفيات المشهد في كفة أخرى.
في الثالث والرابع من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي نشرت صحيفتا “الأخبار” اللبنانية، “والقدس العربي” اللندنية، معلومات مثيرة حول الاتصالات التي قامت بها الولايات المتحدة في اعقاب الفشل “الإسرائيلي” في الحرب على لبنان.
وأشارت تلك المعلومات الى أن الحيوية التي دبت في الشارع العربي خلال الأسابيع الخمسة التي استمر فيها العدوان “الإسرائيلي” على لبنان، أحدثت نقلة نوعية مهمة في الوجدان العام، وحققت لأول مرة توازناً مع موقف الأنظمة العربية، ظل ضاغطاً عليها طول الوقت، وهو ما رصدته الأجهزة المختصة في الولايات المتحدة، الأمر الذي دفعها إلى إيفاد مسؤول كبير إلى المنطقة على وجه السرعة، زار الأردن قبل أن ينتقل إلى “إسرائيل” ويتوجه بعدها إلى ثلاث دول عربية أخرى. وكان هدف الزيارة هو الدعوة إلى احتواء الموقف في المنطقة بعد حرب لبنان، خصوصاً في الساحة الفلسطينية.
تم للمبعوث ما أراد، واتفق خلال جولته على عقد اجتماع سياسي أمني قبل سفر الرئيس محمود عباس إلى الولايات المتحدة، حيث كان مقرراً أن يعقد عدة اجتماعات مع المسؤولين الأمريكيين هناك. والرسالة التي نقلها المبعوث الأمريكي في هذا الصدد اشارت بوضوح إلى أن ترتيب اجتماعات رئيس السلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة مرهون بأمور عدة، أبرزها عدم تنفيذ الاتفاق مع حركة “حماس” على قيام حكومة الوحدة الوطنية، مع تجميد الملف حتى اشعار آخر، لأن هناك فرصة لتغيير الوضع برمته على مسرح المنطقة، بعد الذي حدث في لبنان، حيث اصبح الهدف هو اجهاض دور “محور الشر” الذي تقوده إيران وسوريا، ويشمل حزب الله وحركة حماس. ومما تسرب عن ذلك الاجتماع أن المبعوث الأمريكي شدد على “ضرورة مبادرة النظام العربي الرسمي الذي تعدده غالبية سنية، بالقيام بما يلزم من أجل منع تمدد قوى النفوذ الإيراني الذي يبدو أنه يتعاظم داخل العراق نفسه”.
وفقاً للترتيبات المتفق عليها، عقد الاجتماع المشار إليه في العقبة بالأردن، وحضره ممثلون عن الأجهزة الأمنية في أربع دول عربية، وشارك فيه الرئيس محمود عباس بصحبة مدير المخابرات الفلسطيني توفيق الطيراوي. وكان من بين حضوره رئيس جهاز الأمن الداخلي “الإسرائيلي” (الشين بيت) يوفاك ديسكن. ومن أهم الامور التي نوقشت في الاجتماع ضرورة مواجهة التحالف الذي يجمع إيران وسوريا وحزب الله، عن طريق إحكام الحصار حول حزب الله، والتنسيق بين الدول المشاركة للتصدي “للإرهاب المتنامي” خصوصاً في الساحة الفلسطينية. وفي هذا الشق الأخير انصب الكلام على ضرورة اسقاط حكومة حماس. وكان البديل المطروح هو تشكيل حكومة طوارئ تتولى إدارة البلاد وفق القانون الفلسطيني لمدة ثلاثين يوماً، يتم خلالها ترتيب أمر الحكومة البديلة. وحين تحدث أبو مازن عن صعوبة إبعاد حماس بصورة نهائية، فإنه سمع كلاماً واضحاً خلاصته أن المجتمع الدولي لن يقبل تحت أي ظرف مفاوضة حماس إذا لم تعترف ب “إسرائيل”. ونصح بعدم التمسك بوثيقة الأسرى، (التي لم تتحدث صراحة عن الاعتراف ب “إسرائيل”) والعودة إلى برنامج منظمة التحرير، مع مطالبة حماس بالقبول بكل الاتفاقات الموقعة مع “إسرائيل”، وبتأييد المبادرة العربية التي اعلنت في بيروت، والتي تقود إلى الاعتراف بورقة اللجنة الرباعية.
