مثقفون ورأي عام ضد المحاور

alsharq.

 خالد الحروب

 

الشرق الأوسط منقسم الآن، من ناحية تحالفية وسياسية وعملية، الى محورين: محور يُطلق عليه وصف "الاعتدال" وأهم من يضم مصر، والسعودية، والأردن، والرئاسة الفلسطينية بسيطرة حركة فتح، ونصف لبنان (قوى 14 آذار) ويُضاف اليهم العراق ودول الخليج وتركيا إلى حد ما. ومحور يطلق عليه وصف "التشدد" وأهم من يضم إيران، وسوريا، والنصف الثاني للبنان (حزب الله ومؤيديه)، والحكومة الفلسطينية بسيطرة حركة حماس. هذا الانقسام يشتد حدة يوما بعد يوم خاصة مع الضغط والتدخل الأمريكي-الاسرائيلي دعماً وتأييداً للمحور الأول، وتبني سياسة جمع العرب واسرائيل في جبهة لمواجهة جبهة إيران وما يُسمى الخطر الشيعي الاقليمي. القضية الفلسطينية تقع في قلب التصارع بين المحورين، وهي ما زالت كما كانت دوما القميص العثماني الذي ينشره أي طرف اقليمي فوق رأسه أثناء الجري وراء مصالحه القطرية الخاصة. ورغم جلاء درس القميص العثماني هذا فان أقل الناس، فيما يبدو، رغبة في حفظة والانتباه اليه هم الفلسطينيون، اذ يلحقون كل من يرفعه، حقيقة في أقل الأحايين، وتظاهرا في أكثرها - لكن ليس هذا بيت قصيد هذه المقالة.

العوامل التي سهلت بروز "محور التشدد" تتعدد لكن أهمها الفشل الأمريكي في العراق وما ترتب عليه من صعود قوة ونفوذ إيران عقب انهيار عدوها الأهم في المنطقة، نظام صدام حسين، وما تلا ذلك من تصعيد لوتائر امتلاك إيران القوة النووية في ضوء التواء الذراع الأمريكية في العراق وشللها عن ضرب إيران في نفس الوقت الذي تحترق فيه في العراق. يُضاف إلى ذلك عامل قوة حزب الله في لبنان ونجاح حماس في الانتخابات الفلسطينية. كل ذلك على خلفية الغباء المستفحل في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتأييدها الأعمى للوحشية الاسرائيلية واستمرار الاحتلال والاذلال اليومي للفلسطينيين. وهو غباء ممزوج بعنف وعنجهية غير مسبوقين مصاغين على ايقاع ترهات وخزعبلات المحافظين الجدد لرسم شرق أوسط كبير أو جديد، بل وعالم وفق رؤية كهنوتية سقيمة.

الانقسام التمحوري الثنائي المذكور، بين معسكر "معتدل" ومعسكر "متشدد" يعيد انتاج المنطقة على الشكل الكلاسيكي الذي شهدته خلال عقود الحرب الباردة، ولكن هذه المرة من دون وجود اتحاد سوفييتي كقوة من خارج الاقليم لها حسابات ومصالح. وهو على كل حال انقسام يذري ما تبقى من مواقف عربية مشتركة ويحمل تهديدات اضافية حقيقية على مصير العلاقات العربية العربية من ناحية، وعلى مصير وشكل وبوصلة التحالفات العربية - غير العربية، والعربية - الدولية من ناحية ثالثة. إلى متى سيدوم هذا التمحور، وكيف سيتطور، وما هي ديناميات وعناصر استمراره هي أمور مهمة تستحق نقاشات أوسع. لكن هم هذه السطور يقع في مكان آخر، وتحديداً في فضاء الانعكاسات على ما هو غير رسمي.

