|
تأليف: بوب وودوارد |
| حالة إنكار ... (1) |
|
وكالة المخابرات حذرت بوش من أن
سياساته ستخرب العراق
يصور المؤلف في هذا الكتاب الذي أثار اهتمام
العالم كله الخلافات التي سادت إدارة بوش خلال الإعداد للحرب. ويصف الرئيس
بوش بأنه كان قليل التركيز والاهتمام خلال المناقشات التي جرت حول خطة الحرب
وسيناريو ما بعد الغزو.وقد أحدث الكتاب كما هو معروف دماراً شديداً لإدارة
بوش وذلك لأن مصادر المؤلف قد جاءت من داخل البيت الأبيض ومن الشخصيات
الواسعة الاطلاع داخل البنتاجون. ويقول وودوارد ان مصادره “جاءت من قلب
الإدارة الأمريكية” ويؤكد أن هؤلاء الأشخاص الذين تحدثوا معه “ليسوا أعداء
سياسيين للرئيس بوش أو شخصيات بارزة في مراكز الأبحاث، بل انهم هم الأشخاص
الذين قاموا بالإعداد للحرب”. ومن الواضح أن النتائج المأساوية للسياسات
الفاشلة التي انتهجها هؤلاء الأشخاص قد أصبحت واضحة الآن.وقد تأكدت كوندوليزا
رايس وزيرة الخارجية الأمريكية من خلال تجربتها الشخصية المريرة لدى زيارتها
لبغداد في الاسبوع الماضي من الحقيقة الواضحة بأن العراق قد أصبح خارجاً عن
نطاق السيطرة. فقد ظلت الطائرة التي تقلها تحلق في الأجواء لمدة ساعة حول
العاصمة العراقية قبل هبوطها بسبب هجوم بالمدافع وقع بالقرب من المطار.
مغازلة رامسفيلد
ويشير وودوارد الى أن بوش يتجاهل باستمرار
الخطر الماثل بوقوع العراق في براثن الحرب الأهلية. ويقول المؤلف ان وكالة
المخابرات المركزية الأمريكية كانت قد حذرت بوش على نحو متواصل بأن سياساته
ستقود العراق الى هذه الفوضى والحرب الأهلية. وتبدو السيدة رايس من خلال
الكتاب كشخصية ضعيفة. وكان بوش قد طلب منها أن تغازل دونالد رامسفيلد وزير
الدفاع الأمريكي حتى يهتم بالرد على مكالماتها الهاتفية عندما كانت مستشارة
الأمن القومي في البيت الأبيض. ويقول وودوارد ان نائب الرئيس الأمريكي ديك
تشيني الذي كان يعتبر من قبل القوة الدافعة للحكومة الأمريكية “قد أصبح مهمشاً
الآن”. ويقول أصدقاء تشيني انه قد أصبح شخصية بعيدة عن “لب الأحداث”. ويوجه
وودوارد اللوم الى بوش شخصياً الذي يرفض أن يصدق أو يستوعب الأنباء السيئة.
ويوضح المؤلف في هذا الفصل كيف حاول جاي جارنر الذي تم تعيينه كحاكم إداري للعراق قبل ذلك بأيام أن يحذر بوش من المشكلات القادمة ولكن الرئيس الأمريكي استبعد تحذيراته قائلاً له “اثبت بنفسك وقاوم بكل امكانياتك” مستخدماً في ذلك تعبيراً نابياً. وقد أصبح واضحاً من استطلاعات الرأي الأخيرة في أمريكا أن الكتاب قد أدى الى حالة احباط لدى الناس ازاء الحرب قبيل الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في الشهر المقبل. ولكن وودوارد نفى في أحاديث له على هامش الكتاب انه لم يقصد التأثير في نتائج هذه الانتخابات فإن هذه ليست مهمته “فإنني أظل بعيداً عن السياسات المتعلقة بذلك”. ويؤكد أنه وزميله كارل بيرنستين ظلا بعيدين عن الأمور السياسية المتعلقة بفضيحة ووترجيت بالرغم من كشفهما لأسرار ما جرى عندئذ، ويؤكد أن ما يسعى اليه كصحافي هو أن تصدق الناس ما يقوله. مهمة صعبة
ويروي المؤلف ما جرى في أوائل شهر يناير/ كانون
الثاني عام 2003 عندما تلقى جارنر مكالمة هاتفية على هاتفه النقال من
البنتاجون.
وكان جارنر قد تقاعد منذ مدة من القوات المسلحة الأمريكية برتبة جنرال. وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية له في ذلك اليوم “اننا نريد التحدث معك. هل بوسعك الحضور الى هنا؟”. واستفسر جارنر “ماذا تريدون الحديث معي؟”. واكتشف الجنرال الذي كان يقيم في ولاية فلوريدا أن رامسفيلد قد عينه كمسؤول عن المهمة الإنسانية بعد انتهاء الحرب التي كانت قد أصبحت وشيكة. وكان الاختيار قد وقع عليه لأنه كان قد أدار في عام 1991 بعد حرب تحرير الكويت عملية “توفير الراحة” الخاصة بإنقاذ الآلاف من الأكراد في شمال العراق الذين كانوا قد تعرضوا لهجمات شديدة انتقامية من جانب قوات صدام حسين. وكان جارنر يعتقد أنه سيتم تعيينه كرئيس للأركان في العراق ولكنه عندما قرأ التوجيه الرئاسي الخاص بإنشاء مكتبه الجديد فإنه شعر بالدهشة البالغة. فقد كان مكلفاً بكل المسؤوليات التي تضطلع بها عادة الدولة القومية والحكومات المحلية. وقد ظل لعدة ليال ساهراً يعكف على إعداد القوائم والبرامج الخاصة بتلك المهمة الشائكة. وأدرك الرجل على الفور “انه قد كلف بمهمة مستحيلة”. ولكنه كرجل عسكري تمكن من السيطرة على نفسه وقام بتبديد الشكوك التي ساورته. وقال لودوارد في ما بعد: “لقد كنت أعتقد أن المهمة ستكون بالغة الصعوبة”. ولكنه أضاف: “انني لم أفشل في القيام بأي مهمة كلفت بها من قبل”. وبعد ستة أسابيع من تعيينه في هذا المنصب توجه الى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس بوش للمرة الأولى وظل ينتظر خارج “غرفة الموقف” حيث كان الرئيس مجتمعاً مع مجلس وزراء الحرب. وقد تعرف جارنر هناك على المدعي العام الأمريكي الذي كان أيضاً ينتظر خارج الغرفة وخاطب جون أشكروفت قائلاً: “يبدو اننا الاثنين خارج اللعبة”. وكان يحاول بذلك كسر الجليد للتعرف الى المدعي العام وتقديم نفسه له. ورد أشكروفت على ذلك بنظرة فسرها جارنر على أنها تقول له “اذهب الى الجحيم”. وبعد ذلك جلس جارنر على مقعد في “غرفة الموقف الرئاسية” على الطرف البعيد من مائدة كانت زاهية في أصباغها. وكان بوش يجلس على الطرف الآخر من المائدة. وكان كبار المسؤولين يجلسون من حوله ومن بينهم رامسفيلد ووزير الخارجية السابق كولن باول وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي عندئذ ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينت. وكان هناك أيضاً الجنرال تومي فرانكس قائد القيادة المركزية، وكان نائب الرئيس تشيني قد شارك في اللقاء من خلال شبكة فيديو تلفزيونية آمنة. وشعر جارنر بحالة من العصبية كما يقول. وكان يلمس أن الرئيس ليست لديه أدنى فكرة عنه، ووجه بوش نظره الى جارنر وكان يحدق فيه بعناية. وقال جارنر مخاطباً نفسه: “إن هذا اليوم سيكون يوماً طويلاً”. وقام بوش بعد ذلك بتسديد إصبعه إلى جارنر علامة على أنه يؤيده على نحو ودي، وشعر جارنر عندئذ بالارتياح، وقد اعتقد أن الرئيس قد شعر بعدم ارتياحه ولذلك فإنه كان يسعى إلى أن يبعث الطمأنينة إلى قلبه. وتساءل الرئيس: “أوكي.. ماذا بعد ذلك؟”