|
تأليف: بوب وودوارد |
| حالة إنكار ... (1) |
|
وكالة المخابرات حذرت بوش من أن
سياساته ستخرب العراق
يصور المؤلف في هذا الكتاب الذي أثار اهتمام
العالم كله الخلافات التي سادت إدارة بوش خلال الإعداد للحرب. ويصف الرئيس
بوش بأنه كان قليل التركيز والاهتمام خلال المناقشات التي جرت حول خطة الحرب
وسيناريو ما بعد الغزو.وقد أحدث الكتاب كما هو معروف دماراً شديداً لإدارة
بوش وذلك لأن مصادر المؤلف قد جاءت من داخل البيت الأبيض ومن الشخصيات
الواسعة الاطلاع داخل البنتاجون. ويقول وودوارد ان مصادره “جاءت من قلب
الإدارة الأمريكية” ويؤكد أن هؤلاء الأشخاص الذين تحدثوا معه “ليسوا أعداء
سياسيين للرئيس بوش أو شخصيات بارزة في مراكز الأبحاث، بل انهم هم الأشخاص
الذين قاموا بالإعداد للحرب”. ومن الواضح أن النتائج المأساوية للسياسات
الفاشلة التي انتهجها هؤلاء الأشخاص قد أصبحت واضحة الآن.وقد تأكدت كوندوليزا
رايس وزيرة الخارجية الأمريكية من خلال تجربتها الشخصية المريرة لدى زيارتها
لبغداد في الاسبوع الماضي من الحقيقة الواضحة بأن العراق قد أصبح خارجاً عن
نطاق السيطرة. فقد ظلت الطائرة التي تقلها تحلق في الأجواء لمدة ساعة حول
العاصمة العراقية قبل هبوطها بسبب هجوم بالمدافع وقع بالقرب من المطار.
مغازلة رامسفيلد
ويشير وودوارد الى أن بوش يتجاهل باستمرار
الخطر الماثل بوقوع العراق في براثن الحرب الأهلية. ويقول المؤلف ان وكالة
المخابرات المركزية الأمريكية كانت قد حذرت بوش على نحو متواصل بأن سياساته
ستقود العراق الى هذه الفوضى والحرب الأهلية. وتبدو السيدة رايس من خلال
الكتاب كشخصية ضعيفة. وكان بوش قد طلب منها أن تغازل دونالد رامسفيلد وزير
الدفاع الأمريكي حتى يهتم بالرد على مكالماتها الهاتفية عندما كانت مستشارة
الأمن القومي في البيت الأبيض. ويقول وودوارد ان نائب الرئيس الأمريكي ديك
تشيني الذي كان يعتبر من قبل القوة الدافعة للحكومة الأمريكية “قد أصبح مهمشاً
الآن”. ويقول أصدقاء تشيني انه قد أصبح شخصية بعيدة عن “لب الأحداث”. ويوجه
وودوارد اللوم الى بوش شخصياً الذي يرفض أن يصدق أو يستوعب الأنباء السيئة.
ويوضح المؤلف في هذا الفصل كيف حاول جاي جارنر الذي تم تعيينه كحاكم إداري للعراق قبل ذلك بأيام أن يحذر بوش من المشكلات القادمة ولكن الرئيس الأمريكي استبعد تحذيراته قائلاً له “اثبت بنفسك وقاوم بكل امكانياتك” مستخدماً في ذلك تعبيراً نابياً. وقد أصبح واضحاً من استطلاعات الرأي الأخيرة في أمريكا أن الكتاب قد أدى الى حالة احباط لدى الناس ازاء الحرب قبيل الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في الشهر المقبل. ولكن وودوارد نفى في أحاديث له على هامش الكتاب انه لم يقصد التأثير في نتائج هذه الانتخابات فإن هذه ليست مهمته “فإنني أظل بعيداً عن السياسات المتعلقة بذلك”. ويؤكد أنه وزميله كارل بيرنستين ظلا بعيدين عن الأمور السياسية المتعلقة بفضيحة ووترجيت بالرغم من كشفهما لأسرار ما جرى عندئذ، ويؤكد أن ما يسعى اليه كصحافي هو أن تصدق الناس ما يقوله. مهمة صعبة
ويروي المؤلف ما جرى في أوائل شهر يناير/ كانون
الثاني عام 2003 عندما تلقى جارنر مكالمة هاتفية على هاتفه النقال من
البنتاجون.
