| ذكريات يرويها اللواء أركان حرب محمد عبدالرحمن رأفت |
| أسرار وخفايا عمليات القوات البحرية المصرية ضد "إسرائيل" |
|
القاهرة - محمد بركة:
30 عاماً قضاها اللواء أركان حرب محمد عبدالرحمن رأفت بالقوات البحرية المصرية في فترة من أكثر الفترات سخونة وازدحاماً بالمعارك التي رسمت ملامح الخريطة العسكرية وموازين القوى بين العرب و”إسرائيل”. حيث شارك اللواء رأفت في خمس حروب هي حروب فلسطين عام ،1948 والعدوان الثلاثي في 1956 وحرب اليمن وحرب 1967 وأخيراً خاض نصر أكتوبر/ تشرين الثاني في ،1973 وحين تقاعد الرجل كتب مذكراته التي تسلط الضوء على صفحات مجهولة وتضيف تفاصيل جديدة لتاريخ الصراع بين مصر و”إسرائيل”، ولم يكن غريباً أن تركز المذكرات على السنوات القليلة الساخنة بين 1967 و1973 نظراً لدقة وحساسية الصراع والدور الخطير الذي لعبته القوات البحرية في تلك المرحلة الحاسمة.
يستهل اللواء رأفت مذكراته بكشف خفايا وأسرار إغراق المدمرة “الإسرائيلية” إيلات موضحاً أن إيلات كلمة كانت تتردد في فكر كل عسكري للقيادة البحرية، كان هناك إيلات المدمرة السفينة وإيلات الميناء فماذا فعلت القوات المصرية أغرقت المدمرة بضربة خاطفة عبر أربعة صواريخ أصابتها جميعاً في مقتل حيث تسبب الصاروخان الأولان في جعلها حطاماً يرقد على جانبه ثم سقط عليها بعد ساعات صاروخان آخران جعلاها ترقد بقاع البحر إلى الأبد ليتحقق بذلك أمل كل رجل بالقوات البحرية وكل من شعر بمرارة الهزيمة، حيث كانت عمليتا رأس العش ثم إغراق المدمرة إيلات إنذاراً ل “إسرائيل” أن مصر ومن ورائها العالم العربي لن تقبل بالهزيمة وأن المعركة لم تنته بعد كما كانت تعتقد، ولكن “إسرائيل” لم تفهم هذه الرسالة بل كان رد الفعل أن خرجت جولدا مائير رئيسة وزراء “إسرائيل” لتعلن أنها ستوجه لمصر ضربة تجعلها تطلب السلام وكانت بذلك تحاول تهدئة مشاعر الشعب “الإسرائيلي” الذي صعقه غرق المدمرة إيلات.هذه كانت إيلات الأولى، أما الثانية بالنسبة لصاحب المذكرات فهي الميناء الذي هاجمته الضفادع البشرية المصرية مرة واثنتين بل وثلاث مرات متعاقبة بدرجة جعلت الميناء غير آمن لتمركز الأسطول “الإسرائيلي” مما دفع القيادة البحرية “الإسرائيلية” إلى اتخاذ إجراءات صعبة لحماية وحداتها البحرية من شر الضفادع المصرية، فكانت الوحدات تخلي ميناء إيلات ليلاً هرباً من هجمات المصريين بعد فشل البحرية “الإسرائيلية” في منع الضفادغ المصرية من دخول ميناء إيلات وتلغيم الوحدات البحرية وهي راسية بها.أما إيلات الثالثة بالنسبة للواء رأفت فهي زيارته لميناء إيلات وهو أمر لم يكن يخطر بباله على الإطلاق على مدى أكثر من أربعين عاماً منذ أن بدأت الحرب بين العرب و”إسرائيل” عام 1948 وحتى تحقيق السلام بعد حرب أكتوبر.وعن إيلات الأولى يحكي المؤلف أنه قبل يوم 21 أكتوبر بحوالي أسبوع حدث أن أبلغ أحد اللنشات في قاعدة بورسعيد عن عطل في أحد الصواريخ يتطلب ضرورة التخلص من الصاروخ بإطلاقه وفي هذه الحالة يطلق في اتجاه البحر في منطقة خالية من السفن، إلا أنه في الوقت نفسه اكتشفت رادارات القاعدة هدفاً سطحياً يرجح أنه المدمرة إيلات في مدى إطلاق الصاروخ، وتفاءل الجميع بهذه المصادفة التي خلقت فرصه لاصطياد المدمرة المعادية وإغراقها. وتم إخطار القيادة العامة بالموقف مع طلب الإذن بالإطلاق على المدمرة ولكن القيادة رفضت وأمرت بإتمام الإطلاق في منطقة خالية بعيداً عن أي هدف، وكانت خيبة الأمل نتيجة هذا القرار لا توصف.