"الدولة" وصالون الشرف!

 

 

بقلم: نديم محسن

 

1

لعلّ الكلمة الأكثر استعمالاً في لبنان هذه الأيّام هي "الدّولة"، فلا يلعلع خطاب أو ردّ أو خطبة أو عظة إلاّ وتكون "الدولة" ضيفة الشرف في صالونه الوثير. فمثلاً لا حصرًا، سجّل مموّل تيّار المستقبل ووارثه النائب سعد الحريريّ في خطاب 17 آب 2006 رقمًا قياسيًّا في ذكرها إذ لفظها أكثر من 20 مرّة، فبَزَّ بحماسته للـ"دولة" هيغلَ شيخ "عقل" الفلاسفة الألمان!

 

وليس الأمر بمستغرَب، فالزمن الداخليّ زمن مماطلة ومناورة، و"الدولة" عبر التاريخ تحتمل الآراء فلسفةًَ وسياسةً. واللبنانيّون الخلاّقون اكتشفوا فيها إضافة إلى المطّاط، قدرتها على احتضان الإيحاءات، حتّى يُخيَّل في بعض الأحيان أنّ الناطق بها يرميها على خصمه الداخليّ معبّأة بما تيسّر من الإدانة والشتيمة واللعنات.

 

غير أن مفهوم "الدولة" يفترض "المجتمع". وبعيدًا عن هل الدولة تصنع المجتمع أم هذا ينتجها، وفي الحالة الأخيرة في هل المجتمع ينتج الدولة كمظهر حقوقيّ - سياسيّ من مظاهر إجتماعيّة الإنسان الطبيعيّة أم أنّ الدولة تقوم بالتعاقد الفرديّ المنفعيّ الضمنيّ بين أفراد المجتمع، فالمهمّ أنّ ثمّة علاقة تفاعليّة بين الدولة والمجتمع تجمعهما في دورة حركيّة متكاملة تُوحِّد بين منطقهما. فمن ناحية، يؤالف الأنساقَ السياسيّة للمجتمع منطقُ المجتمع بقيَمه وطرائق عمله ومثله العليا؛ منطق وإن لم يكن واحدًا أحدًا، فإنّه حتمًا متجانس عضويًّا وغير متناقض بذاته. ومن ناحية ثانية، ترمي المؤسّسات السياسيّة وتنظيمات المجتمع وخاصّة الدولة منطقها ثقافةً على المجتمع وتربية يوميّة دووَعييّة Subliminal لأفراده.

 

2

إذا الدولة على شكل أحزاب لبنانيّة برايات قوميّة، إنّما هي في الواقع مرتع العصبيّات الأنانيّة والعصابات المخابراتيّة ونقائض الشعارات والممارسة وأضداد المبادئ والمُسايَسة!

 

وإذا الدولة على شكل تيّارات لبنانيّة للغد والمستقبل تطرح نفسها حديثةً بمفاهيمها ديمقراطيّةً بتعابيرها وموديرنًا بمقتنياتها، إنّما هي في العمق صورة عن دولة مذهبيّة مموَّهة ورجعيّة تتوارث قياداتها المراكز، وطوعيًّا ينسحق فيها الفرد الباني إمكانيّاته الفكريّة والإختصاصيّة بجدّ وجهد أمام عقليّة التسلّط العائليّ المتخلّف؛ وصورة عن دولةٍ متوحّشة لحفنةِ متموّلين تستوجب مجتمعًا إستهلاكيًَّا مريضًا بالإقتناء والمظاهر، حيث يسوس المال كلّ إمكانيّة ومكانة ويطغى نظام المحاسبة الجاري الديبت والكريدت Debit & Credit على كلّ نظام!

 

وإذا الدولة على صورة التيّارات التي ترفع شعاراتٍ تقدّميّة أو إشتراكيّة، فهي إنّما ماكياج لدولة الإقطاع الطائفيّ والعقائد العنصريّة وللماكيافلّيّة إذ تبيح في لحظة التناقض مع سابقتها في أفقع استعراض لاأخلاقيّ سياسيّ، وأوقحه. والكارثة، أنّ دولة كهذه لا تحتاج إلى مجتمع بل تسعَد بقطعان لا يهينها التعرّج والإلتواء بل تسعد! 

 

وإذا الدولة على نمط الأحزاب التي تبني انطلاقًا من أن البشر فسْطاطَين وحزبَين، واحد إلهيّ وآخر شيطانيّ، فهي إنّما تقدّم استعادة للدّولة الدِّينيّة التي مهما تلطّفت وتأنّقت وصدق قادتها، أثبتت فشلها التاريخيّ في المجتمعات الحضاريّة حيث الفكر والعلم والفنّ أقوى من السيف، فكانت نتيجتان: إمّا تسلّطت الدولة الدِّينيّة بالسّيف إلى حين، وإمّا روَّضت الحضارةُ دولةَ الدّين. وفي الحالتين انهزام للدّولة الدِّينيّة. وللباحثين عن أمثالٍ من التاريخ، التجوال من خلافات الخلفاء في الشرق إلى أوروبا البابويّة وصكوك غفرانها في الغرب؛ ومن الحاضر، التنقّل بين تورا بورا وواشنطن!

