المقاومة، والاعتراف بشرعية الاحتلال، والثوابت الوطنية

 

د. احمد مجدلاني

 

رام الله

 

المتتبع للخطاب السياسي لحركة حماس من قبل قادتها والناطقين الإعلاميين والرسميين باسمها خاصة بعد تولي الحركة مقاليد السلطة نهاية شهر آذار الماضي نجد أن مفردات سياسية محددة قد استحوذت على هذا الخطاب بحيث انه لا يخلوا بيان أو تصريح رسمي أو غير رسمي بما في ذلك خطب يوم الجمعة للأخ رئيس الوزراء إسماعيل هنية إلا وترددت هذه المفردات تباعا وكأنها لازمة لا بد منها ليس لتوصيف واقع الحال بل لتحويل هذه المفردات لأدوات خطاب سياسي منهجي هدفه الأول والأخير ترسيخ هذه المفاهيم بذهن المواطن الفلسطيني باعتبارها الميزات السياسية التي تميز برنامج الحركة وحكومتها، ودونما ذلك هو تفريط بالحقوق الوطنية وتراجع عنها، بل وأكثر من ذلك فإن هذه التهمة تلصق بكل من له رأي آخر يخرج عن إطار هذه المحددات السياسية.

 

وبالوقوف فعليا أمام مدلولات هذا الخطاب السياسي المختصر العبارات الأنفة الذكر، نجد أن الحركة تصر وبكل عناد على الإكثار عن الحديث عن المقاومة وخاصة بعد تشكيلها للحكومة رغم إن هذه المقاومة قد أصبحت مادة إعلامية وموسمية من حيث الممارسة الفعلية وتقتصر على شكل واحد ووحيد وهو إطلاق القذائف من على بعد بدون أهداف محددة وملموسة أو استراتيجية تذكر قابلة للمراجعة والتقييم إن كانت قد حققت الهدف المنشود منها أم لا.

والإكثار عن الحديث عن المقاومة استهدف ترسيخ صورة نمطية لدى الرأي العام الفلسطيني إلى أن المقاومة هي حق حصري للحركة أو ماركة مسجلة باسمها دون القوى والفصائل الوطنية الأخرى، متجاوزة ليس تاريخ كل طرف من أطرافها بهذا الميدان الذي سبقها فيه لأكثر من ربع قرن قبل اكتشافها له، وحصر فعل المقاومة بشكل وحيد من أشكالها أي العمل العسكري دونما اعتبار لأشكال العمل المقاوم الأخرى، وحتى العمل العسكري جرى اقتصاره على شكل وحيد وهو إطلاق القذائف ودونما تحديد على الجانب الآخر من الخط الأخضر.

 

ويترافق الحديث على الأغلب عند تناول المحددات السياسية للبرنامج الوطني القائم على أساس الإقرار بالشرعيات الثلاث، قرارات المجالس الوطنية المتعاقبة ل.م.ت.ف.، وقرارات القمم العربية، والشرعية الدولية، بان الحركة ترفض الاعتراف بشرعية الاحتلال دونما تحديد على أي المناطق يجري الحديث عنها وهل تحديد دولتين لشعبين والحديث عن دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس هو اعتراف بشرعية الاحتلال لبقية الأراضي التي احتلت عام 1948، أم أين يجري الحديث عن شرعية للاحتلال، وكيف يستوي هذا الحديث عن شرعية الاحتلال والجميع يسمع تصريحات ومواقف معلنة من أيام الشهيد الراحل الشيخ احمد ياسين بقيام دولة فلسطينية بحدود عام 1967، إلى خطاب د. محمود الزهار وزير الخارجية في السلطة الوطنية لكوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة حول دولتين لشعبين، وكذلك تصريحات رئيس الوزراء المتواترة حول سماحة لوزراء حكومته باللقاء مع نظرائهم في الحكومة الإسرائيلية، أو الدولة في الضفة والقطاع مقابل هدنة طويلة الأمد تتراوح مدتها حسب بعض التصريحات من 10-30 سنة.

 

لو دققنا بمجمل هذه المواقف حيال مسالة الاعتراف بشرعية الاحتلال نجد أن قذف الآخرين بهذه التهمة لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال التضليل السياسي الفاضح لكل من يطالبهم بالالتزام ببرنامج م.ت.ف. المستند إلى قرارات الشرعية العربية والدولية، في حين أن الممارسة السياسية والإعلان عنها لا يخرج عن إطار ومحددات هذا البرنامج بما في ذلك حدود الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والتي سميت بأدبيات م.ت.ف بالبرنامج المرحلي. بيد أن التركيز على هذا الجانب وان كان يعكس ما ذهبنا إليه من تضليل إلا انه يعكس أيضا قراءة مرتبكة وغير واضحة ليس فقط لموازين القوى السياسية الدولية والإقليمية بقدر ما يعكس نزعات رغبوية، هذه النزعات تتبدل وتتغير وفق المصالح الآنية وتستجيب لمتطلبات تغيرها وليس عن موقف ثابت ومبدئي منها.

 

أما ما يوصف بالثوابت الوطنية وهو بالمناسبة نتاج لأدبيات منظمة التحرير الفلسطينية، وهو أساس برنامجها الوطني المرحلي والمتمثل بحق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عشية الرابع من حزيران وعاصمتها القدس.

 

هذه هي الثوابت التي تربت عليها أجيال من الشعب الفلسطيني منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو ليس اكتشافا حمساويا جديدا، كما انه كان وما زال محط خلاف وتباين سياسي فعلى مع حركة حماس، إلا إذا كانت هناك أسباب أخرى لعدم انضواء حركة حماس لغاية الآن في اطر ومؤسسات م.ت.ف. هذه هي الثوابت الفلسطينية التي عرفها شعبنا وناضلت حركنه الوطنية تحت راياتها خلال الثلاثين عاما الماضية، وقدمت الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، وتصدت لكل محاولات الاحتواء والوصاية على قرارها الوطني المستقل تحقيقا لهذه الغايات.

 

وما دامت هذه هي الثوابت الوطنية المعروفة والمقرة من الهيئات الرسمية والتمثيلية للشعب الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثين عاما، هل هناك ثوابت وطنية فلسطينية غيرها، وغير معروفة وهل لدى حركة حماس ثوابت أخرى محددة غير هذه الثوابت والتي يدأب ناطقيها بالحديث عنها، وإذا كان هناك فعلا غير هذه الثوابت فيا حبذا أن تكون واضحة ومحددة حتى يتم التمييز بينها وبين الثوابت الأخرى، ويكون معلوما للقاصي والداني عن أية ثوابت يتحدثون، بدل كيل التهم المبطنة والمكشوفة للآخرين وكأنهم تنازلوا وفرطوا بهذه الثوابت.

 

إن ما دفعنا إلى التوقف عند محددات الخطاب السياسي لحركة حماس وخاصة بعد تشكيلها لحكومة السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي بالمناسبة هناك إشكاليات كبيرة بالمفهوم السياسي لدى موقف الحركة وبين الأساس السياسي الذي أنشئت هذه السلطة التي تتولى حكومتها. إن ما دفعنا إلى ذلك هو احتدام المعركة السياسية داخل الصف الوطني وان كان ذلك فيه عوامل صحة إلا ما يحمله من عوامل غير صحية هي لغة التخوين والتكفير التي تنطوي عليها لكل من يخالفها الرأي والموقف على ذات المنطلقات التي يجرى تحويرها والتضليل بها.

 

www.safsaf.org