، وأبلغته رايس: “إن الجنرال جارنر يعمل في مجموعة إدارة مرحلة ما بعد الحرب وسيقوم الآن بتقديم إيجاز إليك”. وهنا قال بوش: “قبل أن تفعل ذلك حدثني أولاً عن نفسك”. وقاطعه رامسفيلد قائلاً: “لا.. إنني سأقوم بشرح المعلومات المطلوبة عنه”. ولخص رامسفيلد الخدمة الناجحة لجارنر في القوات المسلحة الأمريكية والنجاح الذي حققه في إدارة عملية “توفير الراحة” للأكراد. وقال بوش: “هذا رائع” وخاطب جارنر قائلاً: “امضي قدماً” في مهمتك. وهنا قام الجنرال المتقاعد بتوزيع بيان أعده يضم 11 نقطة، وتحدث جارنر بعد ذلك عن المهمات التسع التي جاءت في التكليف الرئاسي له. وقال إن أربعاً من هذه المهمات لا ينبغي أن يكلف بها لأنها ستكون خارج إمكانيات الفريق الصغير الذي يعمل معه، وتشمل هذه المهمات الأربع: إزالة أسلحة الدمار الشامل والحاق الهزيمة بالإرهابيين، وإعادة صياغة الجيش العراقي وكذلك إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية العراقية الأخرى. أي إن هذه المهمات كانت في رأيه شائكة جداً. وقال إنه ينبغي على الجيش الأمريكي أن يتولى تنفيذ هذه المهمات الأربع. وهز الرئيس رأسه، ولم يتدخل أي شخص آخر من الحاضرين. وكان جارنر قد أبلغهم بصراحة أنه ليس بوسعه أن يكون مسؤولاً عن مهمات بالغة الصعوبة والحرج في مرحلة ما بعد الحرب، وكانت هذه المهمات في رأيه هي الأمور الرئيسية التي دفعت أمريكا في المقام الأول للدخول في الحرب. ولم يوجه أحد من الحاضرين أي اسئلة أخرى عن الشخص الذي سيكون مسؤولاً عن تنفيذ المسؤوليات إذا لم يكن جارنر سيضطلع بها. وتساءل في نفسه: “هل ستظل هذه المهمات معلقة في الهواء؟”، و”هل ستكون مهمة فعلاً؟”، وكان يقول لنفسه ربما كان مخطئاً في تقديراته، وربما كان من المفروض عليه أن يتولى هذه المسؤوليات فعلاً، وكان واضحاً له أن كل ما قاله لم يلفت اهتمام أي من الحاضرين، وشرح جارنر بعد ذلك للرئيس كيف ينوي ان يقسم العراق إلى مجموعات اقليمية، وهنا قاطعه الرئيس قائلاً: “لحظة واحدة من أي ولاية أنت؟”، ورد جارنر قائلاً: “من فلوريدا يا سيدي”، وهنا سأله بوش: “ولماذا تتحدث بهذه اللكنة إذاً؟”، وقال جارنر رداً على ذلك: “لأنني ولدت ونشأت في مزرعة في فلوريدا، وكان والدي مزارعاً”، ومن المعروف ان شقيق الرئيس جيب هو حاكم فلوريدا ويقوم بوش بزيارة الولاية بشكل منتظم. وتحدث جارنر بعد ذلك عن أهمية توفر الرؤية الواضحة للإدارات التي ستعمل معه وخاصة بالنسبة للشهر الأول وعلى ان يمتد ذلك لعام كامل في ما بعد. وتحدث جارنر عن أهمية توفير الاعتمادات المالية اللازمة للمهمة وشرح جارنر الخطة التي وضعها للمحافظة على الاستقرار في العراق بعد انتهاء المرحلة القتالية، وقال إن الفريق العامل معه سيستعين بما يتراوح من 200 ألف إلى 300 ألف من الجنود العراقيين، وأكد: “إننا سنحتاج إلى الاستفادة منهم لأن لديهم المهارات الصحيحة المطلوبة”، وأخذ جارنر يجول بنظره في الغرفة من حوله، وكانت كل الرؤوس تتحرك من اليمين إلى الشمال، ولم يقم أحد بمواجهته أو معارضة ما قاله، ولم يوجه أي فرد من الحاضرين أي سؤال إليه حول الخطة التي أعدها. وقال جارنر أيضاً انه يسعى إلى ان يشارك المجتمع الدولي كله في مرحلة ما بعد الحرب على الفور، ولمس حالة من عدم الارتياح قد سادت أجواء الغرفة الرئاسية، ولكن عدم الارتياح لم يكن من جانب الجنرال باول ولكن من معظم المشاركين الآخرين في الاجتماع. وشعر جارنر بعد ذلك بحالة الضيق التي اعترت معظم الحاضرين الذين كان واضحاً أنهم قد استهجنوا اقتراحه. وكانت تعبيرات وجوههم تقول له بصراحة: “ألا تفهم الحقائق؟ إننا لن نقوم بتدويل الأمور في العراق لأنها أساساً عملية أمريكية”. واستمر في كلامه مخاطباً الاجتماع قائلاً إنه سيوفد الفريق المتقدم من العاملين معه إلى المنطقة خلال عشرة أيام، ولم تكن الحرب قد وقعت عندئذ. ولم يعلق بوش على ذلك، ولم يتحدث أي من المسؤولين الذين كانوا قد شاركوا في المناقشات عن الموعد الذي قد تبدأ فيه الحرب ولكن كان واضحاً له أن ذلك الأمر قد أصبح وشيكاً. وقال بوش بعد ذلك: “شكراً جزيلاً”، موجهاً كلامه إلى جارنر، وهنا بدأت رايس في الحديث عن أمور أخرى تماماً، حيث أدرك جارنر أن مشاركته في اللقاء قد انتهت، وعندما بدأ يخرج من القاعة نظر إليه بوش ملياً وقال: “قم بتنفيذ المهمة على نحو ممتاز يا جاي”. وانتظر الجنرال المتقاعد خارج الغرفة لكي يتحدث إلى رامسفيلد، وغادر الرئيس ومعه رايس الاجتماع. وبعد عدة خطوات توقف بوش وقال لجارنر: “هاي إذا صادفتك أي مشكلة مع حاكم فلوريدا أبلغني بها”. ويقول ووودوارد إن المدة التي قضاها جارنر في العراق كرئيس لمكتب التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب كانت قصيرة ومثيرة لإحباطه. وكان قد أخذ يناضل خلال فترة الغزو والأيام الأولى من الحرب من أجل دخول الفريق العامل معه إلى داخل العراق. وبعد يومين من وصوله إلى هناك اتصل به رامسفيلد هاتفياً لكي يبلغه بأن بول جيري بريمر الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب وعمره 61 عاماً وهو من تلامذة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق سيصل إلى العراق كمبعوث للرئيس بوش، أي أنه سيخلفه فعلياً. مشاحنات وأخطاء قاتلة
ويتحدث جارنر عن المشاحنات التي دخل فيها مع
بريمر مراراً حول القرار الذي اتخذه الأخير لتسريح الجيش العراقي، على نحو
يؤدي إلى إحباط خطة الجنرال المتقاعد التي كانت قد حظيت بموافقة الرئيس نفسه،
وكان جارنر سيعتمد على الجيش العراقي السابق في إعادة الإعمار. وقد عاد جارنر
بالفعل إلى أمريكا في أوائل شهر يونيو/ حزيران أي بعد انتهاء الحرب بشهرين
تقريباً. واختفى الرجل لمدة اسبوعين حيث لم يكن يريد الالتقاء بأحد من رجال
البنتاجون أو الحديث عن تجربته المريرة في العراق. وأخيراً وافق على مقابلة
رامسفيلد.