وكان جارنر قد تقاعد منذ مدة من القوات المسلحة الأمريكية برتبة جنرال. وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية له في ذلك اليوم “اننا نريد التحدث معك. هل بوسعك الحضور الى هنا؟”. واستفسر جارنر “ماذا تريدون الحديث معي؟”. واكتشف الجنرال الذي كان يقيم في ولاية فلوريدا أن رامسفيلد قد عينه كمسؤول عن المهمة الإنسانية بعد انتهاء الحرب التي كانت قد أصبحت وشيكة. وكان الاختيار قد وقع عليه لأنه كان قد أدار في عام 1991 بعد حرب تحرير الكويت عملية “توفير الراحة” الخاصة بإنقاذ الآلاف من الأكراد في شمال العراق الذين كانوا قد تعرضوا لهجمات شديدة انتقامية من جانب قوات صدام حسين. وكان جارنر يعتقد أنه سيتم تعيينه كرئيس للأركان في العراق ولكنه عندما قرأ التوجيه الرئاسي الخاص بإنشاء مكتبه الجديد فإنه شعر بالدهشة البالغة. فقد كان مكلفاً بكل المسؤوليات التي تضطلع بها عادة الدولة القومية والحكومات المحلية. وقد ظل لعدة ليال ساهراً يعكف على إعداد القوائم والبرامج الخاصة بتلك المهمة الشائكة. وأدرك الرجل على الفور “انه قد كلف بمهمة مستحيلة”. ولكنه كرجل عسكري تمكن من السيطرة على نفسه وقام بتبديد الشكوك التي ساورته. وقال لودوارد في ما بعد: “لقد كنت أعتقد أن المهمة ستكون بالغة الصعوبة”. ولكنه أضاف: “انني لم أفشل في القيام بأي مهمة كلفت بها من قبل”. وبعد ستة أسابيع من تعيينه في هذا المنصب توجه الى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس بوش للمرة الأولى وظل ينتظر خارج “غرفة الموقف” حيث كان الرئيس مجتمعاً مع مجلس وزراء الحرب. وقد تعرف جارنر هناك على المدعي العام الأمريكي الذي كان أيضاً ينتظر خارج الغرفة وخاطب جون أشكروفت قائلاً: “يبدو اننا الاثنين خارج اللعبة”. وكان يحاول بذلك كسر الجليد للتعرف الى المدعي العام وتقديم نفسه له. ورد أشكروفت على ذلك بنظرة فسرها جارنر على أنها تقول له “اذهب الى الجحيم”. وبعد ذلك جلس جارنر على مقعد في “غرفة الموقف الرئاسية” على الطرف البعيد من مائدة كانت زاهية في أصباغها. وكان بوش يجلس على الطرف الآخر من المائدة. وكان كبار المسؤولين يجلسون من حوله ومن بينهم رامسفيلد ووزير الخارجية السابق كولن باول وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي عندئذ ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينت. وكان هناك أيضاً الجنرال تومي فرانكس قائد القيادة المركزية، وكان نائب الرئيس تشيني قد شارك في اللقاء من خلال شبكة فيديو تلفزيونية آمنة. وشعر جارنر بحالة من العصبية كما يقول. وكان يلمس أن الرئيس ليست لديه أدنى فكرة عنه، ووجه بوش نظره الى جارنر وكان يحدق فيه بعناية. وقال جارنر مخاطباً نفسه: “إن هذا اليوم سيكون يوماً طويلاً”. وقام بوش بعد ذلك بتسديد إصبعه إلى جارنر علامة على أنه يؤيده على نحو ودي، وشعر جارنر عندئذ بالارتياح، وقد اعتقد أن الرئيس قد شعر بعدم ارتياحه ولذلك فإنه كان يسعى إلى أن يبعث الطمأنينة إلى قلبه. وتساءل الرئيس: “أوكي.. ماذا بعد ذلك؟”