دور الطبقة الوسطى في البلدان المغاربية
المستقبل - الاربعاء 11 تشرين الأول 2006 - العدد 2413 - رأي و فكر - صفحة 19
جورج الراسي
الطبقة الوسطى، في علم الاجتماع، وفي
الواقع، هي ضمانة الاستقرار والتطور. فمن لا يملكون شيئاً يسعون الى تغيير كل شيء.
ومن يملكون الكثير لا يريدون تغيير أي شيء، ولا يأبهون لمصير الآخرين. أما من هم في
الوسط فيسعون دائماً الى تحسين ظروف المعيشة، وإلى رفع القدرة الشرائية، ويُشكّلون
صمّام الأمان للسلم الأهلي، ومنطقة عازلة بين الاستقرار والاضطراب.
أول من استوعب هذه الرؤية في المغرب العربي كانت تونس. وجاء في أكثر من تصريح
للرئيس زين العابدين بن علي "إن البلد لا يستطيع أن يتقدم بدون الطبقات الوسطى".
ووضع هذا المبدأ موضع التطبيق الفعلي أعطى النتائج المرجوة.
وصدق الأرقام الرسمية التونسية جعل البنك الدولي يعتمدها في موقعه على الإنترنت.
فقد تجاوز معدل دخل الفرد عتبة 2500 دولاراً، فيما بلغ حجم الناتج المحلي الخام نحو
23 مليار يورو الأعوام الماضية. وظلّت البطالة دون نسبة 15 في المئة، والتضخّم أقل
من 4 في المئة، مقابل نسبة نمو راوحت 5 في المئة منذ وصول الرئيس بن علي الى سدّة
السلطة في 7 تشرين الثاني سنة 1987. ويرتاد 99 في المئة من أولاد تونس المدارس، وفي
البلاد 13 جامعة لعشرة ملايين نسمة، خمسٌ من بينها في محيط العاصمة. ووصل عدد
الطلاب الجامعيين الى نحو 370 ألف طالب، أكثر من نصفهم (57 في المئة) هم من
البنات،مما يؤكّد دور المرأة في نهضة المجتمع. وأهم من هذا كلّه أن أكثر من ثلثي
العائلات هي صاحبة المنزل الذي تسكنه. ومعظم هذه العائلات تمتلك كل أدوات
ومُستلزمات الحياة العصرية من سيارة وتلفون (ثابت ومحمول) وتلفزيون وحاسوب، وقد
كانت تونس العاصمة العالمية لقمة مجتمع المعلومات أواخر العام الماضي.
مُحصّلة هذه المعطيات كلها أن نسبة الطبقات الوسطى تتجاوز 72 في المئة من مجموع
السكان، وفق أرقام البنك الدولي. وهذا يُفسّر لنا الى حد كبير الاستقرار الذي تنعم
به البلاد منذ نحو عقدين.
أما الجزائر فلم تشهد مثل هذه التنمية المستدامة خلال العقود الماضية، بل شهدت
صعوداً وهبوطاً في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية. الصعود تزامن مع عهد الرئيس
هواري بومدين والنصف الأول من حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، حتى أواسط ثمانينات
القرن الماضي، بفعل مداخيل النفط والاستثمارات الضخمة في مشاريع عملاقة. فنمت
وازدهرت طبقة وسطى تكوّنت أساساً من كوادر القطاع العام والقطاع الخاص، بالإضافة
الى الملاّك العقاريين، وأصحاب المهن الحرة. فقد ضَمِنت هذه الفئات استقرار البلاد
مدة عقدين من الزمان في ظل حكم جبهة التحرير الوطني. وكان الجزائري يُنظر إليه خلال
كل تلك المدة على أنه "أرستقراطي" المغرب العربي. لكن صفارات الإنذار بدأت تُطلق
منذ العام 1986 مع تدنّي مداخيل النفط، وتفتيت شركات الإنتاج الضخمة في ظل حكومة
عبدالحميد الإبراهيمي المُشكّلة عام 1984، وتراكم الديون الخارجية، وصولاً الى
انفجار تشرين الأول 1988. تلا ذلك مباشرة عشرية الدماء والدموع بعد وقف المسار
الانتخابي أواخر العام 1991. فكانت مُحصّلة هذه الأحداث، سواء لجهة الانخراط في
اقتصاد السوق وخيار الانفتاح الليبرالي والتعددية السياسية في السنوات الأخيرة من
حكم الشاذلي، أو لجهة تصاعد أعمال العنف بعد وقف المسار الانتخابي، أن تآكلت الطبقة
الوسطى الى درجة أنها لم تعد تُشكّل سوى 20 في المئة من مجموع السكان. فهبط دخل
الفرد من 2880 دولاراً عام 1986 الى 1500 دولاراً عام 1998. وتراجعت القدرة
الشرائية بنسبة النصف تقريباً (45 في المئة حسب أرقام البنك الدولي) بين عامي 1986
و2000. وتجاوزت البطالة نسبة 30 في المئة، وضربت أزمة السكن أطنابها، فسجّلت البلاد
عجزاً يُقاس بملايين الوحدات السكنية، وتجاوزت الديون الخارجية عتبة 30 مليار
دولار. ولم تبدأ الأمور تتحسّن إلا بعد وصول الرئيس بوتفليقة الى السلطة ربيع العام
1999 بفضل عاملين أساسيين: الأول هو إعادة السلم الأهلي بفضل قانون الوئام المدني،
وميثاق السلم والمصالحة، والثاني هو النعمة النفطية التي هبطت على البلاد بفضل
ارتفاع أسعار النفط. فبلغ احتياطي العملات الصعبة ـ نحو 70 مليار دولار حتى الآن،
وتقوم البلاد بدفع ديونها الخارجية بشكل استباقي فلن يبقى منها إلا قرابة ستة
مليارات دولار أواخر هذا العام. والعامل الإضافي والأهم هو رصد مبلغ بحدود 70 مليار
دولار يُصرف على مدى السنوات الخمس (2004 ـ 2009) لإنعاش اقتصاد البلاد، وإطلاق ورش
ضخمة. فكانت النتيجة تراجع البطالة الى حدود 15 في المئة، وارتفاع دخل الفرد الى
2615 دولاراً للمرة الأولى منذ عام 1985، في حين وصل الناتج المحلي الخام الى 85
مليار دولار مرتفعاً بنسبة 16 في المئة عما كان عليه عام 2003.
نتيجة هذا كله بدأت الروح تعود الى الطبقات الوسطى لكي تحتل موقعها السابق كأهم
عوامل الاستقرار والنهوض بالبلاد، خصوصاً بعد القرارات الأخيرة برفع مستوى الأجور.
في المغرب ظلّت هذه الطبقات على الدوام دون عتبة الـ20 في المئة، مما يُفسّر
التباين الاجتماعي المتزايد، وخُطط محاربة الفقر التي يرعاها العاهل المغربي.
أما في الجماهيرية فالمعايير مختلفة لأننا أمام رب عمل واحد هو الدولة التي توظّف
800 ألف شخص من أصل 3 ملايين نسمة هم مجموع السكان، في حين أن موريتانيا تأمل
بالدخول في عصر الطبقة الوسطى مع بدايات تصدير النفط وتنفيذ المشاريع التنموية
الكبرى.