وعندما أصبحا وحدهما في الغرفة حول المائدة الصغيرة في مكتب وزير الدفاع شعر جارنر بأن لديه التزاماً بأن يكشف عن قلقه العميق إزاء الأوضاع في العراق. وقال لرامسفيلد: “لقد ارتكبنا ثلاثة أخطاء مأساوية”. وسأله رامسفيلد: “حقيقية؟”، وكرر جارنر الكلام: “ثلاثة أخطاء فادحة”. وهان أشار إلى الأمرين الأولين اللذين وقع عليهما بريمر لدى وصوله، وهما تسريح الجيش العراقي وفصل نحو 50 ألفاً من أعضاء حزب البعث العراقي الذي تم تفكيكه من وظائفهم في الحكومة وبالتالي فإنهم تحولوا إلى العمل السري ضد الاحتلال الأمريكي. وقال جارنر إن هناك الآن مئات الآلاف من الأشخاص غير المنظمين والعاطلين عن العمل والمسلحين الذين يجوبون البلاد. وقال جارنر إن الأمر الثالث هو أن بريمر قد فصل مجموعة قيادة عراقية مؤقتة كانت شغوفة بتقديم المساعدة للولايات المتحدة الأمريكية وللحاكم الجديد للبلاد على المدى القصير. وقال جارنر مخاطباً رامسفيلد “إن بريمر ليس بوسعه أن يصبح الوجه الممثل للحكومة أمام الشعب العراقي”، وقال “ينبغي وجود وجه عراقي من أجل الشعب العراقي”. وشرح جارنر نقطته الأخيرة قائلاً “إن الوقت لا يزال متاحاً لتصحيح هذه الأخطاء.. ولا يزال هناك متسع من الوقت لاستبدال القرارات التي اتخذت”. وأخذ جارنر يحدث نفسه قائلاً “إن رامسفيلد ربما يعتقد الآن أنني على خطأ كبير”، وكان جارنر قد تعمد ألا يبدو وكأنه يحمل ضغينة بالنسبة لتصرفات بريمر الذي حل محله، ولكنه قال “إن الحقائق هي الحقائق ويمكن تصحيحها”. وفاجأه رامسفيلد بقوله “اننا لن نعود إلى الوراء” وكان كلام وزير الدفاع قاطعاً. ويقول المؤلف انه وجه سؤالاً إلى رامسفيلد خلال العام الحالي عما إذا كان يتذكر ما قاله جارنر عن الأخطاء الثلاثة الفادحة، وجاء رد الوزير العنيد قائلا: “على نحو غامض” وبعد الحديث الخاص بين رامسفيلد وجارنر توجها إلى قاعة المؤتمرات حيث كان معظم المسؤولين العاملين مع وزير الدفاع قد تجمعوا في احتفال صغير، وهنا وضع رامسفيلد ميدالية وزارة الدفاع الخاصة بالخدمات العامة الممتازة على صدر جارنر الذي يقول انه لم يكن يريدها. وبعد ذلك عقد هو ورامسفيلد مؤتمراً صحافياً ناقش فيه جارنر بالكامل كل ما كان قد قاله سراً لرامسفيلد. وأشار إلى بريمر قائلاً “انني أعتقد أن كل ما قام به هو الشيء الصحيح بالكامل”. وتوجه هو ورامسفيلد في ما بعد خلال اليوم نفسه إلى البيت الأبيض لمقابلة بوش. وهنا صاح بوش قائلا “سيدي الوزير من هو هذا الرجل الذائع الصيت الذي رافقك”. ومد الرئيس الأمريكي يده بعد خروجه من المكتب البيضاوي قائلا “أهلا يا جاي”. ورد جارنر قائلا “سيدي الرئيس إن لديك أموراً أهم تقوم بتنفيذها من أجل الأمة اليوم بدلاً من أن تضيع وقتك في الحديث معي. ولذلك فإن ما أود أن أفعله هو أن أصافح يدك وأشكرك على اتاحة الفرصة لي لخدمة بلادي”. وقام بوش بدفع جارنر جسمانياً بالقرب منه كدليل على المودة والاعزاز. وقال “إن لدي الوقت للحديث معك. وانني سأفعل ذلك لأنني أريد أن أكون معك”. ووضع الرئيس الأمريكي ذراعه حول جارنر ودفعه إلى داخل المكتب البيضاوي وتوقف أمام احدى النوافذ. وقال “انظر إلى الخارج يا جاي إلى العشب الذي يحيط بالبيت الأبيض. إنني إذا لم أمض وقتاً معك فإنني سأتوجه على الأرجح إلى هناك خارج البيت الأبيض للتحدث مع الصحافة أو مع شخص آخر أحاول أن أبعث الارتياح الى نفسه. أو ربما أتوجه الى كابيتول هيل مقر الكونجرس للتحدث مع أعضائه وأسعى الى استرضاء خاطرهم”. وانضم الى الاجتماع ديك تشيني ورايس. وقال الرئيس لجارنر: “اجلس هنا، بينما سأجلس أنا في هذا المكان”. وقال بوش: “لماذا لا أوجد في هذا المكتب المريح وفي هذا المقعد المريح وأجلس معك وأطيب خاطرك؟”. واستعمل كلمة نابية مرة أخرى. وأخذ جارنر يقول كلاماً يبعث السرور الى قلب بوش عن أحد علماء الشيعة الذي أعرب عن رغبته في أن يصبح العراق الولاية رقم 51. وقال جارنر للرئيس ان كل الناس في شوارع العراق يكنون لك المحبة. وأشار “سيدي الرئيس ان الأمر الوحيد الذي سأبلغك به هو انني أمضيت ثلاثة أسابيع من العمل مع السفير بريمر وهو من أكثر الناس اجتهاداً في العمل ولم أقابل شخصاً مثله من هذه الناحية”. وأضاف: “انه شخص بالغ الذكاء ولبق وسيقوم بتنفيذ المهمة المطلوبة منه ولقد أحسنت الاختيار”. وهنا قال بوش: “انني لم أقم باختياره فقد قام رامسفيلد بذلك مثلما اختارك أيضاً”. وهنا أخذ جارنر يمعن النظر في رامسفيلد فقد كذب عليه وأبلغه في شهر ابريل/ نيسان ان الرئيس بوش قد اختار بريمر. ولكن رامسفيلد لم يعلق على ما قاله الرئيس. وهنا يتضح مدى النفاق وعدم المكاشفة، الذي يسود هذه الإدارة الأمريكية. فإن جارنر يخفي عن بوش حقائق مشاعره تجاه بريمر ولا يفصح له عن هذه الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بريمر. وكذلك فإن رامسفيلد أصبح متلبساً بالكذب على جارنر بالنسبة لاختيار بوش لبريمر للقيام بالمهمة الرئيسية في العراق بدلاً منه. وعندما كان جارنر يهم بالخروج خاطبه الرئيس قائلاً: “هاي جاي هل تريد أن تضطلع بالمهمة في إيران؟”. ورد جارنر ضاحكاً: “لقد تحدثت مع الأولاد في هذا الأمر وانني أود الانتظار لكي أقوم بالمهمة المطلوبة في كوبا حيث ان السيجار ومشروب الروم أفضل الى حد ما وكذلك فإن النساء أكثر جمالاً هناك”. وهنا أخذ الرئيس الأمريكي يفرط في الضحك قائلاً له: “لقد فهمتني.. إنك ستضطلع بالمهمة المطلوبة في كوبا”. ويعكس هذا الكلام الساخر مدى ميول إدارة بوش الى التدخلات الخارجية وذلك بالرغم من أنه كان يلجأ الى الاستخفاف في حديثه.
|
![]()
| حالة إنكار ... (2) |
|
بوش وكل المحيطين به مارسوا الخداع في الحرب على العراق
|
![]()
| حالة إنكار ... (3) |
|
أوامر بتحويل العراق إلى جحيم إذا سقط النظام يجيب كتاب “حالة إنكار” عن أسئلة ملحة حائرة أثارها الرأي العام الأمريكي والعالم على اتساعه عما حدث بعد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، وكذلك أسباب هذه الحملة العسكرية. ومن خلال عرض جذاب وشائق يجيب بوب وودوارد أيضاً عن المزيد من التساؤلات حول الطريقة التي يتخذ بها الرئيس الأمريكي جورج بوش قراراته وكذلك إدارة الحرب التي اختارها كعنوان ورمز لرئاسته.ويحاول المؤلف أيضاً أن يوضح لنا ما إذا كانت هناك خطة يمكن تحقيقها لتوفير النصر، وفي أحيان كثيرة يترك المؤلف للقارئ المجال لكي يستخلص الاجوبة والاستنتاجات الممكنة عن هذه الأسئلة. ومن الأمور التي كانت خافية على الكثيرين من قبل هو الدور الذي يلعبه هنري كيسنجر عراب الدبلوماسية والسياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون بوصفه مستشاراً لبوش حول العراق. ويؤكد المؤلف “أن كيسنجر يعتبر صوتاً قوياً وإن كان مخفياً في إدارة بوش”. ويعود بنا المؤلف في هذا الفصل إلى الوراء ويحدثنا عن تخبط إدارة بوش حول العراق، وكيف تم التخلص من جاي جارنر الذي أدار شؤون العراق في المرحلة الاولى بعد انتهاء الحرب على نحو سريع. ويبدو من رواية المؤلف ان الإدارة وخاصة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع كان يتخذ القرارات على عجل ثم يتخلى عنها بسرعة ايضاً وعلى نحو يوضح الورطة التي وقعت فيها أمريكا بعد الحرب وذلك بسبب سوء الإعداد لمرحلة ما بعد سقوط النظام، وكذلك عدم تمكن قوات التحالف وخاصة القوات الأمريكية من السيطرة على كل ارجاء البلاد الشاسعة ولذلك كانت معظم حدود العراق مفتوحة بعد انتهاء الحرب. ويصور لنا الموقف التالي مدى النفوذ البالغ لرامسفيلد والتنافس والتناحر بين أقطاب الإدارة الأمريكية، وكذلك بين جارنر وخليفته السفير بول بريمر الذي كان الحاكم الفعلي فيما بعد للعراق. وتلقى جارنر الذي كان لايزال يقوم بعمله في بغداد يوم 24 ابريل/نيسان من عام 2003 اي بعد أن وضعت الحرب الفعلية أوزارها بنحو اسبوعين مكالمة هاتفية من رامسفيلد، وقال وزير الدفاع بأسلوبه الاستعراضي “هاي.. انك تقوم بعمل عظيم.. واننا فخورون بما تفعله” وكان الفريق العامل مع جارنر قد وصل بالكامل على التو، وبدأ في محاولة معالجة الاوضاع المنهارة في البلاد بسبب انعدام الخدمات وانهيار المرافق بالكامل وعدم توفر المياه والكهرباء، ورد جارنر بأسلوب الجنرال المنضبط “نعم يا سيدي”. ورد رامسفيلد بطريقة عرضية وكأنه تذكر فجأة هذا الأمر المهم قائلاً “على فكرة ان احد الاسباب التي دفعتني للحديث معك هي ان أقوم بإبلاغك بأن الرئيس قد اختار جيري بريمر (يقصد بول بريمر) لكي يصبح مبعوثه الخاص للعراق”. وقال رامسفيلد إنه لا يعرف حتى الآن الموعد الذي سيتم اعلان ذلك رسمياً فيه، ولكنه كان يريد أن يعرف جارنر مسبقاً بذلك، ويوضح رد جارنر بالتالي مدى ضيقه ودهشته وغضبه إزاء هذا القرار لأنه كان يشعر بأن ذلك يعتبر إهانة له، فقد قال “حسنا.. إذا كان الاختيار قد وقع عليه إذن فإنني سأعود إلى أمريكا”. واعترض رامسفيلد متحججاً “لا.. انني لا أريدك أن تعود ومن خلال تسلسل الحديث يبرز لنا زيادة غضب واعتراض جارنر فقد رد قائلاً: “إن الأمور لا تعمل على هذا النحو فإنه ليس من الممكن ان يوجد في الوقت نفسه الرجل الذي كان مسؤولاً عن إدارة شؤون البلاد، والآن الرجل الذي سيتولى فعلاً هذه المسؤولية”. ويحذر جارنر بعد ذلك من ازدواج وانقسام الولاء للناس في العراق من خلال متابعتهم لما يجري بعد تعيين بريمر بينما يظل جارنر في عمله هناك، ومضى الجنرال المتقاعد قائلاً في لهجة تهديد “بالتالي فإن أفضل ما يمكن أن أقوم به هو أن أقدم استقالتي من هذه المهمة”. أولاد الكلاب
ويحذر رامسفيلد الجنرال المتقاعد وكأنه
جندي يعمل تحت امرته “لا تفعل أي شيء حتى أحضر إلى العراق.. انني سأتحدث
معك عندما أصل إلى بغداد”. وكان وزير الدفاع يعتزم زيارة العراق خلال عدة
أيام قليلة، وعندما ادرك مدى غضب جارنر حاول تهدئته قائلاً: “جاي .. لقد
كانت هذه هي الخطة دائماً.. إنك تعرف ذلك، لقد كانت هذه هي خطتنا دائماً”
مكرراً كلامه على هذا النحو. واسقط في يد الجنرال المتقاعد “حسناً.. هذا
صحيح انني اقر بذلك، ولكن هذا يحدث على نحو مبكر عما كان مقرراً”.