هذا الكلام نشر وجرى تداول معلوماته، من خلال منابر إعلامية عدة، ولم يعقب عليه أحد، ولم ينف مضمونه أحد.
ثمة إشارات أخرى قادمة من “إسرائيل”، تسلط أضواء أقوى على المشهد. ففي يوم الاربعاء 27/9 بثت الإذاعة “الإسرائيلية” العامة باللغة العبرية حديثاً للجنرال عامي ايالون، أحد قادة حزب العمال والمرشح لرئاسته (في السابق كان رئيساً لجهاز المخابرات الداخلية “الشاباك”) قال فيه ما نصه: “علينا أن نشرع على الفور في بذل كل الجهود الممكنة من اجل اقامة تحالف بين “إسرائيل” والدول المعتدلة في المنطقة. وتلك أهم العبر التي يتعين استخلاصها من تجربة الحرب الأخيرة ضد حزب الله”. ولم يكن الرجل وحيداً في اطلاق هذه الدعوة، لأن وزير الخارجية السابق سليفان شالوم ردد الكلام نفسه في الليلة السابقة، أثناء حديث له إلى قناة التليفزيون العاشرة، وهي ذات الفكرة التي تحدث عنها القائم بأعمال رئيس الوزراء شمعون بيريز حين ذكر أن حسم المعركة في مواجهة حماس وحزب الله وإيران لا يمكن أن ينجح إلا بالتعاون مع الدول “المعتدلة” في المنطقة.
أثار الانتباه في تصريحات الجنرال عامي ايالون قوله إن قادة الأنظمة العربية التي وصفها بالمعتدلة، يعتبرون أن تواصل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ونجاح إيران في تطوير مشروعها النووي، يهددان الاستقرار في بلادهم، بنفس القدر من الخطر الذي يمثله ذلك على “إسرائيل”. وهذه الفكرة عبر عنها سليفان شالوم حين قال إنه أثناء توليه وزارة الخارجية عقد عدة لقاءات سرية وعلنية مع مسؤولين كبار في دول عربية لم يسمها، بعضها ليست لها علاقات مع “إسرائيل”. وفي وصفه لتلك اللقاءات قال: “لا يمكنكم أن تتصوروا حجم الضيق والضجر الذي تشعر به قيادات تلك الدول من تواصل المقاومة الفلسطينية ومن مجرد وجود حزب الله”.
استطراداً من هذه النقطة فإن الجنرال افرايم سنيه رئيس كتلة حزب العمل في البرلمان “الإسرائيلي” لفت الانتباه في مقابلة أجراها مع إذاعة الجيش “الإسرائيلي” (يوم 27/9) إلى أن للدول العربية مصلحة أكيدة تماماً مثل “إسرائيل” في عدم نجاح حركات المقاومة في فلسطين ولبنان في تحقيق إنجازات سياسية، لأن من شأن ذلك احراج الأنظمة، ومنازعتها شرعيتها. وامتدح الطريقة التي تجري بها الانتخابات في تلك الدول قائلاً انها لو كانت حرة ونزيهة لفازت الحركات الإسلامية التي تمثل تهديداً لتلك النظم ول”إسرائيل” أيضاً.
