كانت حدثاً مهماً في معظم رواياته
"الجريمة في أدب محفوظ" قراءة لخلل المجتمع

 

 

تحقيق: شريف رضوان

 

توخي معالم "الجريمة" وتقصي ملامحها الظاهرة والخفية في تجربة إبداعية ضخمة زاخمة؛ هي تجربة أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ؛ لا يعني بأي حال من الأحوال مجرد التفتيش السطحي عن هيكل قصة أو رواية بوليسية في منظومة أعماله، حتى وإن أسفر هذا التفتيش عن عثور المفتش على ضالته بين مئات القصص وعشرات الروايات المحفوظية، فالرجل لم يكن معنياً بالانصراف إلى كتابة "رواية الجريمة" كنمط إبداعي بقدر ما شغلته "الجريمة" ذاتها؛ بلحمها ودمها؛ ليكون لها حضور بارز في قصصه ورواياته خلال مراحله الإبداعية المتتالية. وعني نجيب محفوظ بالجريمة ليس من قبيل الاحتفاء (الفني) بها في حد ذاتها، لكن لأنها لازمة (حقيقية) من لوازم الواقع الاجتماعي في مصر، ونقطة سوداء في خرائط المجتمعات البشرية كلها منذ أقدم العصور. ومثلما أن للجريمة مساحة من حيز الواقع، فهي لها مساحة معادلة في الأعمال الإبداعية الواقعية، أو الأعمال المنطلقة من الواقع، بغض النظر عن تقنياتها الفنية وآلياتها التعبيرية. وإن “الجريمة” في أدب نجيب محفوظ باختصار؛ بوصلة لقراءة “خلل المجتمع” و”انحراف الفرد”.حضور نجيب محفوظ في أعماله الإبداعية كمؤلف ليس ببعيد عن حضوره كراوٍ للأحداث، وهذه الأحداث تتسع للجريمة بطبيعة الحال، بل إن الجريمة من أخصب الأحداث التي تستحق الدفع إلى مسطح العمل الإبداعي، خصوصاً العمل الروائي. والأحداث، كما يقول أمين مازن في كتابه “دوائر الزوايا المتداخلة”، تختزن عادة في ذاكرة الكاتب، سواء وهو يعيش الحياة اليومية، أي إسهامات أفراد، أو عبر تأمله للواقع وتخيله إياه. وقد يكون من الصعوبة، إن لم نقل الاستحالة، أن يفرق المرء بين ما يختزنه الكاتب من تجارب الحياة، أو من واقع التخيّل. لأن الأمرين يعكسان في النهاية نوعية اختياراته، ويؤكدان طريق اهتمامه. فما يقدمه الكاتب في نهاية المطاف هو الحصيلة النهائية لمعاناته إزاء الواقع. ذلك أن التخيل يجسد طريقة التصور، والاختزان يعكس مدى الاستجابة الحقيقية لما جرى في الزمن الماضي بهدف الحنين إلى استعادته في المستقبل.ولقيت الجريمة التفاتاً جلياً من نجيب محفوظ على كافة مستوياتها التأويلية؛ فمن الوجهة اللغوية: الجريمة هي “ارتكاب الْجُرْم”، والجرم هو التعدي على العلاقات والروابط الإنسانية بما تشمله من معان قانونية واجتماعية وإنسانية. ومن الوجهة الاجتماعية: الجريمة هي كل فعل أو امتناع عن فعل يتضمن “مخالفة واجب” على الفرد، وهذا “الواجب” يتضمن واجب الطاعة والولاء للدولة، ذلك الواجب الذي يتصل بالعلاقة التي تربط الفرد بالدولة، فالجريمة من هذا المنظور تعني عملاً فيه عصيان لأوامر الدولة وسلطتها. ومن الوجهة القانونية: الجريمة هي كل عمل أو امتناع عن عمل يحرمه النظام القانوني ويقرر له جزاء جنائياً هو العقوبة، وتطبقه الدولة عن طريق الإجراءات