وطلب رامسفيلد من جارنر ان يتصل هاتفياً ببريمر واعطاه رقم هاتفه واجاب جارنر “نعم سأفعل ذلك” لكن الجنرال المسكين والغاضب ابلغ وودوارد بعد ذلك خلال مقابلة بينهما انه “شعر بأنه قد تعرض للخيانة” وقال “انني كنت أقول دائماً إن هؤلاء أولاد الكلاب! ماذا فعلوا بي؟ لقد قتلت نفسي عملاً واجتهاداً” واستخدم هنا تعبيراً نابياً. ومضى جارنر قائلاً “إنني أرى انني قمت بعمل طيب على نحو لا يمكن تصديقه خلال هذه الفترة المحدودة” وبدأت المرارة وخيبة الأمل تبرزان في تعبيرات الجنرال المتقاعد فقال “انني اشعر بأنني تعرضت لعملية خداع وغش وقد كنت ساذجاً إلى حد كبير لكي اعتقد أنه كان بوسعي أن أبدأ تنفيذ كل هذه الأعمال وان يستجيب العراقيون من خلال إظهار حسن النيات تجاهي”. ويؤكد جارنر بعد ذلك “لقد قمت بتشغيل كل الأمور، ولذلك كان من المفروض عليهم ان ينتظروا ويترقبوا تحقيق الثمار المطلوبة، وخاصة لأن الامور لن تستغرق وقتاً طويلاً لإنجاز ذلك”. ويبدو أن الجنرال الخبير بالمعارك والقيادة قد اساء تقدير الموقف ولم يدرك ما سيجري في المستقبل، وكيف ان العراق سينزلق إلى حافة الهاوية ويصبح فريسة للارهاب والعنف والقتال الطائفي وانعدام الأمن. ويعرب جارنر عن المزيد من الشكوى إزاء موقف الإدارة الأمريكية منه ونكرانها للجميل فيقول: “ان اكثر ما يضايقني هو أنهم لم يعلنوا مطلقاً ما أقوم بعمله، وفجأة سيصل بريمر إلى هنا، ويبدو انهم قد فصلوني من عملي” وأوضح “انني اعتقد ان العالم الخارجي كان يعتبرني المبعوث الأمريكي في العراق”، ولكنه يقول في لهجة تهكم “إلا أنه داخل الإدارة وفي وزارة الدفاع كانوا يعتبرونني مثل الميكانيكي وكانوا يقولون لقد قمنا بتعيين هذا الرجل ولكن في أي وظيفة”. ومن ناحية أخرى يستمر رامسفيلد في المصادمات مع كبار رجال البيت الابيض وخاصة مع اندي كارد رئيس أركان مكتب الرئيس، وبعد هذا الصدام الأخير يعلق كارد قائلاً ان رامسفيلد أصبح خارجاً عن السيطرة، وقد جاء ذلك بعد جدل حاد بينهما حول اختيار بوش القيام بزيارة لمصنع إنتاج دبابات ابرامز، ولكن رامسفيلد لم يكن يحبذ الاستمرار في إنتاج هذا النوع من الدبابات لأن الزمن عفى عليه، ويقول كارد بعد هذه الواقعة انه بوسعه الحديث مع أي وزير آخر وتبادل الآراء معه من دون هذه المرارة والجدل وكذلك من أجل تنفيذ الأوامر الرئاسية، ويعلق المؤلف على ذلك قائلاً إن رامسفيلد لم يكن هو الوزير الذي ينفذ الأوامر الرئاسية. وعودة إلى بريمر يشرح لنا الكتاب ان الرجل دبلوماسي محنك وكان ضمن الطاقم العامل مع هنري كيسنجر عندما كان وزيراً للخارجية، وكذلك فإنه خبير في شؤون الإرهاب، والأهم من ذلك في رأي بوش ورامسفيلد انه كان يؤيد القرار الخاص بغزو العراق، وكان بريمر يعتقد ان ذلك يعتبر “قضية أخلاقية” وكذلك فإنه يرى أنه مما لا شك فيه ان العراق يمتلك اسلحة الدمار الشامل على نحو لا نزاع فيه، وان ذلك يمثل تهديداً وشيكاً، ويقول بريمر ان بول وولفويتز الذي كان عندئذ نائباً لوزير الدفاع وهو من انصار المحافظين الجدد كان قد اتصل به لكي يسأله عما إذا كان يرغب في تولي الاشراف على العراق في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، وأبلغه وولفويتز وسكوتر ليبي احد مساعدي نائب الرئيس ديك تشيني ان جارنر لم يكن سيصبح الرئيس الدائم لجهود إعادة الإعمار في العراق. وقالا لبريمر ان هناك حاجة إلى شخص ما له خبرة في مجال الدبلوماسية والشؤون السياسية أيضاً. لماذا تريد تولي المهمة؟
ويروي الكتاب بعد ذلك كيف توجه بريمر
لمقابلة رامسفيلد المسؤول الأول عن شؤون العراق وهو أمر أثار غضب واستياء
كولين باول وزير الخارجية آنذاك الذي أصبح منذ نشوب الحرب في وضع يحسد
عليه فقد أصبح مركوناً على الرف بعد أن فشلت مساعيه الدبلوماسية لإيجاد
حل سلمي من ناحية، وكذلك كما يقول المعلقون بسبب سعي رامسفيلد الى
السيطرة على قضايا هي من اختصاص عمل وزارة الخارجية، وكان بريمر يعرف
رامسفيلد منذ فترة طويلة حيث عملا معاً في إدارة الرئيس فورد.
وبعد فترة قصيرة من لقاء بريمر مع رامسفيلد توجه المبعوث الجديد للاجتماع بالرئيس، وكان أول سؤال وجهه بوش إليه على نحو مفاجئ ومثير هو “لماذا تريد أن تتولى هذه الوظيفة المستحيلة؟” ويروي بريمر في الكتاب ان رده كان على النحو التالي “لأنني أؤمن بأن أمريكا قد قامت بعمل عظيم بتحرير العراقيين، وكذلك لأنني اعتقد أنه بوسعي تقديم المساعدة”. وفي بغداد كان قرب وصول بريمر إليها مثار صدمة للقادة العسكريين الأمريكيين. وقال الجنرال جون ابي زيد الذي أصبح فيما بعد من أكبر القادة العسكريين المسؤولين عن العراق “بحق الشيطان لماذا يفعلون ذلك”؟ وكان الجنرال الذي ينتمي إلى اصل لبناني قد وجه هذا السؤال إلى جارنر الذي كان هو نفسه أكثر ضيقاً منه بالنسبة لقدوم بريمر لكي يتولى الوظيفة التي لم يتول القيام بها سوى لفترة قصيرة للغاية. ورد جارنر على أبي زيد قائلاً “جون انني لا أعرف” وكان بعض القادة الآخرين في العراق قد أعربوا أيضاً عن شعورهم بالدهشة والاستغراب إزاء بريمر بل ان بعضهم اعتقدوا أن جارنر كان يمزح معهم عندما أبلغهم بالنبأ، ويشرح المؤلف هنا ان مصدر الصدمة والاستغراب كان أساساً يرجع إلى الاسلوب والطريقة اللذين تعاملت بهما الإدارة مع جارنر وتخطيه من خلال الاسراع بتعيين بريمر كحاكم فعلي للعراق، والأهم من ذلك من وجهة نظر الكثيرين الذين تحدثوا لوودوارد بأن معنى ما جرى هو أن جارنر قد أخفق في مهمته وهذه هي الرسالة التي سيتلقاها العراقيون. من هو هذا الرجل؟
ويروي لنا المؤلف قصة أخرى توضح مدى التخبط
والارتجال اللذين كانت الإدارة الأمريكية تتخذ من خلالهما قراراتها وكيف
كان ذلك يؤثر في معنويات كبار المسؤولين عن شؤون العراق.