، وأبلغته رايس: “إن الجنرال جارنر يعمل في مجموعة إدارة مرحلة ما بعد الحرب وسيقوم الآن بتقديم إيجاز إليك”. وهنا قال بوش: “قبل أن تفعل ذلك حدثني أولاً عن نفسك”. وقاطعه رامسفيلد قائلاً: “لا.. إنني سأقوم بشرح المعلومات المطلوبة عنه”. ولخص رامسفيلد الخدمة الناجحة لجارنر في القوات المسلحة الأمريكية والنجاح الذي حققه في إدارة عملية “توفير الراحة” للأكراد. وقال بوش: “هذا رائع” وخاطب جارنر قائلاً: “امضي قدماً” في مهمتك. وهنا قام الجنرال المتقاعد بتوزيع بيان أعده يضم 11 نقطة، وتحدث جارنر بعد ذلك عن المهمات التسع التي جاءت في التكليف الرئاسي له. وقال إن أربعاً من هذه المهمات لا ينبغي أن يكلف بها لأنها ستكون خارج إمكانيات الفريق الصغير الذي يعمل معه، وتشمل هذه المهمات الأربع: إزالة أسلحة الدمار الشامل والحاق الهزيمة بالإرهابيين، وإعادة صياغة الجيش العراقي وكذلك إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية العراقية الأخرى. أي إن هذه المهمات كانت في رأيه شائكة جداً. وقال إنه ينبغي على الجيش الأمريكي أن يتولى تنفيذ هذه المهمات الأربع. وهز الرئيس رأسه، ولم يتدخل أي شخص آخر من الحاضرين. وكان جارنر قد أبلغهم بصراحة أنه ليس بوسعه أن يكون مسؤولاً عن مهمات بالغة الصعوبة والحرج في مرحلة ما بعد الحرب، وكانت هذه المهمات في رأيه هي الأمور الرئيسية التي دفعت أمريكا في المقام الأول للدخول في الحرب. ولم يوجه أحد من الحاضرين أي اسئلة أخرى عن الشخص الذي سيكون مسؤولاً عن تنفيذ المسؤوليات إذا لم يكن جارنر سيضطلع بها. وتساءل في نفسه: “هل ستظل هذه المهمات معلقة في الهواء؟”، و”هل ستكون مهمة فعلاً؟”، وكان يقول لنفسه ربما كان مخطئاً في تقديراته، وربما كان من المفروض عليه أن يتولى هذه المسؤوليات فعلاً، وكان واضحاً له أن كل ما قاله لم يلفت اهتمام أي من الحاضرين، وشرح جارنر بعد ذلك للرئيس كيف ينوي ان يقسم العراق إلى مجموعات اقليمية، وهنا قاطعه الرئيس قائلاً: “لحظة واحدة من أي ولاية أنت؟”، ورد جارنر قائلاً: “من فلوريدا يا سيدي”، وهنا سأله بوش: “ولماذا تتحدث بهذه اللكنة إذاً؟”، وقال جارنر رداً على ذلك: “لأنني ولدت ونشأت في مزرعة في فلوريدا، وكان والدي مزارعاً”، ومن المعروف ان شقيق الرئيس جيب هو حاكم فلوريدا ويقوم بوش بزيارة الولاية بشكل منتظم. وتحدث جارنر بعد ذلك عن أهمية توفر الرؤية الواضحة للإدارات التي ستعمل معه وخاصة بالنسبة للشهر الأول وعلى ان يمتد ذلك لعام كامل في ما بعد. وتحدث جارنر عن أهمية توفير الاعتمادات المالية اللازمة للمهمة وشرح جارنر الخطة التي وضعها للمحافظة على الاستقرار في العراق بعد انتهاء المرحلة القتالية، وقال إن الفريق العامل معه سيستعين بما يتراوح من 200 ألف إلى 300 ألف من الجنود العراقيين، وأكد: “إننا سنحتاج إلى الاستفادة منهم لأن لديهم