خواطر عربية على أرضٍ أميركية

 

 صبحي غندور*

 

اضطررت في الأسبوع الماضي لأن أقود سيارتي على مدار أكثر من 12 ساعة في يومٍ واحد، وبدون رفيق درب، عابراً ثماني ولايات أميركية ما بين العاصمة واشنطن ومنتصف ولاية ويسكنسون في الوسط الشمالي للولايات المتحدة. ولم تكن هذه هي المرّة الأولى التي أتنقّل فيها برّاً بين ولايات أميركية، لكن جدّة التجربة لي كانت بأنّي أفعل ذلك دون رفقة أحد ممّا أتاح لي شيئاً من الخلوة مع الطريق ومع جغرافية الأرض الأميركية ومع سلسلة من البرامج الإذاعية الإخبارية التي كنت أتابع سماعها على محطة NPR الأميركية المعروفة.

 

أولى الملاحظات التي راودت ذهني هي التساؤل عن كيفية الجمع في التجربة الأميركية بين تنوّع الطبيعة الجغرافية ووحدة النظام المستخدم عليها. أيضاً، بين تعدّدية المجتمع واختلاف ألوان البشر فيه وأصولهم الثقافية والعرقية والدينية، وبين انتمائهم جميعاً إلى هويّة أميركية واحدة تجمعهم وتوحّد بينهم.

فخلال مسافة قاربت الألف ميل، عبرت ولايات ذات طبيعة جبلية وأخرى هي سهول ممتدّة. ولايات يتميّز بعضها بالتصنيع والمدن الصاخبة، وبعضها الآخر بالزراعة والحياة الهادئة البسيطة. وتجد في أيّ محطة أو استراحة على الطريق أشكالاً وألواناً مختلفة من الناس لكن جميعهم يستخدمون التسهيلات ذاتها في الولايات كلها، ولا تعرف أنّك انتقلت من ولاية إلى أخرى إلا من خلال دفع رسوم "الطريق السريع" أو من لافتات صغيرة على جانب الطريق.

وتساءلت في نفسي: لِمَ نجح الأميركيون (والأوروبيون الآن أيضاً) فيما فشل فيه العرب؟ فالمسافة التي قطعتها برّاً في يوم واحد هي تقريباً كالمسافة ما بين بيروت وجدّة أو بين بيروت والكويت.  فلِمَ استطاع الأميركيون القادمون من أصول ثقافية مختلفة أن يحقّقوا تكاملاً على الأرض الأميركية بين ولايات تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، بينما فشلت الدول العربية في تحقيق ذلك رغم ما هي عليه من وحدة ثقافة وأرض وتاريخ وحضارة ومصالح مشتركة؟

أيضاً، لِمَ نجحت تجربة السوق الأوروبية المشتركة، التي تزامن تأسيسها مع تأسيس جامعة الدول العربية، في التحوّل إلى اتحاد فيدرالي بين أمم أوروبية مختلفة، بينما تزداد الدول العربية انقساماً وصراعاً في علاقاتها مع بعضها البعض، بل وفي داخل أوطانها نفسها أحياناً؟

أليست المشكلة عربياً هي في انعدام الإرادة السياسية بتحقيق التكامل والاتحاد، وأيضاً في خطأ الإدارة السياسية للأوضاع العربية؟!

 

صحيح أنّ المنطقة العربية هي منطقة صراعات دولية، وأنّ حدودها الراهنة هي محصّلة تسويات أوروبية تمّت في مطلع القرن الماضي، وبأنّ الأمّة العربية ينخر في قلبها جسم صهيوني غريب استنزف طاقات الأمّة لعقود طويلة، لكن هذه العوامل كلّها هي أيضاً أسباب مهمّة للتكامل والتوحّد السليم بين الأقطار العربية. فلا الأمن الوطني لأيِّ بلدٍ عربي يمكن تحقيقه بمعزل عن الأمن العربي العام، ولا التنمية العربية الشاملة ممكنة بدون تكامل الثروات والطاقات العربية المبعثرة والمستنزفة من قبل شركات الخارج أو في بلدان الخارج أحياناً أخرى.