فقد التقى جارنر بعد ذلك في بغداد بزلماي خليل زاد الذي كان عندئذٍ مبعوث بوش إلى العراق، وأبلغ جارنر خليل زاد “أن بريمر قادم إلى هنا وانني سأغادر العراق”. وجاء رد المبعوث الرئاسي الذي كان النبأ له وقع الصاعقة عليه “من هو هذا الرجل؟”، وأكد جارنر له بخبث “ان بريمر سيصبح المبعوث الرئاسي” أي أنه سيأتي لكي يسرق وظيفة خليل زاد. وفي لهجة تمرد قال المبعوث: “إذن فإنني سأغادر العراق”. وحاول جارنر طمأنة خاطره بالقول إنه ليس من الممكن بالنسبة له أن يغادر العراق فقد “حققت استثمارات كبيرة هنا يا زال.. إنك شخص مهم جداً ولذلك لا يمكنك أن ترحل”. ولكن خليل زاد انسحب بالفعل من المهمة، ولم يعد إلا بعد عامين تماماً لكي يصبح السفير الأمريكي في العراق. وبعد ذلك اتصل جارنر هاتفياً برامسفيلد لكي يطلب منه أن يؤجل وصول بريمر لعدة أشهر. وقال له “إن لدي أعمالاً كثيرة تحتاج إلى إنجاز وإنني أعتقد أنه بوسعي أن أنتهي منها في أول شهر يوليو/تموز”. وبرغم توسلات جارنر فإن رامسفيلد أجابه على نحو قاطع “ليس بوسعي أن أفعل ذلك، إن هذا الأمر يخرج عن حدود اختصاصي”. وعندما توجه جارنر في صباح اليوم التالي إلى مكتبه كان جرس الهاتف يرن. وكانت المفاجأة هي أن المتحدث على الطرف الآخر كان بريمر نفسه الذي بدأ في حملة النفاق “إنك تقوم بعمل رائع هناك” وكان بذلك يعكس النبرة نفسها التي عمد إليها رامسفيلد في محاولة لترضية الجنرال الغاضب، ولكن الفرق بين بريمر ورامسفيلد أن الأول كان يتحدث بأسلوب دبلوماسي ناعم. وواصل بريمر حديثه وكأنه يبرر أهمية توليه لهذا المنصب الرفيع “إن المرئيات سيئة للغاية هنا في الصحافة، وإن الصحافة وشبكات التلفزيون حافلة بمناظر السلب والفوضى في العراق”. ورد جارنر بحدة قائلاً “جيري إنك إذا حاولت أن تدير العراق على أساس ما تقوله “الواشنطن بوست” فإنك ستستمر في العمل هنا لفترة طويلة جداً” وكان الجنرال المتقاعد أكثر صراحة بقوله “إنني في هذه اللحظة التي أتحدث فيها إليك أقول لك إن شبكة الكهرباء مقطوعة “في مكتبي”. ويرسم الكتاب لنا صورة عن الظروف المتردية التي كان جارنر يعمل فيها في بغداد، حيث كان المبنى الذي اتخذه مقراً له قد لحق به دمار كبير. وكانت مباني 17 وزارة من مجموع 23 وزارة قد دمرت فعلياً. وكانت الأبواب والنوافذ وشبكة المياه والكهرباء فيها مقطوعة بالكامل ونزعت الأسلاك والمواسير منها. وقام بعض المخربين واللصوص بإشعال الحرائق في عدد آخر من المباني. وكان الرماد والسواد والقذارة والفضلات الإنسانية مبعثرة على الأرض في كل مكان. وكان العاملون في الوزارات قد لاذوا بالفرار وتركوا أعمالهم، وتوجه بعض مساعدي جارنر إلى مختلف أنحاء بغداد وهم يسألون الأشخاص الذين يقابلونهم في الطريق “هل تعرفون أي شخص كان يعمل في وزارة النقل؟ هل تعرف أي شخص كان يعمل في وزارة الصحة؟”. مذكرة للبعثيين
وفي نهاية شهر نيسان/أبريل اقترب مترجم من
أصل لبناني كان يعمل في وكالة الاستخبارات المركزية من أحد كبار
المساعدين لجارنر وسأله: “هل قرأت هذه الورقة؟” وعرض المترجم على الرجل
وثيقة من صفحة واحدة وهي ترجمة باللغة الإنجليزية لتوجيه صادر من قيادة
المخابرات في عهد صدام حسين. وتحدد المذكرة 11 نقطة ينبغي تنفيذها “إذا
لا قدر الله وسقط زعيمنا المحبوب”. وتطلب هذه الأوامر من “كل خلية تابعة
لحزب البعث وأي فرقة صاعقة وكل عميل للمخابرات أن يكون مسؤولاً عن اغتيال
المتعاونين وإحراق مباني الوزارات والقيام بأعمال السلب وكذلك إحراق
الوثائق العامة والقيام بأعمال من شأنها حدوث الفوضى”.
ولكن الوثيقة لا تتحدث عن العنف الطائفي ولا عن استغلال الشقاق بين السنة والشيعة والأكراد. ولكن الأوامر الصادرة “إلى كل عناصر حزب البعث هي التفكير في كيفية تحويل البلاد إلى جحيم إذا ما سقط النظام”. وشعر مساعدو جارنر بالصدمة، وبدأ القادة الأمريكيون في العراق يدركون أن قوات التحالف تواجه أموراً خطيرة لم يكونوا قد تخيلوها من قبل. ويؤكد ذلك مدى صحة التحليلات العديدة بأن الأمريكيين لم تكن تتوفر لديهم خطة أو استراتيجية شاملة لمواجهة السيناريوهات المختلفة المترتبة على سقوط نظام صدام حسين. وكان بعض العراقيين المعارضين قد أوهموا الأمريكيين بأن العراقيين سيستقبلونهم بالزهور والترحيب. ولكن العكس كان صحيحاً. وكان وزير الخارجية البريطانية السابق جاك سترو قد أقر بأن الإدارة الأمريكية ارتكبت أخطاء عديدة في مرحلة ما بعد الحرب وكذلك فإن الخطط التي وضعتها وزارة الخارجية الأمريكية قد تم وضعها على الرف بعد انتهاء الحرب. وفي الوقت نفسه فإن كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية اعترفت في بريطانيا في أوائل هذا العام بأن الإدارة الأمريكية ارتكبت “آلاف الأخطاء في العراق”، إلا أن القصص التي يرويها وودوارد تعكس مدى الإخفاق والفشل وعدم مقدرة واشنطن على تفهم مدى خطورة المهمة التي أقدمت عليها إدارة بوش على نحو يفوق كل هذه التصريحات. ويشير المؤلف إلى أن بريمر قد ذكر أيضاً في كتابه عن الفترة التي قضاها في العراق أنه قد اطلع على وثائق مماثلة ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد ثلاثة أشهر من توليه منصبه في العراق أي في أواخر شهر يوليو/تموز أو أواخر أغسطس/آب 2003. وقد اطلع بريمر على مذكرة بتاريخ 23 يناير/كانون الثاني عام 2003 من جهاز مخابرات صدام، وكانت موجهة إلى “كل الضباط والأقسام” وتقدم المذكرة خطة طوارئ لما ينبغي عمله في حالة تعرض العراق للغزو وتتضمن أيضاً أوامر خاصة “بإحراق المكاتب وتدمير المباني العامة وانتشار عناصر البعث في كل مدينة من أجل تدمير محطات الكهرباء وشبكات المياه وكذلك التسلل إلى المساجد والعتبات المقدسة لدى الشيعة”. وكان رد فعل الجنرال مايرز عندما اطلع على الوثيقة مثيراً، حيث قال “إنه ليس بوسعي أن أصدق ما كان ابن الكلب ينوي أن يفعله”. ومن ناحية أخرى يروي لنا الكتاب أن بعض خبراء الاستراتيجية كانوا يتساءلون: “ماذا فعل هؤلاء الأشخاص الأذكياء في البنتاجون في الأشهر الستة السابقة على الحرب؟” ولم يعد مهماً الآن كما يوضح المؤلف ما إذا كان الإخفاق في العثور على أسلحة الدمار الشامل يعتبر مشكلة أو أخطاء ارتكبتها أجهزة الاستخبارات أو إدارة العمليات. “وأصبحت الحقيقة البسيطة الناصعة هي أن الخبراء لم يعثروا على أي أسلحة”. وينسب وودوارد لأحد المسؤولين العسكريين الأمريكيين الكبار وهو سبايدر ماركس قوله في إشارة إلى القادة في البنتاجون “لقد كانوا جميعاً يغطون في النوم ولم يقم أحد منهم بوضع خطة تفصيلية عن أسلحة الدمار الشامل” ويمضي قائلاً “كم كان هؤلاء الأشخاص يتسمون بالحماقة إلى حد لا يصدقه العقل!” ووصل رامسفيلد إلى العراق يوم 30 أبريل/نيسان عام 2003 وكانت كل الجوانب الغامضة والمثيرة للإحباط تنتظره هناك وخاطب رامسفيلد أكثر من ألف جندي من فرقة المشاه الثالثة