القضائية التي رسمها المشرع. وهناك رؤى وتأويلات متعددة أخرى للجريمة، فمن الوجهة الأخلاقية قد تكون هناك جرائم متعلقة بالسلوكيات المنحرفة والملتوية للبشر، وتبقى هذه الأفعال جرائم حتى وإن لم يجرمها القانون، وكذلك من الوجهة الشرعية هناك تصرفات متعددة تعتبر من الجرائم، حتى وإن ارتكبها الفرد في حق نفسه، كالانتحار على سبيل المثال. وانطلاقاً من هذه التأويلات المتعددة للجريمة، يمكن الجزم بأن حضور الجريمة بالغ الكثافة والدلالة في تجربة نجيب محفوظ الإبداعية الممتدة.وعلى الرغم من أن أغلبية أعمال نجيب محفوظ التي تستوعب “الجريمة” (بمعانيها المتعددة) لا تندرج فيزيائياً في خانة “رواية الجريمة”؛ ذلك النمط الأدبي الذي ذاع صيته في بدايات القرن العشرين في أوروبا، فإن كثيراً من النقاط المشتركة تبدو بين كيمياء “رواية الجريمة” كتيار عالمي وبين كيمياء الروايات والقصص “المحفوظية” التي تتسع للجريمة، ومن هذه النقاط المشتركة: أن الهدف من هذه الأعمال وتلك هو الكشف عن الكثير من الفضائح والسلبيات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية على حد سواء، وأن هذه الأعمال وتلك عندما تتناول الجرائم فإنها تكشف عن ملابساتها وتحلل الدوافع المتعددة للأشخاص الذين يرتكبونها (دوافع نفسية، دوافع اجتماعية وغيرها)، وتصور الضغوط التي مورست على الشخص ليتحول إلى مجرم باعتبار أن الأصل هو أن المجرم لا يولد مجرماً، وأن كثيراً من هذه الأعمال وتلك تتناول مصير المجرم في نهاية المطاف، وتبرز “العقاب” الذي يستحقه، سواء كان قدرياً أو بشرياً. وعلى الصعيد الفيزيائي أيضاً، يمكن ملاحظة أنه قد تتلاقى “رواية الجريمة” والروايات والقصص المحفوظية جزئياً في بعض المظاهر، فأسلوب البناء الهرمي الذي توخاه نجيب محفوظ في بعض أعماله (أقصوصة الحب فوق هضبة الهرم مثلاً) لا تختلف طبيعته كثيراً في واقع الحال عن تكنيك بناء الكثير من روايات الجريمة العالمية أو الروايات البوليسية، بحيث يؤدي الفعل الصاعد الذي لا رجعة فيه إلى توتر لا يكاد يُحتمل، ثم تزيل المعرفة النهائية التوتر بمفاجأة متفجرة، في حين يزيل حل العقدة التباس كل شيء نهائياً، وينفرج الموقف.وبالالتفات إلى بعض أعمال محفوظ، نجد أن ملامح الجريمة في رواية “زقاق المدق” (1947) على سبيل المثال تتجلى بتأويلاتها المتعددة، فهذا الزقاق هو المسرح السوداوي الذي عرض عليه نجيب محفوظ صورة مصغرة لانهيار أخلاقيات المجتمع المصري في الأربعينات من القرن العشرين، تأثراً بالحرب العالمية الثانية والأزمات الشاملة الناجمة عنها، فضلاً عن الانكواء باستراتيجيات الاحتلال البريطاني. وإذا كان أشخاص الرواية (وكثيرون منهم أجرموا في حق أنفسهم وفي حق الآخرين) آلوا جميعاً إلى حالة من الضياع في آخر الأمر (العقاب الجماعي على جرائمهم)، فإن المقصود بذلك هو تصوير ضياع المجتمع كله بصفة عامة، والبرجوازية الصغرى والطبقات الدنيا تحديداً، في تلك الفترة التاريخية الدقيقة.