 

بلا شكّ، فإنّ المدخل السليم لتكامل الدول والأوطان هو صلاحية النظام السياسي الذي تقوم عليه هذه الدول. فالبناء الدستوري السليم الذي يقوم على مرجعية الناس في الحكم وفي الوصول إليه، هو الأرض الصلبة المطلوبة لأي عملية تكامل بين الدول. هكذا كان درس التجربة الأميركية التي وضعت أولاً دستورها الشهير قبل أكثر من مائتي عام وجعلته المرجع الوحيد للحاكمين والمحكومين في ثلاثة عشرة ولاية، فإذا بهذه التجربة الدستورية والتكاملية تتطوّر على مدى قرنين من الزمن لتضمّ الآن خمسين ولاية أميركية هي في مجموعها اليوم أكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم، لكن ليس بمقدور أي ولاية منها أن تعيش وتزدهر بدون الولايات الأخرى ونمط الحياة المشتركة الرابط بينها جميعاً، فهي وحدة "الكل" الجامع لخصوصيات متنوعة ومختلفة.

***

وفي رحلة الطريق هذه استمعت لبرنامجين إخباريين على المحطة الإذاعية (National Public Radio)، أحدهما عن العلاقة بين الدين والدولة، والآخر كان مقابلة هاتفية مع رامي خوري محرّر جريدة (الدايلي ستار) الصادرة في بيروت حول مسألة الهوية الوطنية في البلدان العربية.

البرنامج الأول كان حواراً مع سام هاريس مؤلف الكتاب الجديد الذي صدر هذا العام تحت عنوان "رسالة إلى أمَّة مسيحية" حيث يحذّر الكاتب من خطر نموّ التيّار الديني في الولايات المتحدة والتأثير المتزايد لهذا التيّار على صنع السياسة العامة الأميركية. ويعتبر المؤلف أنّ الدين هو العائق الكبير أمام سيادة العقلانية في المجتمعات وأنّ المطلوب هو التشدّد في فصل الدين عن الدولة.

البرنامج الآخر كان حواراً مع رامي خوري عمّا لمسه خلال زيارته لدولة الإمارات العربية ولقائه مع مجموعة من الشباب العرب هناك (إضافة إلى استطلاع جرى خلال فترة زيارته) حول مسألة الهوية الوطنية في البلدان العربية، وكيف أنّ هؤلاء الشباب يؤكّدون الآن على الهوية الوطنية بعدما كانت الهوية الإسلامية والهوية القومية العربية هما السائدتان في عقود سابقة.

وكانت ملاحظاتي على البرنامج الأول حول الدين والدولة أنّه تعامل مع الموضوع من منطلق مسلّمات في المفاهيم وليس من نسبية المعرفة والإدراك لطبيعة كلٍّ من الدين والدولة. ففي تقديري أنّ المشكلة ليست في إحداث "الفصل" أو عدمه بين الدين والدولة في أيّ مجتمع، بل المشكلة هي في كيفيّة فهم الدين وفي كيفيّة بناء الدولة. فالفصل بين الدين والدولة ليس ضمانة لتقدم المجتمع أو لتحقيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية فيه بدلالة تجربة الاتحاد السوفييتي التي جرى الفصل فيها بين الدين والدولة، ولم تنجح هذه التجربة في الاستمرار ولا في بناء مجتمعات واحدة ديمقراطية متقدّمة. أيضاً، نجد في التجربة العلمانية التونسية أنّ الفصل قد حدث لكن بلا بناء سليم للدولة وبشيء من العزل لدور الدين في المجتمع عموماً. وهكذا كانت التجربة التركية أيضاً في تطبيق العلمانية.

وهناك في العالم نماذج مختلفة من الدول العلمانية واللاعلمانية، وفي المجموعتين هناك أزمات كثيرة تتعلّق إمّا في كيفية فهم الدين أو في كيفية بناء الدولة. فقبل الوصول إلى الفصل المنشود بين الدولة السياسية والمرجعيات الدينية، فإنّ المجتمع بحاجة إلى فهم سليم للدين يحرص على قيمه ومبادئه وغاية وجوده في الحياة من حيث الدعوة للإيمان الديني والعمل الصالح في أيّ مجتمع، كما هناك حاجة قصوى إلى بناء الدول الخاضعة لمرجعية الناس فقط، ولفصل السلطات فيها.