في إحدى حظائر الطائرات الكبيرة في مطار بغداد، قائلاً “لقد أنقذتم أمة.. لقد قمتم بتحرير شعب وتمت الإطاحة بديكتاتور قاسٍ”. والأمر الذي يثير المزيد من الحيرة والتساؤل هو أن رامسفيلد والقادة المحيطين به وكذلك جاي جارنر كانوا يعتقدون أن انتهاء الحرب معناه أن أمريكا قد حققت الانتصار بالفعل وتعمد جارنر التهوين من التحدي الكبير الذي ستواجهه أمريكا عندما أبلغ الصحافيين في بغداد “أنه ليست هناك مشكلات كبيرة خاصة بالمرافق العامة والبنية التحتية بخلاف ربط بعض الأجزاء هنا وهناك”. وكان واضحاً أن موجة التفاؤل المفرط لدى الإدارة الأمريكية تعكس حالة خداع النفس والإنكار الذي كانت تمارسه على نحو مخيف بسبب تجاهل المسؤولين للتحديات الكبيرة والتهديدات الخطيرة التي ستطرأ فيما بعد. وكان بعض القادة يمنون أنفسهم بما هو مستحيل ويقولون إن سقوط عاصمة العدو تعتبر تقليدياً نهاية الحرب. ولكن رامسفيلد يدافع في حديث فيما بعد مع وودوارد عما جرى فيقول إنه أدرك فيما بعد أن البنية التحتية العراقية كانت مهملة لعقود طويلة: “ويقول إنه بعد أن علم بأبعاد المشكلة الضخمة أخذ يقول لنفسه يا إلهي إن الأمر سيستغرق ثلاثين عاماً للخروج من هنا”، و”إن العراق سيحتاج إلى مدة طويلة جداً لكي يصبح دولة في مصاف الكويت أو الأردن أو المملكة العربية السعودية أو تركيا”، ويستخلص من ذلك ربما أبلغ تعبير عن رأي الإدارة الأمريكية الآن فيقول: “إنه يتعين عليهم أن يقوموا بإنجاز المهمة بأنفسهم”. وفي الفصل القادم سيروي لنا المؤلف كيف حاول البيت الأبيض التنصل من تأكيد الرئيس بوش في احتفال بحري كبير على متن حاملة الطائرات لينكولين “أن المهمة قد تم إنجازها في العراق” لأن العكس كان الصحيح. |
![]()
| حالة إنكار ... (4) والأخيرة |
|
من يقف وراء قرار حل الجيش واجتثاث البعث؟
كان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد أساء
التقدير مرة أخرى عندما اعتقد هو وإدارته بأن مهمة الحرب في العراق قد
استكملت فعلاً بنجاح، وذلك خلال احتفال بحري كبير حضره في أول مايو/أيار
من عام 2003 وكانت لافتة كبيرة قد علقت خلف القاعة الكبيرة التي كان
يتحدث منها إلى جنود البحرية من طاقم حاملة الطائرات “لينكولن” وتقول
“مهمة تم استكمالها”، وكان ذلك في إشارة واضحة إلى أن الحرب في العراق قد
حسمت وأن الأمور قد اصبحت مستقرة وهادئة بالفعل هناك. وكان هذا في تقدير
المؤلف والكثيرين حول العالم خطأ فادحا، لأن العراق شهد بعد ذلك أسوأ
أعمال العنف وعدم الاستقرار وفقدان القوات المتحالفة للسيطرة على مجريات
الأمور، وكان بوش قد خدم كطيار في الحرس الوطني في ولاية تكساس أثناء حرب
فيتنام.
ويروي لنا ووارد أن طاقم حاملة الطائرات كان قد تلقى تعليمات من خلال جهاز الإذاعة الداخلي بأنه سيتم السماح لهم، بعد أن يختتم الرئيس خطابه المهم الذي كان يوجهه إلى الأمة الأمريكية والعالم على اتساعه، بأن يصفقوا بشدة وكذلك سيتم تشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم وعواطفهم بصوت عال، وزعم البيت الأبيض فيما بعد بأن الحديث عن “مهمة تم استكمالها” كان عبارة عن فكرة توصلت إليها البحرية الأمريكية. إلا أن رامسفيلد كان أول من أبلغ المؤلف بأن الإشارة إلى ذلك جاءت في مسودة خطاب البيت الأبيض المعد لبوش ليلقيه في هذا الاحتفال الكبير. وتأكيدا للنفوذ البالغ لرامسفيلد فإن الكتاب يؤكد لنا أن وزير الدفاع الأمريكي كان قد وافق على نسخة خطاب الرئيس التي يعلن فيها “ان عمليات القتال الرئيسية في العراق قد استكملت”، ومن الواضح من أجل الحقيقة أن بوش لم يعلن رسمياً في خطابه “الانتصار في العراق”، وكان هذا التحفظ قد جاء ليس فقط بسبب اعتراض رامسفيلد على ذلك، ولكن أيضاً بسبب الآثار التي ستترتب على مثل هذا الإعلان الرسمي وفقاً للقانون الدولي. وقال الرئيس بوش حرفياً “إن الولايات المتحدة وحلفاءنا قد تغلبوا في معركة العراق على العدو”، ومضى بوش قائلاً: “والآن فإن تحالفنا منهمك في تأمين وإعادة إعمار البلاد”. وبالتالي فإن الرئيس الأمريكي قد أوضح ان مرحلة جديدة من العمل قد بدأت. وأشار بوش في خطابه ايضاً إلى: “إننا قد بدأنا البحث عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية المخبأة، وإننا نعرف بالفعل مئات المواقع التي سيتم البحث فيها”. فوضى عارمة إلا ان الكتاب يعود إلى الحديث عن الأوضاع المتردية التي كانت تسود العراق عندئذ ولا تزال قائمة حتى الآن، وإن كانت قد أصبحت اكثر سوءاً اليوم، ويشير إلى أن وزارة الداخلية، التي كانت تضم الجهاز المسؤول عن الاستخبارات والأمن، وكذلك قوات الشرطة، كانت كلها خارج السيطرة، وكان المقر الرئيسي للوزارة قد سيطرت عليه عائلة أو قبيلة كما تقول التقارير التي كان جارنر يتلقاها عندئذ، وكانت وزارة الزراعة خاوية على عروشها، ولم يكن يتوفر فيها أي جهاز أمني ولم يتم فتح أبوابها إلى حين توفر بعض رجال الحراسة. ويبدو أن الانهيار الأمني كان قائماً منذ أيام جارنر وفقاً لما يشير إليه تقرير تلقاه يوم 4 مايو من عام ،2003 حيث يوضح أن الأمن لا يزال “هو الشغل الشاغل ومصدر القلق” لكل المستشارين وأن أي زيارات مرتقبة لمباني الوزارات تلغى بسبب عدم توفر رجال الأمن المناسبين. وكانت أصوات طلقات الرصاص تسمع في شوارع العاصمة العراقية. ويكشف المؤلف أن ضباط الجيش العراقي، وغيرهم تمكنوا من نقل أجهزة الكمبيوتر والملفات من مبنى وزارة الدفاع العراقية إلى منازلهم. ومن أخطر المشكلات التي يتحدث المؤلف عنها بالنسبة لمرحلة ما بعد الحرب هي عدم دفع المرتبات لموظفي الدولة السابقين ما أدى إلى حالة التذمر وانخراط اعداد كبيرة مهم فيما بعد في أعمال التمرد والمقاومة، خصوصاً هؤلاء الذين كانوا يعملون في وزارة الدفاع العراقية، وأجرى معاونو جارنر اتصالات مع كبار ضباط الجيش من أجل العمل مع قوات التحالف والمساهة في توفير الأمن في مرحلة ما بعد الحرب، ولكن القرارات المأساوية والأخطاء الفادحة التي ارتكبها بول بريمر في ما بعد بتسريح الجيش وموظفي الخدمة المدنية في إطار خطة اجتثاث البعث قد أسفرت عن الفوضى وصبت المزيد من الزيت على نيران الفتنة والاقتتال الطائفي في العراق فيما بعد، كما يحدثنا الكتاب. ويركز الكتاب في مجال آخر على المبعوث الشخصي لبوش، بريمر، الرجل الذي قبل التحدي للقيام بهذه المهمة المستحيلة كما وصفها الرئيس الأمريكي نفسه، ولكن الأحقاد بينه وبين جارنر ومعاونيه اشتعلت عندئذ لدرجة أن أحد أعوان الجنرال المتقاعد يبلغه في حديث هاتفي من واشنطن “انهم لا يكنون لنا أي محبة هنا”. بريمر إلى العراق وفي إطار استعداداته للسفر إلى بغداد لتولي مهمته الجديدة التقى بريمر في المكتب البيضاوي مع الرئيس الأمريكي، بعد اسبوعين من لقائهما الأول، ويشير المؤلف إلى أن بريمر لم يكن خبيراً بشؤون الشرق الأوسط، وكان المبعوث الجديد