لم يكن الزقاق مجرد مكان يتسع أحداث الرواية، وإنما كان رمزاً صغيراً للوطن الكبير الذي يخوض دون وعي كاف غمار التحديث إبان ويلات الحرب العالمية الثانية. وربما كانت “زقاق المدق” من أكثر روايات نجيب محفوظ زخماً وامتلاءً بالإسقاطات والتلميحات والجرائم، فها هو “عباس الحلو” يستمع إلى نصيحة حسين كرشة ويهجر صالون الحلاقة سعياً وراء العمل في الجيش البريطاني المحتل وتحقيق المكسب السريع، وها هي “حميدة” ذات الفستان الدمور والملاءة القديمة الباهتة والشبشب الذي رق نعلاه تحترف البغاء، تبدو “كأنها امرأة جديدة ولدت في أحضان النضارة ونمت وترعرعت في مطارف الجاه والنعيم”، وكانت من قبل “لا تركب في حياتها إلا العربة الكارو”، وتعتبر التاكسي “من عجائب الدنيا السبع!”. لقد امتلأ الزقاق في تلك الحقبة بالشخصيات غير السوية (المنحرفة أو المجرمة)، فالمعلم كرشة تاجر مخدرات، وحميدة محترفة دعارة، وزيطة يتلذذ بعمل العاهات لراغبي التسول، وعباس الحلو وحسين كرشة يتجهان إلى العمل مع الإنجليز، وفرج إبراهيم يتاجر بالأعراض مقابل بضعة دولارات.. إلى آخر هذه الشخصيات المشوهة نفسياً بفعل ظروف البلاد في المراحل الأخيرة من الحرب الضروس.

وكانت الحرب بآثارها المادية والاجتماعية أول محرك لمأساة الزقاق وتفجير العديد من الجرائم والانحرافات، وهذا ما أدى بحميدة إلى الانحراف كما يرى الدكتور طه وادي في كتابه “صورة المرأة في الرواية المعاصرة”، وأدى إلى قتل عباس الحلو، وإلى تشرد حسين كرشة وزوجته وأخيها. وإذا كانت الحرب فساداً جلبه المحتل الأجنبي، فهناك عامل آخر محلي وهو الانتخابات المزيفة (وهذه جريمة مجتمعية أخرى)، فالمرشح الذي ساوم المعلم كرشة على أصوات الحي، جلب معه فرج إبراهيم الذي قاد حميدة إلى الدعارة، فليس هناك أداة واحدة تعزف نشيد الضياع الذي يشكل مأساة أهل الزقاق، وإنما هي سيمفونية متكاملة ترتل في أنات باكية ألحان البؤس والشقاء والعوامل المختلفة المكونة لها.

وعندما أحس نجيب محفوظ أن رواية “زقاق المدق” امتلأت بالمجرمين الذين أغوى بعضهم البعض، أراد أن يقدم جدلية طريفة في خاتمة روايته لتوضيح المجرم الأصلي، والمجرم التابع، بمعنى: هل حميدة هي المجرمة الأصلية أم أن القواد هو المجرم الأصلي فيما يتعلق باحترافها الدعارة؟ فعندما قال عباس الحلو لحسين كرشة: “لقد تردت حميدة في الهاوية ولا نجاة لها، ولكنني لن أترك المجرم الأثيم بغير عقاب”، رد كرشة قائلاً: “حميدة هي المجرمة الأصلية، ألم تفر معه؟ ألم تستسلم له؟ أما هو، فماذا نؤاخذه به؟!”.