 

أمّا البرنامج الآخر عن مسألة الهوية الوطنية في البلاد العربية، فوجدت نفسي أتساءل عن هذا الضياع العربي في موضوع الهوية، وكيف ينظر بعض العرب إلى دوائر انتمائهم بشكل متناقض دون أيِّ مبرّر موضوعي لذلك. فالانتماء للدين أو للتاريخ الحضاري الإسلامي لا يتناقض مع الانتماء للهوية الثقافية العربية ولا مع الانتماءات الوطنية المتعدّدة في أرجاء الأمَّة العربية. تماماً كما هو الحال الآن بين الولايات الأميركية أو بين بلدان الاتحاد الأوروبي. المشكلة هي الآن أساساً لا في كيفية رؤية هذه الانتماءات الثلاث: الدينية والقومية والوطنية، بل هي في هذا التفسّخ الحاصل داخل بعض الأوطان العربية، وفي تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والأثنية.

فالتخلّي عن الانتماءات الجامعة بين العرب لن يؤدّي إلى تقوية الهوية الوطنية، بل إنّ ذلك هو مقدّمة للتخلّي عن الهوية الوطنية نفسها لصالح انتماءات طائفية ومذهبية ضيقة تدفع بصراعاتها إلى حروب أهلية عربية تدمّر الداخل وتفيد كلَّ مشاريع الهيمنة الأجنبية والإقليمية.

 

***

كانت رحلة سفر طويلة على طريق أميركية، لكنّها كانت مناسبةً أيضاً لوقفة خواطر مع النفس العربية، تلك التي تبحث الآن في جنس هويتها بينما الأعداء يطرقون الأبواب وبعضهم بات في الداخل!!

 

++++

 

 

 

 

حرب إدارة بوش على نهج المقاومة

 

 صبحي غندور*

 

تخضع عملية اتخاذ القرار لدى الإدارة الأميركية الحالية لاعتباراتٍ كثيرة أبرزها هو كيفية التوفيق الآن ما بين مصالح أميركا في محاولة إبقاء تفوقها العالمي الراهن، وبين مصالح القوى الأميركية المحلية الضاغطة التي ساهمت في دعم الرئيس بوش وإيصال إدارته الجمهورية إلى سدَّة الحكم في البيت الأبيض.

ولا شكَّ أنَّ تحقيق هذا المزيج بين "مصالح الدولة" و"مصالح النظام الحاكم" ليس دائماً بالأمر السهل، لكن ما ساعد هذا المزيج في الحياة السياسية الأميركية هو أنَّ الشعب الأميركي لم يكن يهتم كثيراً في شؤون السياسة الخارجية لأيَّة إدارةٍ حاكمة، أمَّا من جهة اهتماماته الداخلية فيمكن توجيهها من خلال وسائل الإعلام الكبرى وإثارة القضايا التي تضمن استمرارية نمط الحياة الأميركية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

 

لكن يوم 11 سبتمبر 2001 أفرز حالةً جديدة في المجتمع الأميركي، فقد أدرك الأميركيون أنَّهم ليسوا في جزيرةٍ منعزلة عن أحداث العالم، وبأنَّ ما يحدث في أقصى الشرق قد يصيب بتفاعلاته الأمنية والاقتصادية دولة أميركا القائمة في أقصى الغرب. لذلك نرى هذا الأهتمام الآن لدى الأميركيين في تداعيات الحرب على العراق، بل أولوية هذا الموضوع حالياً على القضايا الداخلية.