ومرت الأيام والجميع في ترقب، وهذا ما كان صباح يوم 21 أكتوبر، حيث تصادف وجود المؤلف بهيئة العمليات بالقيادة العامة للقوات المسلحة لحضور مؤتمر للإعداد لمناورة تدريبية وأثناء المؤتمر طلبه ضابط عمليات مركز القيادة الرئيسي لمكالمة عاجلة مع السيد رئيس شعبة العمليات البحرية بالاسكندرية وبالطبع هرع إلى التليفون واتصل بالإسكندرية وحدثه رئيس شعبة العمليات العميد محمود فهمي وأمر بالاتصال بقائد قاعدة بورسعيد وإخطاره بخروج لنشات الصواريخ والاشتباك مع العدو في حالة دخوله مياهنا الإقليمية وذلك بصرف النظر عن أي تعليمات أخرى لديه.أدرك صاحب المذكرات المعنى المقصود من هذه الرسالة أنها ولاشك خدعة مهداة للعدو الذي كان المصريون على ثقة أنه يتنصت على الرسائل اللاسلكية وأنه قد تم إخطار قاعدة بورسعيد لا سلكياً بعدم الاشتباك لتشجيع العدو على مزيد من الاستهتار وحتى تكون المفاجأة أكثر شمولاً وتأثيراً.وعندما انتهى المؤتمر أخذ رأفت يتسقط أخبار بورسعيد فوجد الأمور على ما هي عليها دون جديد فتخيل أن العدو ترك المنطقة لسبب ما الأمر الذي أدى إلى هدوء الحالة. وغادر القاهرة إلى الإسكندرية في سيارة شقيق زوجته، وكان الظلام قد خيم على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي وبينما هما في طريقهما أدار رأفت جهاز الراديو وفجأة توقف عند إذاعة الشرق الأوسط وإذا بها تزف خبر إغراق المدمرة إيلات.وتشير المذكرات إلى كتاب اسمه “المعركة الأخيرة للمدمرة إيلات” كتبه إسحاق شوشان الذي كان قائداً للمدمرة التعيسة في رحلتها الأخيرة والتي أصيب فيها بكسر في العمود الفقري، وفي كتابه يروى قصة إصابة المدمرة بأربعة صواريخ تسبب أولها في إحداث عطب بليغ إذ تحطم سطحها والتوى إلى أعلى وكأنه على حد قوله علبة سردين فتح غطاؤها لأعلى ولدرجة أن قاعدة أنابيب الطوربيد والتي يصل وزنها بضعة أطنان قد أصبحت متجهة إلى أعلى وكأنها تحارب الطائرات.ويؤكد العميد شوشان أن السبب في غرق المدمرة يرجع إلى سببين الأول إهمال غير معروف سببه من المخابرات ترتب عليه عدم وصول رسالتين إلى السفينة توضح نوايا المصريين في أثناء وجود السفينة بالقرب من ميناء بورسعيد، أما الثاني فهو إهمال القيادة البحرية تطوير جهاز بدائي يدعى “الأفشلوم”.ومات على حد قول القائد المسكين 47 فرداً وأصيب عشرات إصابات خطرة، ويحكي إسحاق أنه أثناء قيامه بزيارة أسر الذين ماتوا مع إيلات سألته إحدى الأمهات لماذا عدت أنت وقتل ابني؟
ويقول قائد المدمرة المنكوبة إن الروح المعنوية في السلاح البحري “الإسرائيلي” أصبحت متدنية للغاية بعد غرق إيلات ثم كارثة الغواصة داكار.
إيلات الثانية
إيلات هو الميناء الذي يبعد عن مقرات وحدة المؤلف بالإسكندرية بضع مئات من الأميال ولكن القوات المصرية أغارت عليه ثلاث مرات بالضفادع البشرية وبنفس المجموعات تقريباً وعادوا جميعاً إلى الوطن فيما عدا واحداً استشهد في العملية الأولى بسبب أزمة قلبية وتم إعادة جثمانه ودفن في أرض الوطن.