وفي “اللص والكلاب” (1961) هناك حشد ضخم للجرائم من سرقة إلى خيانة إلى قتل، فنبوية زوجة سعيد مهران وأم ابنته سناء نبتت في طينة نتنة اسمها الخيانة، فتخلت عن زوجها وهو في سجنه، وتزوجت من عليش ذلك الخائن الآخر الذي كان يتمسح في ساق سعيد مهران كالكلب الذليل حتى تعلم كيف يقف على قدميه. وسعيد مهران منذ الصفحة الأولى في الرواية لا يشغله سوى التفكير في الانتقام من الاثنين وقتلهما لخيانتهما له واستيلائهما على أمواله وابنته. وهناك الخائن الثالث لمبادئه، وهو الصحافي رؤوف علوان الذي كان يشجع سعيد مهران قبل دخوله السجن ويبارك سرقاته بدافع أنها تسهم في تحقيق العدالة بين البشر، فإذا به يتخلى عن اللص الذي صنعه واثباً إلى الأنوار والمرايا. لقد تكالبت الظروف والملابسات إذاً على سعيد مهران لتدفعه دفعاً نحو الجريمة بدافع الانتقام، بعد أن هده اليأس من الحياة عقب الخروج من السجن وضياع الابنة والأموال: “هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها التراب.

وفي “الطريق” (1964) ينطلق نجيب محفوظ نحو بلورة وتجسيد الدوافع القوية التي تدفع البطل إلى القيام بجريمته (القتل) في إطار اجتماعي محدد، كما يتجلى في هذا العمل الربط الواضح بين الخطيئة والجزاء كما يوضح الباحث دلور ميقري في دراسة مهمة له حول هذه الرواية. وتلقى البطل صابر إشارة تحفزه على الاختيار، وإن توجهه إلى القاهرة للبحث عن أبيه المفقود؛ عملاً بوصية الأم قبل رحيلها؛ يمكن اعتباره افتراضاً الحافز الأول لفعل التغيير أو الجريمة. أما الحافز الثاني؛ وفقاً للباحث؛ فيتمثل في علاقة البطل مع كريمة؛ زوجة العجوز خليل أبو النجا، صاحب الفندق. فهذه المرأة؛ التي ستصبح أيضاً شريكة الفكرة المتمثلة بالجريمة؛ كانت لا تكف عن بث علامات استفهام مستفزة إرادة عشيقها. إنها تهمس له في أحد لقاءاتهما السرية عن جدوى التعلق بجهاز التليفون انتظاراً لخبر ما عن الأب المختفي: “لا رأيَ عندي، ولكنه حلم كالتليفون، أن أرث سريعاً الفندق والمال المودع باسمي، وأن نعيش معاً إلى الأبد”. لقد راودت الفكرة أو حلم اليقظة بطلي الرواية في القيام بالجريمة إشباعاً لرغبة كل منهما في اكتساب الثروة تحقيقاً لطمأنينة الحياة. لقد اجتمعت إذاً الشروط المتطلبة لإنجاز الجريمة، من فكرة وحلم وضياع نفسي وانحلال أخلاقي وانعدام الأمل في مثل هذه الأوضاع، فضلاً عن رصيد صابر الكبير من التغرب عن الوسط الذي يحيا فيه “كان يعتبر أفراد المجتمع الذي نشأ هو بين ظهرانيه أعداءً، فيما كان هؤلاء ينظرون بسخرية إلى تكبّره وتعاليه عليهم”، إضافة إلى معاناته الطويلة من الصرع. وبالفعل يقتل صابر العجوز بعد أن اختبأ تحت سريره بالاتفاق مع الزوجة الخائنة. وفي صباح اليوم المشرق على سقوط ضحيته، يعود صابر إلى الفندق فيجد رجال البوليس في انتظاره، ولكنه يعلم من الخادم أن هؤلاء قد قاموا بالتحقيق مع جميع النزلاء، ومع ذلك يجتاحه الاضطراب خلال انتظار دوره في التحقيق، لدرجة تهيأ له فيها أنّ المحقق شبيهٌ للرحيمي؛ والده المفقود! ويسير اتجاه التحقيق مع صابر على نسق التوصل التدريجي إلى حلّ العقدة بناء على بعض الشواهد والقرائن التي يستدل بها رجال البوليس على إدانة صابر، ثم يترك رجال البوليس صابر بهدف أن يتخلى عن حيطته ويتصل بعشيقته كريمة، فيتم ضبطهما معاً وإدانتهما لينالا جزاءهما العادل.