ذاك أن لهذا الانقسام استحقاقات بالغة الخطورة على مستويات شعبية تعمل على فصم الشعوب والرأي العام العربي والنخب الثقافية والفكرية قسرا تبعا للمحور الأول أم الثاني. وهذا الفصم الآخذ بالظهور في أكثر من صيغة وشكل، وخاصة على مستوى الاعلام والتنظير الثقافي والفكري، يقطع ما قد توصيله من أنماط علاقات وتعاون بالكاد أستطاعت أن تتجاوز عقود الحرب الباردة العربية والشكوك المتبادلة التي عمقها تقسيم العرب إلى معسكر "تقدمي ثوري" و"رجعي محافظ" خلال الخمسينات، والستينات والسبعينات. فبعذاك احتاجت النخب العربية (على مستوى غير رسمي) إلى عقدين من الزمن حتى تجسر الفجوة التي خلقها ذلك التقسيم، وتعيد بناء توافقات وعلاقات ولقاءات تتجاوز مربعات التقسيم الرسمي. وعبر جهود لم تكن الا مضنية تم بناء مؤسسات ثقافية وتجمعات فكرية متواضعة وان كانت واعدة، وأنوية ابتدائية "لمجتمع مدني اقليمي" يحاول أن يكون عابرا للحدود ومبنياً على أرضيات مشتركة محددة بقضايا متنوعة، أو هموم مهنية وفكرية متقاربة، أو طموحات وأفكار تحاول التحلل من السياسي والأيديولوجي ومنح الأولوية لما هو عملي ومشترك.

اليوم وعلى ايقاع طبول التمحور الاقليمي المذكور، تنبعث من الرماد أيديولوجيا التقسيم المقيت بين "معتدل" و"متشدد"، تابع لهذا المحور أو ذاك، وتعمل على بناء جدران الفصم الجديد وتصليبها. وعلى جوانب جدران التقسيم، وأحيانا مطحونين تحتها، يجد كثيرون أنفسهم في ورطة تصنيف مسطح يُناظر ذلك الذي "أبدع" نحته جورج بوش: من هو ليس معنا فهو ضدنا. في الوسط بين المحورين المذكورين وتحت دوي تبادل الاتهامات والصراعات بينهما ينحشر كثير من المثقفين والنخب والمهتمين بالشأن العام ومؤسساتهم وجمعياتهم غير الحكومية ومؤسسات كثير منهم ممن هي غير مرتبطة بأجندات رسمية. وتحتار وسائل اعلام صغيرة هنا وهناك، وصحف ومجلات بالكاد تستطيع المحافظة على الصدور في خضم صراع الأفيال الذي تدوس قسوته الجميع، حول الوسائل التي يمكن أن تتبعها للمحافظة على حيادها.

ولأن منطقتنا العربية هي واحدة من أكثر المناطق فشلاً في الوصول إلى بناء مجتمعات وقوى مدنية قوية وغير معتمدة على النظم والحكومات أو الأحزاب المؤدلجة، فان كل "المحايدين" وغير "الملوثين بالتمحور" هم أضعف الحلقات كسراً والأبرز هشاشة والأسهل دوساً. وهم الذين يواجهون الصعوبة الكبرى المتمثلة بالصمود في وجه التمحور، اذ لا يُقبل منهم الموقف البسيط لكن الأكثر صدقا مع العقل والضمير: لسنا مع هذا ولا مع ذاك، ولا يعني هذا اننا ضد هذا أو ذاك.

يزداد ضعف هؤلاء "غير المتمحورين" أكثر وأكثر وهم يرون جحافل من أنصاف المثقفين والمفكرين ومهرجي الفضائيات لا ترمش لهم عين وهم ينساقون وراء هذا المحور أو ذاك، من دون أية حسابات حتى لخطوط رجعة. وكأن المنطقة والثقافة السياسية التي سادت أطوارا طويلة في الماضي القريب ليست طازجة، وليست طافحة بالدروس المريرة.

كيف يمكن للمثقفين العرب أن يفلتوا بشعار وموقف بسيط وصغير يقول: لا للمحاور، ليس فقط لأنها تزيد من دمار المنطقة، بل ولأنها لا تساعد الا على تكريس عقلية القطيع والتبعية من دون مساءلة ونقد. كيف يمكن أن نصوغ ثقافة تتحمل أن ينتقد مثقف أو كاتب ما سياسة وموقف هذه الدولة أو تلك، أيا ما كانت، تابعة لهذا المحور أو ذاك، من دون أن يصنف كعدو لها وتابعا لدولة أخرى من دول "المحور المعادي"؟ ما نراه للآن هو انتهاج الطريقة الأكثر أمنا، لكن الأقل انتاجاً. فجل من يكتب ويريد أن يصل بكتابته لأوسع شريحة ممكنة من القراء وعبر الصحف الأكثر نفوذا يتبنى "التعميم ما أمكن، التخصيص ما أندر". وهي وان كانت طريقة آمنة الا أنها مملة وبائدة ولا تنتج فكرا أو سياسة أو نقداً بناءً. هي هروب إلى الأمام.

Email: khaled_hroub@yahoo.com

 

www.safsaf.org