المأساة الانسانية في غزة

 

 

يان ايغلاند ويان الياسون  

 

 

بينما لا تزال أنظار العالم مصوبة نحو لبنان، نجد أنه على مسافة أقل من 200 كيلومتر جنوباً، وبالتحديد في غزة، تدق قنبلة بشرية موقوتة في سبيلها إلى الانفجار. فيتكدس زهاء 1،4 مليون شخص في غزة  أكثر من نصفهم من الأطفال  داخل أحد أكثر مناطق العالم كثافة سكانية، محرومين من حرية الحركة، ومن دون مكان يفرون إليه، أو يختبئون فيه. فمع قطع سبل الاتصال مع العالم الخارجي بصورة تكاد تكون كاملة منذ أواخر يونيو/ حزيران الماضي، تتنامى معدلات الفقر، والبطالة، والافتقار إلى الأساسيات، واليأس في غزة. ومن المحزن فإن ما تحتاجه غزة اليوم أكثر من أي شيء آخر هو أكثر ما تفتقر إليه وهو: الأمل.

 

في سبتمبر/ أيلول الماضي، اجتمعت 35 دولة بحضور كل من الأمم المتحدة، ومنظمة الصليب الأحمر، والمنظمات غير الحكومية في استوكهولم للمساعدة على إعادة احياء بصيص من الأمل لسكان غزة. فتعهدت الدول المانحة بتقديم 116 مليون دولار اضافي لتلبية الحاجات الانسانية العاجلة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، تم تخصيص نصفها لنداء الأمم المتحدة بتوفير 384 مليون دولار للحاجات الانسانية في تلك المناطق. وبينما نشيد بالمانحين على هذه الخطوة، فإن سكان غزة بحاجة لما يفوق ذلك بكثير  وفي أقرب فرصة ممكنة. ولا تزال 42% من الاحتياجات الانسانية التي يشملها نداء الأمم المتحدة الانساني غير ممولة على الرغم من ارتفاع الأصوات بالتحذيرات من امكانية تدهور الوضع بشكل سريع دافعاً كثيراً من عائلات غزة إلى حافة الهاوية.

 

منذ بدأت العملية الاسرائيلية المعروفة باسم أمطار الصيف في أواخر يونيو/ حزيران، كرد فعل لاختطاف أحد الجنود الاسرائيليين قتل جندي إسرائيلي. وخلال الفترة ذاتها، قتل 235 فلسطينياً، 46 منهم من الأطفال. إن خسارة أي حياة موجب للاستهجان، ولكن مما لا شك فيه ان رد الفعل، إذا ما قيس بعدد أرواح المدنيين التي زهقت، غير متكافىء، وبالنسبة للفلسطينيين والاسرائيليين على حد سواء، كانت تبعات القتال الذي اندلع هذا الصيف قاتلة بقدر ما هي مدمرة لفرص تحقيق السلام في هذه المنطقة المضطربة.

 

انقطعت غزة عن العالم بانعدام سبل الاتصال مع الخارج جواً وبحراً وبراً. بشكل شبه كامل، ووصلت حركة السلع والأشخاص إلى حالة أشبه بالجمود التام. كما سبب قصف الجيش الاسرائيلي لمحطة انتاج الكهرباء الرئيسية هناك في نقص شديد في امدادات الكهرباء والماء، فأضحت تصل بصورة متقطعة وغير كافية. وتم شل عمل العديد من مرافق البنية التحتية المدنية الأساسية. وتظل غزة اليوم تعتمد على المصادر الخارجية للغذاء والامدادات التجارية. وتتدهور الأوضاع الصحية بسبب قلة امدادات الماء النظيف. ومع استمرار تدهور الاقتصاد الفلسطيني بإمكاننا ان نتوقع ازدياد سوء الأحوال الانسانية هناك.

