صيف الأحزان

يان ايغلاند  

 

لأولئك الذين يعملون جاهدين لإنقاذ المرضى والمصابين في العالم، فقد كان هذا الصيف من أسوأ ما مر عليهم، أيام كثيرة بدأناها بالاستماع الى زملائنا بالميدان يتصلون بنا لإخبارنا بأن عدداً آخر من العاملين الانسانيين تعرضوا لهجمات خطفوا أو تم قتلهم أثناء تأديتهم لواجبهم. غير ان المأساة لا تقف عند هذا الحد. فكنتيجة لذلك، يمكن لهذه الاعتداءات ان تقطع شريان الحياة والأمل الذي يوفره عمال المعونة العزّل هؤلاء لملايين من الأسر اليائسة المعدمة في دارفور، وسريلانكا، وافغانستان، وغيرها. لا بد من وضع حد لهذه الاعتداءات.

في الشهر الماضي، تم إطلاق النار على 17 من العاملين الانسانيين في منظمة العمل لمواجهة الجوع (Action Against Hunger) فيما يشبه تنفيذ حكم الإعدام، وذلك في بلدة موتور الواقعة في شمال شرقي سريلانكا. وننتظر الآن نتائج التحريات التي تجريها حكومة سريلانكا بمشاركة من خبراء دوليين حول أعمال القتل هذه ونطالب بمحاكمة المسؤولين عنها. وبالاضافة الى ذلك قتل اثنان من العاملين الانسانيين في سريلانكا في اغسطس/آب: اي 19 حالة قتل في شهر واحد.

في غضون ذلك، رفع مقتل أحد العاملين الانسانيين بلجنة الإنقاذ الدولية في دارفور بالسودان في الاسبوع الاول من سبتمبر/ايلول عدد القتلى من عاملي المعونة منذ توقيع اتفاق السلام في دارفور الى 13- وهو رقم يفوق اجمالي عدد القتلى خلال العامين الماضيين. كذلك تم اختطاف ما يربو على 25 سيارة تخص القائمين على المساعدة الانسانية أو الهجوم عليها خلال الشهرين الماضيين. وبشكل عام، ازدادت حالات العنف التي وقعت في دارفور بنسبة اكثر من مائة بالمائة خلال الشهور السبعة الاولى من عام ،2006 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، الأمر الذي يعرض مستقبل أكبر عمليات الإغاثة في العالم إلى مزيد من المخاطر.

وفي قارة أخرى، وبالتحديد في افغانستان، لقي 27 عاملاً من العاملين في مجال المعونة حتفهم هذا العام، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، فيما قتل 31 خلال العام الماضي. وفي السنغال، قتلت عاملة انسانية في الاسبوع الاول من سبتمبر/أيلول، عندما ارتطمت سيارتها بما يشتبه في كونه لغماً أرضياً، ناهيك عن عشرات من مقدمي المعونة الآخرين ممن تعرضوا للقتل أو الاختطاف أو الهجوم في كل من الصومال، والعراق، والشيشان، وبوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها على مدار السنوات الثلاث الماضية، وتظل الوقائع المأساوية لهذه الجرائم اكثر قسوة. فالاشخاص الذين يسعون لتخفيف وطأة لا إنسانية البشر تجاه بعضهم بعضا هم انفسهم من وقعوا ضحايا نفس تلك اللاإنسانية.

تقع الاعتداءات على العاملين في الشؤون الانسانية على خلفية تردي الاوضاع الأمنية، حصانة مرتكبي تلك الأفعال، وبيئة عمل يزداد تسييسها. وفي كل حالة، كان مقدمو المعونة، العزّل إلا من مبادئهم، يدفعون أرواحهم ثمناً لإعلاء قيم الإنسانية، والحيادية، وعدم الانحياز وهي المكونات الاساسية للعمل الإنساني.

وبموجب اتفاقات جنيف، يتعين حماية كل من المدنيين الواقعين في شباك الصراع المسلح والعاملين على تقديم المعونة والمساعدة لهم من الأذى. وأكد القرار رقم 1502 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ونظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في عام 1998 على ان الهجوم المتعمد على أحد القادمين على تقديم المعونة الانسانية قد يشكل جريمة حرب. فيجب على جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة تحمل مسؤولية إنهاء حصانة المذنبين وتقديم مرتكبي هذه الجرائم الى العدالة.

وعلى الرغم من هذه الاتفاقيات والقرارات، فلا يزال استهداف القائمين على تقديم المعونة الانسانية مستمرا، وغالبا ما يكون الموظفون المحليون بالمنظمات غير الحكومية أكبر ضحايا العنف بلا منازع.