المهارات الصحيحة المطلوبة”، وأخذ جارنر يجول بنظره في الغرفة من حوله، وكانت كل الرؤوس تتحرك من اليمين إلى الشمال، ولم يقم أحد بمواجهته أو معارضة ما قاله، ولم يوجه أي فرد من الحاضرين أي سؤال إليه حول الخطة التي أعدها. وقال جارنر أيضاً انه يسعى إلى ان يشارك المجتمع الدولي كله في مرحلة ما بعد الحرب على الفور، ولمس حالة من عدم الارتياح قد سادت أجواء الغرفة الرئاسية، ولكن عدم الارتياح لم يكن من جانب الجنرال باول ولكن من معظم المشاركين الآخرين في الاجتماع. وشعر جارنر بعد ذلك بحالة الضيق التي اعترت معظم الحاضرين الذين كان واضحاً أنهم قد استهجنوا اقتراحه. وكانت تعبيرات وجوههم تقول له بصراحة: “ألا تفهم الحقائق؟ إننا لن نقوم بتدويل الأمور في العراق لأنها أساساً عملية أمريكية”. واستمر في كلامه مخاطباً الاجتماع قائلاً إنه سيوفد الفريق المتقدم من العاملين معه إلى المنطقة خلال عشرة أيام، ولم تكن الحرب قد وقعت عندئذ. ولم يعلق بوش على ذلك، ولم يتحدث أي من المسؤولين الذين كانوا قد شاركوا في المناقشات عن الموعد الذي قد تبدأ فيه الحرب ولكن كان واضحاً له أن ذلك الأمر قد أصبح وشيكاً. وقال بوش بعد ذلك: “شكراً جزيلاً”، موجهاً كلامه إلى جارنر، وهنا بدأت رايس في الحديث عن أمور أخرى تماماً، حيث أدرك جارنر أن مشاركته في اللقاء قد انتهت، وعندما بدأ يخرج من القاعة نظر إليه بوش ملياً وقال: “قم بتنفيذ المهمة على نحو ممتاز يا جاي”. وانتظر الجنرال المتقاعد خارج الغرفة لكي يتحدث إلى رامسفيلد، وغادر الرئيس ومعه رايس الاجتماع. وبعد عدة خطوات توقف بوش وقال لجارنر: “هاي إذا صادفتك أي مشكلة مع حاكم فلوريدا أبلغني بها”. ويقول ووودوارد إن المدة التي قضاها جارنر في العراق كرئيس لمكتب التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب كانت قصيرة ومثيرة لإحباطه. وكان قد أخذ يناضل خلال فترة الغزو والأيام الأولى من الحرب من أجل دخول الفريق العامل معه إلى داخل العراق. وبعد يومين من وصوله إلى هناك اتصل به رامسفيلد هاتفياً لكي يبلغه بأن بول جيري بريمر الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب وعمره 61 عاماً وهو من تلامذة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق سيصل إلى العراق كمبعوث للرئيس بوش، أي أنه سيخلفه فعلياً. مشاحنات وأخطاء قاتلة
ويتحدث جارنر عن المشاحنات التي دخل فيها مع
بريمر مراراً حول القرار الذي اتخذه الأخير لتسريح الجيش العراقي، على نحو
يؤدي إلى إحباط خطة الجنرال المتقاعد التي كانت قد حظيت بموافقة الرئيس نفسه،
وكان جارنر سيعتمد على الجيش العراقي السابق في إعادة الإعمار. وقد عاد جارنر
بالفعل إلى أمريكا في أوائل شهر يونيو/ حزيران أي بعد انتهاء الحرب بشهرين
تقريباً. واختفى الرجل لمدة اسبوعين حيث لم يكن يريد الالتقاء بأحد من رجال
البنتاجون أو الحديث عن تجربته المريرة في العراق. وأخيراً وافق على مقابلة
رامسفيلد.
