إسرائيل الأخرى لسوزان ناتان: إطلالة منصفة على القضية وأحوال الفلسطينيين
مراجعة: رشيد الحجة
 

24/11/2006
 

عن تجربتها الفريدة من نوعها في المجتمع الاسرائيلي دونت السيدة سوزان ناتان سيرتها في واحد من اهم الكتب، صدر مؤخرا باللغة السويدية تحت عنوان اسرائيل الاخري ، بعد ان نشرته في العام الفائت باللغة الانكليزية. تغوص الكاتبة في اعماق الانسان اليهودي الاسرائيلي من جهة والانسان الفلسطيني من جهة اخري. تعتمد فيه الدقة في اصغر التفاصيل، مما يشد القارئ ويخلق عنده، مهما تكن خلفيته المعرفية عن الموضوع، ثقة عالية لما يقرؤه في تلك الاسطر.


يضم الكتاب ما بين دفتيه 290 صفحة تتناول الكاتبة فيها سبعة مواضيع في سبعة ابواب مترابطة موثقة فيها رحلة حياتها كانسانة يهودية هاجر اجدادها من ليتوانيا الي جنوب افريقيا حيث ولدت وترعرت وعايشت نظام الابارتهيد هناك، ومن ثم انتقلت مع والديها الي لندن لتكون فيما بعد عائلة وتنجب بنتا وابنا. وتقول عن احتكاكها بالحركة الصهيونية في شبابها:
(ارض بلا شعب لشعب بلا ارض هو شعار تربيت عليه وقبلته في كل سنوات شبابي الي يوم مجيئي الي اسرائيل. ان المأساة المفزعة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي ان اسرائيل قد نجحت ليس فقط في اقناع اليهود بهذه الخرافة بل معظم العالم).


بعد ان كبر ابناؤها وطلقت زوجها هاجرت سوزان الي فلسطين المحتلة قبل انتفاضة الاقصي لتحقق قناعاتها في ان تصبح اسرائيلية. بدأت سنواتها في تل ابيب الي ان اصيبت بمرض في عينيها لتتلقي العلاج في مشفي عين كارم ولتكتشف هناك انه يوجد في بلدها الجديد اناس غير يهود يطلق عليهم تسمية عرب اسرائيل. وتتساءل بعدها، صفحة59 : (اين كان هؤلاء العرب؟ ولماذا لم يكونوا مرئيين لدي طوال السنتين من وجودي في اسرائيل سوي اثناء اقامتي القصيرة في المشفي؟). جمعت بعدها المعلومات والاحصاءات وقررت التعرف بنفسها علي هؤلاء العرب وانتقلت كليا لتعيش بينهم في قرية تمرة في الجليل الغربي...... (لقد فهمت بان امتيازاتي التي احوز عليها كيهودية مهاجرة مبنية كليا علي حساب شعب آخر. ص61.)

.
تكتشف سوزان ناتان بان قرية تمرة، التي لم تدمر كباقي القري الفلسطينية التي زاد عددها عن 400، تضم لاجئين فلسطينيين هاجروا من قري فلسطينية مجاورة مثل عين حوض وبلد الشيخ ودامون منذ عام 1948، وانهم لاجئون ضمن وطنهم ولا يحق لهم العودة الي قراهم التي لا تبعد سوي بضعة كيلومترات عن تمرة علي الرغم من حملهم المواطنية الاسرائيلية. والاكثر من ذلك ان اسرائيل لا تزال تحاول مصادرة ما تبقي من اراضي تمرة وغيرها وان هناك قري فلسطينية تعتبرها اسرائيل غير قانونية علي الرغم من وجودها قبل قيام الدولة اليهودية. وتذكر الكاتبة ان الحكومة الصهيونية تسيطر حاليا علي 93% من الاراضي وان الباقي 7% توزع علي الفلسطينيين، الذين يشكلون اكثر من ربع السكان، وعلي بعض اليهود كملكيات خاصة. وتضيف ان اليهود لم يكونوا يملكون اكثر من 6 ـ 7% من اراضي فلسطين قبل قرار التقسيم 181 الصادر عن الامم المتحدة عام 1947.


وفي ابواب اخري تدخل المؤلفة الي اعماق النفس البشرية ليهود اسرائيل حتي اليساريين منهم، وهنا لا تقصد السياسيين فقط، لتفضح ثقافة عنصرية عند الاكثرية وثقافة ديمقراطية عرجاء عند البعض الآخر، تستند الي:

ـ اما انكار كامل لوجود الشعب الفلسطيني كما ورد في الشعار الوارد اعلاه وكما كرره القادة العبريون وفي مقدمتهم غولدا مائير علي مسمع ومرأي العام بانه لا وجود لشعب اسمه شعب فلسطين الشيء الذي خدعت به المؤلفة قبل مجيئها الي فلسطين، والتي لمسته علي ارض الواقع في سنواتها الاولي التي عاشتها في تل ابيب.