ويتساءل البعض لماذا إيلات بالذات لماذا لم تتم الإغارة على حيفا مثلاً؟، والإجابة تتلخص في نقطتين الأولى أن المصريين خططوا للإغارة على الموانئ الأخرى ضمن العمليات الشاملة والنقطة الثانية هي أنهم كانوا وراء ناقلة الجنود “الإسرائيلية” بيت شيفع التي شاركت في عملية الإغارة على جزيرة شدوان وساحل خليج السويس، ورصدت هذه السفينة متمركزة في مرسى شرم الشيخ فتم دفع المجموعات على الفور لتنفيذ خطة كانت معدة لهذا الغرض، إلا أنه في صباح يوم التنفيذ ورد بلاغ عن وصول السفينة بيت شيفع لميناء إيلات الأمر الذي يستدعي طبعاً وقف تنفيذ الإغارة على شرم الشيخ، وتصادف أن كان قائد القوات البحرية ورئيس شعبة العمليات بالبحر ظهرت إحدى المدمرات لحضور بعض التدريبات، ولم يكن من الممكن إلغاء العملية دون إذن من القائد، فكان على عبدالحميد رأفت أن يخطره بطريقة لا تفصح المخطط فأرسل إليه على ظهر المدمرة الإشارة التالية “شوهد محمد عبدالشفيع بالعقبة أمس تعليمات سيادتكم بخصوص هيمن كان النقيب هيمن قائد اللنش الذي سيتولى نقل الضفادع وبالطبع فهم القائد ما يعنيه رأفت فألغيت العملية في آخر لحظة، ولم تتوقف عمليات متابعة الناقلة إلى أن ثبت أنها تتمركز لفترات طويلة بميناء إيلات مما يتيح فرصة مهاجمتها بالضفادع البشرية، وقد كان فتم إرسال مجموعات الضفادع بقيادة البطل اللواء رضا حلمي وكان برتبة رائد في ذلك الوقت وكان عبدالحميد رأفت أحد ثلاثة على الأكثر بالقوات البحرية على علم بهذه العملية.
يقول المؤلف: لاحظت زوجتي أنني كنت أعود من عملي وأجلس على مقعدي وأنا سارح “كما كانت تقول” في ملكوت آخر ولكني في واقع الأمر كنت أتابع في خيالي ما يفعله أبطالنا المجتمعون بالعقبة في تلك اللحظة، كانت كل أفكاري وحواسي تستعرض ما سيقابله هؤلاء الرجال من مشاق ومصاعب وكنت أدعو لهم بالتوفيق والعودة إلينا سالمين منتصرين، وأن نسمع عنهم ما يسعد قلوبنا ويرفع من معنوياتنا ويعيد الثقة في إخواننا المقاتلين في كل موقع ومكان، ويؤكد لهم بأننا قادرون على دحر العدوان واستعادة ما فقدناه في غفلة من الزمان خلال نكسة 1967.وفي صباح أحد الأيام وكنت في مكتبي أزاول عملي دق جرس التليفون وكان المتحدث اللواء محمود فهمي قائد القوات البحرية وقال لي في صوت يغلب عليه رنة السرور ياسي محمد “هكذا كان يناديني فيما بيننا” أذيع أن الضفادع البشرية المصرية أغارت على ميناء إيلات وأن انفجاراً وقع في قاع ناقلة البترول الضخمة هيدروما التي كانت راسية بالميناء، واستطرد القائد يقول إن مجموعات الضفادع البشرية في طريقها للعودة سالمة بعد تنفيذ المهمة، ولا أكون مغالياً إذا ما قلت أن قلبي قفز من مكانه عند سماعي هذا النبأ العظيم حيث نجح تماسيح النيل في الوصول إلى العدو في عقر داره وقالوا له رسالة معناها واضح وهي أن السن بالسن والعين بالعين وعلى الباغي تدور الدوائر.وعاد القائد وطلبني في مكتبه وقالي لي إن السيد وزير الحربية طلب منه مقالاً عن هذه الغارة لنشره صباح باكر في جريدة الأهرام على لسان قائد مجموعات الضفادع البشرية، ولما لم يكن قد وصل بعد فعلي كتابة ما أتخيله قد حدث مع عدم الإفصاح عن أسلوب تنفيذها الحقيقي، وجلست وكتبت في أقل من نصف ساعة مقالاً لا يشك من يقرأه في حقيقته على الرغم من أنه كان بعيداً كل البعد عما حدث فعلاً، ووصفت في المقال أسلوب وصول المجموعات إلى مشارف إيلات بالطائرات العمودية التي طارت على ارتفاع منخفض حتى لا تكتشف ثم هبوطها في منطقة نائية على ساحل خليج العقبة ونزول الضفادع بالماء واقترابهم من السفن ووصفت ما شاهدوه طبقاً للمعلومات الفعلية المتوافرة لدي وكيف أنهم رأوا جندي الحراسة على السفينة وكان يغالبه النعاس وقلت إنه لو كان يقظاً لرآنا وأبلغ عنا وربما كان قد ترقى إلى رتبة الجاويش ولكنه كان غافلاً، ثم شرحت كما خططنا اقتراب الضفادع من الهدف وبعض المصاعب التي قابلتهم كما تخيلنا أيضاً وأنهيت القصة بعودتهم إلى الطائرة وإقلاعهم ووصولهم إلى أرض الوطن، وبعد أن قرأ القائد ما كتبت وافق عليه وطلب الوزير الفريق أول محمد صادق رحمه الله وأخطره بأن المقال جاهز وسرعان ما اتصل بي عبده مباشر وأمليت عليه المقال الذي نشر في اليوم الثاني كمقال افتتاحي لجريدة الأهرام تحت عنوان “قائد الضفادع يتكلم” وأخطرني القائد أن الفريق أول صادق اتصل به وأنه ومحمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام آنذاك قد أعجبهم المقال كثيراً.