وعندما أصبحا وحدهما في الغرفة حول المائدة الصغيرة في مكتب وزير الدفاع شعر جارنر بأن لديه التزاماً بأن يكشف عن قلقه العميق إزاء الأوضاع في العراق. وقال لرامسفيلد: “لقد ارتكبنا ثلاثة أخطاء مأساوية”. وسأله رامسفيلد: “حقيقية؟”، وكرر جارنر الكلام: “ثلاثة أخطاء فادحة”. وهان أشار إلى الأمرين الأولين اللذين وقع عليهما بريمر لدى وصوله، وهما تسريح الجيش العراقي وفصل نحو 50 ألفاً من أعضاء حزب البعث العراقي الذي تم تفكيكه من وظائفهم في الحكومة وبالتالي فإنهم تحولوا إلى العمل السري ضد الاحتلال الأمريكي. وقال جارنر إن هناك الآن مئات الآلاف من الأشخاص غير المنظمين والعاطلين عن العمل والمسلحين الذين يجوبون البلاد. وقال جارنر إن الأمر الثالث هو أن بريمر قد فصل مجموعة قيادة عراقية مؤقتة كانت شغوفة بتقديم المساعدة للولايات المتحدة الأمريكية وللحاكم الجديد للبلاد على المدى القصير. وقال جارنر مخاطباً رامسفيلد “إن بريمر ليس بوسعه أن يصبح الوجه الممثل للحكومة أمام الشعب العراقي”، وقال “ينبغي وجود وجه عراقي من أجل الشعب العراقي”. وشرح جارنر نقطته الأخيرة قائلاً “إن الوقت لا يزال متاحاً لتصحيح هذه الأخطاء.. ولا يزال هناك متسع من الوقت لاستبدال القرارات التي اتخذت”. وأخذ جارنر يحدث نفسه قائلاً “إن رامسفيلد ربما يعتقد الآن أنني على خطأ كبير”، وكان جارنر قد تعمد ألا يبدو وكأنه يحمل ضغينة بالنسبة لتصرفات بريمر الذي حل محله، ولكنه قال “إن الحقائق هي الحقائق ويمكن تصحيحها”. وفاجأه رامسفيلد بقوله “اننا لن نعود إلى الوراء” وكان كلام وزير الدفاع قاطعاً. ويقول المؤلف انه وجه سؤالاً إلى رامسفيلد خلال العام الحالي عما إذا كان يتذكر ما قاله جارنر عن الأخطاء الثلاثة الفادحة، وجاء رد الوزير العنيد قائلا: “على نحو غامض” وبعد الحديث الخاص بين رامسفيلد وجارنر توجها إلى قاعة المؤتمرات حيث كان معظم المسؤولين العاملين مع وزير الدفاع قد تجمعوا في احتفال صغير، وهنا وضع رامسفيلد ميدالية وزارة الدفاع الخاصة بالخدمات العامة الممتازة على صدر جارنر الذي يقول انه لم يكن يريدها. وبعد ذلك عقد هو ورامسفيلد مؤتمراً صحافياً ناقش فيه جارنر بالكامل كل ما كان قد قاله سراً لرامسفيلد. وأشار إلى بريمر قائلاً “انني أعتقد أن كل ما قام به هو الشيء الصحيح بالكامل”. وتوجه هو ورامسفيلد في ما بعد خلال اليوم نفسه إلى البيت الأبيض لمقابلة بوش. وهنا صاح بوش قائلا “سيدي الوزير من هو هذا الرجل الذائع الصيت الذي رافقك”. ومد الرئيس الأمريكي يده بعد خروجه من المكتب البيضاوي قائلا “أهلا يا جاي”. ورد جارنر قائلا “سيدي الرئيس إن لديك أموراً أهم تقوم بتنفيذها من أجل الأمة اليوم بدلاً من أن تضيع وقتك في الحديث معي. ولذلك فإن ما أود أن أفعله هو أن أصافح يدك وأشكرك على اتاحة الفرصة لي