 
ـ وجود فيزيائي لا يحمل اي معان انسانية لدي الحكومة الاسرائيلية ولا حتي لدي المواطنين اليهود. فالدولة لا زالت تصادر الاراضي وتحول الفلاح الفلسطيني الي عامل غير فني وتمنعه من البناء علي ارضه المتبقية واذا فعل تهدمه الشرطة بحجة عدم الترخيص، وتطرد البدو من مكان لآخر، ولا تقدم الخدمات للتجمعات الفلسطينية كما هي لليهودية. وتدعم الكاتبة اقوالها بامثلة عديدة كعدم وجود جامعة عربية حتي اليوم، وان بلدية الناصرة العربية تحصل علي حوالي خمس الميزانية المالية التي تحصل عليها بلدية الناصرة العليا اليهودية، التي تضم عددا من السكان لا يساوي اكثر من ربع سكان الاولي. وعشرات وعشرات من الامثلة.


ـ سهولة تعامل القانون الاسرائيلي مع من يقتلون الفلسطينيين مثل ما حصل في كفر قاسم سنة 1956 وحوكم القتلة بدفع بعض القروش القليلة كغرامة مالية، وفي يوم الارض علي ارض سخنين عام 1976 وفي يوم انتفاضة الاقصي عام 2000 حيث قتل العشرات علي يد الآلة العسكرية الاسرائيلية

 
ـ وان ما يسمي بقانون العودة الذي يعطي الحق لكل يهودي في العالم بالهجرة الي الدولة اليهودية والحصول علي جنسيتها ولا يسمح لفلسطيني واحد بالعودة الي بيته وارضه ومصنعه، هو قانون عنصري بحت. وتذكر الكاتبة ان سيدة، قرأت عن تجربة الكاتبة في الصحف وعمرها ثمانون سنة، خابرتها هاتفيا وقالت لها، ص 166، اتعلمين بان ما نمارسه ضد الفلسطينيين هو نفسه ما مورس ضدنا في اوروبا.
وتري السيدة ناتان، بعد ان اعطت رأيها بالحل علي اساس دولتين او علي قاعدة دولة واحدة بقولها:
لا يمكن ابدا ان يحصل سلام دائم قبل ان تعترف اسرائيل بحق الفلسطينيين بالعودة ص 169...... لا يمكن العيـــش المشترك بينــــــنا قبل ان تتحقق العدالة والمســــاواة الكاملة بين العرب واليهود امام القانون ص 175.
وفي مكان آخر من كتابها تعرض سوزان ناتان للقارئ الذي لا يعرف تاريخ القضية الفلسطينية، بصورة مقتضبة اهم المفاصل في القضية منذ الحرب العالمية الاولي حتي يومنا هذا مرورا بحرب عام 1948 التي تم فيها ذبح وتشريد الجزء الاكبر للشعب الفلسطيني وهدمت قراه وسرقت اراضيه وبنيت التعاونيات التي تدعي بالكيبوتزات والموشاف وغيرها والادعاء بانها، اي اسرائيل، قد قلبت الصحراء جنة موعودة لتخدع ملايين اليهود في العالم.
وتحت عنوان المجتمع المصاب برضوض نفسية تتناول الكاتبة امثلة عديدة عن عناصر الجيش الاسرائيلي وطرق تعامله مع الفلسطينيين داخل الخط الاخضر وفي المناطق المحتلة. وتذكر احصائية بان 43 جنديا اسرائيليا انتحروا عام 2003 و ان الكثير منهم يتحدثون جهارا عن كراهيتهم للعرب ص 199.
وتري الكاتبة اخيرا ان اسرائيل تواجه مشكلة مفصلية كبيرة تحاول الالتفاف عليها دون فائدة. فالديمغرافيا الفلسطينية، المتزايدة بتسارع يفوق مثيلتها عند اليهود، تهدد استمرارية وجود الدولة اليهودية. وتفند الكاتبة المشكلة حسب التوزع الجغرافي للفلسطينيين.
ـ الفلسطينيون الذين تحتويهم الدولة ويناضلون من اجل الحصول علي عدالة ومساواة كاملة بينهم وبين يهود الدولة.
ـ الفلسطينيون تحت الاحتلال ويناضلون من اجل الاستقلال المر الذي سيخلق دولة مجاورة معادية ومنافسة.
ـ فلسطينيو الشتات الذين لن يكفوا عن المطالبة بحقهم المشروع في العودة الي ديارهم وقراهم وممتلكاتهم.
تميز الكتاب بتناوله معاناة فلسطينيي مناطق 1948 والرؤية التي يختزنها اليهودي الاسرائيلي تجاه الانسان الفلسطيني، وذلك علي يد انسانة ـ بكل ما تحمله الكلمة من معني ـ يهودية، وامثالها قلائل، تجردت كليا من الرؤي العنصـــرية نتيــجة تجاربها مع والديها واجدادها في اوكرانيا وفي جنوب افريقيا وفي اوروبا، وما قرأته عن معاناة اليهود والسود والفلسطينيين علي يد العنصريين، وما سمعته وما شاهدته. وان الكاتبة تناولت كشف ونقد من يسمون باليساريين في المجتمع الاسرائيلي من خلال لقاءات وحوارات جرت معهم