لكن هذا الوضع الجديد استفادت منه الإدارة الأميركية لتحقيق أجندتها السياسية في داخل أميركا وخارجها. فمنذ أحداث 11 سبتمبر، يحرص الرئيس الأميركي، أو آخرون في إدارته السياسية والأمنية، على تذكير المواطن الأميركي يومياً بأنَّ أميركا هي في "حالة حرب". وأهميَّة هذا البلاغ اليومي الرسمي بالتذكير في "حالة الحرب" ترتبط بالمنافع التي تجنيها الإدارة الحالية من ذلك. فحالة الحرب تعني أولوية الأمن على السياسة والاقتصاد، وتعني دعماً للإدارة في مشاريعها المتتالية أمام الكونغرس الأميركي، وتعني تساهلاً مع إجراءاتٍ أمنية يرى البعض أنَّها تتناقض مع طبيعة المجتمع الليبرالي الأميركي، وتعني أيضاً موافقة على تدعيم ميزانية المؤسسة العسكرية الأميركية والأجهزة الأمنية المتعددة رغم انتهاء الحرب الباردة وعدم وجود دولة كبرى معادية لأميركا الآن.

 

وكم كان الرئيس الحالي بوش محظوظاً بأن يبدأ سنته الأولى في الحكم مع أزمةٍ أمنيةٍ كبرى لم تعرف أميركا مثيلاً لها من قبل..

فهذه "الأزمة المستمرّة" أعطت للرئيس الأميركي بوش خلال العهد الأول من إدراته "شرعية" قانونية و"شعبية" سياسية لم ينلهما في الانتخابات الرئاسية التي جاءت به للحكم في نهاية العام 2000، كما أدَّت هذه "الأزمة الأمنية" المستمرَّة إلى هيمنةٍ تشريعيةٍ للحزب الجمهوري، وإلى بروز دور المؤسسة العسكرية (وما وراءها من مصالح ومصانع) داخل الحزب الجمهوري وفي عملية صنع القرار الأميركي.

إذن، لن تكون هناك مصلحة للإدارة الحالية في وقف "حالة الحرب"، فالرئيس بوش وعددٍ من المسؤولين الأميركيين يؤكِّدون على أنَّ "الحرب ضدَّ الإرهاب" مفتوحة ومستمرَّة وغير محدَّدة زمنياً أو مكانياً، وهناك مصلحة كبيرة للإدارة والحزب الجمهوري في التركيز على المسألة الأمنية وخطر الإرهاب، خاصة في هذه الفترة الانتخابية التي ستقرر في نوفمبر/تشرين الثاني القادم مستقبل الهيمنة الجمهورية على مجلسي الشيوخ والنواب.

 

طبعاً يساعد على ذلك رفض الإدارة الأميركية لتحديد دولي لمعنى الإرهاب وأسبابه، فكلَّما كان موضوع الإرهاب مطَّاطاً، كلَّما استطاعت واشنطن أن تختار الزمان والمكان والعدو ووسائل المواجهة. فعدم موافقة واشنطن على تحديد دولي لمفهوم الإرهاب، هو المدخل لضمان حقّ أميركا وحدها بتحديد من هو الإرهابي، وكيف ومتى يجب مواجهة هذا الإرهابي. وقد كانت هذه المقولة هي الوسيلة التي برّرت غاية الحرب على العراق كما هي المبرّر الآن للتصعيد الأميركي ضدَّ إيران.

ويترافق مع هذه الحالة الأميركية الغامضة عن مفهوم الأرهاب، وضوح في الموقف الأميركي حول كافَّة أنواع المقاومة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي. فقد وضعت واشنطن في سلَّة الإرهاب الواحدة كلَّ جماعات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، في داخل فلسطين وفي لبنان، ولم تميّز بين حقّ أيّ شعبٍ محتل بمقاومة الاحتلال، وبين إدانتها لكيفية تطبيق هذا الحق؛ الذي قد يكون بحجارة كما كانت بداية الانتفاضة، أو بعملياتٍ عسكرية ضدَّ جيش الاحتلال في الضفة وغزة وجنوب لبنان، أو ربّما يكون بعملياتٍ ضدَّ مواقع مدنية في إسرائيل.

فمن حقِّ أميركا وغيرها الاعتراض على العمليات العسكرية الفلسطينية داخل إسرائيل، لكن كيف تريد واشنطن نزع هذا الحق من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة في حين أنَّ العالم كلّه قد اعتبر أنَّ الأراضي التي استولت عليها إسرائيل عام 1967 هي أراضٍ محتلة!