الحفار
وينتقل صاحب المذكرات إلى واقعة أخرى مهمة في تاريخ البحرية المصرية كان شاهدا عليها وهي واقعة مهاجمة الحفار “الإسرائيلي” بواسطة الضفادع البشرية المصرية في ميناء أبيدجان بساحل العاج والتي تبعد آلاف الأميال عن أراضينا والتي ستظل إلى الأبد واقعة فريدة في موسوعة الحرب البحرية.
ودأبت “إسرائيل” كعادتها منذ احتلالها لسيناء القيام بتنفيذ عمليات الاستيطان والبحث عن الثروات الطبيعية واستخراجها بعمليات تتصف بالسرعة وكأنها تحاول الاستيلاء على أكثر ما يمكن أن تستولي عليه قبل أن تحين الساعة وتنسحب مما احتلته من أراض خلال نكسة ،1967 وكانت أهم هذه الثروات هي البترول بالطبع حيث تغطي مصادر البترول الموجودة في “إسرائيل” 1% فقط من احتياجاتها البترولية لذا فهي تعتمد اعتماداً كلياً على استيراد باقي احتياجاتها، ومن هنا كان اهتمامها الزائد بآبار البترول الموجودة على الساحل الغربي لسيناء منذ احتلالها لها.وفي يوم من أيام صيف عام 1969 وردت لرجال البحرية معلومات عن شراء “إسرائيل” لحفار مستعمل من كندا يدعى “كنت 1”، وكما هي العادة بدأت كل الأجهزة المختصة في دراسة هذه المعلومات وتحليلها من جميع النواحي وتواصل الجميع لعدد من الاحتمالات أهمها: هو أن “إسرائيل” قررت فعلاً إجراء البحث عن البترول واستخراجه من منطقة مرسى القاضي يحيى، وحظي موضوع الحفار باهتمام زائد من جميع الجهات السياسية والعسكرية مما دفع الرئيس عبدالناصر إلى طلب تقرير عن هذا الحفار ونشاطه من إدارة المخابرات العامة، وعندما اطلع عليه كتب بخط يده التأشيرة التالية بالحرف الواحد:
(سامي “يقصد سامي شرف”.. تقوم المخابرات العامة بإغراق الحفار أثناء رحلته من كندا وحتى عدن وفي حالة نجاحه في دخول البحر الأحمر تكون مهمة القوات المسلحة إغراقه قبل وصوله إلى موقع العمل بخليج السويس).وبالطبع أرسلت هيئة عمليات القوات المسلحة صورة من هذا التقرير كاملاً إلى قيادة القوات البحرية انتهت إلى عبدالحميد رأفت بصفته رئيس فرع الخطط للدراسة وعرض المقترحات للتنفيذ طبقاً لما أشار به السيد الرئيس، وحين يستعرض صاحب المذكرات تلك اللحظة يجد أن الموقف كان صعباً، فهناك حفار يسحبه لنش قاطرة قادم من كندا ويحتمل أن يكون الآن في المحيط الأطلنطي ويعلم الله أي موانىء أفريقيا سيقصد إليها للتزود بالوقود، وكيف سيمكن متابعته علماً بأن فترات بقائه في هذه الموانئ لا بد وأن يكون أقصر ما يمكن لدواعي الأمن على الأقل وما الوسيلة لمعرفة موعد وصوله للبحر الأحمر لاستقباله ومهاجمته.ويروي اللواء رأفت كيف تم تكليفه بالسفر من مقر وحدته بالإسكندرية إلى القاهرة للقاء ضابط في مبنى المخابرات العامة اسمه الرمزي “صلاح” دون أن يعرف أي شيء عن مغزى اللقاء يقول: نهض صلاح مرحباً بي بحرارة قائلاً في مودة وكأنه يعرفني منذ قرن أهلاً رأفت لم أرك منذ أن كنا دفعة واحدة في الكلية الحربية وطبعاً تعانقنا في اشتياق وأنا على يقين من أننا لم نتقابل من قبل على وجه الإطلاق، ولكن كان ترحيبه بالطبع لمحة ذكاء أذاب ثلوج عدم المعرفة وجعل اللقاء ودياً أو بدا كذلك يسهل فيه الكلام والتفاهم بطريقة طبيعية، وجلست وتغيرت مشاعري المتحفزة إلى استعداد تام للتفكير والتفاهم على الرغم من عدم معرفتي لما سيطلبه مني صلاح.