من الملاحظات المهمة في هذا الصدد أن وزير الحرب الصهيوني عمير بيريتس انضم إلى دعوات تعزيز موقف “المعتدلين” في العالم العربي والتحالف معهم. وكذلك الأمر مع كل من الوزراء اسحاق هوتزوع ومئير شطريت وغيرهم. لكن اللافت أن اصحاب هذه الدعوات يرفضون في الوقت نفسه تقديم أي تنازل يمكن أن يساعد أنظمة الحكم “المعتدلة” في العالم العربي على اقناع شعوبها بالتحالف مع “إسرائيل” والتعاون معها في مجال محاربة الحركات الإسلامية، وهو ما دفع الصحافي موتي كير شنباوم إلى توبيخ الوزير شالوم عندما كرر عبارة “يجب أن نعزز معسكر الاعتدال في العالم العربي” قائلاً: “هل تعتقد أن رفع شعار محاربة الإسلام الأصولي يمكن أن يقنع الجماهير العربية بابتلاع التحالف معنا؟”. من ناحية أخرى فإن وزير الأمن الداخلي “الإسرائيلي” والرئيس السابق لجهاز “الشاباك” اشار في مقابلة مع إذاعة الجيش “الإسرائيلي” إلى أن معظم الدول العربية لها نفس المصلحة في عدم نجاح حكومة حماس، على اعتبار أن نجاحها يعني فتح المجال أمام عهد جديد في المنطقة، تتبوأ فيه الحكومات الإسلامية الحكم. ومثل سابقيه رفض ديختر تقديم تنازلات للأنظمة العربية من أجل دفعها الى التحالف مع “إسرائيل” في الحرب ضد الحركات الإسلامية، قائلاً: “لماذا نقدم لهم التنازلات، فهم اصحاب مصلحة مثلنا في نجاح تلك الحرب”.
ماذا يعني ذلك كله؟
قبل الإجابة عن السؤال، انبه إلى أن المعلومات والأفكار التي استعرضتها ترسم صورة للكيفية التي يفكر بها الآخرون، والأهداف التي يتطلعون إلى تحقيقها. وما يريده هؤلاء لا يعني بالضرورة أنه قدر مقطوع بوقوعه وقضاء لا سبيل إلى رده، لأن تنزيله على أرض الواقع مرهون بإرادة الأطراف العربية المعنية ومدى الممانعة المتوفرة لديها، وهي الممانعة التي تثار حولها أسئلة كثيرة، منذ اختبرت في موقفها من العدوان “الإسرائيلي” الأخير على لبنان.
إن المطلوب والمستهدف الآن أمريكياً و”إسرائيلياً” هو احداث انقلاب في أولويات العالم العربي وتحالفاته، وفي ظل ذلك الانقلاب يهمش الصراع العربي “الإسرائيلي”، بحيث تصبح قضية فلسطين شأناً داخلياً يتم التفاوض حوله وتسويته بين الطرفين “الإسرائيلي” والفلسطيني. اما “القضية المركزية “ المطلوب اشغال العرب و”إسرائيل” معاً بها، فهي الخطر الذي تمثله إيران النووية، التي يرون أن نفوذها يتمدد في المنطقة، وتسعى في ذلك إلى تدعيم قوى التطرف الممثلة في حزب الله وحماس، وغيرهما من الحركات “الراديكالية” التي تهدد الأنظمة العربية بقدر ما تهدد “إسرائيل”.
ولأن إيران دولة شيعية، ولأن خطر الهلال الشيعي يلوح في الأفق على نحو حجب عن الأعين رؤية نجمة داود، فلا سبيل إلى مواجهة “التحدي” إلا من خلال التحالف مع الدول السنية، شريطة أن تتوافر لها شرائط “الاعتدال”. ومعيار الاعتدال هنا يقاس بمقدار “تعاون” كل دولة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”. أي بمقدار انسلاخها عن محيط الأمة وتخليها عن استحقاقات الانتماء العربي والإسلامي.
لا استبعد أن تكون السيدة كوندوليزا رايس في جولتها الأخيرة في المنطقة قد وزعت على الأطراف المعنية أوراق الالتحاق بالحلف الجديد “الإسرائيلي” السني “المعتدل” صدق أو لا تصدق.
|