فالمستهدَف أميركياً الآن هو كل الجماعات العربية التي تستخدم المقاومة المسلحة (دون تمييزٍ طبعاً بين فئةٍ وأخرى)، ولقد ضغطت واشنطن – وستضغط أكثر- على أطراف عربية من أجل وقف دعم جماعات المقاومة كلّها (حتى في إطار المؤسسات الإنسانية والخيرية)، وللحدّ من النشاط السياسي والإعلامي لهذه الجماعات، مع التركيز الآن على الساحة الفلسطينية تمهيداً لتدخّل أميركي مع الحكومة الإسرائيلية من أجل العودة إلى المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وإعادة إحياء دور التيّار الفلسطيني المفاوض على حساب التيّار المقاوم.

ومن الطبيعي أن يتزامن هذا التحرك الأميركي المرتقب مع هدوءٍ على الجبهة اللبنانية حصيلة القرار 1701، ممَّا يعطِّل خلال هذه المرحلة أيَّ دورٍ عسكري لكلّ جماعات المقاومة في الصراع العربي/الإسرائيلي، وممّا تراه واشنطن إضعافاً للدور السوري وللتأثير الإيراني في تطورات المنطقة.

 

إنَّ مشكلة أميركا في المنطقة العربية تحديداً ما زالت تتأزَّم حصيلة "ازدواجية" المواقف الأميركية في مسألة الإرهاب. فحينما تعتدي إسرائيل على الفلسطينيين واللبنانيين، تجد واشنطن الأعذار المناسبة لهذا السلوك الإرهابي الإسرائيلي، لكن حينما يقاتل اللبنانيون والفلسطينيون جيش الاحتلال الإسرائيلي فإنَّ أميركا تتبنَّى فوراً مقولة إسرائيل بأنَّ مقاومة الاحتلال هي من الأعمال الإرهابية!

وما زالت واشنطن تكرّّر مطالبة السلطة الفلسطينية باتخاذ "كافَّة الإجراءات" لوقف العنف من جانب من يقاومون الاحتلال، بينما ترفض واشنطن اعتبار ما تقوم به إسرائيل إرهاباً أو مسؤولاً في الحدِّ الأدنى عن استمرار أعمال العنف في المناطق الفلسطينية المحتلة. فواشنطن لم تعتبر حتى الآن بأنَّ أراضي الضفة وغزة خاضعة للاحتلال، وهي تدعم التسميات الإسرائيلية التي جاءت في اتفاقيات أوسلو وما بعدها، بأنَّ الجيش الإسرائيلي يقوم بإعادة انتشار داخل الضفة وغزة، ممَّا يعطي لإسرائيل "أحقيَّة" العودة إلى المدن التي انسحبت منها كلّما ارتأت ذلك.

هنا تقع الملامة أيضاً على من قَبِلَ من العرب بمرجعية واشنطن وحدها لمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي، في وقتٍ لم تميِّز فيه واشنطن نفسها عن السياسة الإسرائيلية، خاصّةً لجهة كيفية رؤية الأراضي المحتلة ومدى حقّ الشعب الخاضع للاحتلال بأن يقاوم هذا الاحتلال ..

 

ومن المهم أن تدرك واشنطن أنَّ جذور أزمتها و"صورتها المشوَّهة" في المنطقة العربية تعود لهذا "الزواج الأميركي الإسرائيلي" منذ الستينات، والتي أضافت سياسات وممارسات إدارتها الراهنة - وفي مقدمتها احتلال العراق- الأزمة الأميركية تأزّماً، والنار العربية اشتعالاً.

فجذور أزمة أميركا مع المنطقة لا ترتبط بحالةٍ دينية أو ثقافية، ولا أيضاً بطبيعة أنظمة أو حكومات، ولا هي حتما من إفرازات حركاتٍ أصولية متطرفة هنا أو هناك.. بل ربَّما مشكلة أميركا أنَّها تدرك ذلك جيداً، لكنَّها تريد أن تقنع العرب بأنَّ مشكلتهم هي مع أنفسهم، فتريح واشنطن نفسها من عناء هموم "الانفصال المؤقت" عن الزوج الإسرائيلي، وتجعل الحال العربي بعضه يمزِّق بعضاً !!

 

                                * مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

alhewar@alhewar.com

www.safsaf.org