لخدمة بلادي”. وقام بوش بدفع جارنر جسمانياً بالقرب منه كدليل على المودة والاعزاز. وقال “إن لدي الوقت للحديث معك. وانني سأفعل ذلك لأنني أريد أن أكون معك”. ووضع الرئيس الأمريكي ذراعه حول جارنر ودفعه إلى داخل المكتب البيضاوي وتوقف أمام احدى النوافذ. وقال “انظر إلى الخارج يا جاي إلى العشب الذي يحيط بالبيت الأبيض. إنني إذا لم أمض وقتاً معك فإنني سأتوجه على الأرجح إلى هناك خارج البيت الأبيض للتحدث مع الصحافة أو مع شخص آخر أحاول أن أبعث الارتياح الى نفسه. أو ربما أتوجه الى كابيتول هيل مقر الكونجرس للتحدث مع أعضائه وأسعى الى استرضاء خاطرهم”. وانضم الى الاجتماع ديك تشيني ورايس. وقال الرئيس لجارنر: “اجلس هنا، بينما سأجلس أنا في هذا المكان”. وقال بوش: “لماذا لا أوجد في هذا المكتب المريح وفي هذا المقعد المريح وأجلس معك وأطيب خاطرك؟”. واستعمل كلمة نابية مرة أخرى. وأخذ جارنر يقول كلاماً يبعث السرور الى قلب بوش عن أحد علماء الشيعة الذي أعرب عن رغبته في أن يصبح العراق الولاية رقم 51. وقال جارنر للرئيس ان كل الناس في شوارع العراق يكنون لك المحبة. وأشار “سيدي الرئيس ان الأمر الوحيد الذي سأبلغك به هو انني أمضيت ثلاثة أسابيع من العمل مع السفير بريمر وهو من أكثر الناس اجتهاداً في العمل ولم أقابل شخصاً مثله من هذه الناحية”. وأضاف: “انه شخص بالغ الذكاء ولبق وسيقوم بتنفيذ المهمة المطلوبة منه ولقد أحسنت الاختيار”. وهنا قال بوش: “انني لم أقم باختياره فقد قام رامسفيلد بذلك مثلما اختارك أيضاً”. وهنا أخذ جارنر يمعن النظر في رامسفيلد فقد كذب عليه وأبلغه في شهر ابريل/ نيسان ان الرئيس بوش قد اختار بريمر. ولكن رامسفيلد لم يعلق على ما قاله الرئيس. وهنا يتضح مدى النفاق وعدم المكاشفة، الذي يسود هذه الإدارة الأمريكية. فإن جارنر يخفي عن بوش حقائق مشاعره تجاه بريمر ولا يفصح له عن هذه الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بريمر. وكذلك فإن رامسفيلد أصبح متلبساً بالكذب على جارنر بالنسبة لاختيار بوش لبريمر للقيام بالمهمة الرئيسية في العراق بدلاً منه. وعندما كان جارنر يهم بالخروج خاطبه الرئيس قائلاً: “هاي جاي هل تريد أن تضطلع بالمهمة في إيران؟”. ورد جارنر ضاحكاً: “لقد تحدثت مع الأولاد في هذا الأمر وانني أود الانتظار لكي أقوم بالمهمة المطلوبة في كوبا حيث ان السيجار ومشروب الروم أفضل الى حد ما وكذلك فإن النساء أكثر جمالاً هناك”. وهنا أخذ الرئيس الأمريكي يفرط في الضحك قائلاً له: “لقد فهمتني.. إنك ستضطلع بالمهمة المطلوبة في كوبا”. ويعكس هذا الكلام الساخر مدى ميول إدارة بوش الى التدخلات الخارجية وذلك بالرغم من أنه كان يلجأ الى الاستخفاف في حديثه.
|
![]()
| حالة إنكار ... (2) |
|
بوش وكل المحيطين به مارسوا الخداع في الحرب على العراق
|