وأثناء شربنا القهوة قص علي صلاح بعضاً مما واجهه أثناء خدمته باليمن خلال فترة الحرب وكيف نجا من جرعة سامة دسها له أحد مشايخ القبائل في فنجان شوربة عند الإفطار في شهر رمضان وكيف أصيبت سيارته في انفجار لغم أثناء السير في مضيق بين الجبال، ولكن الله سلم وفي الواقع كان حديثه شائقاً وأخوياً للغاية، ومن دون إنذار مسبق وجه إلي سؤالاً عن رأيي في تنفيذ عملية هجوم على سفينة تسير بالمحيط الهادي وتحمل شحنة مطلوب عدم وصولها وعما إذا كان ممكناً وضع أحد لنشات الطوربيد على سطح سفينة تجارية ترفع علماً أجنبياً ونسير بها إلى أن نقترب من الهدف ثم نطلق عليها الطوربيد من اللنش وننصرف دون أن يعلم أحد شيئاً عن الحادث.بالطبع لم يعجبني هذا الرأي لجملة أسباب أولها أنني بحكم تخصصي في أسلحة تحت الماء ومنها الطوربيد إذا أطلق من ارتفاع أكبر من مستوى سطح اللنش، ثانياَ كيف ستعثر على ضالتك المنشودة في المحيط بسهولة مؤكدة ليلاً مثلاً؟
ولم أعلق على السؤال لفترة حيث كنت أفكر ترى ما هو ذلك الهدف وفيما كنت أفكر لمحت على مكتب السيد خريطة لإفريقيا وعلى الفور أدركت أن الهدف لا بد أن يكون الحفار، وطال سكوتي لفترة ثم قلت له في هدوء إن ما تقترحه سيادتك أمر صعب لعدة أسباب فنية وتكتيكية أعرفها بحكم تخصصي فيها ولكن أريد أن أسأل هل تقصد الحفار؟ وكان سؤالي للسيد صلاح مفاجأة لم يستطع إخفاءها وحاول تداركها لفترة ولكنه بعد سكوت قال لنفرض ذلك، وهنا اعتدلت في مقعدي وبدأنا حديثاً طويلاً في ثقة وصراحة واقترحت فكرة استخدام الضفادع البشرية وأوضحت له نقاط القوة والضعف من الناحية الفنية مع التركيز على ضرورة عرض الرأي على السيد قائد البحرية قبل التفكير في هذه العملية، وبطبيعة الحال أخطرت السيد القائد بوقائع المقابلة عندما عدت إلى الإسكندرية ولاقت هذه الفكرة اهتماماً منه وتكررت مقابلاتنا لأكثر من مرة كنت خلالها أجيب عن بعض استفساراته ثم كان لقائي الأخير معه وبصحبتي المقدم خليفة جودت، وفي هذا اللقاء قال لي إن أمين هويدي مدير المخابرات آنذاك يرغب في مقابلتي وذهبنا إلى مكتبه وكان لقاؤه لي طيباً أعرب فيه عن ثقته بأننا سننال الحفار واستعرض مع السيد صلاح بعض المحاذير التي يجب أخذها في الاعتبار.ومنذ ذلك الوقت أصبح لدينا مخططان لإغراق الحفّار الأول بالبحر الأحمر إذا أفلح في الوصول إليه والثاني في أحد الموانئ الإفريقية ويظهر أن فكرة استخدام الضفادع البشرية راقت للرئيس عبدالناصر فكلف بها قائد القوات البحرية لتنفيذها بمعاونة إدارة المخابرات.
alkhaleej |