 

تخيل أنك أب أو أم تعيش في غزة، على رقعة من الأرض لا تتجاوز مساحتها ربع مساحة مدينة لندن وضواحيها (1،620 كيلومتر مربع)، ويبلغ تعداد سكانها نفس تعداد سكان مدينة ليدز (1،49 مليون نسمة)، ولا يمكنك مغادرة تلك المساحة الصغيرة، ولا يمكنك استيراد السلع أو تصديرها.. يعيش أطفالك في خوف دائم من العنف. كما وتزيد ندرة الامدادات الأساسية، خاصة الماء، من احتمال تفشي الأمراض المعدية مثقلة من وطأة الحياة اليومية. وينهمر في كل يوم وابل من القذائف المدفعية، يصل إلى 185 قذيفة، على أراضيك وتعرف أنه حين يحل وقف الثأر، لن تنجو أنت أو أسرتك من تبعاته.

 

اننا نؤمن بأن انتشار العنف في غزة والضفة الغربية ليس في صالح أي من الطرفين، خاصة وانهما تقعان في ملتقى طرق العديد من الحضارات والديانات الكبرى في العالم.

وفي سبيل نزع فتيل القنبلة الموقوتة التي تدق في غزة، نحتاج للعمل على الفور على ثلاث جبهات: الجبهة الانسانية، والاقتصادية، والسياسية.

 

أولا، يتعين على جميع الأطراف حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، فنناشد الحكومة الاسرائيلية بوصفها القوة المحتلة، والسلطة الفلسطينية، وكافة الجماعات المسلحة أن تلتزم بمسؤوليتها التي ينص عليها القانون الدولي.

 

وبالاضافة إلى وقف الأعمال العدائية، لابد أيضا من كفالة حرية التنقل للمدنيين وعاملي المؤسسات الانسانية، فبالنسبة لسكان غزة إن شعورهم بأنهم محاصرون يعيشون في قفص أمر غير قابل للتحمل، ومدعاة لمزيد من اليأس والقنوط. لا بديل الآن عن التنفيذ الكامل لاتفاق 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005 حول ضمان حرية الحركة والتواصل.

 

كما أن حرية التنقل هي أمر أساسي بالنسبة للعاملين في المجالات الانسانية حتى يتمكنوا من الوصول إلى من يحتاج إلى مساعدتهم في كافة أنحاء غزة والضفة الغربية. وينبغي جعل معبر كارني، وهو نقطة العبور الأساسية بين اسرائيل وغزة، منطقة آمنة خالية بعيداً عن الصراع، تكون مفتوحة أمام تدفق السلع الأساسية للشعب الفلسطيني. ومن الممكن تعيين طرف ثالث مستقل لمراقبة هذه المنطقة والتعاطي مع المخاوف الأمنية المشروعة ل إسرائيل. ونظراً لاعتماد غالبية سكان غزة على المعونة الخارجية للبقاء، فإن وصول

المساعدات الانسانية دون معوقات يصبح مسألة حياة أو موت.

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، نناشد السلطات الاسرائيلية ان تفرج عن حوالي 500 مليون دولار من العوائد الضريبية والجمركية الخاصة بالفلسطينيين التي لا تزال تحتجزها. فهناك حاجة ماسة لهذه الأموال لتغطية الحاجات الانسانية والاقتصادية.

 

بيد أن المال وحده ليس الحل، ولا بالطبع المساعدات الانسانية التي تشبه ضمادة الجروح التي تلصق على جرح مفتوح. ففي الخلاصة لا يمكن أن يعود الأمل أو تلتئم جراح هذه المنطقة المضطربة إلا بالعودة لعملية السلام وايجاد حل سياسي دائم يقوم على وجود دولتين.. الحاجة عاجلة.. هذا هو الوقت.. إنها قضية تضامن.. وفيها تحقيق الأمن لنا جميعاً.

 

* يان ايغلاند هو وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية ومنسق عمليات الاغاثة في حالات الطوارىء. ويان الياسون هو وزير خارجية السويد ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية سابقاً (1992  1994)

 

** الخليج

www.safsaf.org