أزهريون حرّروا الموسيقى وجدّدوا الغناء
مع نهاية القرن التاسع عشر ، ومطلع القرن العشرين ، حدثت ( انتفاضة ) غنائيّة عربيّة في مصر .
عربيّة لأنها بحسب الناقد الفنّي عبد النور خليل ، حرّرت الموسيقى العربيّة من هيمنة الموسيقى الفارسيّة ، والغجريّة ، وأسهم فيها الشيوخ : عبده الحامولي ، سلامه حجازي ، السفتي ، المنيلاوي ، سيّد درويش ...
هؤلاء أرسلهم ذووهم ليتعلّموا القراءة في (الكتّاب ) عند ( مشايخ ) لا يجيدون سوى قراءة القرآن ، وتجويده ، ومن يسعفه الحّظ منهم ويفلح في حفظ ما يلقّنه له شيوخ الكتاتيب ، ينتقل إلى القاهرة ، ليتعلّم في ( الأزهر) ويتخرّج شيخاً معمماً ...
الكتب التي تؤرّخ لفّن الغناء العربي والموسيقى العربيّة قليلة ، وجيّدها نادر ، ولكن بعضها يشكّل مراجع ككتابات الياس سحاب ، والدكتورة رتيبة الحفني و..منها كتابات عبد النور خليل ، ولا سيّما كتابه ( المعممون...) الصادر عن منشورات دار الهلال المصريّة .
نادرون من سمعوا باسم مؤلّف أغنية ( زوروني كل سنة مرّة ) ، مع إنه مثري الغناء العربي بأجمل الأغاني ، والأدوار ، والطقاطيق : الشيخ يونس القاضي ...
من كتاب ( المعممون في ساحة الغناء العربي ) عرفت الكثير عن رحلة الغناء العربي ، فكّل هؤلاء الذين ارتقوا بالموسيقى العربيّة ، والذوق الفنّي العربي ، هم معممون ، رجال دين أتقياء لم يروا في الغناء فسقاً وخروجاً على أصول الدين ، وهم عادوا إلى ( المقام ) العربي ، وأصّلوا للموسيقى العربيّة ، واستعادوا ( الموشّح) بمفرداته الراقية ، وموسيقاه الطربيّة .
لم تكن رحلتهم سهلة ، فهم مرّوا في ظروف صعبة ، وأحيانا هجروا بيوت ذويهم وهاموا في ( الشوارع ) إلى أن وجدوا من يؤمّن لهم العمل ولقمة العيش الكريم ، ويفتح أمامهم الأبواب لتعريف الجمهور المتلهّف بهم .
حكاياتهم عجيبة أحياناً ، في العشق ، وفي الحياة وتصاريفها .
خذ مثلاً سيرة الشيخ عبد الحامولي ، الذي وقع في حب سكينة سليم صغرى أربع بنات لأب سوري مهاجر ،حضر بهنّ والدهن إلى مصر ، ولكنه مات وتركهن ليتربين في كنف صديق له ( شيخ) أحسن تربيتهن ، فبرعت منهن سكينة في الغناء حتى ذاع صيتها وحملت اسم ( ألمظ) ...
بدأ نجم الحامولي والمظ في الصعود إبّان حكم الخديو إسماعيل المعجب بالغرب ، ونهضة أوربة ، والمنفتح على الفنون .
كانت ( المظ) تغنّي في ( الحرملك ) ، فيسمعها الرجال من وراء حجاب ، فعشقها الشيخ الحامولي من صوتهاو..تزوجا ، ولشدّة غيرته عليها حرمها من الغناء ، رغم تدخّل الخديو إسماعيل للتاثير عليه والسماح لألمظ بالغناء . ألمظ تخلّت عن الشهرة واستجابت لأوامر ( سيّدها) ورغباته ، وكانت تكتفي بالغناء له وحده ، وسماع ما يلحّن ويغني وتبدي رأيها فيه .
قبل اعتزالها واحتجابها اشتهرت لها أغنية يقول مطلعها :
خبط الهوا عالباب قلت الحلو جالي
انتشرت أغاني الشيخ الحامولي ، وهي عن الحب والهجر والخصام والحنين إلى المحبوب ، والتي غنّاها مجدّداً في موسيقاها وأدائها ، وليس على طريقة الغناء في الحرملك والقصور ...
يكتب عبد النور خليل : يمكن أن يؤرّخ لميلاد الأغنية المصريّة الأصيلة بدءاً من عبد الحامولي ، ومن جاء بعده ، وحاكوه ، وساروا على دربه .