قد بدأ يقوم بتجميع طاقم العاملين معه لكي يحلوا محل العاملين مع جارنر. ويبدي المؤلف تهكماً شديداً على الاسلوب الذي انتهجه بريمر في اختبار العاملين معه خصوصاً وأن ما سيقوم به من أعمال ستلقي بظلالها بالكامل على إدارة الرئيس بوش، ومن بين الدراسات التي اطلع علهيا بريمر قبل سفره إلى العراق التقرير الذي أعده جيمس دوبينز الخبير في شؤون مراحل ما بعد النزاعات والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، والذي يحدد فيه الحاجة إلى 500 ألف جندي أمريكي في العراق لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب، ويفوق هذا الرقم بثلاثة أضعاف حجم القوات الأمريكية هناك، وكان خبراء عديدون قد أوضحوا أن إحدى الأخطاء الفادحة التي ارتكبها رامسفيلد هي اصراره على أن تكون القوة الأمريكية في العراق محدودة جداً، بحيث لا يمكنها فرض سيطرتها بالكامل على المناطق التي تنتشر فيها وسط العراق الذي يعتبر بؤرة التوتر والانفلات الأمني، وبعث بريمر بهذه الدراسة إلى رامسفيلد وكتب عليها الملاحظة التالية “إنني اعتقد أنه ينبغي علينا أن نبحث ما جاء في هذا التقرير”، ولكن بريمر لم يتلق أي رد من وزير الدفاع كعادته في تجاهل الأمور المهمة والحساسة في العراق، ما أدى إلى وقوع الكوارث العديدة وبروز “حالة الإنكار” من جانب الإدارة الأمريكية، والأسوأ من ذلك أن وودوارد يقول معلقاً إن بريمر لم يقم مطلقا بمتابعة هذا الأمر المهم مع رامسفيلد. وأعلن بوش يوم 6 مايو من عام 2003 تعييرن بريمر رسمياً كمبعوثه الرئاسي إلى العراق، وأعرب بوش عن ثقته بقدرات مبعوثه قائلاً: “إنه من طراز الرجال الذين بوسعهم الإنجاز”، وقال “إن السفير بريمر يتمتع بالدعم الكامل من الإدارة، وكذلك فإن هناك ثقة كبيرة بمقدرته على إنجاز المهمة المطلوبة”، ولكن الصحافة الأمريكية كان لها رأي مخالف لذلك فقد كانت تعتبر بريمر كرجل محافظ يتناقض سلوكه مع جارنر الذي يميل إلى الطابع غير الرسمي وغير التقليدي، وقبل سفره بأربعة أيام تناول بريمر طعام الغداء مع بوش وحدهما في البيت الأبيض. وتحدث بريمر صراحة مع الرئيس قائلاً: “إنه ليس بوسعي النجاح إذا ما كان هناك آخرون في العراق يقولون إنهم ايضاً يمثلون الرئيس”، وذلك في إشارة إلى أجواء التنافس المحموم بين المسؤولين عن ملف العرق، وقد أوضح بريمر فيما بعد بصراحة أنه كان يقصد بتعليقه منافسه الكبير زلماي خليل زاد المسؤول عندئذ في مجلس الأمن القومي، والذي كان لا يزال يحمل لقب “المبعوث الرئاسي”، وقال بوش بعبارة مقتضبة أنه يتفهم ما يقوله ويوافق عليه، وبعد الغداء صحب بوش بريمر إلى المكتب البيضاوي للقاء كل من رامسفيلد وكولين باول وكوندوليزا رايس ومديرة مكتبه أي رئيس أركان البيت الأبيض عندئذ آندي كارد. وفي تعليق يعكس اسلوب بوش الانفرادي في الحكم وجه كلامه إلى بقية المشاركين في الاجتماع “إنني لا اعرف ما إذا كنا نحتاج إلى هذا اللقاء على الإطلاق.. فقد عقدت اجتماعا بالفعل مع جيري بريمر”. رجل الرئيس وكانت الرسالة التي وجهها الرئيس بوش واضحة وفقاً لما كتبه بريمر، وقال “إن ذلك كان معناه إنني لست رجل رامسفيلد أو باول بل إنني رجل الرئيس”، وحدد بوش ذلك كتابة فيما بعد في مرسوم رئاسي يؤكد فيه أن مبعوثه الرئاسي سيكون مسؤولاً عن كل الأشخاص باستثناء رامسفيلد والجنرال تومي فرانكس، ويقصد بذلك أنه سيكون مسؤوله الرئيسي في العراق. وخلال مقابلة مهمة مع المسؤول الرئيسي في وزارة الدفاع فايث يوضح بريمر أنه أكد على ضرورة ألا يصدر أمر باجتثاث البعث من جانب جارنر، وقال: “إن هذه خطوة مهمة جداً ولذلك فإنني أعتقد أنه ينبغي الانتظار إلى أن أصل بالفعل” إلى العراق، ويتنكر فايث فيما بعد من مسؤوليته عن قرار التخلص تماماً من عناصر حزب البعث أو حل الجيش العراقي قائلاً إن بريمر كان يلح على ضرورة اصدار مثل هذا القرار. وفي يوم 11 مايو من عام 2003 توجه جارنر إلى قطر لمقابلة بريمر في مقر القيادة الوسطى الأمريكية هناك، وتصافح الرجلان على نحو قصير وبعد أن تلقى المبعوث الجديد تقريراً عسكرياً عن الأوضاع في العراق سلم جارنر إلى غريمه بريمر نسخة من القائمة التي كان قد أعدها عن الأهداف العشرة التي ينبغي تحقيقها قبل حلول أول يوليو/ تموز من ذلك العام، ورد بريمر باقتضاب “أوكي.. شكراً” ومن ناحية أخرى يروي المؤلف أن الجنرال مايرز رئيس الأركان الذي كان على وشك الاستقالة اعترض في حديث له مع جارنر في قطر على تخويل بريمر كل هذه الصلاحيات لوحده وقال مايرز ان هذا تم على نحو مفاجئ جدا. ويلاحظ المؤلف ان مايرز كان في حالة احباط وخيبة امل، ولذلك فإنه علق على الاوضاع قائلا: “ان رامسفيلد لا يصغي الى ما يقدم له من نصائح”. وفي مساء اليوم نفسه سافر بريمر مع جارنر الى البصرة لقضاء يوم واحد فيها قبل توجههما الى بغداد، وخلال حفل عشاء حضره 30 من كبار ضباط القيادة الامريكية تحدث بريمر قائلا “ان التغطية الصحافية لأعمال السلب والنهب وعدم تدخلنا لوقفها تجعلنا نبدو عاجزين”. وقال انه “ينبغي اطلاق الرصاص على هؤلاء اللصوص كما فعلت القوات الامريكية لدى احتلالها لهايتي في عام 1994”. ولكن القيادة العسكرية الامريكية لم تقم بتغيير سياستها ولم يحدث اي نوع من اطلاق النار ضد المسؤولين عن اعمال السلب. قراران خطيران وفي الساعة السابعة صباحا من يوم 14 مايو/ ايار، وهو اليوم الاول بالكامل لبريمر في بغداد، عرض احد مساعدي جارنر عليه ورقة وسأله هل “اطلعت على هذا الكلام” ورد جارنر قائلا: “انني لا اعرف بحق الشيطان ما تحتوي عليه هذه المذكرة”. ورد المساعد قائلا: “انها سياسة اجتثاث البعث”. وبعد ان امعن الجنرال القديم في المذكرة انفجر غاضبا “ليس بوسعنا ان نقوم بذلك” كان قد أبلغ رامسفيلد منذ وقت طويل الخطة “ينبغي ان تكون التخلص برفق من عناصر كبيرة في حزب البعث اي الاشخاص الرئيسيين والمسؤولين الكبار منهم في الوزارات”. وعلق جارنر من جديد على قرار بريمر قائلا “ان هذا الاقتراح عميق جدا” وهنا تدخل احد مساعديه قائلا “وهذا هو بالتحديد السبب الذي يمكن من خلاله العودة الى امريكا”. وتوجه جارنر مع مدير محطة وكالة المخابرات المركزية في بغداد الى مكتب بريمر للاحتجاج على قراره المتشدد. وحاول الرجلان اقناع المبعوث الرئاسي بتخفيف قراره. وقالا انهما سيلجآن الى رامسفيلد لإقناعه بهذا الامر. وجاء رد بريم قاطعا “لا على الاطلاق.. ان هذه هي تعليماتي وانني اعتزم تنفيذها”. ورد الجنرال المتقاعد قائلا “يا للجحيم.. انك لن تتمكن من ادارة اي شيء اذا ما مضيت في الامور على هذا النحو العميق”. وبالفعل تحققت تحذيرات جارنر حيث كان هذا القرار من بين الاسباب التي ادت الى زيادة تدهور الاوضاع الامنية وزيادة التمرد ضد القوات الامريكية. ولم يتوقف جارنر عن جهوده لتعديل هذه الخطوة الجذرية. واتصل هاتفيا بالفعل برامسفيلد من اجل محاولة اقناعه