
نبدأ على بركة الله : كل عام وأنتم جميعاً بخير ، يا من فعلتم الخير ، ويا من تستحقّونه وتسعون في سبيله ...
رحل شهر الصيام ، وبعد عام لنا لقاء به ، فالفقراء إلى الله يحبونه ، ويكرّمونه ، لا بالموائد العامرة بكّل ما لّذ وطاب ، ولكن بتلاوة القرآن ، وصلاة التراويح التي تروّح عن النفس المهمومة المثقلة بتكاليف الحياة ، وقيام الليل سنّة رسوله الكريم ...
لست واعظاً لأعظ ، ولكنني مؤمن يحترم المؤمنين ، وبخّاصة من يقرنون العبادة بحّب الوطن وتكريم الإنسان ، ويحقدون على من يغزوهم في عقر دارهم ، وينهب ممتلكاتهم ، ويعيث فساداً في ديارهم ، ويقلب هناءة حياتهم فيجعلها جحيماً ، ويذّلهم بقوته الغاشمة وهذا ما يدفع كرام النفس ألمؤمنين بحّق الإنسان في العيش الكريم على ثرى وطنه إلى التصدّي له ومنازلته مهما بلغت قوّته ، ولسان حالهم يقول : متى ولدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟! صدق سيدنا عمر بن الخطّاب العادل الديمقراطي الحازم الصلب ، والذي ولد قبل قرون من ظهور أمريكا وجورج بوش ، وترك فينا مبادئ وقيماً لم يسمع بها البابا الألماني بنديكت ، ولا بدخول هذ الخليفة مدينة ( القدس ) مدينة ماشياً على قدميه بينما ( خادمه ) يمتطي الجمل الذي استعان به الخليفة لبلوغ القدس وتسلّم مفاتيحها ، ومنحها الأمان ، بكنائسهاومواطنيها المقيمين فيها منذ زمن الملك اليبوسي الكنعاني ( مليكي صادق) ، والذي دخلها بلا جيش ، وبلا حرّاس أشداء ...
رمضان شهر الطبيخ والمآدب عند المنعمين المتخمين ، وشهر الكفاف و(الروح) عند ملايين المسلمين ، ولا سيّما الفلسطينيين ، وبخّاصة في هذا العام ، عام الرمادة ، وفي عام الرمادة ، أي المجاعة ، عفا الخليفة العادل عمر عن السارقين ، فلم تقطع يد امتدت لتأخذ زاداً يقيت أود أفراد الأسرة ويحميهم من غائلة الجوع .
في فلسطين جوع ، ولكن مّمن يسرق الفلسطينيون في عام الرمادة ، فالحال غالباً واحد ، والجوع واحد ، والاحتلال واحد ، والحصار واحد ، ولكن وجهة النظر ليست واحدة ، فثمّة فاسدون لن يألوا جهداً في دفع الجائعين إلى الانتحار ، والمهم أن يراكموا هم وأولادهم وأتباعهم مال السحت الذي سرقوه من أفواه الفلسطينيين ودمهم .
في بلادنا أيّام زمان كان الفقراء يصفون عيد الأضحى بأنه عيد ( اللحم) ، ففيه يضحّي القادرون ، ويشتري ضيّقو الحال شيئاً من اللحم ، أمّا عيد رمضان فلا لحم فيه .
كان هذا في زمن الانتداب الإنكليزي الذي أرهق فلاّحي فلسطين بالضرائب ، والحبوس ، وتدمير الزراعة ، ومصادرة الأراضي لبناء معسكرات لجيوش الاحتلال.
الآن في فلسطين لا لحم ولا طبيخ ، اللهم سوى لحم الفلسطينيين أنفسهم الذين يعيشون ( على لحم بطونهم ) بفضل حصار أمريكي صهيوني عربي رسمي فلسطيني سلطوي ...
الهدف دفع الفلسطينيين لتلحيم بعضهم ، وتدمية بعضهم ، ودفن قضيتهم ..اللهم ارحمنا من السفهاء والضّالين ، والطامحين الرعناء ، والساقطين الذين خبرناهم في معارك هربوا منها _ معركة لبنان عام 82 تحديداً _ فتمّت ترقيتهم ومنصبتهم وتثريتهم بعد أن ( عادوا ) إلى وطن عادوا عليه بالمصائب ، وبحكم العادة ما عادوا يحتملون فقدان سلطة البقرة الحلوب .
كالعادة نقرأ نصائح في الصحف العربيّة موجّهة إلى الصائمين ، بضرورة أن يترفّقوا بمعدهم بعد انقضاء شهر الصيام ، فيبتعدوا عن صنوف الطعام الدسم حتّى لا يتلبّك جهازهم الهضمي .