وفي “بداية ونهاية” (1949)، فإن الحدث الافتتاحي هو موت الأب العائل الوحيد للأسرة الفقيرة، والحدث الختامي هو انتحار الابنة نفيسة بتحريض من شقيقها الضابط حسنين، وموت حسنين معنوياً وتهشم أحلامه على صخرة الفضيحة الكبرى وتفكيره الجاد في الانتحار. وما بين الموت الاستهلالي والموت الختامي هناك سلسلة من الجرائم والانحرافات التي أدت إلى هذه المصائر: موت نفيسة المادي، وموت حسنين المعنوي، وضياع حسن الابن الأكبر الذي صار مجرماً عتيد الإجرام مطارداً من البوليس.

أراد محفوظ في هذه الرواية “بداية ونهاية” أن يثبت أن الفقر وحده لا يمكن أن يقود إلى الجريمة أو الانحراف، وإن كان من أقوى الدوافع، فحسين؛ الذي يكبر حسنين بعام؛ لم يدفعه الفقر إلا إلى التضحية، فتخلى عن استكمال تعليمه، وعمل بالشهادة المتوسطة في طنطا، وتحلى بروح مثالية جعلته الابن المفضل عند الأم (نموذج الشخصية القوية الحكيمة)، فإذا به يرتبط ببهية، الفتاة التي خطبها حسنين ثم تخلى عنها بنذالة. فالفقر وحده لا يصنع مجرماً أو منحرفاً، لكن الخصائص الشخصية والدوافع النفسية هي التي تجعل استجابة الفرد للفقر سلبية أو إيجابية.

وفي “الحب فوق هضبة الهرم” (1979)، تتصاعد الأحداث من بداية الأقصوصة تدريجياً على نحو هرمي لتنتهي بجريمة من نوع خاص للغاية تأخذ سمتاً أسطورياً، فالشاب والشابة المتزوجان حديثاً في السر، واللذان فشلا في اقتناص لحظات الحب بمعزل عن الرقباء، واللذان يخشيان من افتضاح أمرهما، يقرران ممارسة حياتهما الزوجية في مكان عام هو “هضبة الهرم”، ويدفعان “رشوة” للشرطي مقابل أن ينصرف بعيداً عنهما! ويسرد الروائي المحنك كيف دفعت ظروف الواقع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هذين البطلين نحو هذه التصرفات الشاذة (الزواج سراً، الالتقاء سويعات في غرف الفنادق)، ويبرر إتيانهما هذه التصرفات بأنهما يتعلقان بخيوط الجنون بعد أن وجدا حبال العقل واهية.

لقد كان علي عبد الستار؛ بطل “الحب فوق هضبة الهرم”؛ في بداية الأمر مواطناً بدرجة مقبولة، وإنساناً بدرجة لا بأس بها..، على حد تعبير محفوظ. شهد رأسه “حواراً طويلاً عن الفقر والتخلف والسلام والديمقراطية والتموين والمواصلات والطرق، وبه أيضاً موضع لهموم الأسرة الكبيرة، كالصراع بين الشرق والغرب، تلوث البيئة، نضوب المواد الأولية، العلاقة بين العالم المتطور والعالم الثالث، احتمالات الحرب النووية..”، ولكن صاحبنا بعد أن التحق بالوظيفة الرسمية الروتينية “فتر تفكيره وتقهقر وذاب في اللامبالاة”، وبسبب الفراغ والبطالة تضخمت همومه الشخصية.