بإعادة النظر في هذا القرار وضرورة تخفيف لهجته ومضمونه. وجاء رد رامسفيلد مثيرا للحيرة حيث قال “ان هذا القرار لم يصدر من هذا المبنى.. انه قد اتخذ في مكان آخر”. وافترض جارنر ان رامسفيلد كان يقصد بذلك البيت الابيض او مجلس الامن القومي او ديك تشيني نائب الرئيس. إلا ان شخصيات اخرى رفيعة المستوى اكدت لجارنر ان هذا القرار كان من “بنات افكار البنتاجون بالكامل”، كما يؤكد وودوارد. وكان رد رامسفيلد الذي ينفي ذلك مجرد محاولة لإنهاء الحديث. وتتوالى الكوارث، ففي اليوم التالي 15 مايو/ ايار اطلع جارنر على قرار آخر يحمل رقم اثنين وهو يقضي بحل وزارتي الدفاع والداخلية وتسريح الجيش العراقي بالكامل وكل حرس صدام حسين والمنظمات العسكرية الخاصة. وشعر جارنر كما يوضح لنا الكتاب بالصدمة لأنه كان يرى ان هذا القرار يتسم بالغباء ولكنه على نحو أسوأ يعتبر كارثة. وكان جارنر قد ابلغ الرئيس وكل اعضاء مجلس الامن القومي بصراحة قبل مدة انه سيعتزم الاستفادة من الجيش العراقي، على الاقل من عدد يتراوح ما بين 200 الف الى 300 الف من جنوده لكي يصبحوا “العمود الفقري” لفرق عسكرية تقوم بإعادة البناء وتوفير الامن. وفي الوقت نفسه كان مساعدو جارنر قد عقدوا اجتماعات سرية مع كبار الجنرالات في الجيش العراقي، الذين قدموا لهم قائمة تضم 137 الف جندي يريدون الانضمام من جديد الى وحداتهم العسكرية القديمة، او بوحدات جديدة إذا ما تلقى كل واحد منهم مبلغا طارئا قيمته 20 دولارا فقط. وكانت وكالة المخابرات المركزية قد اعدت ايضا من جانبها قوائم في هذا الشأن. وكانت قد عقدت ايضا اجتماعات مع جنرالات في الجيش العراقي من اجل اعادة تنظيم الجيش العراقي. وكان افراد الجيش العراقي القديم يبذلون محاولات عدة من اجل العودة الى وحداتهم في اقرب وقت ممكن. ودخل جارنر في مواجهة ثانية مع بريمر، موضحا له ان الخطط كانت قد وضعت من اجل اعادة رجال القوات المسلحة العراقية الى الخدمة، ومحذرا من ان هذا القرار الجديد “سيقوم بنسف عمل استغرق شهورا”. وجاء رد بريمر مرة اخرى قاطعا وينم عن الغطرسة، قائلا “حسنا لقد تغيرت الخطط واننا نريد الآن جيشا جديدا ولا ينتمي الى بقايا الجيش السابق”. ووجه جارنر النصيحة الى الحاكم الجديد “ليس بوسعك ان تتخلص من الجيش في يوم واحد. لقد استغرق الامر اعواما طويلة لبنائه”. وعاود جارنر الاعتراض قائلا “وكذلك ليس بوسعك ان تتخلص من وزارة الداخلية”. ورد بريمر قائلا “ولماذا؟”. ويوضح لنا هذا الجدل مدى عناد بريمر وقلة خبرته وكذلك الاجواء المشحونة داخل القيادات الجديدة التي كانت تدير دفة الامور في العراق بعد الحرب مباشرة. ويؤكد المؤلف ان كل جندي وضابط من الذين شكلوا الجيش العراقي الجديد جاؤوا بالفعل من الجيش العراقي الجديد. وقد كان جارنر صريحا جدا في حديثه مع الجنرال جون ابي زيد في بغداد بعد قرارات بريمر حيث حذر من ان “الامور ستصبح قبيحة إذا ما نفذنا هذه القرارات” وقال: “ان الامر سيستغرق عشرة اعوام قبل ان يتم تحقيق الاستقرار في العراق. وانك ستظل ترسل لمدة الاعوام الثلاث المقبلة جثث الجنود الامريكيين في حقائب من البلاستيك المقوى” ولم يعلن ابي زيد اعتراضه على تحذيراته جارنر كما يروي المؤلف، واعاد جارنر تهديده بالعودة الى امريكا. وقد اصبح واضحا من تصرفات بريمر انه يريد ان يثبت للجميع في العراق انه هو المسؤول الآن وليس جارنر. ولذلك اعلن انه قرر تكريس الجهود لمكافحة الارهاب. واشار في نبرة ثقة مبالغ بها في نفسه انه يرى ان العراقيين “سطحيين”. واكد انه يتولى المسؤولية وحده. وفي يوم 16 مايو/ ايار توجهت المجموعة المؤقتة التي يترأسها جارنر عائدة الى امريكا. واحبط بريمر ايضا محاولة جارنر تشكيل مجموعة تضم القادة العراقيين الذين سيوضحون للشعب العراقي انهم هم وجه الحكومة وليس الاحتلال الامريكي، كما كان الجنرال القديم قد لاحظ من قبل. ويوضح وودوارد ان الامر الخطير هو ان بريمر لم يقم فعلا باستشارة البيت الابيض او كوندوليزا رايس في مسألة القرارات المأساوية التي اتخذها. ويؤكد المؤلف ان “صانعي السياسات لم يطلعوا مطلقا على مسودات هذه القرارات قبل اتخاذها. ولم تتح لهم الفرصة لكي يقولوا ما اذا كانوا يعتقدون انها تمثل افكارا جيدة ام لا، وكذلك لم يتسن لهم ان يقولوا انها تمثل خروجا جذريا على الخطط التي كانت قد وضعت من قبل والتي اطلع عليها الرئيس”. وكانت الشكوى المريرة من جديد من جانب المسؤولين في الادارة تنحصر في رامسفيلد. والاكثر غرابة ان المؤلف يكشف النقاب عن ان الجنرال مايرز الذي كان يعتبر المسؤول الاول العسكري الذي يقدم المشورة للرئيس وكذلك مجلس الامن القومي لم يتم أخذ رأيهما حول حل الجيش العراقي. وتم تقديم هذه القرارات من جانب بريمر على “انها بمثابة أمر واقع”. وكان بريمر يقول لكل من يحاول ان يعترض على سياساته “انني الآن الحكومة العراقية”. وبدأ المحيطون به يهمسون ان المشاكل متوفرة في كل مكان، وخاصة مع استمرار انقطاع المرافق الاساسية التي تؤثر في الحياة اليومية للشعب العراقي. وكانت الامور اسوأ بكثير بالنسبة لشبكة المجاري (الصرف الصحي) في بغداد. واخذ جارنر يحدث نفسه قائلا “ان الولايات المتحدة قد تمكنت من الحصول على عداوة 350 الف شخص على الاقل في العراق، وهم 50 الف من رجال البعث و300 الف قد اصبحوا عاطلين رسميا عن العمل في الجيش”. وخلال مواجهة اخرى بين بريمر وجارنر قبل رحيله اصر المبعوث الرئاسي على ان الجنرال القديم ليس بوسعه العودة الى امريكا. ولكن جارنر كان صريحا فقال له “ليس بمقدوري العمل معك وانني سأرحل بالفعل. وانني لم أقابل شخصا مثلك كان قد اتخذ قرارات من هذا النوع خلال ثلاثة ايام فقط”. وبدأ الجنرال المتقاعد يستخدم عبارات نابية، بيما احتد على بريمر الذي قال له “انظر هنا اننا لا نتفق على شيء واحد ولكننا نتفق في الهدف”. وفي حدة بالغة رد جارنر قائلا “انني لا ارى ذلك”. ويعترف بريمر فميا بعد بأنه كان قد اصبح غاضبا ويحتد على الاشخاص الآخرين. وكان ينظر الى من حوله على انهم من رجال جارنر الذي يتهمه الآن بأنه يقوم بتسريب تفاصيل مثيرة الى وسائل الاعلام. ويقول بعض المحيطين ببريمر انه “ارتكب اخطاء كلاسيكية في القيادة لأنه لم يعرف كيف يستغل الطاقات والمواهب المتوفرة لديه”. وكان جارنر قد اثار حفيظة البيت الابيض بمظهره العفوي غير الرسمي واصراره على عدم ارتداء الجاكيت او رباط العنق، على عكس بريمر الدبلوماسي الانيق الذي كان يرتدي كل يوم بدلة جديدة وقميصا ابيض جديدا. وكان المساعدون لبريمر من الشبان الذين اطلق اعوان جارنر عليهم اسم “لواء اطفال المحافظين الجدد” ولكن برغم هذه العقبات الهائلة فقد كان بريمر واثقا من انه سيحقق النجاح. إلا ان الوقائع والاحداث التالية أثبتت خطأ تقديره وأكدت “حالة الانكار” لديه ولدى بقية اركان ادارة بوش بالنسبة لما جرى في العراق. |
تمت