.
صحافي فلسطيني مقيم في السويد

 

****

 

 

تأثير اسرائيل وادواتها علي الاعلام السويدي

 رشيد الحجة
 

2006/10/10
qudsarabi

في اطروحته لشهادة الماجستير يتحدث الباحث يوهانيس فالستروم عن الكيفية التي تنتهجها اسرائيل في ممارسة الضغوط علي مراسلي الاعلام السويديين لدي نقلهم الاخبار عما تقوم به اسرائيل تجاه الفلسطينيين في الاراضي المحتلة التي تعتبر المنطقة الاكثر تغطية في العالم، وعن ممارسة اللوبي الصهيوني والاسرائيلي وباشراف السفارة الاسرائيلية في السويد من خلال ملاحقة كل من تسول له نفسه طرح ولو كلمة ناقدة او محرجة لاسرائيل.
ففي تقريرها السنوي لعام 2002 ذكرت جمعية مراسلون بلا حدود حول حرية الصحافة في العالم بان اسرائيل تعد الدولة رقم 92 من بين ال 132 المحتملين في قمع هذه الحرية، حيث تمارس الإبعاد والقتل للصحافيين في مكان الخبر والملاحقة وتشويه السمعة فيما بعد في مكان النشر.

في مكان الحدث، فلسطين المحتلة
عادة ما تكون الاوامر التي تحدد حرية حركة الصحافيين مدعومة من قبل الدوائر التي تراقب الصحافة في اسرائيل بالتعاون مع السفارات الاسرائيلية واجهزة المخابرات وقيادة الجيش. فعلي الصحافي السويدي الذي سيسافرالي المنطقة ان يتقدم بطلب للسفارة الاسرائيلية في ستوكهولم التي تعود بدورها لارشيفها لمراقبة ما نشره هذا الصحافي سابقا ولارشيف مخابراتها لمعـــرفة توجهاته السياسية.
بعد الوصول الي المناطق الفلسطينية المحتلة يتوجب علي الصحافي التقدم بطلب تصريح لدخول موقع ما للحصول علي بطاقة صحافية محلية. وعليه ايضا ان يوقع علي موافقته لعرض مواده علي الرقابة الحكومية مما يعرض المخالف للمساءلة. رغم هذا يتعرض الصحافي احيانا في الموقع ذاته لضغوط تمارسها النقطة العسكرية عليه كطلب التاكد من صحة التصريح.
يفيد مراسل التلفزيون السويدي لما يزيد عن 20 سنة بيتر لوفجرين: اذا اردت فانك تستطيع الالتفاف علي الحواجز العسكرية لكن ذلك يعرضك للطرد او الحبس اذا كشف امرك.. وقد تعرضت شخصيا لاطلاق النار عدة مرات من قبل الجيش الاسرائيلي. وعندما يهاجمني المستوطنون يقف الجنود مكتوفي الايدي ينظرون.