“أحلام فترة النقاهة” جرائم عصرية

في “أحلام فترة النقاهة” (القصص القصيرة التي كتبها محفوظ منذ عام 1998 حتى رحيله في أغسطس 2006؛ والتي تنبني على أساس أحلام عاينها بالفعل في أثناء نومه)، تتكشف ملامح العديد من الجرائم التي تعبر عن روح العصر الحديث، ومنها جرائم تقوم بها السلطة ذاتها ضد الشعب، وجرائم تقوم بها دول قوية ضد أخرى مستضعفة، وجرائم تُرتكب ضد الإنسانية جمعاء. ومن المظاهر السوداوية في “الأحلام” تلك الحالة من الفظاظة والغلظة الإنسانية في العصر الحديث حيث نهاية الألفية الثانية من عمر البشرية ومطلع الألفية الثالثة، ومع سيادة تلك الغلظة تكثر الجرائم الوحشية، ويصير الملايين في أرجاء العالم ضحايا للفزع والقلق والاضطراب، وتتحول الحروب وميادين القتال إلى معاهد عصرية علمية لتعليم القتلة والسفاحين الجرائم وفنون القتل الحديثة. ومن كثرة جبهات القتال وتعددها في مواضع مختلفة من العالم (وبعضها بالطبع في الوطن العربي والعالم الإسلامي) فإن تلك الممارسات الدموية والأحداث القاسية تغدو أمراً طبيعياً معتاداً لا يستغربه أحد، وكيف يستغرب أحد هذه الممارسات التي يعمل (أصحاب لغة العلم والمنطق) على إضفاء صفة الشرعية والقانونية عليها؟! ويعد الحلم رقم (87) الأكثر تمثيلاً لتلك الأفكار والسمات المستمدة من الواقع، وفيه يقول نجيب محفوظ: “في الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية على كل لسان. ولكني لم أجد موضعاً للاختباء إذ إن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة وطبيبات المرض النفسي. وأصبحت فريسة للقلق، حتى استدعتني إلى حجرتها كبيرة الطبيبات. وقالت لي: الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة في طبيعة القاتل، أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن القتل، لذلك قررت إلحاقه بالمعهد العصري للجريمة. والله ولي التوفيق!”. ويقترن بتلك البشاعة والفظاظة والممارسات الدموية والأفعال الإجرامية (المنظمة والمهندسة) في الواقع الكابوسي إحساس المواطن (وبخاصة في الوطن العربي) بأنه مستهدف دائماً من القوى الخارجية والداخلية التي تتهدده وترغب في سحقه بدون رحمة وبلا أية محاكمة، فيشعر المواطن بأنه فريسة ستقع لا محالة أمام السباع الضارية. ويستوي في هذا الشعور العسكريون والمدنيون في العالم العربي والبلاد المستضعفة المغلوبة على أمرها، فالفرد يحمل هزيمته في قلبه، ويتوقع الموت والغدر في أية لحظة، وينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه بدون جريمة يقترفها وبدون تهمة واضحة. وأثبت نجيب محفوظ هذه الإحالات والإسقاطات في أكثر من حلم في سياق تنويعات وأجواء متشابهة، منها الحلم رقم (106) الذي يقول فيه مركزاً على فكرة إعدام المواطنين دون محاكمة: “غزا الوزارة نبأ بأن انقلاباً قد وقع في الصباح الباكر فتجمع الموظفون حول التليفزيون، واستمعنا إلى البيان الأول، فقال موظف قديم إنه سمع هذا البيان في مطلع شبابه، أما أنا فاكتشفت في زعيم الانقلاب صديقاً حميماً، ومن فرحتي أعلنت الخبر، فيسرني في ضيق بأن الحياة سوف تضحك لي، فقال الموظف القديم إنه قد تضحك لي الدنيا، وقد أعدم بدون محاكمة”.

 

الخليج

www.safsaf.org