 

وإذا الدولة على مثال الأحزاب النابعة من مجازر الإقتتال الأهليّ وميليشياته وأفواجه وقوّاته، القابعة في عِقده ومخاوفه وتعصّباته، فهي إنّما تحاكي بوضوح فئة طائفيّة فحسب، وبذلك، تستثني الجميع من الدولة بمَن فيهم طائفتها بذاتها، لأنّها إذ تستأصل الكلّ تُميت الجزء! وهذه الأحزاب تقدّم صورة عن دولة هي في أفضل الأحوال فدراليّة طوائف متطاعنة.

 

والحال، فإنّ استفاقة القوى اللبنانيّة، على اختلاف مشاربها وشواربها، على "الدولة" وإعلانها مشروعًا داخليًّا للمرحلة المقبلة، أمرٌ مرعب مفزع شَؤوم!

 

 

 

3

لا تتمّ "الدولة" من دون تعريف هويّتها ومبادئها الفلسفيّة وأخلاقها وقدرتها وسلطتها وملْكيّتها ونوع حكمها ومؤسّساتها وروحها ومعاييرها الدستوريّة والإقتصاديّة والسّياديّة إضافة إلى حدودها. ومنذه قائمقاميّتين وثمّ متصرّفيّة ولبنانًا كبيرًا وأخيرًا جمهوريّة لبنانيّة ودولة على ما يُقال، وحتّى اللحظة، لم يستطع لبنان الشعب تعريف وتحديد أيّ ممّا يجب أن يتمّ. حتّى حدوده ما تزال موضع خلاف داخليّ، فهل القرى السبع منه وله أو عليه؟

 

واللبنانيّون المتّفقون ظاهرًا على الديمقراطيّة بعيدون كلّ البعد عنها، إذ وبحسب ماكَيفر: "لا يمكن أن يسود الشعب ما دامت جماهيره أمّيّة ومعدومة ومبعدة عن مراكز القدرة. وما دامت هذه هي حال الجماهير، فإنّ محترفِيّ السياسة يقبضون على ناصية السلطة... ويكسون تسلّطهم بغلاف خادع من الإنتخابات الديمقراطيّة." (روبرت م. ماكيفر، تكوين الدّولة، دار العلم للملايين، ص 238) إلاّ إذا كان اللبنانيّ يخال التحصيل المدرسيّ أو الجامعيّ محوًا للأمّيّة، ونسبة الـ40% من الشعب العالقة فوق خطّ الفقر دليل عافية، وحقّ التصفيق للبَكَوات وأبنائهم وأزلامهم مشاركة في صنع القرار!

 

أمّا إذا ما زال اللبنانيّ فخورًا بأنّه "حربوق"، ويساوي قسرًا ما بين "الحربقة" والذكاء، فـ"لا يكفي أن يكون الشعب على مستوى عالٍ من الذكاء ليصلح للديمقراطيّة، لأنّ الذكاء ليس بديلاً لوعي المنفعة المشتركة. ولا بدّ من هذا الوعي ليسير الشعب في طريق الحكم الديمقراطيّ." (المصدر نفسه)

 

4

إذا جمعنا كلّ ما تُقدِّمه القوى المتحاورة حينًا، المتَسَنْكِفة أحيانًا، المتناهشة دائمًا، نخلص إلى خليط هجين لدولة طائفيّة مذهبيّة أوليغارشيّة إقطاعيّة دينيّة قبائليّة زبائنيّة ظالمة، فيما نحتاج في لبنان إلى دولة مشرقيّةِ الهويّة إجتماعيّةِ الهوى علمانيّة مركزيّة معبّرة عن المصالح العامّة عابرة للفئويّات مُصانة بالكفاءة والأهليّة والإختصاص والمِهْنيّة.

 

برع ساسة لبنان لأجيال وعقود في التحايل على "الدولة" ومفهومها العصريّ. فأنشأوا كلّ شيء إلاّ دولة! ثبّتوا الطائفة باسم الدولة! وجذّروا الإقطاع باسمها. وأبّدوا العائلة. ومجّدوا القبيلة. ورفّعوا الأزلام. ووزّعوا الأوباش. وكنَزوا. وأثْروا. وتكارموا من مال الدولة المنهوب. بل ما بانوا وجوهًا وأسماءً وألقابًا إلاّ من خلف ظلّها المصلوب!

 

فإلى أن يقرّر المواطنون والمواطنات إلغاء هذا الدجل على الذات بدءًا من رفض ذهنيّة الأحزاب والتيّارات التي ينتمون إليها ومنطق سلطتها وفراغ برامجها الإجتماعيّة – الإقتصاديّة، ويتحرّروا من سلطانها أو معاشها أو إرهابها النفسيّ و/أو المادّيّ، إلى أن يقرّروا ويفعلوا، ستبقى "الدولة" ليس فقط قميص عثمان المتحاورين المتراشقين المتوافقين المنافقين، بل وأيضًا جثّته!

في 1 ت1 2006

                                      ______________________

 

نشرَتْها جريدة البلد في 3 ت1 2006

www.safsaf.org