إذا كان الحامولي علامة البداية في الأغنية العربيّة المصريّة ، فإن الشيخ سلامه حجازي يعتبر مؤسس المسرح الغنائي . منحه والده اسم سلامة تيمناً بشيخ طريقة صوفيّة اسمه الشيخ سلامه الراسي . توفي والده وهو في الثالثة من عمره ، فكفله الشيخ سلامه الراسي ، واعتبره إبناً له ، ومنحه رعايته الكاملة . أدخل معهداً دينيّاً في إسكندرية ، ليتعلّم القرآن بالقراءات السبع ، ثمّ أخذ يشارك بطانة الشيخ الراسي في الإنشاد الديني ، ومن بعد خلف شيخه ، ولكنهّ ترك الإنشاد الديني واتجه إلى الغناء مع ( التخت) ليصبح نجماً للغناء في أفراح الأسر الثريّة ، ولينتقل للغناء بين الفصول في الفرق الغنائية المسرحية .
سلامه حجازي هو أب ورائد المسرح الغنائي ، فهو أوّل من وقف على خشبة دار الأوبرا التي كانت وقفاً على الفرق الأجنبيّة في زمن الخديو إسماعيل المتشبّه بتقاليد قصور ملوك أوربة ...
الشيخ سيّد درويش ( فنّان الشعب ) ، هو الذي نزل بالفّن إلى الشارع ، وتفاعل مع البسطاء ، والصنايعية الغلابة ، وبموسيقاه ارتفعت أصوات ملايين المصريين في ثورة ال19 :
بلادي بلادي لك حبّي وفؤادي ...
يكتب عبد النور خليل : كثير من المؤرخين يعتبرون أن ثورة ال19 كان لها زعيمان : سعد زغلول باشا ، وسيّد درويش الذي أجج الغضب ،والشعور بالكرامة ،ونخوة الثار للوطن الجريح ، في نفوس كل المصريين . ( فنّان عضوي جماهيري دون تنظير ) .
حتى يومنا هذا ما زلنا نطرب لموسيقى وألحان سيد درويش ، ترقص قلوباً فرحاً بها ، فهو ابن عصره ، وسابق عصره بتجديده للموسيقى ، وغوصه عمياً في روح الشعب في لحظات توثّب وتحوّل تاريخيّة ...
كان طبيعيّاً أن يفصل الأزهر الشيخ سيّد بتهمة الغناء في الأفراح ، وأن يشترط عليه زوج شقيقته العمل معه في منجرته وإلاّ فالطرد من البيت ، فيستجيب ، ولكنه بعد سنتين يغادر مع فرقة أبناء عطاالله المسرحية إلى بلاد الشام في رحلة امتدت سنتين ، فتّحت وعيه ، وأضافت لخبرته وتجربته ، فعاد أكثر دراية وبراعة .
من تابعوا مسلسل ( أم كلثوم) حفظوا اسم الشيخ أبوالعلا محمّد ، الذي رعا أم كلثوم ولقنها مبادئ الموسيقى الشرقيّة ، وارتقى بذوقها وثقافتها ، ووجهها لغناء القصائد الشعريّة الفصحى التي كان رائد تلحينها ، ومنها ( أراك عصي الدمع ) لأبي فراس الحمداني .
يرى عبد النور خليل أن ( أم كلثوم) هي أعظم إنجاز له ، هي التي ذهلت عن نفسها يوم وفاته ، فسارت في جنازته بين الرجال حافية القدمين !
الشيخ علي إبراهيم القصبجي ، العوّاد الملحّن ، المنشد المتمكّن ، ورث عنه ابنه محمّد عشق الموسيقا ، غضب منه عندما علم بأنه يروغ من الأزهر ليدرس العزف على العود ، فكسر العود ، وحرمه من العزف ، ولكن هيهات !
الشيخ زكريا أحمد ، الذي كان الإبن الوحيد لأب فقد 21 ولداً قبله ماتوا في أسبوعهم الأوّل ، أيضاً أزهري ، طرده الأزهر ، ونبذه والده ، فتحمّل من أجل التلحين والغناء ...
(المعممون) المؤسسون أسهموا في النهضة الفكريّة في زمن الأفغاني ، والكواكبي ، والشيخ علي عبد الرازق ، وأحمد شوقي ، وأججوا الحماسة لنيل الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي ، لم يحرّموا الغناء والمسرح ، غنّوا وأنشدوا للوطن والشعب ، وارتقوا بالذوق الفنّي ، وبشرّوا بحياة حرّة ، جميلة ، كريمة ...
* القدس العربي الأربعاء 11تشرين أوّل 2006
**