في مكان نشر الخبر، السويد
ان تحديد حرية حركة الصحافيين في المناطق المحتلة يؤدي الي عدم ذهاب الصحافي الي موقع الحدث، الامر الذي يضطر بعضهم للاكتفاء بما يورده الاعلام الاسرائيلي او غيره ممن يستخدم اللغة الانكليزية. واذا تمكن احدهم من تهريب مادته الاعلامية وتوصيلها الي السويد فان بعض الصحف الكبري لا تجرؤ علي نشرها. يروي في ذلك المصور الصحافي السويدي دونالد بوستروم، الذي قام الجيش الاسرائيلي بمصادرة كاميرته وتهديده، ولكنه تمكن بطريقة ما من تهريب بعض الصور التي تفضح اسرائيل في قطعها لاحشاء من قتلتهم من الفلسطينيين وسرقتها قائلا بان جريدة داجينز نيهيتر ، (اخبار اليوم)، لم تجرؤ علي نشر تلك الصور معللة ذلك بان الصحيفة لا تريد المتاعب. لكن بوستروم نشر مادته فيما بعد في كتابه الذي عنونه باسم، ان شاء الله، حيث تعرض بوستروم علي اثرها لحملة مضايقات هاتفية ورسائل تهديد علي مدي شهور طويلة.
اما مراسلة جريدة سفنسكا داج بلاديت الصحافية اليهودية كورديليا ارفيدسون، التي كانت تعتبر من اهم الاعلاميين المؤيدين لاسرائيل، اصبحت توصف من خلال ردود الفعل المكثفة لما كتبته عن مشاهداتها اليومية بانها مؤيدة للفلسطينيين.
في حين تسلمت الصحافية لوتا شولكفيست بحدود عشر رسائل الكترونية غاضبة يوميا لمجرد نشرها خبرا مفاده ان المستوطنين الاسرائيليين يسممون المياه التي تصل الي المزارعين الفلسطينيين.
مما تقدم يستنتج القارئ بان اسرائيل وادواتها تتابع صاحب الخبر او الصورة القادمة من فلسطين علي الساحة السويدية. فقد تعرضت مثلا مراسلة الاذاعة السويدية السيدة سيسيليا اودين للمساءلة ومحاولة الطرد من عملها نتيجة انتاجها الصحافي بتهمة عدم التوازن في اخبارها. وتعلق اودين علي ذلك قائلة: كي يتمكن المرء من وصف النزاع باخلاقية مهنية عالية لا يمكنه الا ان ينحاز للطرف الاضعف.. ان النزاع هناك ليس بين طرفين متناظرين بالقوة، فلا يمكن للمرء ان يكون متوازنا.
ويتناول مراسل وكالة الانباء السويدية ستيفان يرتين جانبا آخر من المسألة حين يقول ساخرا: نجلس يوميا في رئاسة التحرير ونقيم فيها حياة الاسرائيليين باعلي مما هي عليه حياة الفلسطينيين! ثم يصف الملاحقات التي يتعرض لها نتيجة ما ينقله بانها تشتمل علي التهديد وعلي ردود الفعل الغاضبة وتشويه السمعة من قبل اصدقاء اسرائيل. وقد جمع يرتين ملفا يحتوي علي كافة المقالات الحوارية ومقالات القراء التي كتبت ضده وضد وكالة الانباء السويدية ت ت التي يعمل بها. ويضيف: لقد جمعنا قائمة باسماء الذين كتبوا فتبين انهم من جماعة الضغط الصهيونية ولا يزيد عددهم عن 22 شخصا، معظمهم معروفون علي الساحة الاعلامية السويدية بانهم اسرائيليون او اصدقاء لها. ويعلق ستيفان يرتين انهم لا يشكلون ثقلا فاعلا في تشكيل الراي العام السويدي، واستشهد باستطلاع الراي الذي اجري في عام 2004 بان 80% من السويديين ينتقدون ما تقوم به اسرائيل من اجراءات في المناطق المحتلة.
وما يجدر ذكره هنا هو ان التهمة الجاهزة لمن ينتقدون سلوكيات اسرائيل هي انهم لاساميون! وتؤكد الصحافية لوتا شولكفيست ذلك مقتبسة من اقوال احد المؤرخين الاسرائيليين: بان اللاسامية سيف اسرائيل المسلط علي رقاب الاوروبيين.
ان حملات اسرائيل وادواتها ضد الاعلام السويدي وكذلك الدولي يضطر الصحافيين بكافة اختصاصاتهم لمراجعة موادهم مرات ومرات لاستخدام التعابير والمصطلحات المناسبة وتجميل او حذف ما امكن حتي يتمكنوا من النشر والاستمرار في اعمالهم والحفاظ علي حياتهم خوفا من عصا وسيف اسرائيل وادواتها. في حين يتناول الكثير من الصحافيين الدوليين بما فيهم العرب تعابير قاسية ضد العرب والمسلمين دون وجل. ولان العرب والمسلمين جميعهم لا يلوحون ولو بقشة، فان ذلك يعرضهم للتطاول عليهم كما جري مؤخرا علي لسان البابا بنيديكت

.
صحافي فلسطيني يقيم في السويد
8

www.safsaf.org