حيفا تحيي ذكرى المؤرخ الراحل نقولا زيادة:

 

أمسية ذكريات وكثير من الحب والتقدير

 

حيفا - الصفصاف : عقدت في حيفا أمسية خاصة لذكرى الراحل المؤرخ الفلسطيني ـ اللبناني والعربي نقولا زيادة بدعوة من معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا وجمعية سرد للتثقيف الأدبي والتراثي والفني في حيفا أيضا.

 

افتتح الأمسية الكاتب سلمان ناطور ذاكرا أهمية هذه الأمسية بكونها مخصصة لذكرى الراحل زيادة وإبرازا للدور العلمي والحضاري الذي لعبه على مدار ثمانية عقود من التعليم والتثقيف والبحث والتنقيب في تاريخ العرب والإسلام دفاعا عن الشرق في وجه التيارات المتنكرة لحقيقة مساهمة العرب والمسلمين في بناء الحضارة الإنسانية.  وأضاف الاستاذ ناطور أن الذاكرة التاريخية هي ذات أهمية كبيرة في بناء وصقل شخصية الإنسان الفلسطيني في الظروف الراهنة التي يمر بها الوطن والفلسطينيون. الذاكرة هي جزء من مركب الشخصية الفلسطينية التي تأبى التقهقر، وها هو زيادة مثال على هذه الشخصية. وأبرز ناطور الدور الذي لعبه زيادة في تربية أجيال من الباحثين والمؤرخين الذين تأثروا بكتاباته وتتلمذوا مباشرة على يده أو بصورة غير مباشرة من خلال كتاباته ومؤلفاته المتنوعة التي تجاوزت الخمسين بالعربية إضافة إلى ما ترجم إلى لغات أوروبية.

 

وتحدثت الشاعرة والباحثة ليليان بشارة ـ منصور عن مفهوم الثقافة ودور زيادة في هذا المجال فقالت: الثقافة تُعيدُنا إلى ذواتنا العميقة، تصقل إنسانيتنا وفكرنا. والثقافة تُهذّب النفس وتطورها. وتكسر عُزلة الكائن عن آخره. فيها السعة والنور والحرية. الثقافة صيرورة، جسر يمتد بين جذور الماضي وبين الحاضر الذي يفتقر لكثير من الإنسانية، يفتقر لاشراقات والتماعات شهبِ الروح والفكر، وما بين الحاضر والماضي يكون المستقبل حلما طازجا يسعى للتشكل إنتماءً للجمال".

 

" ونلتقي في هذه الأمسية الخاصة لذكرى الراحل المؤرخ نقولا زيادة الذي رحل عنا بهدوء خلال الحرب العدائية الأخيرة على لبنان. إنها أمسية لذكراه ولإلقاء الضوء على بعض أبحاثه ودراساته".

 

وتحدث الأستاذ الشاعرحنا أبو حنا عن ذكرياته مع نقولا زيادة حين درّس زيادة في الكلية العربية في سنوات الأربعين من القرن المنصرم، وكان أبو حنا تلميذا في صف زيادة. وأشاد أبو حنا بسعة معرفة واطلاع زيادة على المواد التاريخية واستعداده للإجابة عن أسئلة الطلاب بالبحث والتنقيب في الكتب على مختلف أنواعها. وذكر الأستاذ حنا كيف أن زيادة كان مغرما بغليونه الذي تحول ليكون علامة فارقة له طيلة حياته. ونوه أبو حنا كيف أن زيادة كان حرا في تدريس التاريخ بحيث أن الاصطلاحية التقليدية لم تكن تقيده حتى انه استبدل استعمال فتوحات العرب بـ " وثبة العرب".

 

ثم تلاه البروفيسور بطرس ابو منه بمحاضرة موجزة ومركزة حول المساهمة الكبيرة لزيادة في إثراء المكتبة التاريخية العربية بالكتابات التي كان العرب في أمس الحاجة إليها، وأهمية دوره في تشكيل فن الكتابة التاريخية العربية البعيدة عن الزخرف والتنميق والساعية دوما إلى التركيز على الحدث وإبراز مسبباته. من جهة لم تكن كتابات زيادة التاريخية ذات طابع اكاديمي صرف بل انه دمج بين الكتابة الاكاديمية وبين الصياغة الأدبية وأحيانا اقرب إلى الحكواتية من حيث الصور المبسطة لأحداث تاريخية معينة وذلك لتحرير الكتابة التاريخية من عقالات القيود التقليدية التي أبعدت القراء عن حب الموضوع والتقرب إليه. وعدد البروفسور أبو منه سلسلة من المؤلفات التي نشرها زيادة ومساهماته في تعميق تدريس التاريخ من خلال تقديمه دروس التاريخ في عدد من الجامعات التي درس فيها.

 

ثم قدم الدكتور جوني منصور محاضرة قصيرة حول كتاب زيادة "المسيحية والعرب" منوها إلى نظرية أو رؤية زيادة بالنسبة لانتماءاته المركبة. مستعرضا في هذا الكتاب مسلسل تاريخ الكنيسة الشرقية منذ ظهور المسيحية وما لاقته من إضطهادات وملاحقات إلى أن جاء العرب بدولة لخلافة وبنوا شبكة علاقات منظمة مع الطوائف المسيحية أتاحت للمسيحيين العرب مساحة أوسع من التحرك والمساهمة في بناء الحضارة والثقافة العربية عبر العصور المختلفة .

 

  وأضاف د. منصور أن زيادة قد حسم انتماءه بواسطة مثلث ذي ثلاثة أضلاع فهو مسيحي وارثوذكسي وعربي ولا فرق لديه في ترتيب أضلاع هذا المثلث، والاهم لديه قاعدة المثلث أي العروبة، منها استقى وجوده وكيانه. ويدعو كافة المسيحيين العرب إلى عدم التشكيك أو الاستهانة بانتمائهم  إلى العروبة فهي حضارتهم ووجودهم وإستمراريته بعيدا عن كل محاولات التفريق بين الشعب الواحد ذي التعددية الدينية أو الطائفية. وركز د. منصور على أهمية التعددية لدى أبناء الشرق العربي بكونها تثري حياة المجتمعات في الشرق وتقوي وجودها وتغنيه بالعلم والمعرفة والثقافة.

 

وحضر الأمسية عدد كبير من المثقفين والاكاديميين، وبرز بينهم عدد من الذين تتلمذوا على يد نقولا زيادة أثناء تعليمه في ثانوية عكا أو في الكلية العربية في القدس. وقد تولي إدارة الأمسية الأستاذ والأديب فادي معلوف.

 

www.safsaf.org