|
||
|
||
لم أصدق ان اتصال <النقيب> ايلي بوري بي من كندا قبل أيام سيكون الاتصال الأخير...
فلقد كانت نبرته قوية كالعادة، وشوقه الى بيروت أقوى، وحديثه عن عملية جراحية جديدة تنتظره قبل ان يتعافى ليعود الى <معقله> في رأس بيروت كان يشبه حديثاً عن واحدة من رحلات هذا <العكاوي> الاصيل الذي حمل معه الى لبنان ذكريات الطفولة والفتوة في حدائق مدينته الاولى، عكا، لتتكامل مع ذكريات الشباب والكهولة في <ملاعب> مدينته الثانية، بيروت.
في ذاك الاتصال لمست في صوته رنين اسى <فهذه هي السنة الثالثة التي يحل بها شهر رمضان الفضيل وأنا خارج بيروت محروماً من مآدب افطاراتها لدى الاصدقاء الكثر>، فإيلي بوري كالكثير من المسيحيين العرب هو مسيحي ديناً الى أعلى حدود الالتزام، ولكنه مسلم ثقافة وحضارة الى اقصى حدود التماهي مع العديد مع ابناء امته، فإذا كان الصوم في رمضان بنظره ركناً من اركان العقيدة لدى المسلم، فهو ايضا شكل من اشكال المشاركة الحضارية والقومية والوجدانية لدى العرب غير المسلمين مع اكثرية الأمة.
وكان <ابو زياد>، وهو القومي العربي حتى الرمق الأخير، يفاخر دوماً أن صحافياً اجنبياً مر عليه في محله في بيروت في اوائل التسعينات مستفتياً رأيه كمسيحي، فلسطيني الاصل، في حركة المقاومة الاسلامية (حماس) فإذ به يجيب على الفور: انني اعتز بحماس ما دامت تقدم الشهداء كل يوم من أجل فلسطين، تماما كاعتزازي بفتح والجبهة الشعبية وكل المنظمات ما دامت تحمل السلاح في وجه الاحتلال.
في بداية معرفتي به في اوائل الثمانينات، كنت اتساءل كيف حافظ هذا <الجوهرجي> الذائع الصيت على هذا الكم الكبير من الحماسة القومية البالغة التي بقيت تشع فيه طاقات وقدرات رغم السن المتقدم، فاكتشفت بسرعة ان السبب الحقيقي هو <فلسطين> التي تتلخص في قضيتها كل قضايا الأمة، والتي ما زالت تجذب اليها ابناءها، البعيد منهم والقريب، الغني منهم والفقير، الشيوخ منهم والشباب، والجيل اثر الجيل، في واحدة من اعظم الملاحم الكونية وأعدلها وأجملها وأطولها.
في المرحلة التي تعرفت فيها الى ابي زياد، كانت بيروت تحترق بكل انواع الفتن، وتضطرب بكل اشكال الحروب والغزوات، ومع ذلك اصر <النقيب> ايلي (ولم يكن قد انتخب نقيبا للصاغة بعد) على البقاء في عاصمة الكرامة والمقاومة، رغم <قلة الزبائن> و<كثرة القذائف> مشددا على انه لن <يهجّر> مرة ثانية بعد هجرته من فلسطين.
في ذلك المحل الذي بات احد معالم شارع الحمراء في بيروت، وقد تحول بفضل ابي زياد وشقيقه المرحوم متى (احد مؤلفي كتاب توثيقي عن عكا مع الدكتور يوسف شبل) الى منتدى للسياسيين والمثقفين والمسكونين بالهم العام، كان ابو زياد يصطحب زواره الى مكانه المفضل في الطابق السفلي من المحل (تحت الأرض) حيث كان يحرص على اضفاء هالة من <السرية> على لقاءاته، وهي <سرية> تذكره بأيام انتسابه الى <حركة القوميين العرب> التي كانت تشدد على الانضباط الشديد والسرية العالية لكي تتكافأ آلياتها مع المهمات الجليلة التي تنتظرها، والمخاطر الجسيمة التي تتوقعها.