حينما  يتم استهداف موظفين انسانيين أو عمليات إنسانية، فإن وكالات المعونة عادة ما لا تجد امامها خياراً سوى وقف عملياتها أو تقليصها. والنتيجة: احتمال قطع شريان يمد ملايين من الناس بالمعونة، بمعنى ان وفاة شخص واحد قد يؤدي الى وفاة آلاف آخرين لم يعد من الممكن الوصول اليهم وإمدادهم بأساسيات الحياة كالماء والغذاء والدواء. فالهجوم على أحد عمال المعونة يقوض من الحق الأساسي لجميع المدنيين الذين يعيشون في خضم أجواء العنف أو الكوارث في تلقي المساعدة. ولا يمكن تقديم مثل هذه المساعدة ما لم يتوافر لعمال المعونة الوصول الآمن دون عراقيل الى المحتاجين للمساعدة.

والوصول الآمن إلى المحتاجين دون اية عوائق هو أمر اساسي، حيث انه لا يمكننا ان نقوم بالأعمال الإنسانية عن بعد وعبر مسافات طويلة. فمبدأ الانسانية الذي يعد حجر زاوية عملنا يتطلب منا ان نكون بالقرب من المحتاجين، سواء كانوا في قلب الصراعات، كما هي الحال في لبنان أو الصومال، أو داخل الأصداع التي خلفتها كارثة طبيعية ما، مثل الزلزال الذي ضرب جنوب آسيا. وينطوي هذا القرب على مخاطر - بيد ان هذا هو الثمن الذي لا بد ان ندفعه مقابل الوصول لمن هم في اكثر حاجة للمساعدة. واليوم، وفي صراعات كثيرة حول العالم، تتقلص قدرة مقدمي المعونة على مساعدة ملايين المدنيين ممن هم في حاجة ماسة للمساعدة بسبب ما يتعرض له هؤلاء العاملون من خطر الهجمات المسلحة أو بسبب العوائق البيروقراطية التي تفرضها الاطراف المتحاربة.

ففي دارفور، لا تتمتع حالياً بالوصول الكامل سوى لحوالي نصف الاشخاص المحتاجين بسبب اندلاع القتال على نطاق واسع وبسبب الهجمات المنتشرة والمستمرة ضد مقدمي المساعدة الانسانية. أما باقي المدنيين، وعددهم 1،6 مليون مدني، فإما اننا لا نستطيع الوصول اليهم على الإطلاق، أو اننا نصل اليهم معرضين سلامتنا الشخصية لخطر بالغ.

ما الذي يمكننا القيام به لحماية زملائنا، خاصة الموظفين المحليين والوطنيين، بحيث يمكننا المضي قدما في توفير المساعدة التي يمكننا بها إنقاذ حياة الملايين حول العالم؟

لا بد لنا بالبدء بمفهوم الانسانية الذي ينبع من المبدأ المطلق بأنه من حق المدنيين الذين يعانون الويلات الحصول على مساعدة غير منحازة. اننا بحاجة الى مفهوم للانسانية يشمل جميع الجنسيات والثقافات والعقائد، يضرب جذوره في التعاليم الاخلاقي التي تنادي بها جميع الديانات الكبرى. إننا بحاجة إلى إنسانية تكون محايدة وغير منحازة - بالاسم، والفعل، والإدراك.

وتحتاج المجتمعات المحلية الى معرفة ان العمال الإنسانيين موجودون من اجل هدف واحد فقط، هو تخفيف المعاناة الانسانية عن طريق العطف وتقديم المساعدة الهادفة لإنقاذ حياة الناس، على اساس الحاجة والحاجة فقط.

لا يتمتع مقدمو المعونة بأية ضمانات بسلامتهم. فالأمن الوحيد الذي نأمل في ان نناله لا يأتي من ضباط الأمن المسلحين، أو عن طريق الانسحاب من أماكن المعاناة. فلا بد ان يبنى الأمن على المدى الطويل من الاساس الى القمة. ولا بد لنا من الاستمرار في بناء الثقة مع المجتمعات المحلية من خلال تعريفهم بالقول والفعل بأن مفهوم الإنسانية ينفصل تماماً عن البرامج السياسية أو العسكرية.

يحتاج بناء الثقة الى وقت، وتواضع وتعاطف. إلا انه في غياب قبول المجتمعات المحلية للقائمين على الشؤون الانسانية، سيزداد استضعاف هؤلاء، وسيخلو ما يؤدوه من عمل من التضامن الأخلاقي الأساسي مع المحتاجين.

وباعتبارنا مقدمين للمساعدة الإنسانية، فإن ولاءنا لا يكون لأمة، أو ديانة، أو عقيدة، أو عرق ما، ولكن فقط لمبدأ الإنسانية. وفي صيف الأحزان هذا، نحتاج إلى مفهوم للإنسانية تتشارك فيه الإنسانية جمعاء وتستفيد منه الإنسانية جمعاء.

* وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق عمليات الإغاثة في حالات الطوارئ.

www.safsaf.org