في فلسطين لا ضرورة لتوجيه النصائح الطبيّة ، فالمتخمون لا يصومون ، ليس لأنهم علمانيون ولكن لأنهم حراميّة وزنادقة ، نعرفهم من مسيرة حياتهم غير المشرّفة ...
شعبنا أرهق سمعه من موسيقى التصريحات النشاز على الفضائيات ، وملّ من رؤية وجوه المصرحاتيّة الذين لا شغل لهم سوى التحريض ، والإلحاح على العودة إلى ما خبره شعبنا من خسارات ومصائب ...
لقد ( طبختم) رؤوسنا بدلاً من أن تطبخوا في طناجرنا ، طناجرنا الأكثر وطنيّةً من بعضكم ، طناجرنا التي فكّت الحصار عن الرئيس عرفات عندما دهمت الجرّافات المقاطعة ، فأبهرت العالم ، وها هي ذي اليوم فارغة حزينة ، لا إدام فيها ولا تقليّةً ولا أرّز ولا لحم ولا خضار ، بل حصى في زمن طبخة سلامكم العجيب ...
إنها طناجر لا تنتظر منكم أن تكونوا كسيّدنا عمر الذي سمع شكوى المرأة الفقيرة التي كانت تطبخ الحصى لأطفالها ، فحمل على ظهره الطحين والإدام ، ثمّ ساعد المرأة في إعداد الطعام ، ولم يغادر بيتها حتى اطمأنّ على إشباع البطون الجائعة ..أأنتم ديمقراطيون حقّاً ، وقلبكم على شعبكم المجوّع ؟! فمن أين لكم القصور والفلل والممتلكات التي تترفهون بها في الوطن وفي العواصم العربيّة ؟ أأنتم علمانيون وتقدميون ؟! فلماذا تفوح روائح الطبيخ في بيوتكم ، ويفيض الطعام فتدلقونه في أكياس المهملات ؟ أهكذا كان جيفارا ، وماوتسي تونغ ، وعبد الناصر ، وعز الدين القسّام ، و..عبد القادر الحسيني ، وفرحان السعدي ، وبطل فياتنام الأسطوري المتواضع هوشي منّه ؟!
من آخر منجزات علماء أمريكيين أنه قد يكون سّر التلذّذ بالطعام في الرأس وليس في المعدة ، وذلك اعتماداً على تجارب فئرانيّة ، بحيث ثبت أن هرمون الشهيّة ( جريلين) يعمل بناءً على مستقبلات اللذة الموجودة في المخ .
ياما سمعنا هذا التعبير : مخّك مليان طبيخ ، وهذا نوع من الهجاء كناية عن أن رأسه خال من التفكير بغير الطبيخ . ألا ينطبق هذا على ( جماعتنا) الذين ليس في رؤوسهم سوى طبخة العودة لتسلّم سلطة ، طبق سلطة أحسن وأنفع منها ، أو التشبّث بوهم السلطة ، رئاسة وحكومة ؟ !
في العراق الطبخة الأمريكيّة البوشيّة أفسدها أبطال المقاومة ، وفي فلسطين يراد دفن المقاومة وشعبها العريق ..فالحذر يا شعب فلسطين ، أخرج بالطناجر إلى الشوارع واطرد المغامرين والمقامرين ورافعي البنادق على بعضهم ،فليس فدائيّاً ولا مقاوماً من يرفع بندقيته في وجه أخيه ، وليسأل كل واحد نفسه : من الذين يرسلون المسلحين إلى الشوارع ليقتتلوا ، ويخطفوا ، ويحرقوا ، ويغتالوا ؟ وهل يرسل أولئك السفلة أبناءهم مقامرين بهم ، أم يدخرونهم ليرثوا القصور والأموال والمطابخ المتخمة بطناجر ما لذّ وطاب ؟!...
اقرعوا طناجركم واطردوا الجهلة المضللين جميعاً من الشوارع ، فبهذا ستشيط الطبخة في رؤوس محرّكي الفتنة الفيّاضة بالتصريحات التافهة ، والمواقف المحبطة ، رؤوس الوجاهات التي مللنا تناسلها وتكررها بطبعات رديئة منفّرة .
يوم عيد الفطر عيّد علينا أولمرت ، بعد أن بعث بتهنئة لرئيس السلطة أبومازن ، فذبح وجرح العشرات في بيت حانون ...
طناجرنا فارغة ، ولحمنا ودمنا في الشوارع ..وأنتم معنيون فقط بالاعتراف ب( إسرائيل) ، لا بحكومة وحدة وطنيّة _ المقاومة غير واردة _ ماذا أنتم ؟!
* القدس العربي ، الأربعاء ، 25 تشرين أوّل 2006