في تلك الجلسات <المهيبة> مع ابي زياد كان يتداخل الماضي بكل ذكرياته مع الحاضر بكل تحدياته، مع المستقبل بكل احتمالاته، <فالهزيمة كما كان ابو زياد يردد دائما هي مشروع انتصار إذا عرفنا كيف نستفيد منها> مستعيرا بذلك قولا لأستاذه وصديقه، الحاضر دوما في كل احاديثه، الدكتور جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب وأحد انصع الوجوه القومية المناضلة في التاريخ الحديث.
اما الانتصار على قلة الانتصارات في عصرنا الحاضر فله عند ابي زياد دوي خاص، فكثيرا ما اتصل بي من بيروت او من كندا، ليعلن لي ولغيري من اصدقائه عن ابتهاجه بعملية فدائية ناجحة في فلسطين او جنوب لبنان او العراق، ولا أنسى اتصالاته خلال العدوان الاخير على لبنان حيث كان يتنازعه وبالقوة ذاتها شعوران، اولهما الأسف الكبير لوجوده خارج لبنان، خلال هذه المعركة، وثانيهما الثقة الكبيرة بانتصار المقاومة على العدوان.
في اتصاله الأخير معي، قبل ايام من رحيله المفجع، كان معظم حديثه عن هذا النصر الذي <اربك العدو> والذي قرّبنا من العودة الى عكا، وكل فلسطين، مستغربا كيف ان بعض العرب واللبنانيين لم يفهم تماما عظمة ما جرى.
كان ابو زياد رحمه الله خزان معلومات، ومستودع طرائف، وحافظا للمأثور من الاقوال، يغرف منها في أحاديثه ليجعلها ممتعة، ويستفيد منها في علاقاته لتبدو دائما متجددة.
رغم انه خرج من الجامعة الاميركية في بيروت مباشرة الى العمل في مهنة اشتهرت بها عائلته من ايام عكا، لكن ايام الجامعة لم تخرج منه رغم العقود الطويلة التي مرّت، والتطورات الضخمة التي وقعت، وكيف تخرج منه وقد حمله زملاؤه الطلاب الى رئاسة <العروة الوثقى>، التي خرج من صفوفها العديد من القادة والمسؤولين العرب لسنوات عديدة، بل تلك الجمعية التي <استشهدت> بقرار من ادارة الجامعة الاميركية اثر تظاهرات منددة بحلف بغداد دعت اليها الجمعية في اذار 1954 واستشهد فيها الطالب التقدمي الاشتراكي حسان ابو اسماعيل، وأصيب فيها بإعاقة دائمة مصطفى نصر الله، وطرد بسببها العشرات من طلاب وطالبات بات بعضهم اليوم من مشاهير العرب.
<العروة الوثقى> التي كتب نشيدها الشاعر الكبير سعيد عقل تحولت مع ابي زياد من ذكرى جميلة الى حلم أجمل، حمل روحه الى كل النوادي والمنتديات واللقاءات والمؤتمرات التي جمعتنا به، فقد كانت وهي <الجمعية الوحدوية الجامعة لطلاب من كل ابناء الامة> المقياس الذي به يقيس ابو زياد نجاح كل مؤسسة اخرى.
ابا زياد ستبقى في الذاكرة، كلما مررنا امام المحل الأنيق في شارع الحمراء، وكلما اجتمعنا في النادي الثقافي العربي، وكلما تحاورنا في <دار الندوة>، وكلما استذكرنا رواد العروبة في المنتدى القومي العربي، وكلما استظلتنا مخيمات الشباب القومي العربي، بل كلما فرحنا بنصر للمقاومة، وكلما تألمنا مع صراع دموي بين الرفاق والاخوة، بل سنبقى نذكرك ما دمنا قابضين على جمرة العروبة والوحدة في زمن الانقسام والتفتيت والعصبيات المريضة.
السفير